أميركا وعملية السلام المصرية ـ الإسرائيلية

أميركا وعملية السلام المصرية ـ الإسرائيلية

خبايا تسويات ما بعد حرب أكتوبر 73 في كتاب جديد
الخميس - 11 صفر 1441 هـ - 10 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [ 14926]
أميركا كانت واثقة في عدم قدرة العرب على تغيير الوضع عسكرياً في حرب تشرين 1973
القاهرة: حمدي عابدين
يتناول كتاب «الولايات المتحدة الأميركية وعملية السلام المصرية - الإسرائيلية»، الصادر حديثاً عن هيئة الكتاب المصرية، ضمن سلسلة «تاريخ المصريين»، الدور الأميركي في تسويات ما بعد «حرب أكتوبر»، وما تلاها من مفاوضات واتفاقيات استهدفت إرساء أسس السلام في المنطقة، وتُوجت بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل في 26 مارس (آذار) 1979.

ومع كثرة ما كتبه السياسيون والمحللون، عربياً ودولياً، عن هذه المفاوضات، فإنها ما زالت تجذب اهتمام الباحثين والخبراء، ومن هؤلاء الباحث المصري الدكتور مينا ملاك عازر، مؤلف الكتاب، الذي سعى إلى تركيز أضواء البحث العملي الموضوعي حول ما قامت به واشنطن من تحركات للوصول في النهاية لمشهد ظهر فيه الرئيس المصري أنور السادات، ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وهما يوقعان اتفاقية السلام بمنتجع كامب ديفيد، برعاية أميركية، وبحضور الرئيس جيمي كارتر في ذلك الوقت.

واعتمد عازر في تحليلاته لما جرى من مفاوضات سرية أو معلنة على مذكرات الدبلوماسيين المصريين الذين ساعدوا في إجرائها، مثل بطرس غالي وإسماعيل فهمي وعبد الرؤوف الريدي. ولم يتوقف الباحث المصري عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى الجانب الأميركي، وما ظهر من كتابات ومذكرات وتحليلات عدد من الدبلوماسيين، أمثال ويليام كوانت وهارولد سوندرز، فضلاً عما كتبه عدد من الرؤساء الأميركيين.

وفي تمهيده للكتاب، تناول عازر قرار تقسيم فلسطين عام 1947، والدور الأميركي للحيلولة دون حرب يونيو (حزيران) 1967، ثم الموقف الأميركي بعدها خلال فترة رئاسة ليندون جونسون، وبعده ريتشارد نيكسون، حتى بداية عملية السلام مع الرئيس السادات.

وسعى عازر في الفصل الأول «الدور الأميركي تجاه الحرب والسلام خلال عام 1973» إلى تحليل تغيرات موقف واشنطن حيال عملية السلام، وما قامت به في أكتوبر (تشرين الثاني) 73، وانتهاء بالجهود التي بذلتها لوقف الحرب.

ولفت المؤلف إلى أن الجانب الأميركي لم يكن يريد لعب دور نزيه لإحلال السلام في المنطقة، بسبب استناده للنصر الإسرائيلي في 67، وثقته في عدم قدرة العرب على تغيير الوضع عسكرياً، لذا عمل على وضع شروط تحقق أكبر مكاسب ممكنة لتل أبيب. وذكر المؤلف أن الأميركيين كانوا يريدون توقيع اتفاق مرحلي يعيدون به افتتاح قناة السويس، لكن وزير الخارجية المصري في ذلك الوقت، حافظ إسماعيل، أصر على أن تكون التسوية شاملة.

وأشار عازر إلى أن السادات أدرك هذا البون الشاسع بين موقفي طرفي التفاوض في القاهرة وواشنطن، وأصر على دعم الجيش المصري بالسلاح، اللازم لتحريك الموقف، ودعم موقفه التفاوضي. وحينها، رحب بحضور وفد عسكري سوفياتي للعاصمة المصرية في فبراير (شباط) 1973، لدراسة مطالب المصريين واحتياجاتهم منه. وتلت ذلك زيارة الفريق أول أحمد إسماعيل، وزير الحربية، في مارس (آذار)، إلى موسكو. وقد تمكن خلال زيارته من توقيع صفقة شراء أسلحة متطورة، كما اتفق على تمركز طائرات «ميغ 25»، وسرب استطلاع وإعاقة إلكترونية، فضلاً عن وجود وحدات بحرية بميناء بور سعيد.

فعل السادات كل ذلك فيما استمر في مفاوضاته مع أميركا، وبعث حافظ إسماعيل برسالة لوزير الخارجية الأميركي كيسنجر، في أوائل أبريل (نيسان)، أوضح فيها موقف القاهرة من بعض النقاط التي أثيرت في اجتماعهما الأول، وجاء رد كيسنجر في 11 من الشهر نفسه، مرحباً بعقد لقاءٍ ثانٍ، مما أوجد تفاؤلاً بإيجابية الدور الأميركي، لكن ذلك لم يستمر طويلاً بسبب تصريح لنيكسون بعدها بأسبوع، شكك فيه في قدرة البيت الأبيض على لعب دور مفيد في قضية الشرق الأوسط، وهو ما جعل المصريين ينظرون للأمر على أنه يصب لصالح تل أبيب. وقد شن وقتها السادات هجوماً عنيفاً على مسؤولي واشنطن، في خطاب ألقاه بمناسبة عيد العمال، اتهمهم فيه بأنهم أقروا خطة عدوان يونيو (حزيران)، وأن هدفهم هو الحفاظ على وقف إطلاق النار، ومحاولة التفاوض لتحقق إسرائيل ما عجزت عنه بالحرب.

وتحدث عازر عن الدور الأميركي في أثناء حرب 73، وسعي واشنطن إلى نقل السلاح لإسرائيل، بعد تكبدها خسائر فادحة، باستخدام طائرات تجارية. كما أنها قامت بطمس معالم بعض الطائرات من أجل الغرض نفسه، حتى تخفي الدور الأميركي في تعويض الخسائر الإسرائيلية. وكان ذلك بعد تهديد حكومة تل أبيب باللجوء إلى استخدام السلاح النووي، في حال إصرار الأميركيين على عدم تزويدهم بالسلاح.

ووصف عازر ما قدمه الأميركيون على المستوى العسكري والدبلوماسي من دعم لإسرائيل في أثناء الحرب بأنه يكشف أن الدور الأميركي لم يكن نزيهاً ولا حيادياً، وكيف أنهم سعوا لتأخير وقف إطلاق النار حتى تحسن القوات الإسرائيلية من موقفها على جبهات القتال، وهو ما بدا واضحاً من ردود كيسنجر ونيكسون نفسه على محاولات الرئيس السادات دفعهما لاتخاذ موقف ضد تجاوزات تل أبيب بعد قبول وقف القتال.

وفي الفصل الثاني من الكتاب، يتحدث عازر عن الدور الأميركي في المفاوضات، من مؤتمر جنيف الذي تم عقده في ديسمبر (كانون الأول) 1973 إلى فك الاشتباك الثاني، ثم فض الاشتباك الثاني في سبتمبر (أيلول) 1975.

وبحث عازر في الفصل الثالث الجهود الأميركية للتوصل لاتفاقية السلام، من يناير (كانون الثاني) 1976 حتى أغسطس (آب) 1978. وقد قام بتقديم دراسة تحليلية لمرحلة الجمود، وموقف الإدارة الأميركية الجديدة التي قدمت مبادرة جديدة لإحلال السلام، والدور الذي قامت به لحسمه والوصول إليه.

وشرح عازر في الفصل الرابع «من الاتفاقية إلى المعاهدة» الدور الأميركي في محادثات كامب ديفيد، وأحداث مؤتمر بلير هاوس. وقد قامت واشنطن، حسب الباحث، بإدارة عملية السلام من منظور عالمي، وذلك إبان إدارة الرئيس نيكسون، وسيطرة رجله القوي على الأمور، الذي كان يشغله موقف الاتحاد السوفياتي، وكيف يستطيع أن يكبده خسارة مصر، لكن الرئيس السادات عرف كثيراً كيف يستغله لإحراز أكبر مكاسب لمصلحة مصر.
مصر كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة