لافروف لـ «الشرق الأوسط»: لا نتمسك بأشخاص في سوريا... وتقدم الحل يطرح عودتها لـ«العائلة العربية»

وزير الخارجية الروسي أكد أن الملك سلمان وبوتين يضعان ملامح العلاقات الثنائية والأمير محمد يقدم مساهمة وازنة جداً

سيرغي لافروف (الشرق الأوسط)
سيرغي لافروف (الشرق الأوسط)
TT

لافروف لـ «الشرق الأوسط»: لا نتمسك بأشخاص في سوريا... وتقدم الحل يطرح عودتها لـ«العائلة العربية»

سيرغي لافروف (الشرق الأوسط)
سيرغي لافروف (الشرق الأوسط)

رحب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في حديث إلى «الشرق الأوسط» بتشكيل اللجنة الدستورية السورية «بناءً على قرار مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي» بداية العام الماضي، لافتاً إلى أن التقدم على المسار السياسي في سوريا «سيطرح ملفاً تم طرحه منذ وقت طويل حول ضرورة عودة سوريا إلى العائلة العربية، والمقصود جامعة الدول العربية. والكثير هنا سيتوقف على موقف المملكة العربية السعودية؛ لأن صوتها مسموع في المنطقة وخارجها».
وسئل ما إذا كان التدخل الروسي في سوريا استهدف «إنقاذ النظام»، فأجاب: «فيما يتعلق بفكرة إنقاذ النظام عليّ أن ألاحظ التالي: سياساتنا الخارجية لم تقم في أي يوم على شخصنة الأحداث، نحن لا نتمسك بأشخاص محددين، ولا نقف مع أحد ما ضد شخص آخر». وأضاف أن موسكو «لبّت طلب السلطات السورية وقدمنا لها المساعدة في الحرب على الإرهاب».
وكان لافروف يتحدث لـ«الشرق الأوسط» قبل الزيارة المقبلة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى السعودية، حيث قال إن العلاقات بين موسكو والرياض تقوم «على الصداقة والتنوع في المصالح الثنائية، وعلى أساس مبادئ المساواة والاحترام المتبادل ومراعاة المصالح للطرفين. وأسس لهذا التوجه بشكل شخصي قائدا البلدين، الرئيس بوتين وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز. من خلال المحافظة على التواصل بشكل دائم، يقومان بوضع الملامح الرئيسية للاتصالات الثنائية، ويتابعان تنفيذ المشروعات ذات الأولوية المتفق عليها. وثمة إسهام وازن جداً لهذا الجهد يقدمه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان». وأضاف أن هناك «أهمية خاصة للزيارة المقبلة للرئيس بوتين إلى المملكة، وأنا على ثقة بأن المحادثات على أعلى مستوى ستمنح دفعة قوية إضافية لشراكتنا المتعددة الجوانب، وستضعها على مستوى جديد، وستعزز الفهم المتبادل بين شعبينا».
على صعيد آخر، سئل لافروف عن الوجود الإيراني في سوريا، فقال: إن «الأساس الوحيد الشرعي للاعبين الخارجيين على الأرض السورية، يمكن أن يقوم على دعوة السلطات الشرعية، أو استناداً إلى قرار بهذا الشأن من جانب مجلس الأمن». وأضاف: «إيران موجودة في سوريا بطلب من دمشق، خلافاً للولايات المتحدة (...) عندما تُهزم عناصر داعش الرئيسية في سوريا، تبرز أسئلة حول الغرض من استمرار الوجود الأميركي على الأراضي السورية. هناك شعور قوي بأن مهمة واشنطن هي منع استعادة السلامة الإقليمية لسوريا، في انتهاك مباشر لقرار مجلس الأمن 2254». وأعرب عن الأمل أن تفي الولايات المتحدة بالوعد الذي قطعه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ديسمبر (كانون الأول) 2018 بـ«سحب القوات الأميركية من سوريا».
وقال لافروف رداً على سؤال يتعلق بالغارات الإسرائيلية على «مواقع إيرانية» في سوريا: «لم نخف أبداً موقفاً سلبياً تجاه مثل هذه الأعمال، التي تزيد من زعزعة استقرار الوضع، ويمكن أن تؤدي إلى تصعيد وحتى إلى إخراج الوضع عن السيطرة. يجب ألا تصبح سوريا منصة لتنفيذ خطط ما أو (لتسوية الحسابات). يجب أن تكون المهمة الرئيسية لجميع القوى المسؤولة هي المساعدة في إعادة السلام إلى الأراضي السورية».
وتناول لافروف النظام العالمي الجديد «متعدد الأقطاب» والسياسيات الأميركية والغربية والعلاقات بين واشنطن وموسكو والوضع في العالم العربي والخليج. وتحدث مجدداً عن المبادرة الروسية لأمن الخليج، قائلاً: «تم عرض نسخته (الاقتراح) المحدثة بشكل رسمي من الخارجية الروسية في يوليو (تموز) الماضي. المبادرة تفترض وضع أجندة إقليمية إيجابية وتوحيدية، وتأسيس آليات لعمل مشترك لمواجهة التحديات والمخاطر. المقصود إطلاق عملية هادفة وتدريجية يتم من خلالها مراعاة آراء كل الأطراف. بهذا المعنى فإن مبادرتنا تتميز عن المشروعات الأخرى المطروحة التي تقوم على مبدأ: (معنا) و(ضدنا) وتؤسس لترسيخ خطوط فاصلة جديدة».
هنا نص أجوبة لافروف عن أسئلة خطية بعثت بها «الشرق الأوسط»:

> يتحدث كثيرون اليوم عن بروز نظام دولي جديد، تغيرت موازين القوى فيه عما كان الحال في المرحلة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، هل تتفقون مع هذا الطرح؟
- وضع عام 1991 خطاً فاصلاً لعهد المواجهة ثنائية القطبية، وظهرت فرصة حقيقية لبناء نظام دولي عادل، وراسخ، مبنيٍّ على التعاون، وبشكل كان يمكن أن يلبّي مصالح كل أطراف المجتمع الدولي من دون استثناء.
للأسف، بلدان «الغرب التاريخي» تجاهلت هذه الفرصة. ومن خلال الإصرار على مقولة «نهاية التاريخ» ومنح نفسها صفة «المنتصر في الحرب الباردة»، فإن واشنطن وعدداً من العواصم الغربية الأخرى راهنت على تكريس هيمنتها على الشؤون الدولية. واستخدمت الولايات المتحدة وحليفاتها في الغرب القوة العسكرية كوسيلة لتحقيق هذه الأهداف، إلى جانب سياسة العقوبات، والابتزاز، والضغوط وتزوير الحقائق.
كما أن عمليات التدخل العسكري والحروب التي انتهكت القانون الدولي أسفرت عن زعزعة الأوضاع في مناطق بأكملها. على الرغم من الفشل والضرر الواضحين والناجمين عن هذه السياسة وللأسف، فإن فكرة تأسيس نظام عالمي يتم توجيهه وقيادة من الغرب ما زالت تسيطر على أذهان بعض النخب في جانبي الأطلسي.
لكنّ وقف مسار التاريخ ليس ممكناً، ومنذ بداية القرن الجديد مر المشهد الجيوسياسي للعالم بتبدلات جذرية، ذلك بالدرجة الأولى بفضل بروز وتعزيز أقطاب عالمية جديدة، تعمل على الانخراط بنجاح وفعالية في عمليات الإدارة العالمية، وتأخذ على عاتقها بثقة المسؤولية عن دعم الأمن والاستقرار في مناطقها. على سبيل المثال، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، تقلصت حصة «مجموعة السبع» في الاقتصاد العالمي، وفقاً لمعايير القدرة الشرائية من 46 إلى 30%. في المقابل، فإن ثقل البلدان ذات الأسواق النامية، على العكس من ذلك، يتسع باطّراد.
ليست مجرد صدفة أن القضايا المحورية والرئيسية في العالم المعاصر يتم طرحها تحديداً في «مجموعة العشرين» التي تعزز مكانتها باعتبارها الآلية الأكثر ثقة وتمثيلاً للمتطلبات الواقعية في القرن الـ21، للقيادة الجماعية للدول الرائدة.
ويتم تعزيز مكانة وتأثير مجموعات متعددة الأطراف من طراز جديد، مثل منظمتي «شانغهاي» و«بريكس».
> نظام متعدد الأقطاب؟
- البناء متعدد الأقطاب للنظام الدولي يعكس بشكل موضوعي التنوع الثقافي – الحضاري للعالم المعاصر، وتطلعات الشعوب إلى اختيار طرق وآليات تطورها بشكل مستقل، ويلبي عاداتها وتقاليدها.
بهذه الطريقة فإن بلورة مركز متعدد الأقطاب للنظام الدولي تغدو أكثر تمثيلاً وبالتالي أكثر عدلاً. ومن المهم، أن يكون أكثر استقراراً ورسوخاً ومريحاً أكثر لكل البلدان.
ومن الصعب في هذا الشأن التقليل من أهمية دور الدبلوماسية. فقط على أساس الحوار القائم على الاحترام المتبادل، مع التركيز على القانون الدولي، وبالدرجة الأولى على النظام الداخلي لمنظمة الأمم المتحدة، يمكننا أن نعمل بشكل فعال على تجاوز المشكلات الكثيرة ذات الطابع العالمي، مثل الإرهاب، وتجارة السلاح غير المشروعة، والمخدرات، والتحديات على صعيد الهجرة والمناخ، وعدم السماح بتوسيع الصراعات المذهبية والدينية والقومية. روسيا كعضو دائم في مجلس الأمن، تعد أحد الضامنين الأساسيين للأمن والاستقرار في العالم، وستعمل على دعم هذه التوجهات بكل جهد.
> يتهم البعض روسيا بمواصلة المحاولات لإضعاف الغرب بشكل جدّي، وبأنها تبذل مساعي لاختراق أوروبا عبر تركيا وأوكرانيا، كيف تعلقون على ذلك؟
- في إطار الحرب الإعلامية الكبرى الموجّهة ضد روسيا، يتم اتهامنا بكل «الخطايا» بما في ذلك محاولات شق صفوف الاتحاد الأوروبي، أو على سبيل المثال إضعاف ما يسمى «التضامن الأوروأطلسي».
هذا لا يطابق الواقع، نحن لا نفكر بتلك الطريقة. ولا يدخل ضمن قواعدنا أن نلوي ذراع الشركاء، وأن نضعهم أمام خيار: «إما معنا وإما ضدنا»، ناهيك من محاولات التدخل في شؤونهم الداخلية. هنا بالمناسبة، يكمن الفارق المبدئي والجوهري عن واشنطن وعدد من العواصم التي تكاد هذه الممارسات بالنسبة إليها تدخل في إطار الحال الطبيعية لتصرفاتها.
ولا داعي لأن نذهب بعيداً في ضرب الأمثلة. يكفي أن نتذكر الغزو العسكري للعراق، والتدخل الخارجي في أحداث «الربيع العربي»، أو دعم الاستيلاء العسكري على السلطة في أوكرانيا في فبراير (شباط) 2014، الذي هدف إلى زرع الفتنة بين شعبين شقيقين، وإطلاق شرارة التوتر على الحدود مع روسيا. واليوم، نرى محاولات لزعزعة سيادة فنزويلا.
لذلك، فإن أولئك الذين يوجّهون الاتهامات إلينا، عليهم التوقف عن المقامرة «بألعاب تعادل جيوسياسية»، وتقسيم المناطق إلى مناطق نفوذ، وعليهم البدء بالالتزام بالمعايير الموثقة في النظام الداخلي للأمم المتحدة، حول آليات وقواعد التعامل بين الحكومات. روسيا، كانت وستبقى منفتحة لتعاون نزيه ومتكافئ يراعي مصالح كل الأطراف، مع كل البلدان والمجموعات الاتحادية من دون استثناء.
كل شريك أجنبي بالنسبة إلينا له أهميته ومكانته، هذا ينسحب على الاتحاد الأوروبي، جارنا الذي تربطنا به علاقات تجارية واقتصادية وثيقة.
> ما توقعاتكم من الزيارة التي سيقوم بها الرئيس فلاديمير بوتين للمملكة العربية السعودية؟ وكيف تصفون العلاقات الروسية - السعودية وآفاق التعاون في مجالات الحرب على الإرهاب، وتسوية الأزمة في اليمن وسوريا، والصراع الفلسطيني- الإسرائيلي؟
- تقوم العلاقات الروسية - السعودية على الصداقة والتنوع في المصالح الثنائية وعلى أساس مبادئ المساواة والاحترام المتبادل ومراعاة المصالح للطرفين. وقد أسّس لهذا التوجه بشكل شخصي قائدا البلدين، الرئيس فلاديمير بوتين وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز. من خلال المحافظة على التواصل بشكل دائم، يقومان بوضع الملامح الرئيسية للاتصالات الثنائية، ويتابعان تنفيذ المشروعات ذات الأولوية المتفق عليها. وثمة إسهام وازن جداً لهذا الجهد يقدمه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
بلدانا يوسّعان التعاون في أوسع طيف من الاتجاهات، وتم ترسيخ حوار سياسي نشط، وتبادل واسع للزيارات على مستويات الوفود بين البلدين. وتعمل بشكل ناجح اللجنة الحكومية المشتركة للتعاون الاقتصادي التجاري، والتعاون في المجالات العلمية التقنية. ويتم تطوير الاتصالات المباشرة بين أوساط المال والأعمال في البلدين، بما في ذلك على أرضية مجلس الأعمال الروسي - العربي.
ولا بد من الإشارة، إلى تطور العلاقات على صعيد الاستثمارات، وفي إطار صندوقي الاستثمارات الحكوميَّين يتم العمل للتوافق على مشروعات محتملة على قاعدة مشتركة تصل قيمتها إلى نحو 10 مليارات دولار.
وتتم المحافظة على آفاق واعدة للتعاون في مجالات مثل الصناعة والطاقة والزراعة والبنى التحتية والمواصلات والموارد الطبيعية والتقنيات المتقدمة. وأيضاً ثمة نشاط مشترك للمحافظة على تنسيق وثيق في شأن الوضع في الأسواق العالمية للنفط.
ونحن نشكر الأصدقاء السعوديين على كرم الضيافة التقليدي والمعروف، تجاه الحجاج الروس الذين يزورون المشاعر المقدسة في مواسم الحج.
موسكو والرياض تنطلقان معاً من مواقف متضامنة تجاه عدد واسع من المسائل الحيوية على الأجندة الدولية حالياً. نحن معاً مع التوصل إلى حلول للأزمات في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك في سوريا واليمن عبر الآليات السياسية الدبلوماسية.
وأريد أن ألفت الأنظار بشكل خاص إلى دور المملكة العربية السعودية في تسوية المشكلة الفلسطينية على أساس مبدأ الدولتين لشعبين، وأذكر أن الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، كان صاحب المبادرة لوضع أحد أبرز وأهم الوثائق التي تحظى باعتراف دولي، وهي مبادرة السلام العربية في عام 2002.
روسيا والمملكة العربية السعودية تدعمان مواصلة مكافحة الإرهاب بشكل حازم، ومواقفنا متفقة حول حجم الضرر الذي يُلحقه الفكر المتطرف، وبلدانا يعرفان وجرّبا بشكل مباشر هذا الخطر، لذلك مواقفنا متطابقة في أنه لا يمكن تقسيم المتطرفين إلى «معنا» أو «ضدنا» أو استخدامهم لتحقيق مآرب.
> ما توقعاتكم من زيارة الرئيس بوتين؟
- على هذه الخلفية لا يمكن التقليل من الأهمية الخاصة للزيارة المقبلة للرئيس بوتين إلى المملكة، وأنا على ثقة بأن المحادثات الروسية - السعودية على أعلى مستوى ستمنح دفعة قوية إضافية لشراكتنا متعددة الجوانب، وستضعها على مستوى جديد، وستعزز الفهم المتبادل بين شعبينا.
> روسيا وضعت رؤيتها للأمن المشترك في منطقة الخليج، ما ردود الفعل؟ هل ثمة تنافس هنا مع اقتراحات وخطط الولايات المتحدة؟ هناك من يقول إن العقوبات الأميركية المفروضة على إيران قد تسفر عن نزاع مسلح في المنطقة؟
- تطوُّر الوضع في منطقة الخليج وصل إلى مستويات خطرة، والوضع المتفجر في المنطقة يعد بالدرجة الأولى نتيجة لسياسات واشنطن غير المسؤولة، التي لم تكتفِ بالتنصل من التزاماتها بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة التي تم إقرارها في مجلس الأمن بالقرار 2231، بل أمعنت في تصرفات استفزازية أسفرت عن تصعيد التوتر.
النتيجة، أن خطر اندلاع مواجهة عسكرية كبرى بات يلوح. هذا السيناريو يدفعنا إلى القلق بشكل جدي، ولا يمكن السماح بانزلاق المنطقة نحو مواجهة عسكرية مدمرة، يمكن أن تسفر عن تداعيات كارثية ليس على بلدان الخليج فقط بل وعلى العالم كله.
الاقتراح الروسي حول تقليص مستوى التوتر تبلور في مبادرة للأمن في منطقة الخليج، وتم عرض نسخته المحدثة بشكل رسمي من جانب وزارة الخارجية الروسية، في يوليو الماضي. المبادرة تفترض وضع أجندة إقليمية إيجابية وتوحيدية، وتأسيس آليات لعمل مشترك لمواجهة التحديات والمخاطر. المقصود إطلاق عملية هادفة وتدريجية يتم من خلالها مراعاة آراء كل الأطراف. بهذا المعنى فإن مبادرتنا تتميز عن المشروعات الأخرى المطروحة التي تقوم على مبدأ: «معنا» و«ضدنا» وتؤسس لترسيخ خطوط فاصلة جديدة.
وبهدف دفع العمل النوعي لبلورة أفكارنا، اقترحنا البدء بنقاش على مستوى أوساط الخبراء، وفي 18 و19 سبتمبر تم في موسكو في معهد الاستشراق، الأكاديمية الروسية للعلوم، تنظيم طاولة مستديرة شارك فيها نحو 30 خبيراً من روسيا وإيران والبلدان العربية والصين وفرنسا والهند وبريطانيا، ونأمل أن دائرة الأوساط المشاركة في النقاشات ستتسع أكثر.
> ماذا عن سوريا؟ كيف تقيّمون آفاق التسوية السياسية؟ أنتم تدعمون تبني دستور جديد لسوريا أم الاستناد إلى دستور عام 2012؟
- روسيا بلا شك، تدعم التسوية السياسية الدبلوماسية للصراع، من خلال الحوار الشامل بين مكونات الشعب السوري.
الآن، وبعد ضرب الوجود الإرهابي، تم تأسيس الظروف لتسريع العملية السياسية، وفي الفترة الأخيرة تم التقدم بخطوة مهمة في هذا الاتجاه عبر الانتهاء من عملية تشكيل اللجنة الدستورية، وبناءً على قرار مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي، فإن روسيا كدولة ضامنة في إطار «مسار آستانة» عملت الكثير من أجل التوصل إلى هذه النتيجة بما في ذلك من خلال الاتصالات النشطة مع الحكومة السورية وأطراف المعارضة.
ننطلق من أن إطلاق عمل اللجنة الدستورية في جنيف سيقدم دَفعة لكل العملية السياسية في سوريا، والمهم أن السوريين بأنفسهم من دون تدخل أو ضغوط خارجية عليهم أن يحددوا مستقبل بلدهم، كما نص على ذلك القرار 2254، وهذا ينسحب على ملف الدستور، و«ثلاثية آستانة» ستدعم هذا العمل.
التقدم على المسار السياسي يطرح ملفاً تم طرحه منذ وقت طويل حول ضرورة عودة سوريا إلى «العائلة العربية» والمقصود جامعة الدول العربية. والكثير هنا سيتوقف على موقف المملكة العربية السعودية، لأن صوتها مسموع في المنطقة وخارجها.
> روسيا أنقذت النظام بعد تدخلها، هل ستتم ممارسة ضغوط للانضواء بالحل السياسي؟
- فيما يتعلق بفكرة «إنقاذ النظام» عليّ أن ألاحظ التالي: سياساتنا الخارجية لم تقم في أي يوم على شخصنة الأحداث، نحن لا نتمسك بأشخاص محددين، ولا نقف مع أحد ما ضد شخص آخر.
لقد لبّينا طلب السلطات السورية وقدمنا لها المساعدة في الحرب على الإرهاب. وكما هو معروف في سوريا إلى جانب الهياكل الإرهابية، قاتل آلاف من الأشخاص من روسيا وبلدان الرابطة المستقلة، الذين كان يمكن في المستقبل أن يعودوا إلى بلدنا لتنفيذ الاعتداءات الإرهابية وإطلاق نشاطات هدامة.
بكلمات أخرى، فإن الأمر يتعلق بتدمير المتطرفين، الذين مهّدوا لمقاربات بعيدة، والذين كانوا يهدفون أيضاً إلى خلق خلافة شبه دولة على مساحات شاسعة من الشرق الأوسط. من الواضح أن تنفيذ مثل هذا السيناريو كان سيتحول إلى كارثة، ليس فقط بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وحسب، ولكن أيضاً للعالم ككل.
> هل يمكن لروسيا أن تُخرج إيران من سوريا، أو أن تقلص نفوذها؟ ولماذا سوريا هي المنطقة الوحيدة التي يمكن لروسيا والولايات المتحدة أن تعملا فيها بشكل مشترك؟
- ما يتعلق بموضوع وجود اللاعبين الخارجيين على الأرض السورية، (مثل أي وجود خارجي على أرض أي بلد) يمكنني قول التالي: الأساس الوحيد الشرعي لمثل هذا الوجود يمكن أن يقوم على دعوة السلطات الشرعية، أو استناداً إلى قرار بهذا الشأن من جانب مجلس الأمن. إيران موجودة في سوريا بطلب من دمشق، خلافاً للولايات المتحدة على سبيل المثال، التي «اشتهرت» على مستوى العالم كله من خلال أعمال عسكرية غير قانونية معادية لسوريا. على وجه الخصوص، أعني الهجمات الصاروخية في 7 أبريل (نيسان) 2017 و14 أبريل 2018.
واليوم، عندما تُهزم قوات «داعش» الرئيسية في سوريا، تبرز أسئلة حول الغرض من استمرار الوجود الأميركي على الأراضي السورية. هناك شعور قوي بأن مهمة واشنطن هي منع استعادة السلامة الإقليمية لسوريا، في انتهاك مباشر لقرار مجلس الأمن 2254، ونأمل أن تفي الولايات المتحدة بالوعد الذي قطعه (الرئيس) دونالد ترمب في ديسمبر (كانون الأول) 2018 بسحب القوات الأميركية من سوريا.
مع ذلك، وعلى الرغم من الاختلافات، أظهرت روسيا والولايات المتحدة أنهما يمكنهما التعاون في الملف السوري. ينبغي ألا ننسى أن الاتفاق الروسي - الأميركي بشأن تجريد سوريا من الأسلحة الكيماوية في عام 2013 هو الذي مكّن من منع سيناريو استخدام القوة. للمرة الأولى أيضاً، تم تطبيق وقف الأعمال القتالية في سوريا عام 2016 استناداً إلى قرار موسكو وواشنطن.
وتمكّن عسكريّونا بالفعل، من إقامة تفاعل جيد في سوريا، لضمان سلامة الطلعات الجوية، وتم وضع آلية خاصة لتقديم المساعدات في حالات الأزمات، والتوافق على قواعد لتعامل طواقم الطيران. بفضل هذا، تم منع وقوع حوادث تهدد أمن العسكريين الروس والأميركيين.
> كيف تنظرون إلى مخاطر وقوع مواجهة كبرى بين إيران وإسرائيل إذا واصلت الأخيرة توجيه ضربات إلى منشآت ومواقع عسكرية إيرانية في سوريا؟
- فيما يتعلق بالغارات الجوية الإسرائيلية التعسفية على الأراضي السورية، فإننا لم نخف أبداً موقفاً سلبياً تجاه مثل هذه الأعمال التي تزيد من زعزعة استقرار الوضع ويمكن أن تؤدي إلى تصعيد وحتى إلى إخراج الوضع عن السيطرة. يجب ألا تصبح سوريا منصة لتنفيذ خطط ما أو لـ«تسوية الحسابات». يجب أن تكون المهمة الرئيسية لجميع القوى المسؤولة هي المساعدة في إعادة السلام إلى الأراضي السورية.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».