غسان سلامة: لعبة تمديد الأزمات في ليبيا ستهدم الهيكل على رؤوس الجميع

قال لـ«الشرق الأوسط» إن البلاد لم تربح من الحرب سوى القتل والانقسام

غسان سلامة (رويترز)
غسان سلامة (رويترز)
TT

غسان سلامة: لعبة تمديد الأزمات في ليبيا ستهدم الهيكل على رؤوس الجميع

غسان سلامة (رويترز)
غسان سلامة (رويترز)

عبّر الدكتور غسان سلامة، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا، عن أمله في وقف إطلاق النار بالعاصمة طرابلس «في أقرب وقت ممكن»، وسعيه لـ«إسكات صوت المدافع؛ لأن المتضرر الوحيد من هذه الحرب، التي لم تكسب ليبيا منها سوى القتل والدمار، ومزيد من الانقسام، هو المواطن الليبي»، لكنه رأى أن إمكانية تحقق ذلك ترجع إلى الليبيين أنفسهم، وأنه «لا يمكن أن يُفرض عليهم من الخارج».
وتحدث سلامة في حوار لـ«الشرق الأوسط» عن الحراك الدولي باتجاه التعاطي مع الأوضاع المتوترة في البلاد، وقال إن «هناك الآن قناعة متزايدة لدى جميع الدول المعنية بالشأن الليبي والشركاء الدوليين، بأن الحل السياسي هو العلاج الوحيد لإنهاء الحرب، وإحياء العملية السياسية مرة ثانية، وهذه القناعة تخدم فرص إنجاح المؤتمر الدولي الذي نسعى لعقده».
كما تطرق سلامة إلى الوضع الراهن، حيث قال إن «هناك ما نسميه حزب الأمر الواقع، الذي يضم جميع المستفيدين من الوضع الحالي، ويعمل جاهداً على إبقاء الوضع كما هو»، مستدركا بأن الأحداث «أثبتت أن سياسة المماطلة غير مجدية وغير واقعية، ولعبة تمديد الأزمات ستؤدي إلى انهيار الهيكل على رؤوس الكل».
وفي معرض حديثه عن بعض أطراف العملية السياسية، التي ترهن الحوار بشروط وموقف البعثة الأممية من التعاطي مع جميع الأفرقاء في البلاد، والموقف من اتفاق «الصخيرات»، رأى سلامة أن «وجود الميليشيات المسلحة في طرابلس قوّض عمل حكومة (الوفاق)»، وتساءل إن كانت العملية العسكرية الدائرة الآن قد ساعدت على تقويض أم زيادة نفوذها؟
وانتقل المبعوث الأممي للحديث عن الاتفاق السياسي، وقال إنه «لا ضرر في تعديل (الصخيرات) إذا أنتج انفراجاً في المشهد الليبي، على أن يبقى المرجع الأساسي لإطار العمل السياسي في ليبيا لحين استبداله، عبر انتهاء المرحلة الانتقالية وإجراء انتخابات».
كما دافع سلامة عن البعثة الأممية في ليبيا، وقال إن الأمم المتحدة «تقف في صف الأكثرية الصامتة، وهي الشعب الليبي، الذي يعاني من استمرار الخلاف السياسي»، محذراً من أن «الخطورة تكمن الآن في أن تصبح سماء ليبيا ساحة حرب بالوكالة بين الدول الإقليمية المتنافسة بمساعدة حلفائهم في الداخل»... وإلى نص الحوار:

> بعد دخول العملية العسكرية في طرابلس شهرها السابع، وفي ظل ما تبذله البعثة الأممية من جهود ملحوظة. إلى أين تتجه الأمور في البلاد؟
- بعد مرور 6 أشهر على اندلاع الحرب في طرابلس، وإلى الآن أصبح هناك نوع من الجمود العسكري، إذ إن جبهات القتال لم تتغير باستثناء عودة قوات (الوفاق) للسيطرة على مدينة غريان. وعلى الصعيد الدولي أصبحت هناك قناعة أكبر لدى غالبية الدول المعنية بشكل، أو بآخر، في الشأن الليبي بأن الحسم العسكري في البلاد غير ممكن، وأن الحل السياسي هو العلاج الوحيد لإيقاف الحرب، وإنهاء الأزمة المستمرة منذ ثماني سنوات. وتنصب جهود الأمم المتحدة في هذا الاتجاه مع الأفرقاء الليبيين، وأيضاً مع الشركاء الدوليين فيما يخص الأزمة الليبية. والخطورة الآن تكمن في أن تصبح سماء ليبيا ساحة حرب بالوكالة بين الدول الإقليمية المتنافسة، بمساعدة حلفائهم في الداخل.
> تسعون لعقد مؤتمر دولي هذا العام لحلحلة الأزمة في البلاد. ما فرص نجاحه في رأيكم؟
- القناعة المتزايدة الآن لدى جميع الدول المعنية بالشأن الليبي هي أن الحل السياسي هو الحل الوحيد لإنهاء الحرب وإحياء العملية السياسية، التي سوف تخدم فرص نجاح المؤتمر الدولي الذي نسعى لعقده. وإلى الآن، تم عقد جولتين من المحادثات المثمرة في برلين. بالإضافة إلى اجتماع وزاري على هامش الجمعية العامة حول ليبيا، بهدف تقريب وجهات النظر الدولية. ولا شك أن وقف إطلاق النار، والحل السياسي يعودان إلى الليبيين أنفسهم، ولا يمكن أن يفرض عليهم من الخارج. لكن يجب أن تكون هناك مظلة دولية تحمي إنجاح عملية وقف إطلاق النار، وتؤمن غطاء دوليا لأي اتفاق سياسي مستقبلي. والأهم من ذلك، تنفيذ صارم لقرار حظر الأسلحة المفروض على ليبيا، ومراقبة الخروقات المتفاقمة منذ اندلاع القتال، والعودة إلى العملية السياسية، وتوحيد المؤسسات.
> وما الأطراف التي ستُوجه لها الدعوة لحضور المؤتمر؟
- المؤتمر الدولي يتم تحضيره بشكل أساسي تحت مظلة السيدة المستشارة أنجيلا ميركل، وبدعم من الأمم المتحدة. وجميع الدول المعنية بالأزمة الليبية، والتي تسعى لإنهائها، ستكون مدعوة للمشاركة في هذا المؤتمر.
> وماذا عن الجماعات المسلحة و«الإخوان» ونظام القذافي؟
- هذا الأمر يعود لليبيين أنفسهم، وليس للأمم المتحدة أو أي طرف خارجي. لكن البعثة لا تستثني أحداً في كل مشاوراتها وتحركاتها.
> البعض يقول إن الميليشيات المسلحة هي السبب المباشر للحرب على طرابلس... هل لديكم رؤية لتفكيكها؟
- هناك أسباب كثيرة للحرب في العاصمة، ومنها تصور البعض أن الحل العسكري ممكن. الميليشيات مشكلة مزمنة في ليبيا، وليست وليدة اليوم؛ ومنذ قدومي إلى ليبيا ونحن نعمل جاهدين على حماية الدولة من تجاوزاتها، وسبق أن وضعنا مجموعة من الحلول والاقتراحات لأهم مسببات الخلاف والانقسام في ليبيا، ومنها وجود الجماعات المسلحة. وكان من المفترض أن يناقش الأفرقاء الليبيون هذه الحلول في الملتقى الوطني، الذي كنا نسعى لعقده قبل عشرة أيام من اندلاع الحرب على طرابلس. (في مدينة غدامس بجنوب البلاد).
> وما فرص العودة إلى مرحلة ما قبل الحرب على طرابلس؟
- في الوقت الحالي نسعى إلى إيقاف صوت المدفع، إذ إن المتضرر الوحيد من هذه الحرب هو المواطن الليبي، حيث تسببت العملية العسكرية في نزوح مئات الآلاف عن منازلهم ومناطقهم، ومقتل وجرح المئات من الليبيين المدنيين. بالإضافة إلى تردي الأوضاع الاقتصادية، التي كانت أصلاً متردية. نأمل بأن نحقق وقفاً لإطلاق النار في أقرب وقت ممكن.
> البعض في الشرق الليبي يتهمكم بالوقوف في صف حكومة «الوفاق»، خاصة بعدما نُسب لكم في مقابلة مع صحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية بأن المشير خليفة حفتر (القائد العام للجيش الوطني) يريد ضمانات كي ينسحب من محيط طرابلس... كيف تعلقون على نظرية «إن لم تكن معي فأنت ضدي» المتبعة معكم؟
- كما قلت، هكذا هو الحال في ليبيا «إن لم تكن معي فأنت ضدي». الأمم المتحدة تقف في صف الأكثرية الصامتة المتمثلة في الشعب الليبي، الذي يعاني من استمرار الخلاف السياسي. وعندما نحقق أي تقدم، ونقوم بأي مقترح لمصلحة الشعب الليبي، ولا يصب هذا التقدم أو المقترح في مصلحة أحد الأطراف في ليبيا، نُتهم فوراً بالانحياز لهذه الجهة أو تلك. لكن هذا الأمر لن يثنينا عن متابعة ومضاعفة جهودنا من أجل تحقيق الاستقرار والأمن والطمأنينة لهذه الأكثرية الساحقة الصامتة. نحرص، كما قلت، على التواصل مع جميع الأطياف الليبية للوصول إلى حلول. لكننا لم ولن نكون طرفاً يعمل لمصلحة جهة ضد جهة أخرى. نحن نستلهم تحركاتنا من التفويض الأممي، ومن حرصنا على تحقيق السلام والعودة إلى المسار السياسي، وتحسين الوضع الاقتصادي في البلاد.
> تجولت كثيراً بين غالبية المدن الليبية والتقيت مختلف الأطياف... في رأيك هل توجد أطراف بعينها تقوّض الحل السياسي؟
- هناك ما نسميه «حزب الأمر الواقع»، الذي يضم جميع المستفيدين من الوضع الحالي، والذي يعمل جاهداً على إبقاء الوضع كما هو. لكن الأحداث أثبتت أن سياسة المماطلة غير مجدية وغير واقعية، ولعبة تمديد الأزمات ستؤدي إلى انهيار الهيكل على رؤوس الكل، وهذا ما نأمل بأن يتفهمه المجتمع الدولي أيضا. ونحن نقول للجميع في الداخل والخارج إن ليبيا المستقرة والمزدهرة هي لمصلحة الجميع، من دون استثناء.
> هناك من يرى في غرب ليبيا أن أي اتفاق جديد هو محاولة للالتفاف على اتفاق (الصخيرات). هل من طمأنة لمن يتحدث عن ذلك؟
- لا حاجة لطمأنة البعض، فالجميع يعرف أن المشهد السياسي الليبي برمته انكب على محاولة تعديل بعض المواد والصلاحيات في اتفاق الصخيرات، وهذا ما كان المجلسان (النواب و«الدولة») يحاولان فعله، وقد دعمنا هذه الجهود بقوة، وحتى محادثات باريس وباليرمو وأبوظبي انصبت كلها في إطار تعديل الاتفاق، وليس الالتفاف عليه. لا ضرر في تعديل الاتفاق إذا أنتج انفراجاً في المشهد السياسي، ولكن يبقى اتفاق الصخيرات المرجع الأساسي لإطار العمل السياسي في البلاد، لحين استبداله، عبر إنهاء المرحلة الانتقالية بإجراء انتخابات نيابة ورئاسية. فمن حق الشعب الليبي أن يقرر مصيره عبر صناديق الاقتراع، وهو بالنهاية مصدر الشرعية الأوحد.
> هل من تفسير للتقارب الروسي الذي يلوح من وقت لآخر مع سيف القذافي؟
- الأفضل توجيه هذا السؤال للطرف الروسي، إذ إنني أمثل الأمم المتحدة، ولا أستطيع الإجابة نيابة عن الطرف الروسي.
> بالعودة إلى إحياء العملية السياسية في البلاد... كيف تنظرون لموقف المشير حفتر، الذي أكد مؤخراً أنه منفتح على الحوار، لكنه يرى استحالته في ظل وجود الميليشيات في طرابلس؟
- قضية الميليشيات ليست وليدة اللحظة، كما سبق أن ذكرت، ووجودها في طرابلس قوّض عمل حكومة (الوفاق)، وأي حل في ليبيا يقتضي معالجة هذه الظاهرة بطريقة أو بأخرى. هناك رغبة ليبية غالبة في توحيد المؤسسات الأمنية والجيش. وقد سبق لنا أن أعربنا عن تأييدنا لمحادثات القاهرة لتوحيد الجيش. كما أيدنا الجهود المبذولة في طرابلس من خلال وزارة الداخلية لزيادة التنسيق مع المؤسسات الأمنية في الشرق، وجهود تعزيز دور الأجهزة الأمنية في جميع مناطق ليبيا. كما أود أن أذكر بالجهد الذي بذلته البعثة في معارك سبتمبر (أيلول) 2018 لاعتماد خطط أمنية لحماية طرابلس، والمنشآت الحكومية من تجاوزات الميليشيات. وكنا قد أدرجنا الموضوع الأمني عموماً في خانة المحادثات، التي كان من المفترض أن يتطرق إليها الملتقى الوطني في غدامس... ويبقى السؤال المهم، والذي يطرح نفسه بشكل معاكس، هل ساعدت العملية العسكرية القائمة الآن على تقويض أم زيادة نفوذ الميليشيات؟ وهل أثبت العمل العسكري فاعلية أكثر من التعاون الأمني والسياسي؟
> في أكثر من مناسبة أبدى فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي، قبوله هو الآخر للحوار، لكنه اشترط عدم وجود حفتر مستقبلاً في العملية السياسية؟
- الحوار أمر أساسي للتوصل إلى أي اتفاق، وهناك مشاكل معينة وحلول معقولة، ويجب طرح المواضيع السياسية بهدوء وبشكل منطقي. أما التعليق على شكل الحوار بين الأطراف الليبية فهو موضوع سابق لأوانه، إذ إن الأولوية الآن هي التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
> أخيراً... ما تقييمكم للأوضاع على الأرض الآن؟
- بعد أن كانت ليبيا قاب قوسين من اتفاق سياسي شامل عبر (الملتقى الوطني) اندلعت الحرب، التي لم تكسب ليبيا منها سوى القتل والدمار والتهجير، والمزيد من الانقسام والتشرذم، وتردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية.



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.