لافروف لـ «الشرق الأوسط»: لا نتمسك بأشخاص في سوريا... وتقدم الحل يطرح عودتها لـ«العائلة العربية»

وزير الخارجية الروسي أكد أن الملك سلمان وبوتين يضعان ملامح العلاقات الثنائية والأمير محمد يقدم مساهمة وازنة جداً

سيرغي لافروف (الشرق الأوسط)
سيرغي لافروف (الشرق الأوسط)
TT

لافروف لـ «الشرق الأوسط»: لا نتمسك بأشخاص في سوريا... وتقدم الحل يطرح عودتها لـ«العائلة العربية»

سيرغي لافروف (الشرق الأوسط)
سيرغي لافروف (الشرق الأوسط)

رحب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في حديث إلى «الشرق الأوسط» بتشكيل اللجنة الدستورية السورية «بناءً على قرار مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي» بداية العام الماضي، لافتاً إلى أن التقدم على المسار السياسي في سوريا «سيطرح ملفاً تم طرحه منذ وقت طويل حول ضرورة عودة سوريا إلى العائلة العربية، والمقصود جامعة الدول العربية. والكثير هنا سيتوقف على موقف المملكة العربية السعودية؛ لأن صوتها مسموع في المنطقة وخارجها».
وسئل ما إذا كان التدخل الروسي في سوريا استهدف «إنقاذ النظام»، فأجاب: «فيما يتعلق بفكرة إنقاذ النظام عليّ أن ألاحظ التالي: سياساتنا الخارجية لم تقم في أي يوم على شخصنة الأحداث، نحن لا نتمسك بأشخاص محددين، ولا نقف مع أحد ما ضد شخص آخر». وأضاف أن موسكو «لبّت طلب السلطات السورية وقدمنا لها المساعدة في الحرب على الإرهاب».
وكان لافروف يتحدث لـ«الشرق الأوسط» قبل الزيارة المقبلة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى السعودية، حيث قال إن العلاقات بين موسكو والرياض تقوم «على الصداقة والتنوع في المصالح الثنائية، وعلى أساس مبادئ المساواة والاحترام المتبادل ومراعاة المصالح للطرفين. وأسس لهذا التوجه بشكل شخصي قائدا البلدين، الرئيس بوتين وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز. من خلال المحافظة على التواصل بشكل دائم، يقومان بوضع الملامح الرئيسية للاتصالات الثنائية، ويتابعان تنفيذ المشروعات ذات الأولوية المتفق عليها. وثمة إسهام وازن جداً لهذا الجهد يقدمه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان». وأضاف أن هناك «أهمية خاصة للزيارة المقبلة للرئيس بوتين إلى المملكة، وأنا على ثقة بأن المحادثات على أعلى مستوى ستمنح دفعة قوية إضافية لشراكتنا المتعددة الجوانب، وستضعها على مستوى جديد، وستعزز الفهم المتبادل بين شعبينا».
على صعيد آخر، سئل لافروف عن الوجود الإيراني في سوريا، فقال: إن «الأساس الوحيد الشرعي للاعبين الخارجيين على الأرض السورية، يمكن أن يقوم على دعوة السلطات الشرعية، أو استناداً إلى قرار بهذا الشأن من جانب مجلس الأمن». وأضاف: «إيران موجودة في سوريا بطلب من دمشق، خلافاً للولايات المتحدة (...) عندما تُهزم عناصر داعش الرئيسية في سوريا، تبرز أسئلة حول الغرض من استمرار الوجود الأميركي على الأراضي السورية. هناك شعور قوي بأن مهمة واشنطن هي منع استعادة السلامة الإقليمية لسوريا، في انتهاك مباشر لقرار مجلس الأمن 2254». وأعرب عن الأمل أن تفي الولايات المتحدة بالوعد الذي قطعه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ديسمبر (كانون الأول) 2018 بـ«سحب القوات الأميركية من سوريا».
وقال لافروف رداً على سؤال يتعلق بالغارات الإسرائيلية على «مواقع إيرانية» في سوريا: «لم نخف أبداً موقفاً سلبياً تجاه مثل هذه الأعمال، التي تزيد من زعزعة استقرار الوضع، ويمكن أن تؤدي إلى تصعيد وحتى إلى إخراج الوضع عن السيطرة. يجب ألا تصبح سوريا منصة لتنفيذ خطط ما أو (لتسوية الحسابات). يجب أن تكون المهمة الرئيسية لجميع القوى المسؤولة هي المساعدة في إعادة السلام إلى الأراضي السورية».
وتناول لافروف النظام العالمي الجديد «متعدد الأقطاب» والسياسيات الأميركية والغربية والعلاقات بين واشنطن وموسكو والوضع في العالم العربي والخليج. وتحدث مجدداً عن المبادرة الروسية لأمن الخليج، قائلاً: «تم عرض نسخته (الاقتراح) المحدثة بشكل رسمي من الخارجية الروسية في يوليو (تموز) الماضي. المبادرة تفترض وضع أجندة إقليمية إيجابية وتوحيدية، وتأسيس آليات لعمل مشترك لمواجهة التحديات والمخاطر. المقصود إطلاق عملية هادفة وتدريجية يتم من خلالها مراعاة آراء كل الأطراف. بهذا المعنى فإن مبادرتنا تتميز عن المشروعات الأخرى المطروحة التي تقوم على مبدأ: (معنا) و(ضدنا) وتؤسس لترسيخ خطوط فاصلة جديدة».
هنا نص أجوبة لافروف عن أسئلة خطية بعثت بها «الشرق الأوسط»:

> يتحدث كثيرون اليوم عن بروز نظام دولي جديد، تغيرت موازين القوى فيه عما كان الحال في المرحلة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، هل تتفقون مع هذا الطرح؟
- وضع عام 1991 خطاً فاصلاً لعهد المواجهة ثنائية القطبية، وظهرت فرصة حقيقية لبناء نظام دولي عادل، وراسخ، مبنيٍّ على التعاون، وبشكل كان يمكن أن يلبّي مصالح كل أطراف المجتمع الدولي من دون استثناء.
للأسف، بلدان «الغرب التاريخي» تجاهلت هذه الفرصة. ومن خلال الإصرار على مقولة «نهاية التاريخ» ومنح نفسها صفة «المنتصر في الحرب الباردة»، فإن واشنطن وعدداً من العواصم الغربية الأخرى راهنت على تكريس هيمنتها على الشؤون الدولية. واستخدمت الولايات المتحدة وحليفاتها في الغرب القوة العسكرية كوسيلة لتحقيق هذه الأهداف، إلى جانب سياسة العقوبات، والابتزاز، والضغوط وتزوير الحقائق.
كما أن عمليات التدخل العسكري والحروب التي انتهكت القانون الدولي أسفرت عن زعزعة الأوضاع في مناطق بأكملها. على الرغم من الفشل والضرر الواضحين والناجمين عن هذه السياسة وللأسف، فإن فكرة تأسيس نظام عالمي يتم توجيهه وقيادة من الغرب ما زالت تسيطر على أذهان بعض النخب في جانبي الأطلسي.
لكنّ وقف مسار التاريخ ليس ممكناً، ومنذ بداية القرن الجديد مر المشهد الجيوسياسي للعالم بتبدلات جذرية، ذلك بالدرجة الأولى بفضل بروز وتعزيز أقطاب عالمية جديدة، تعمل على الانخراط بنجاح وفعالية في عمليات الإدارة العالمية، وتأخذ على عاتقها بثقة المسؤولية عن دعم الأمن والاستقرار في مناطقها. على سبيل المثال، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، تقلصت حصة «مجموعة السبع» في الاقتصاد العالمي، وفقاً لمعايير القدرة الشرائية من 46 إلى 30%. في المقابل، فإن ثقل البلدان ذات الأسواق النامية، على العكس من ذلك، يتسع باطّراد.
ليست مجرد صدفة أن القضايا المحورية والرئيسية في العالم المعاصر يتم طرحها تحديداً في «مجموعة العشرين» التي تعزز مكانتها باعتبارها الآلية الأكثر ثقة وتمثيلاً للمتطلبات الواقعية في القرن الـ21، للقيادة الجماعية للدول الرائدة.
ويتم تعزيز مكانة وتأثير مجموعات متعددة الأطراف من طراز جديد، مثل منظمتي «شانغهاي» و«بريكس».
> نظام متعدد الأقطاب؟
- البناء متعدد الأقطاب للنظام الدولي يعكس بشكل موضوعي التنوع الثقافي – الحضاري للعالم المعاصر، وتطلعات الشعوب إلى اختيار طرق وآليات تطورها بشكل مستقل، ويلبي عاداتها وتقاليدها.
بهذه الطريقة فإن بلورة مركز متعدد الأقطاب للنظام الدولي تغدو أكثر تمثيلاً وبالتالي أكثر عدلاً. ومن المهم، أن يكون أكثر استقراراً ورسوخاً ومريحاً أكثر لكل البلدان.
ومن الصعب في هذا الشأن التقليل من أهمية دور الدبلوماسية. فقط على أساس الحوار القائم على الاحترام المتبادل، مع التركيز على القانون الدولي، وبالدرجة الأولى على النظام الداخلي لمنظمة الأمم المتحدة، يمكننا أن نعمل بشكل فعال على تجاوز المشكلات الكثيرة ذات الطابع العالمي، مثل الإرهاب، وتجارة السلاح غير المشروعة، والمخدرات، والتحديات على صعيد الهجرة والمناخ، وعدم السماح بتوسيع الصراعات المذهبية والدينية والقومية. روسيا كعضو دائم في مجلس الأمن، تعد أحد الضامنين الأساسيين للأمن والاستقرار في العالم، وستعمل على دعم هذه التوجهات بكل جهد.
> يتهم البعض روسيا بمواصلة المحاولات لإضعاف الغرب بشكل جدّي، وبأنها تبذل مساعي لاختراق أوروبا عبر تركيا وأوكرانيا، كيف تعلقون على ذلك؟
- في إطار الحرب الإعلامية الكبرى الموجّهة ضد روسيا، يتم اتهامنا بكل «الخطايا» بما في ذلك محاولات شق صفوف الاتحاد الأوروبي، أو على سبيل المثال إضعاف ما يسمى «التضامن الأوروأطلسي».
هذا لا يطابق الواقع، نحن لا نفكر بتلك الطريقة. ولا يدخل ضمن قواعدنا أن نلوي ذراع الشركاء، وأن نضعهم أمام خيار: «إما معنا وإما ضدنا»، ناهيك من محاولات التدخل في شؤونهم الداخلية. هنا بالمناسبة، يكمن الفارق المبدئي والجوهري عن واشنطن وعدد من العواصم التي تكاد هذه الممارسات بالنسبة إليها تدخل في إطار الحال الطبيعية لتصرفاتها.
ولا داعي لأن نذهب بعيداً في ضرب الأمثلة. يكفي أن نتذكر الغزو العسكري للعراق، والتدخل الخارجي في أحداث «الربيع العربي»، أو دعم الاستيلاء العسكري على السلطة في أوكرانيا في فبراير (شباط) 2014، الذي هدف إلى زرع الفتنة بين شعبين شقيقين، وإطلاق شرارة التوتر على الحدود مع روسيا. واليوم، نرى محاولات لزعزعة سيادة فنزويلا.
لذلك، فإن أولئك الذين يوجّهون الاتهامات إلينا، عليهم التوقف عن المقامرة «بألعاب تعادل جيوسياسية»، وتقسيم المناطق إلى مناطق نفوذ، وعليهم البدء بالالتزام بالمعايير الموثقة في النظام الداخلي للأمم المتحدة، حول آليات وقواعد التعامل بين الحكومات. روسيا، كانت وستبقى منفتحة لتعاون نزيه ومتكافئ يراعي مصالح كل الأطراف، مع كل البلدان والمجموعات الاتحادية من دون استثناء.
كل شريك أجنبي بالنسبة إلينا له أهميته ومكانته، هذا ينسحب على الاتحاد الأوروبي، جارنا الذي تربطنا به علاقات تجارية واقتصادية وثيقة.
> ما توقعاتكم من الزيارة التي سيقوم بها الرئيس فلاديمير بوتين للمملكة العربية السعودية؟ وكيف تصفون العلاقات الروسية - السعودية وآفاق التعاون في مجالات الحرب على الإرهاب، وتسوية الأزمة في اليمن وسوريا، والصراع الفلسطيني- الإسرائيلي؟
- تقوم العلاقات الروسية - السعودية على الصداقة والتنوع في المصالح الثنائية وعلى أساس مبادئ المساواة والاحترام المتبادل ومراعاة المصالح للطرفين. وقد أسّس لهذا التوجه بشكل شخصي قائدا البلدين، الرئيس فلاديمير بوتين وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز. من خلال المحافظة على التواصل بشكل دائم، يقومان بوضع الملامح الرئيسية للاتصالات الثنائية، ويتابعان تنفيذ المشروعات ذات الأولوية المتفق عليها. وثمة إسهام وازن جداً لهذا الجهد يقدمه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
بلدانا يوسّعان التعاون في أوسع طيف من الاتجاهات، وتم ترسيخ حوار سياسي نشط، وتبادل واسع للزيارات على مستويات الوفود بين البلدين. وتعمل بشكل ناجح اللجنة الحكومية المشتركة للتعاون الاقتصادي التجاري، والتعاون في المجالات العلمية التقنية. ويتم تطوير الاتصالات المباشرة بين أوساط المال والأعمال في البلدين، بما في ذلك على أرضية مجلس الأعمال الروسي - العربي.
ولا بد من الإشارة، إلى تطور العلاقات على صعيد الاستثمارات، وفي إطار صندوقي الاستثمارات الحكوميَّين يتم العمل للتوافق على مشروعات محتملة على قاعدة مشتركة تصل قيمتها إلى نحو 10 مليارات دولار.
وتتم المحافظة على آفاق واعدة للتعاون في مجالات مثل الصناعة والطاقة والزراعة والبنى التحتية والمواصلات والموارد الطبيعية والتقنيات المتقدمة. وأيضاً ثمة نشاط مشترك للمحافظة على تنسيق وثيق في شأن الوضع في الأسواق العالمية للنفط.
ونحن نشكر الأصدقاء السعوديين على كرم الضيافة التقليدي والمعروف، تجاه الحجاج الروس الذين يزورون المشاعر المقدسة في مواسم الحج.
موسكو والرياض تنطلقان معاً من مواقف متضامنة تجاه عدد واسع من المسائل الحيوية على الأجندة الدولية حالياً. نحن معاً مع التوصل إلى حلول للأزمات في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك في سوريا واليمن عبر الآليات السياسية الدبلوماسية.
وأريد أن ألفت الأنظار بشكل خاص إلى دور المملكة العربية السعودية في تسوية المشكلة الفلسطينية على أساس مبدأ الدولتين لشعبين، وأذكر أن الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، كان صاحب المبادرة لوضع أحد أبرز وأهم الوثائق التي تحظى باعتراف دولي، وهي مبادرة السلام العربية في عام 2002.
روسيا والمملكة العربية السعودية تدعمان مواصلة مكافحة الإرهاب بشكل حازم، ومواقفنا متفقة حول حجم الضرر الذي يُلحقه الفكر المتطرف، وبلدانا يعرفان وجرّبا بشكل مباشر هذا الخطر، لذلك مواقفنا متطابقة في أنه لا يمكن تقسيم المتطرفين إلى «معنا» أو «ضدنا» أو استخدامهم لتحقيق مآرب.
> ما توقعاتكم من زيارة الرئيس بوتين؟
- على هذه الخلفية لا يمكن التقليل من الأهمية الخاصة للزيارة المقبلة للرئيس بوتين إلى المملكة، وأنا على ثقة بأن المحادثات الروسية - السعودية على أعلى مستوى ستمنح دفعة قوية إضافية لشراكتنا متعددة الجوانب، وستضعها على مستوى جديد، وستعزز الفهم المتبادل بين شعبينا.
> روسيا وضعت رؤيتها للأمن المشترك في منطقة الخليج، ما ردود الفعل؟ هل ثمة تنافس هنا مع اقتراحات وخطط الولايات المتحدة؟ هناك من يقول إن العقوبات الأميركية المفروضة على إيران قد تسفر عن نزاع مسلح في المنطقة؟
- تطوُّر الوضع في منطقة الخليج وصل إلى مستويات خطرة، والوضع المتفجر في المنطقة يعد بالدرجة الأولى نتيجة لسياسات واشنطن غير المسؤولة، التي لم تكتفِ بالتنصل من التزاماتها بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة التي تم إقرارها في مجلس الأمن بالقرار 2231، بل أمعنت في تصرفات استفزازية أسفرت عن تصعيد التوتر.
النتيجة، أن خطر اندلاع مواجهة عسكرية كبرى بات يلوح. هذا السيناريو يدفعنا إلى القلق بشكل جدي، ولا يمكن السماح بانزلاق المنطقة نحو مواجهة عسكرية مدمرة، يمكن أن تسفر عن تداعيات كارثية ليس على بلدان الخليج فقط بل وعلى العالم كله.
الاقتراح الروسي حول تقليص مستوى التوتر تبلور في مبادرة للأمن في منطقة الخليج، وتم عرض نسخته المحدثة بشكل رسمي من جانب وزارة الخارجية الروسية، في يوليو الماضي. المبادرة تفترض وضع أجندة إقليمية إيجابية وتوحيدية، وتأسيس آليات لعمل مشترك لمواجهة التحديات والمخاطر. المقصود إطلاق عملية هادفة وتدريجية يتم من خلالها مراعاة آراء كل الأطراف. بهذا المعنى فإن مبادرتنا تتميز عن المشروعات الأخرى المطروحة التي تقوم على مبدأ: «معنا» و«ضدنا» وتؤسس لترسيخ خطوط فاصلة جديدة.
وبهدف دفع العمل النوعي لبلورة أفكارنا، اقترحنا البدء بنقاش على مستوى أوساط الخبراء، وفي 18 و19 سبتمبر تم في موسكو في معهد الاستشراق، الأكاديمية الروسية للعلوم، تنظيم طاولة مستديرة شارك فيها نحو 30 خبيراً من روسيا وإيران والبلدان العربية والصين وفرنسا والهند وبريطانيا، ونأمل أن دائرة الأوساط المشاركة في النقاشات ستتسع أكثر.
> ماذا عن سوريا؟ كيف تقيّمون آفاق التسوية السياسية؟ أنتم تدعمون تبني دستور جديد لسوريا أم الاستناد إلى دستور عام 2012؟
- روسيا بلا شك، تدعم التسوية السياسية الدبلوماسية للصراع، من خلال الحوار الشامل بين مكونات الشعب السوري.
الآن، وبعد ضرب الوجود الإرهابي، تم تأسيس الظروف لتسريع العملية السياسية، وفي الفترة الأخيرة تم التقدم بخطوة مهمة في هذا الاتجاه عبر الانتهاء من عملية تشكيل اللجنة الدستورية، وبناءً على قرار مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي، فإن روسيا كدولة ضامنة في إطار «مسار آستانة» عملت الكثير من أجل التوصل إلى هذه النتيجة بما في ذلك من خلال الاتصالات النشطة مع الحكومة السورية وأطراف المعارضة.
ننطلق من أن إطلاق عمل اللجنة الدستورية في جنيف سيقدم دَفعة لكل العملية السياسية في سوريا، والمهم أن السوريين بأنفسهم من دون تدخل أو ضغوط خارجية عليهم أن يحددوا مستقبل بلدهم، كما نص على ذلك القرار 2254، وهذا ينسحب على ملف الدستور، و«ثلاثية آستانة» ستدعم هذا العمل.
التقدم على المسار السياسي يطرح ملفاً تم طرحه منذ وقت طويل حول ضرورة عودة سوريا إلى «العائلة العربية» والمقصود جامعة الدول العربية. والكثير هنا سيتوقف على موقف المملكة العربية السعودية، لأن صوتها مسموع في المنطقة وخارجها.
> روسيا أنقذت النظام بعد تدخلها، هل ستتم ممارسة ضغوط للانضواء بالحل السياسي؟
- فيما يتعلق بفكرة «إنقاذ النظام» عليّ أن ألاحظ التالي: سياساتنا الخارجية لم تقم في أي يوم على شخصنة الأحداث، نحن لا نتمسك بأشخاص محددين، ولا نقف مع أحد ما ضد شخص آخر.
لقد لبّينا طلب السلطات السورية وقدمنا لها المساعدة في الحرب على الإرهاب. وكما هو معروف في سوريا إلى جانب الهياكل الإرهابية، قاتل آلاف من الأشخاص من روسيا وبلدان الرابطة المستقلة، الذين كان يمكن في المستقبل أن يعودوا إلى بلدنا لتنفيذ الاعتداءات الإرهابية وإطلاق نشاطات هدامة.
بكلمات أخرى، فإن الأمر يتعلق بتدمير المتطرفين، الذين مهّدوا لمقاربات بعيدة، والذين كانوا يهدفون أيضاً إلى خلق خلافة شبه دولة على مساحات شاسعة من الشرق الأوسط. من الواضح أن تنفيذ مثل هذا السيناريو كان سيتحول إلى كارثة، ليس فقط بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وحسب، ولكن أيضاً للعالم ككل.
> هل يمكن لروسيا أن تُخرج إيران من سوريا، أو أن تقلص نفوذها؟ ولماذا سوريا هي المنطقة الوحيدة التي يمكن لروسيا والولايات المتحدة أن تعملا فيها بشكل مشترك؟
- ما يتعلق بموضوع وجود اللاعبين الخارجيين على الأرض السورية، (مثل أي وجود خارجي على أرض أي بلد) يمكنني قول التالي: الأساس الوحيد الشرعي لمثل هذا الوجود يمكن أن يقوم على دعوة السلطات الشرعية، أو استناداً إلى قرار بهذا الشأن من جانب مجلس الأمن. إيران موجودة في سوريا بطلب من دمشق، خلافاً للولايات المتحدة على سبيل المثال، التي «اشتهرت» على مستوى العالم كله من خلال أعمال عسكرية غير قانونية معادية لسوريا. على وجه الخصوص، أعني الهجمات الصاروخية في 7 أبريل (نيسان) 2017 و14 أبريل 2018.
واليوم، عندما تُهزم قوات «داعش» الرئيسية في سوريا، تبرز أسئلة حول الغرض من استمرار الوجود الأميركي على الأراضي السورية. هناك شعور قوي بأن مهمة واشنطن هي منع استعادة السلامة الإقليمية لسوريا، في انتهاك مباشر لقرار مجلس الأمن 2254، ونأمل أن تفي الولايات المتحدة بالوعد الذي قطعه (الرئيس) دونالد ترمب في ديسمبر (كانون الأول) 2018 بسحب القوات الأميركية من سوريا.
مع ذلك، وعلى الرغم من الاختلافات، أظهرت روسيا والولايات المتحدة أنهما يمكنهما التعاون في الملف السوري. ينبغي ألا ننسى أن الاتفاق الروسي - الأميركي بشأن تجريد سوريا من الأسلحة الكيماوية في عام 2013 هو الذي مكّن من منع سيناريو استخدام القوة. للمرة الأولى أيضاً، تم تطبيق وقف الأعمال القتالية في سوريا عام 2016 استناداً إلى قرار موسكو وواشنطن.
وتمكّن عسكريّونا بالفعل، من إقامة تفاعل جيد في سوريا، لضمان سلامة الطلعات الجوية، وتم وضع آلية خاصة لتقديم المساعدات في حالات الأزمات، والتوافق على قواعد لتعامل طواقم الطيران. بفضل هذا، تم منع وقوع حوادث تهدد أمن العسكريين الروس والأميركيين.
> كيف تنظرون إلى مخاطر وقوع مواجهة كبرى بين إيران وإسرائيل إذا واصلت الأخيرة توجيه ضربات إلى منشآت ومواقع عسكرية إيرانية في سوريا؟
- فيما يتعلق بالغارات الجوية الإسرائيلية التعسفية على الأراضي السورية، فإننا لم نخف أبداً موقفاً سلبياً تجاه مثل هذه الأعمال التي تزيد من زعزعة استقرار الوضع ويمكن أن تؤدي إلى تصعيد وحتى إلى إخراج الوضع عن السيطرة. يجب ألا تصبح سوريا منصة لتنفيذ خطط ما أو لـ«تسوية الحسابات». يجب أن تكون المهمة الرئيسية لجميع القوى المسؤولة هي المساعدة في إعادة السلام إلى الأراضي السورية.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.