كرينبول: «الأونروا» باقية لدعم الفلسطينيين... ومدارسنا لا يستخدمها «إرهابيون»

أشاد في حوار مع بزيادة الدعم من الاتحاد الأوروبي والسعودية والإمارات بعد وقف التمويل الأميركي

بيار كرينبول (رويترز)
بيار كرينبول (رويترز)
TT

كرينبول: «الأونروا» باقية لدعم الفلسطينيين... ومدارسنا لا يستخدمها «إرهابيون»

بيار كرينبول (رويترز)
بيار كرينبول (رويترز)

رفض المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم في الشرق الأدنى (الأونروا)، بيار كرينبول، في حديث مع «الشرق الأوسط» في نيويورك، ما سماه «ادعاءات وإشاعات» تهدف إلى إنهاء خدمات هذه المنظمة الدولية، وتستهدفه شخصياً، داعياً إلى انتظار نتائج التحقيقات الجارية. وإذ أشار إلى «تحديات وضغوط»، بدأت بوقف الولايات المتحدة حصتها من التمويل، أشاد بالمساهمات التي تقدمها 43 دولة، وفي مقدمها الاتحاد الأوروبي والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت والمملكة المتحدة والسويد واليابان والنرويج، لجمع 1.2 مليار دولار أميركي، بغية مواصلة الخدمات الكثيرة، ومنها تعليم 530 ألفاً من الطلاب الفلسطينيين. وكذلك رفض الاتهامات الإسرائيلية بأن مدارس «الأونروا» يستخدمها الإرهابيون، واصفاً ذلك بأنه «مجرد ادعاء لا أساس له على الإطلاق». ودعا إلى التساؤل عن الوجهة التي يمكن أن يتخذها عشرات الآلاف من الطلاب إذا جرى وقف هذه النشاطات الحيوية في غزة والضفة الغربية وأماكن اللجوء الأخرى.
ويأتي هذا الحوار مع المفوض العام للأونروا بعد حملة ادعاءات إسرائيلية بدأت قبل أشهر، تشمل تورط إدارة الوكالة في سوء السلوك الجنسي، والمحسوبية، والانتقام، والتمييز، وغيرها من الانتهاكات لتحقيق مكاسب شخصية.
وهنا نص الحوار:

> تعاني الأونروا وضعاً صعباً للغاية، وظهرت في الآونة الأخيرة اتهامات كثيرة، وثمة دول بدأت تقول إنها لن تدعم الأونروا... ما الذي يحصل؟
- هناك 3 دول أعلنت أنها ستجمد مؤقتاً مساهماتها في انتظار نتائج التحقيق. وخلال الفترة ذاتها، كانت لدينا 24 جهة مانحة. لذلك أعتقد أن على الجميع أن يضعوا الأمور في نصابها (...) بالطبع، الجميع، وأنا بينهم، يريد أن يرى النتائج. ولن نصدر أي أحكام أو تعليقات بناء على إشاعات أو ادعاءات - وبعضها إشاعات حقاً. أرفض من دون تحفظ الادعاءات الموجهة ضدي مباشرة، لأن عملية التحقيق جارية. وقد تعاونت منذ البداية مع هذه العملية. كنت في جامعة الدول العربية أخيراً، حيث التقيت وزراء الخارجية ونواب وزراء الخارجية، وسط كثير من الاهتمام والتركيز على الأونروا. التقينا خلال الجمعية العامة (للأمم المتحدة) ممثلي مجموعة واسعة من البلدان. والجميع يركزون على تقديم الخدمات التي نقوم بها. وكما تعلمون، فإن أحد أفضل المؤشرات على ذلك هو أننا فتحنا السنة الدراسية لـ530 ألفاً من الفتيان والفتيات الفلسطينيين في الوقت المحدد هذا الصيف. أصبح ذلك في السنوات الأخيرة موضوعاً كبيراً للغاية، لأن ذلك يمثل دوماً تحدياً من الناحية المالية. هل سيكون لدينا ما يكفي من المال لفتح المدارس في الوقت المحدد؟ هذا في الواقع مصدر قلق كبير. وكنت شخصياً في غزة والقدس الشرقية والضفة الغربية، وفي الأردن ولبنان وسوريا، في الأسابيع الماضية للقيام بهذا الافتتاح المدرسي، وأعتقد أن هذه أقوى إشارة يمكن أن نقدمها لتركيزنا على المواضيع التشغيلية.
> هل أنت قلق شخصياً حيال هذه الادعاءات؟ وماذا ستفعل فيما يتعلق بالضغط المتزايد على الأونروا وعليك شخصياً؟
- دعنا نفصل بين أمرين. من الطبيعي للغاية أن تواجه أي منظمة تهتم بمواضيع كالتي نهتم بها، ومن وقت إلى آخر، شكاوى هناك آليات للتعامل معها. والتحقيق الذي يجري حالياً مستقل ضمن منظومة الأمم المتحدة. نحن نتعاون، ونأخذه على محمل الجد، لكننا لن نسند الحكم إلى إشاعات وادعاءات؛ سننتظر النتائج. هذا ما طلبته من الدول الأعضاء أيضاً: دعونا ننتظر، ولا تحكموا بناء على ما يعرض الآن على الملأ؛ هذا هو الإجراء العادي. الآن، ومن ناحية أخرى، يجب أن أقول إن الأونروا واجهت جولات غير مسبوقة من التحديات والضغوط خلال العام ونصف العام الماضي. بدأت بقرار الولايات المتحدة خفض 300 مليون دولار من تمويلها للأونروا، وجرى خفض 60 مليون دولار أخرى هذا العام. لذلك فقدنا كامل مبلغ 360 مليون دولار اعتادت الولايات المتحدة تقديمه حتى عام 2017. وفي عام 2018، نجحنا في تعبئة التمويل من 43 دولة مختلفة، ومن مؤسسات، وكانت هناك زيادة في المساهمات؛ هذا غير مسبوق. يمكنك الذهاب إلى أي جامعة أو مركز أبحاث، لن تجد مثالاً آخر في التاريخ لحملة أطلقتها منظمة إنسانية ونجحت في سد فجوة كهذه. ولهذا السبب أقول إنه يتعين علينا دائماً أن ننظر إلى جانبي القصة. نعم، هناك تحد أساسي بسبب قرار الولايات المتحدة، ولكن هناك قدراً غير عادي من التضامن والاهتمام باللاجئين الفلسطينيين، بأعمال الأونروا، في العام الماضي. وهذا مستمر، عندما أتينا هذا العام إلى مجلس الأمن، وفي لحظات أخرى، حيث قدمت إحاطة، بجانب المنسق الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف، ورأينا ذلك النوع من التحديات السياسية التي تواجهها الأونروا (مثل التشكيك) بوجود لاجئين فلسطينيين (...) أو إعطاء تعريفات خاطئة؛ كان علينا أن نجيب عن كل حالة على حدة.
> هل تربط بين المزاعم المتعلقة بالفساد وسوء السلوك والضغوط المتصاعدة؟ وهل تنكر الادعاءات؟
- لا، لا. بادئ ذي بدء، عليّ أن أصر حق الإصرار على ذلك، إنها مزاعم، ادعاءات وإشاعات. لن يكون هناك أمر آخر قبل انتهاء التحقيق وظهور النتائج، وأعتقد أنه ينبغي التركيز على احترام الإجراءات القانونية. نحن لا نعمل بناء على ادعاءات.
> متى تتوقع النتائج؟
- هذا ليس دوري، نحن لا نتدخل في التحقيق. نأمل في أن يحصل ذلك في أقرب وقت ممكن، ولكن هذا ليس ما نركز عليه، نحن نركز على التعاون مع التحقيق. وبعد الانتهاء من ذلك، سننظر في النتائج وسنتصرف. ولكن في هذه الأثناء، لدينا مهمة كبيرة للغاية. الجزء الأكبر هو أنه عندما تمشي في مدارسنا، هناك 530 ألفاً من الأولاد والبنات الذين يحتاجون إلى التعليم المستمر، والجميع يعلمون أنه لا يوجد بديل عن الأونروا. إلى أين سيذهبون... بلا الأونروا؟
> لماذا لا تقول إن الحكومة الأميركية مستعدة للعمل على معاودة الدفع إلى المحتاجين في كل مكان، ولكن ثنائياً مع الدول في كل من غزة والضفة الغربية، وفي لبنان والأردن؟
- أنا دائماً أميز في حياتي بين ما يقوله الناس وأولئك الذين يقومون بالأفعال. الأونروا تعمل منذ عام 1950، وتخرّج من مدارسنا مليونان ونصف المليون تلميذ وتلميذة. هذا حقيقي، هذه ليست كلمات أو نيات، هذا هو واقع العمل لحماية كرامة اللاجئين وسلامتهم على الأرض. هناك سؤال واحد فقط لا بد من طرحه، ولا يستطيع أحد الإجابة عنه حالياً: هناك 280 ألف صبي وبنت في مدارسنا في غزة. إذا لم تفتح هذه المدارس غداً، إلى أين سيذهب هؤلاء الأطفال؟ لأسباب تتعلق بالكرامة الإنسانية وبالاستقرار الإقليمي، من الضروري للغاية أن تظل مدارس الأونروا مفتوحة. ونحن فخورون بأننا نفتحها في الوقت المحدد. عندما نتحدث عن الطلاب الذين يذهبون إلى مدارسنا، لا يتعلق الأمر بالأونروا، وإنما بمستقبل المنطقة. العاهل الأردني قال إن هناك 120 ألفاً من الصبية والفتيات في مدارس المملكة الأردنية الهاشمية لا يستطيعون تحصيل التعليم (من دون الأونروا)؛ إنها مسألة استقرار وأمن وطنيين.
> من دون الأونروا سيلتحقون بمنظمات إرهابية أو متطرفة؟
- إذا لم نتمكن أنت وأنا من الذهاب إلى المدرسة، فهل سنجلس هنا؟ السؤال ليس هل نحن نميز في حقوق اللاجئين الفلسطينيين - لا نسمح لهم بالذهاب إلى المدرسة؟ من سيعطيهم التعليم؟ في الوقت الذي يشعر فيه الفاعلون السياسيون بأن الوقت حان لمزيد من الاستقطاب، حيث يتحدثون عن ضم الأراضي، وعن التغييرات في المصطلحات السياسية، نحن نركز على هؤلاء الفتيان والفتيات. ونحن بالطبع نتعامل مع الضغوط السياسية (...) لكننا لا ننخدع في التركيز على الأشخاص الذين نخدمهم. افتتحت السنة الدراسية في القدس الشرقية. وعندما تخرج من مدرستنا في سلوان، تجد أمامك القدس القديمة مع كل المواقع التاريخية، بما فيها المسجد الأقصى. هذا هو وجود الأونروا الآن في القدس الشرقية، وفي قلب واقع المدينة القديمة. نحن نحمي المعايير التي تعد مهمة للغاية للمجتمع الدولي، والحفاظ على حل الدولتين. نحن فخورون بأننا على الخطوط الأمامية.
> يبدو أنك واثق من أن غالبية الدول في الأمم المتحدة ستصوت لصالح تجديد تفويض الأونروا، عندما يحين موعد ذلك.
- أن أكون واثقاً لا يعني أني أعطي حكماً مسبقاً؛ هذه مسألة تخص الدول الأعضاء. تهتم الدول دائماً بأن تدار أي منظمة إنسانية بشكل جيد، وبطريقة مسؤولة (...) عندما تنظر الدول الأعضاء إلى جوهر المسألة: لماذا أنشئت الأونروا؟ هل تغيرت الظروف التي أدت إلى إنشاء الأونروا؟ لا. هل لا تزال حاجات المجتمع موجودة؟ نعم. هل هناك طرق أخرى لتغطية تلك الحاجات اليوم؟ لا، ليس بطريقة تتسم بالكفاءة والمهنية. نحن فخورون لأن لدينا 30 ألف موظف، 98 في المائة منهم لاجئون فلسطينيون: معلمون، وأطباء، وعمال صرف صحي. جميع خبرائنا في مجال التعليم والخبراء النفسيين وموظفي الإغاثة والخدمات الاجتماعية من الفلسطينيين أنفسهم. نحن ندفع ثمناً باهظاً. كنت في سوريا قبل فترة وجيزة، حيث خسرنا 18 موظفاً منذ بداية الحرب، ولدينا 25 مفقوداً. خسرنا 11 زميلاً في حرب غزة عام 2014. أحياناً يقول الناس: أوه، منظمات الأمم المتحدة بيروقراطية كبيرة. هؤلاء الموظفون الذين فقدوا أرواحهم في الخطوط الأمامية (...) يفعلون ذلك نيابة عن المجتمع الدولي، بتكليف من الجمعية العامة. نحن لسنا منظمة ذاتية الإنشاء (...) نحن نعبر عن الإرادة الجماعية للمجتمع الدولي.
> من هم أكبر المانحين الآن للأونروا؟
- بعد قرار الولايات المتحدة وقف التمويل، صار الاتحاد الأوروبي المانح الأكبر. لدينا مانحون كبار مثل ألمانيا والمملكة العربية السعودية. لدينا أيضاً المملكة المتحدة والسويد. وفي الخليج، لدينا المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر والكويت من أفضل 10 دول. ونحن ممتنون للغاية لليابان والنرويج.
> هل تكفي هذه الدول لتغطية الحاجات؟ ما الأرقام؟
- لدينا ميزانية قدرها 1.2 مليار دولار أميركي لجميع نشاطاتنا الحالية، لكن إذا اتبعنا مقاربة قائمة على الحاجات، وحتى لو نظرنا إلى ما نتوقعه في استراتيجيتنا المتوسطة الأجل، يجب أن يكون المبلغ بحدود 1.5 مليار دولار.
> هل تشعر بالقلق من أنك قد تحتاج إلى وقف بعض الخدمات بسبب نقص الأموال؟
- لحسن الحظ، تمكنا هذا العام من الحفاظ على الخدمات التي خططنا لتنفيذها. وفي العام الماضي، على الرغم من أننا نجحنا في سد النقص الذي واجهناه بعد خفض التمويل الأميركي، كانت هناك حصرية في التمويل الأميركي لبعض النشاطات. ففي قطاع غزة مثلاً، كان علينا اتخاذ قرار بحماية توزيع الأغذية لمليون شخص، أو الحفاظ على الدعم النفسي والاجتماعي. قللنا الدعم النفسي والاجتماعي، وهو ما يؤسفني للغاية لأنه مطلوب بشدة. لكنني فخور بالعمل الذي أنجزته الوكالة بأكملها العام الماضي، لأن ما كان على المحك هو خدماتنا لـ5.4 مليون شخص؛ ثمن الفشل الفادح في حل الصراع.
> أريد توضيحاً: لماذا لا يمكننا وضع الخدمات التي تقوم بها الأونروا تحت جهاز آخر تابع للأمم المتحدة؟ هذه واحدة من القضايا التي يثيرها الإسرائيليون والأميركيون.
- ما يتحدثون عنه أحياناً هو الإشارة إلى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بوصفها الجهة الفاعلة. هاتان وكالتان لهما ولايتان منفصلتان ومحددتان بدقة. إذا عدت إلى التاريخ، لماذا أنشئت الأونروا؟ لأن الدول الأعضاء في أواخر الأربعينات من القرن الماضي كانت مقتنعة بضرورة وجود استجابة محددة لحالة اللاجئين الفلسطينيين بعد قيام دولة إسرائيل. ولكنهم أيضاً كانوا يعتقدون أنه سيكون هناك حل سياسي سريع، ويمكن بعد ذلك حل المشكلة والتخلص تدريجياً من الأونروا، على أن تعتني مفوضية شؤون اللاجئين باللاجئين في كل أنحاء العالم. لكن هذا لم يحصل. ولا بد من القول إن الأمر مرهق بعض الشيء، وبأمانة شديدة، أن نسمع تعليقات متكررة أن الأونروا تساهم بطريقة أو بأخرى في إدامة أوضاع اللاجئين، علماً بأن سبب ذلك هو الفشل الفادح للأطراف السياسية الفاعلة في حل الصراع.
> ما الذي أوجد مشكلة اللاجئين؟
- الفشل الفادح للجهات الفاعلة السياسية في حل النزاع بين إسرائيل وفلسطين. كنا قريبين من أمر ما في عملية أوسلو. كانت هناك رؤية لمرحلة تسلم فيها الأونروا منشآتها وبعض موظفيها إلى السلطة الفلسطينية الناشئة، في الطريق إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة. لأن هذا لم يحصل سياسياً، نحن لا نزال هنا، وسنبقى هنا حتى يجري التوصل إلى حل عادل ودائم.
> نسمع كثيراً من الجانب الإسرائيلي أن تلك المدارس التي تديرها الأونروا يستخدمها الإرهابيون. وحتى في مرحلة ما، كانت هناك أسلحة قربها أو تحتها!
- العالم الذي نعيش فيه يمكن لأي شخص أن يطرح مجرد ادعاء، لا أساس له على الإطلاق ولا أساس له من الصحة، ثم يقع على عاتقنا نحن الإجابة عن السؤال. لكني سأجيب عليه لأنه مثير للاهتمام. يوجد الآن في قطاع غزة 280 ألفاً من الصبيان والبنات في مدارس الأونروا. تعليمهم لا يعتمد فقط على تعلم اللغات والرياضيات، بل أدخلنا جزءاً خاصاً يركز على حقوق الإنسان وحل الصراع والتسامح؛ هذا فريد من نوعه في المنطقة... لدى الأونروا نظام تعليمي خاص، ولدينا انتخابات كل عام، حين يقوم طلابنا بتنظيم حملات انتخابية لتمثيل زملائهم الطلاب. لدينا في غزة برلمان طلابي مركزي يتكون من 15 صبياً وفتاة. الرئيس الحالي للبرلمان الطلابي المركزي في غزة فتاة صغيرة تبلغ من العمر 15 عاماً. الآن، هذه ليست إحدى الصور التي تتبادر إلى ذهنك عندما تغمض عينيك وتفكر في غزة. نحرص على أن المحافظة على حياد التعليم في مدارسنا، لضمان اتساقها مع قيم الأمم المتحدة ومبادئها.
> لماذا لا تقبلون الاتهام الأميركي بأنكم منفصلون عن الواقع؟ فمساعدة اللاجئين في لبنان أو الأردن أو سوريا أكثر واقعية من مجرد محاولة إبقاء قضية اللاجئين على قيد الحياة. أليس كذلك؟
- أرفض تماماً حقيقة أن عمل الأونروا يبقي النزاع حياً. الوكالة تحافظ على الأمل والأفق. لقد تخرج مليونان ونصف المليون شخص من مدارسنا. التقيت كثيرين منهم ليس فقط في المنطقة، بل أيضاً في مؤتمرات هنا في الولايات المتحدة وأستراليا وسويسرا. في كل مرة ألقي فيها خطاباً في مكان ما، يأتي شخص ما لتقديم نفسه أو نفسها: أنا ابن - بنت مدارس للأونروا... للاجئين الفلسطينيين حقوق، بموجب قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي، فلماذا يجب التخلي عن وعد لم يكسر على مدار الأعوام السبعين الماضية من قضيتهم؟ نعلم أن بعض الأشخاص لا يشعرون بالارتياح لوجود اللاجئين الفلسطينيين. هؤلاء هم الذين يجعلون اللاجئين حالة خاصة، لأنه لو جرى حل هذا الصراع سياسياً، لوجدنا حلولاً لهم.
> هل الأونروا تتعرض لهجوم؟ ولماذا؟
- العالم الذي نعيش فيه في وضعٍ مزرٍ (...) ماذا ورثنا بعد الحرب العالمية الثانية؟ ورثنا ميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقات جنيف، التي تطبق في حالات النزاع المسلح (...) واليوم لدينا اتجاه يعتقد فيه البعض أن هذا لم يعد ذا صلة بعالم اليوم، لذلك هم مستعدون للتخلص من الإرث الذي ورثناه. يريدون أن نعتقد أن هذا سيقودنا إلى عالم أفضل؟ لا. الأونروا تتعرض للهجوم على عدد من الجبهات، ولكن ربما يتعين علينا أن نقبل ذلك، باعتباره ثمن العمل في واحدة من أكثر المناطق استقطاباً في الكوكب.
> لو سنحت لك الفرصة لرؤية الرئيس دونالد ترمب، ماذا تقول له؟
- أود أن أتحدث معه حول التأثير على حياة البشر، وما نفعله من أجل الناس، الأطفال. وأنا متأكد تماماً أنه، مثل أي شخص، لو قابل طالباً من الأونروا، سيبدي إعجابه بنوعية هؤلاء الطلاب.
> أنت ستقنعه برؤية طلاب الأونروا؟
- لم لا؟ سأكون سعيداً للغاية بمقابلة أي شخص مع طلاب الأونروا. أعتقد أنه لا يوجد سفراء أفضل من طلاب الأونروا.



اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.