غسان سلامة: لعبة تمديد الأزمات في ليبيا ستهدم الهيكل على رؤوس الجميع

قال لـ«الشرق الأوسط» إن البلاد لم تربح من الحرب سوى القتل والانقسام

غسان سلامة (رويترز)
غسان سلامة (رويترز)
TT

غسان سلامة: لعبة تمديد الأزمات في ليبيا ستهدم الهيكل على رؤوس الجميع

غسان سلامة (رويترز)
غسان سلامة (رويترز)

عبّر الدكتور غسان سلامة، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا، عن أمله في وقف إطلاق النار بالعاصمة طرابلس «في أقرب وقت ممكن»، وسعيه لـ«إسكات صوت المدافع؛ لأن المتضرر الوحيد من هذه الحرب، التي لم تكسب ليبيا منها سوى القتل والدمار، ومزيد من الانقسام، هو المواطن الليبي»، لكنه رأى أن إمكانية تحقق ذلك ترجع إلى الليبيين أنفسهم، وأنه «لا يمكن أن يُفرض عليهم من الخارج».
وتحدث سلامة في حوار لـ«الشرق الأوسط» عن الحراك الدولي باتجاه التعاطي مع الأوضاع المتوترة في البلاد، وقال إن «هناك الآن قناعة متزايدة لدى جميع الدول المعنية بالشأن الليبي والشركاء الدوليين، بأن الحل السياسي هو العلاج الوحيد لإنهاء الحرب، وإحياء العملية السياسية مرة ثانية، وهذه القناعة تخدم فرص إنجاح المؤتمر الدولي الذي نسعى لعقده».
كما تطرق سلامة إلى الوضع الراهن، حيث قال إن «هناك ما نسميه حزب الأمر الواقع، الذي يضم جميع المستفيدين من الوضع الحالي، ويعمل جاهداً على إبقاء الوضع كما هو»، مستدركا بأن الأحداث «أثبتت أن سياسة المماطلة غير مجدية وغير واقعية، ولعبة تمديد الأزمات ستؤدي إلى انهيار الهيكل على رؤوس الكل».
وفي معرض حديثه عن بعض أطراف العملية السياسية، التي ترهن الحوار بشروط وموقف البعثة الأممية من التعاطي مع جميع الأفرقاء في البلاد، والموقف من اتفاق «الصخيرات»، رأى سلامة أن «وجود الميليشيات المسلحة في طرابلس قوّض عمل حكومة (الوفاق)»، وتساءل إن كانت العملية العسكرية الدائرة الآن قد ساعدت على تقويض أم زيادة نفوذها؟
وانتقل المبعوث الأممي للحديث عن الاتفاق السياسي، وقال إنه «لا ضرر في تعديل (الصخيرات) إذا أنتج انفراجاً في المشهد الليبي، على أن يبقى المرجع الأساسي لإطار العمل السياسي في ليبيا لحين استبداله، عبر انتهاء المرحلة الانتقالية وإجراء انتخابات».
كما دافع سلامة عن البعثة الأممية في ليبيا، وقال إن الأمم المتحدة «تقف في صف الأكثرية الصامتة، وهي الشعب الليبي، الذي يعاني من استمرار الخلاف السياسي»، محذراً من أن «الخطورة تكمن الآن في أن تصبح سماء ليبيا ساحة حرب بالوكالة بين الدول الإقليمية المتنافسة بمساعدة حلفائهم في الداخل»... وإلى نص الحوار:

> بعد دخول العملية العسكرية في طرابلس شهرها السابع، وفي ظل ما تبذله البعثة الأممية من جهود ملحوظة. إلى أين تتجه الأمور في البلاد؟
- بعد مرور 6 أشهر على اندلاع الحرب في طرابلس، وإلى الآن أصبح هناك نوع من الجمود العسكري، إذ إن جبهات القتال لم تتغير باستثناء عودة قوات (الوفاق) للسيطرة على مدينة غريان. وعلى الصعيد الدولي أصبحت هناك قناعة أكبر لدى غالبية الدول المعنية بشكل، أو بآخر، في الشأن الليبي بأن الحسم العسكري في البلاد غير ممكن، وأن الحل السياسي هو العلاج الوحيد لإيقاف الحرب، وإنهاء الأزمة المستمرة منذ ثماني سنوات. وتنصب جهود الأمم المتحدة في هذا الاتجاه مع الأفرقاء الليبيين، وأيضاً مع الشركاء الدوليين فيما يخص الأزمة الليبية. والخطورة الآن تكمن في أن تصبح سماء ليبيا ساحة حرب بالوكالة بين الدول الإقليمية المتنافسة، بمساعدة حلفائهم في الداخل.
> تسعون لعقد مؤتمر دولي هذا العام لحلحلة الأزمة في البلاد. ما فرص نجاحه في رأيكم؟
- القناعة المتزايدة الآن لدى جميع الدول المعنية بالشأن الليبي هي أن الحل السياسي هو الحل الوحيد لإنهاء الحرب وإحياء العملية السياسية، التي سوف تخدم فرص نجاح المؤتمر الدولي الذي نسعى لعقده. وإلى الآن، تم عقد جولتين من المحادثات المثمرة في برلين. بالإضافة إلى اجتماع وزاري على هامش الجمعية العامة حول ليبيا، بهدف تقريب وجهات النظر الدولية. ولا شك أن وقف إطلاق النار، والحل السياسي يعودان إلى الليبيين أنفسهم، ولا يمكن أن يفرض عليهم من الخارج. لكن يجب أن تكون هناك مظلة دولية تحمي إنجاح عملية وقف إطلاق النار، وتؤمن غطاء دوليا لأي اتفاق سياسي مستقبلي. والأهم من ذلك، تنفيذ صارم لقرار حظر الأسلحة المفروض على ليبيا، ومراقبة الخروقات المتفاقمة منذ اندلاع القتال، والعودة إلى العملية السياسية، وتوحيد المؤسسات.
> وما الأطراف التي ستُوجه لها الدعوة لحضور المؤتمر؟
- المؤتمر الدولي يتم تحضيره بشكل أساسي تحت مظلة السيدة المستشارة أنجيلا ميركل، وبدعم من الأمم المتحدة. وجميع الدول المعنية بالأزمة الليبية، والتي تسعى لإنهائها، ستكون مدعوة للمشاركة في هذا المؤتمر.
> وماذا عن الجماعات المسلحة و«الإخوان» ونظام القذافي؟
- هذا الأمر يعود لليبيين أنفسهم، وليس للأمم المتحدة أو أي طرف خارجي. لكن البعثة لا تستثني أحداً في كل مشاوراتها وتحركاتها.
> البعض يقول إن الميليشيات المسلحة هي السبب المباشر للحرب على طرابلس... هل لديكم رؤية لتفكيكها؟
- هناك أسباب كثيرة للحرب في العاصمة، ومنها تصور البعض أن الحل العسكري ممكن. الميليشيات مشكلة مزمنة في ليبيا، وليست وليدة اليوم؛ ومنذ قدومي إلى ليبيا ونحن نعمل جاهدين على حماية الدولة من تجاوزاتها، وسبق أن وضعنا مجموعة من الحلول والاقتراحات لأهم مسببات الخلاف والانقسام في ليبيا، ومنها وجود الجماعات المسلحة. وكان من المفترض أن يناقش الأفرقاء الليبيون هذه الحلول في الملتقى الوطني، الذي كنا نسعى لعقده قبل عشرة أيام من اندلاع الحرب على طرابلس. (في مدينة غدامس بجنوب البلاد).
> وما فرص العودة إلى مرحلة ما قبل الحرب على طرابلس؟
- في الوقت الحالي نسعى إلى إيقاف صوت المدفع، إذ إن المتضرر الوحيد من هذه الحرب هو المواطن الليبي، حيث تسببت العملية العسكرية في نزوح مئات الآلاف عن منازلهم ومناطقهم، ومقتل وجرح المئات من الليبيين المدنيين. بالإضافة إلى تردي الأوضاع الاقتصادية، التي كانت أصلاً متردية. نأمل بأن نحقق وقفاً لإطلاق النار في أقرب وقت ممكن.
> البعض في الشرق الليبي يتهمكم بالوقوف في صف حكومة «الوفاق»، خاصة بعدما نُسب لكم في مقابلة مع صحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية بأن المشير خليفة حفتر (القائد العام للجيش الوطني) يريد ضمانات كي ينسحب من محيط طرابلس... كيف تعلقون على نظرية «إن لم تكن معي فأنت ضدي» المتبعة معكم؟
- كما قلت، هكذا هو الحال في ليبيا «إن لم تكن معي فأنت ضدي». الأمم المتحدة تقف في صف الأكثرية الصامتة المتمثلة في الشعب الليبي، الذي يعاني من استمرار الخلاف السياسي. وعندما نحقق أي تقدم، ونقوم بأي مقترح لمصلحة الشعب الليبي، ولا يصب هذا التقدم أو المقترح في مصلحة أحد الأطراف في ليبيا، نُتهم فوراً بالانحياز لهذه الجهة أو تلك. لكن هذا الأمر لن يثنينا عن متابعة ومضاعفة جهودنا من أجل تحقيق الاستقرار والأمن والطمأنينة لهذه الأكثرية الساحقة الصامتة. نحرص، كما قلت، على التواصل مع جميع الأطياف الليبية للوصول إلى حلول. لكننا لم ولن نكون طرفاً يعمل لمصلحة جهة ضد جهة أخرى. نحن نستلهم تحركاتنا من التفويض الأممي، ومن حرصنا على تحقيق السلام والعودة إلى المسار السياسي، وتحسين الوضع الاقتصادي في البلاد.
> تجولت كثيراً بين غالبية المدن الليبية والتقيت مختلف الأطياف... في رأيك هل توجد أطراف بعينها تقوّض الحل السياسي؟
- هناك ما نسميه «حزب الأمر الواقع»، الذي يضم جميع المستفيدين من الوضع الحالي، والذي يعمل جاهداً على إبقاء الوضع كما هو. لكن الأحداث أثبتت أن سياسة المماطلة غير مجدية وغير واقعية، ولعبة تمديد الأزمات ستؤدي إلى انهيار الهيكل على رؤوس الكل، وهذا ما نأمل بأن يتفهمه المجتمع الدولي أيضا. ونحن نقول للجميع في الداخل والخارج إن ليبيا المستقرة والمزدهرة هي لمصلحة الجميع، من دون استثناء.
> هناك من يرى في غرب ليبيا أن أي اتفاق جديد هو محاولة للالتفاف على اتفاق (الصخيرات). هل من طمأنة لمن يتحدث عن ذلك؟
- لا حاجة لطمأنة البعض، فالجميع يعرف أن المشهد السياسي الليبي برمته انكب على محاولة تعديل بعض المواد والصلاحيات في اتفاق الصخيرات، وهذا ما كان المجلسان (النواب و«الدولة») يحاولان فعله، وقد دعمنا هذه الجهود بقوة، وحتى محادثات باريس وباليرمو وأبوظبي انصبت كلها في إطار تعديل الاتفاق، وليس الالتفاف عليه. لا ضرر في تعديل الاتفاق إذا أنتج انفراجاً في المشهد السياسي، ولكن يبقى اتفاق الصخيرات المرجع الأساسي لإطار العمل السياسي في البلاد، لحين استبداله، عبر إنهاء المرحلة الانتقالية بإجراء انتخابات نيابة ورئاسية. فمن حق الشعب الليبي أن يقرر مصيره عبر صناديق الاقتراع، وهو بالنهاية مصدر الشرعية الأوحد.
> هل من تفسير للتقارب الروسي الذي يلوح من وقت لآخر مع سيف القذافي؟
- الأفضل توجيه هذا السؤال للطرف الروسي، إذ إنني أمثل الأمم المتحدة، ولا أستطيع الإجابة نيابة عن الطرف الروسي.
> بالعودة إلى إحياء العملية السياسية في البلاد... كيف تنظرون لموقف المشير حفتر، الذي أكد مؤخراً أنه منفتح على الحوار، لكنه يرى استحالته في ظل وجود الميليشيات في طرابلس؟
- قضية الميليشيات ليست وليدة اللحظة، كما سبق أن ذكرت، ووجودها في طرابلس قوّض عمل حكومة (الوفاق)، وأي حل في ليبيا يقتضي معالجة هذه الظاهرة بطريقة أو بأخرى. هناك رغبة ليبية غالبة في توحيد المؤسسات الأمنية والجيش. وقد سبق لنا أن أعربنا عن تأييدنا لمحادثات القاهرة لتوحيد الجيش. كما أيدنا الجهود المبذولة في طرابلس من خلال وزارة الداخلية لزيادة التنسيق مع المؤسسات الأمنية في الشرق، وجهود تعزيز دور الأجهزة الأمنية في جميع مناطق ليبيا. كما أود أن أذكر بالجهد الذي بذلته البعثة في معارك سبتمبر (أيلول) 2018 لاعتماد خطط أمنية لحماية طرابلس، والمنشآت الحكومية من تجاوزات الميليشيات. وكنا قد أدرجنا الموضوع الأمني عموماً في خانة المحادثات، التي كان من المفترض أن يتطرق إليها الملتقى الوطني في غدامس... ويبقى السؤال المهم، والذي يطرح نفسه بشكل معاكس، هل ساعدت العملية العسكرية القائمة الآن على تقويض أم زيادة نفوذ الميليشيات؟ وهل أثبت العمل العسكري فاعلية أكثر من التعاون الأمني والسياسي؟
> في أكثر من مناسبة أبدى فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي، قبوله هو الآخر للحوار، لكنه اشترط عدم وجود حفتر مستقبلاً في العملية السياسية؟
- الحوار أمر أساسي للتوصل إلى أي اتفاق، وهناك مشاكل معينة وحلول معقولة، ويجب طرح المواضيع السياسية بهدوء وبشكل منطقي. أما التعليق على شكل الحوار بين الأطراف الليبية فهو موضوع سابق لأوانه، إذ إن الأولوية الآن هي التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
> أخيراً... ما تقييمكم للأوضاع على الأرض الآن؟
- بعد أن كانت ليبيا قاب قوسين من اتفاق سياسي شامل عبر (الملتقى الوطني) اندلعت الحرب، التي لم تكسب ليبيا منها سوى القتل والدمار والتهجير، والمزيد من الانقسام والتشرذم، وتردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية.



اليمن يحذر من تصعيد الحوثيين وتنسيقهم مع «جماعات إرهابية»

الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
TT

اليمن يحذر من تصعيد الحوثيين وتنسيقهم مع «جماعات إرهابية»

الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)

جدّدت الحكومة اليمنية تحذيرها من خطورة التصعيد الحوثي في مختلف جبهات القتال، مؤكدة امتلاكها أدلة على وجود تنسيق وتخادم بين الجماعة وتنظيمات إرهابية، في الوقت الذي كثّفت فيه تحركاتها الدبلوماسية لحشد دعم دولي أوسع لتعزيز قدرات جهاز مكافحة الإرهاب، ومواجهة التهديدات المتزايدة التي تطول الأمنين الإقليمي والدولي.

ووفق مصادر رسمية، ترى الحكومة أن استمرار هذا التصعيد يُقوّض فرص السلام، ويعزز بيئة الفوضى التي تستغلها التنظيمات المتطرفة، مشددة على أن أي تسوية سياسية لن تكون قابلة للاستدامة دون إنهاء الانقلاب الحوثي، وتجفيف منابع الإرهاب بكل أشكاله.

وخلال لقاء جمع رئيس جهاز مكافحة الإرهاب في اليمن اللواء شلال شايع مع سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن عبدة شريف، ناقش الجانبان التهديدات الأمنية الراهنة، وفي مقدمتها ما وصفه المسؤول اليمني بـ«التخادم الميداني» بين الحوثيين وتنظيمات مثل «القاعدة» و«داعش» وحركة «الشباب» الصومالية.

اليمن يتطلع إلى مزيد من الدعم الدولي لجهاز مكافحة الإرهاب (إعلام حكومي)

وأوضح شايع أن هذا التنسيق لا يقتصر على تبادل المصالح، بل يمتد إلى تنسيق عملياتيّ يهدف إلى زعزعة الاستقرار، وخلق بؤر توتر تستنزف قدرات الدولة، وتهدد أمن الممرات البحرية وخطوط التجارة الدولية.

وأشار إلى أن التصعيد الحوثي الأخير في عدد من الجبهات يأتي ضمن استراتيجية أوسع لخلط الأوراق، وإرباك المشهد الأمني، بما يمنح التنظيمات الإرهابية مساحة أكبر لإعادة تنظيم صفوفها، وتنفيذ عمليات نوعية.

جهود أمنية

في موازاة التحذيرات، استعرض رئيس جهاز مكافحة الإرهاب اليمني سلسلة من العمليات الأمنية التي نفّذتها القوات المختصة، وأسفرت عن تفكيك خلايا إرهابية، وإحباط مخططات استهدفت منشآت حيوية، إلى جانب ضبط شبكات تهريب أسلحة ومخدرات.

وأكد أن هذه النجاحات تحققت بفضل التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين، مُشيداً بالدعم الذي يقدمه «تحالف دعم الشرعية» في دعم الاقتصاد اليمني، بما يسهم في تقليص بيئة الفقر التي تستغلها الجماعات المتطرفة.

تنسيق يمني بريطاني لمواجهة الأنشطة الإرهابية (إعلام حكومي)

كما أشار شائع إلى أهمية تطوير قدرات الجهاز في مجالات التدريب والتأهيل، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، بما يمكّنه من مواكبة التحديات الأمنية المتغيرة، خاصة في ظل تشابك التهديدات بين الإرهاب والجريمة المنظمة.

من جانبها، أكدت السفيرة البريطانية حرص بلادها على دعم اليمن في هذا المجال، مشددة على أهمية بناء قدرات المؤسسات الأمنية، وتعزيز التنسيق الدولي لمواجهة التهديدات المشتركة، وضمان استقرار المناطق المحرَّرة.

في سياق متصل، بحث المسؤول اليمني مع السفير الأميركي لدى اليمن، سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية في مكافحة الإرهاب، حيث جرى التركيز على تطوير التعاون في مجالات التدريب، وبناء القدرات، وتبادل الخبرات الفنية.

وخلال اللقاء، شدد شائع على ضرورة تكاتف الجهود الدولية لمواجهة ما وصفه بـ«التحالف غير المعلَن» بين الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، محذراً من تداعيات هذا التنسيق على الأمن الإقليمي، وسلامة الملاحة الدولية.

كما دعا إلى تنفيذ صارم للعقوبات الدولية المفروضة على الحوثيين، خاصة ما يتعلق بحظر تهريب الأسلحة، وتجفيف مصادر التمويل، مؤكداً أن استمرار تدفق الأسلحة يسهم في إطالة أمد الصراع، ويعزز قدرات الجماعة على تهديد الأمن البحري.

وأشاد بالدور الأميركي في دعم جهود مكافحة الإرهاب، وعدَّ أن هذا الدعم يشكل عنصراً حاسماً في تعزيز قدرة الأجهزة الأمنية اليمنية على مواجهة التحديات الراهنة.

تحركات رئاسية

على الصعيد السياسي، كان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي قد ناقش مع السفيرة البريطانية سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وأولويات الدعم الدولي لليمن، خاصة في مجالات التعافي الاقتصادي، وبناء المؤسسات، وتعزيز الأمن والاستقرار. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأكد العليمي أن استقرار اليمن يرتبط بشكل وثيق بإنهاء الانقلاب الحوثي، واستعادة مؤسسات الدولة، وبسط سيطرة الحكومة على كامل الأراضي، مشيراً إلى أن التطورات الإقليمية الأخيرة تعزز قناعة المجتمع الدولي بخطورة الدور الذي تلعبه إيران في زعزعة استقرار المنطقة.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي استقبل السفيرة البريطانية (إعلام حكومي)

كما شدد على أهمية تشديد العقوبات على الحوثيين، وردع انتهاكاتهم لحقوق الإنسان، بما في ذلك الهجمات التي تستهدف المدنيين والنازحين، والتي تمثل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي.

وتطرّق إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمواجهة التحديات الراهنة، بما في ذلك إقرار الموازنة العامة، وتنفيذ برنامج إصلاحات اقتصادية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، وتحسين مستوى الخدمات، وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية.


تهديد الحوثيين بالحرب ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
TT

تهديد الحوثيين بالحرب ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)

يتصاعد القلق الدولي من تداخل المسارين العسكري والإنساني في اليمن، في ظل مؤشرات متزايدة على احتمال انخراط الجماعة الحوثية في الحرب الدائرة إلى جانب إيران، بالتوازي مع تحذيرات أممية من تدهور غير مسبوق في مستويات الأمن الغذائي، خلال الأشهر المقبلة.

وتُجمِع التقديرات على أن أي تصعيد عسكري جديد لن يقتصر أثره على الجبهات، بل سيمتدّ إلى حياة ملايين اليمنيين الذين يواجهون، بالفعل، واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

يأتي ذلك في وقتٍ تشير فيه تقارير حديثة إلى أن توقيت انخراط الحوثيين في المواجهة الإقليمية لا يزال مرتبطاً بحسابات استراتيجية أوسع تقودها طهران، وسط مخاوف من أن يتحول اليمن إلى ساحة إضافية لتصفية الحسابات، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على سلاسل الإمداد الغذائي والاقتصاد الهش.

في السياقين السياسي والعسكري، تعززت المؤشرات على أن قرار انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية لا يزال مؤجَّلاً بانتظار توقيت مناسب تُحدده القيادة الإيرانية، وتحديداً دوائر صنع القرار المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

مخاوف من أن يؤدي تصعيد الحوثيين عسكرياً إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

وتؤكد تصريحات قيادات في الجماعة أن الجاهزية العسكرية قائمة، لكن تفاصيل التحرك تبقى رهناً بما وصفوه بـ«عنصر المفاجأة»، وهو ما يعكس طبيعة الدور الوظيفي الذي قد تؤديه الجماعة، ضِمن شبكة النفوذ الإقليمي لإيران.

وتذهب تحليلات دولية إلى أن هذا التأجيل لا يعكس حياداً بقدر ما يمثل جزءاً من استراتيجية إدارة التصعيد، حيث يجري الاحتفاظ بالحوثيين كورقة ضغط يمكن تفعيلها في مراحل لاحقة من الصراع. ويُنظَر إلى هذا التكتيك على أنه يهدف إلى رفع كلفة المواجهة على الخصوم، دون استنزاف مبكر للأدوات الإقليمية.

أزمة تتجه نحو الأسوأ

بالتوازي مع هذه التطورات، حذّرت شبكة الإنذار المبكر من المجاعة من أن أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن مرشحة للتفاقم، خلال الفترة الممتدة من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول) المقبلين، وهي فترة الذروة السنوية لاحتياجات المساعدات.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 16 مليون يمني قد يحتاجون إلى مساعدات غذائية خلال هذه الفترة، في ظل استمرار تدهور سُبل العيش وارتفاع معدلات الفقر، إلى جانب التراجع الحاد لفرص العمل والدخل.

كما أن معظم مناطق اليمن، وفق هذه البيانات، ستظل ضمن المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي أو أسوأ، ما يعني أن شريحة واسعة من السكان تُواجه أزمة حقيقية في تأمين احتياجاتها الأساسية.

ثلاث محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

ويُعزى هذا التدهور إلى مجموعة من العوامل المتراكمة، وفي مقدمتها استمرار النزاع، والانهيار الاقتصادي، وتقلبات المناخ، فضلاً عن القيود المفروضة على حركة التجارة والإمدادات. كما أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل مستمر يزيد من صعوبة حصول الأُسر على الغذاء، خصوصاً في ظل تآكل القدرة الشرائية.

وتُظهر البيانات أن حدة الأزمة تختلف من منطقة لأخرى، إلا أن ثلاث محافظات خاضعة لسيطرة الحوثيين هي الحديدة، وحجة، وتعز ( الأخيرة خاضعة جزئياً)، مرشحة للوصول إلى مستوى الطوارئ في انعدام الأمن الغذائي، وهو من أخطر المراحل التي تسبق المجاعة.

ولا تبدو المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً بمنأى عن الأزمة، حيث يُتوقع أن تواجه بعض الأُسر في محافظات مثل لحج والضالع وأبين وشبوة مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.

وتفاقمت الأزمة، بشكل أكبر، بسبب تعليق المساعدات الغذائية في مناطق سيطرة الحوثيين منذ سبتمبر الماضي، ما أثّر على أكثر من تسعة ملايين شخص كانوا يعتمدون عليها بشكل أساسي.

في المقابل، يخطط برنامج الغذاء العالمي للوصول إلى نحو 1.6 مليون مستفيد في مناطق الحكومة الشرعية، خلال العام الحالي، إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة، مقارنة بحجم الاحتياجات.

مؤشرات مُقلقة

تؤكد بيانات الأمم المتحدة أن الوضع الغذائي في اليمن لا يزال عند مستويات مُقلقة، حيث لم تتمكن 64 في المائة من الأسر من تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية مع نهاية عام 2025، في حين يعاني 37 في المائة من السكان الحرمان الغذائي الحاد.

كما تضطر الأسر إلى إنفاق نحو 72 في المائة من دخلها على الغذاء، ما يترك هامشاً ضيقاً للغاية لتغطية بقية الاحتياجات مثل الصحة والتعليم. ولجأت نحو 59 في المائة من الأسر إلى استراتيجيات تكيُّف قاسية، من بينها تقليص الوجبات أو التسول، مع تسجيل نسب أعلى في مناطق سيطرة الحوثيين.

غلاء الأسعار يشكل قيوداً كبيرة على حصول الأُسر اليمنية على الغذاء (الأمم المتحدة)

وتبرز مشكلة سوء التغذية كأحد أخطر أوجه الأزمة، إذ يعاني نحو 2.5 مليون طفل دون سن الخامسة سوء التغذية الحاد، بينهم نصف مليون في حالة حرجة، إضافة إلى تأثر 1.3 مليون امرأة حامل ومرضع. وترتبط هذه الأرقام بانتشار الأمراض، وتدهور الخدمات الصحية، وفقدان مصادر الدخل.

كما سجلت تقارير الرصد ارتفاعاً في مؤشرات الإنذار المرتبطة بواردات الغذاء والوقود، حيث تجاوزت الأسعار المستويات العالمية بشكل كبير، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد من تعقيد الأزمة ويحدّ من قدرة السكان على التكيف.


مشاورات لـ«حماس» في القاهرة لإحياء «اتفاق غزة»

طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

مشاورات لـ«حماس» في القاهرة لإحياء «اتفاق غزة»

طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تنخرط إسرائيل في معارك حرب إيران، مبتعدة عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة والتزاماته، فيما تواصل «حماس» حراكاً آخر في القاهرة، بحثاً عن مخرج للتعثر الذي يتواصل منذ إعلان المرحلة الثانية من الاتفاق منتصف يناير (كانون الثاني) دون تقدم.

تلك المشاورات تعول «حماس» أن تحقق اختراقاً في مشهد التعثر الحالي للاتفاق لأسباب بينها استمرار حرب إيران، وفق تقديرات خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لافتين إلى أن ما يحدث مجرد محاولات لبلورة مسار جديد يعيد اتفاق غزة لطريقه ووقف الخروقات وبحث حلول للأزمات اليومية في القطاع جراء الحصار الإسرائيلي.

مشيِّعون يشاركون في جنازة فلسطينيين قُتلوا خلال ضربة إسرائيلية استهدفت منزلاً بالنصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)

وأجرت «حماس» سلسلة لقاءات مع مسؤولين في جهاز المخابرات العامة المصرية، إضافة إلى اجتماع مع المبعوث الأممي نيكولاي ملادينوف، جرى خلالها استعراض مجمل التطورات السياسية والميدانية المرتبطة بملف غزة، وفق تقارير نقلتها وسائل إعلام بالبلدين الوسيطين مصر وقطر.

وقف الخروقات ودمج عناصر «حماس»

وقال مصدران مقربان من «حماس»، لـ«الشرق الأوسط»، الثلاثاء، إن وفداً للحركة برئاسة نزار عوض الله، وضم أيضاً القيادي غازي حمد، التقى مسؤولين أمنيين بمصر وكذلك مبعوثين لمجلس السلام، وناقشوا ملفات عديدة بينها خروقات إسرائيل لاتفاق غزة، ودمج موظفي «حماس» بالشرطة، وتشغيل معبر رفح، وعمل لجنة إدارة غزة التي يفترض أن تتسلم مهامها من الحركة بالقطاع.

وتحدث أحد المصدرين عن أن موضوع نزع سلاح «حماس» كان مطروحاً في أحد المناقشات، ولكن حسمه مؤجل لحين نشر الشرطة الفلسطينية ونشر قوات الاستقرار الدولية، لافتاً إلى أن «حماس» تنتظر دفعاً أميركياً لاتفاق غزة ووقف إسرائيل لخروقاتها.

في سياق متصل، أكد مصدر من لجنة إدارة قطاع غزة، لـ«الشرق الأوسط»، الثلاثاء، أن اللجنة لم تلتق وفد «حماس»، متحفظاً على تقديم أسباب.

وكانت ثلاثة مصادر تحدثت إلى «رويترز»، الاثنين، وأفادت بأن مبعوثين من «مجلس السلام»، الذي يترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التقوا مطلع الأسبوع ‌بممثلين عن حركة «حماس» في القاهرة في محاولة للحفاظ على وقف إطلاق النار في غزة، متوقعين عقد اجتماعات إضافية هذا الأسبوع، دون تحديد موعدها.

وعقب الاجتماع، أعلنت إسرائيل، في بيان، الأحد، أنها ستعيد قريباً فتح معبر رفح بين غزة ومصر، والمغلق منذ بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران.

ونقلت «رويترز» عن أحد المصادر قوله إنه يعتقد أن ما أعلنته إسرائيل كان نتيجة مباشرة للاجتماع بين «حماس» و«مجلس السلام»، المكلف بالإشراف على قطاع غزة بعد توقف القتال فيه.

وكشفت إذاعة «مونت كارلو» الدولية، الثلاثاء، أن حركة «حماس» تستعد لبدء جولة محادثات جديدة في القاهرة، رغم التوتر الأمني في المنطقة، لبحث سبل تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، التي توقفت منذ اندلاع الحرب مع إيران مطلع الشهر الجاري.

أسرة فلسطينية فوق مبنى مدمر جراء القصف العسكري الإسرائيلي جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية الدكتور أحمد فؤاد أنور، إن زيارة وفد «حماس» تأتي في توقيت مهم وتتواكب مع تصعيد إسرائيلي بالمنطقة، لافتاً إلى أن مباحثات الحركة بالقاهرة التي شهدت أكثر من مستوى، سواء مع مجلس السلام أو الجانب المصري، تعطي تطمينات بأن الاتفاق لا يزال قائماً وتبحث خروقات إسرائيل، وبالوقت ذاته تبحث عن صياغة للمستقبل القريب، خاصة القضايا المرتبطة بعمل لجنة إدارة القطاع وملف نزع السلاح وغيرهما.

إبقاء الملف في دائرة الضوء

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، أيمن الرقب، أن مشاورات «حماس» في القاهرة تقول إن ثمة زخماً جديداً بشأن «اتفاق غزة»، ومحاولة مصرية لإبقاء الملف في دائرة الضوء وعدم توقفه، متوقعاً أن يستمر هذا الزخم لإعادة فك تجميد الاتفاق المتعثر حالياً.

ومنتصف يناير الماضي، أعلنت واشنطن الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب لإنهاء الحرب في القطاع، عبر بنود تشمل انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من غزة، ونزع سلاح «حماس»، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار. وحتى الآن لا يزال الجيش الإسرائيلي يسيطر على أكثر من نصف القطاع، في حين ترفض «حماس» إلقاء سلاحها.

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

غير أن «هيئة البث الإسرائيلية»، تحدثت السبت، بأن القوة الدولية سيبدأ نشرها في قطاع غزة اعتباراً من مايو (أيار) المقبل.

والاثنين، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي «أهمية الإسراع بتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من الاضطلاع بمهامها من داخل القطاع، باعتبار ذلك خطوة أساسية في إدارة المرحلة الانتقالية وتثبيت التهدئة»، وفق بيان للخارجية المصرية.

ويرى أنور أن ما يحدث مجرد محاولات لبلورة مسار جديد يعيد «اتفاق غزة» لطريقه في ظل الاضطرابات العالمية جراء حرب إيران، متوقعاً استمرار مثل هذه اللقاءات واستمرار الموقف المصري الداعم لوقف إطلاق النار وإعمار القطاع.

ويتوقع الرقب استمرار زخم دفع اتفاق غزة للأمام بحراك مصري على أمل أن يحدث اختراق أو انفراجة في المشهد المتعثر منذ أسابيع.