لبنان يقف أمام «تسوية عرجاء» وتعويمها ينقذ الحكم والحكومة

الحريري خلال ترؤسه اجتماعاً لمجلس الوزراء أمس (دالاتي ونهرا)
الحريري خلال ترؤسه اجتماعاً لمجلس الوزراء أمس (دالاتي ونهرا)
TT

لبنان يقف أمام «تسوية عرجاء» وتعويمها ينقذ الحكم والحكومة

الحريري خلال ترؤسه اجتماعاً لمجلس الوزراء أمس (دالاتي ونهرا)
الحريري خلال ترؤسه اجتماعاً لمجلس الوزراء أمس (دالاتي ونهرا)

فوجئ الوسط السياسي في لبنان، مع اقتراب مجلس الوزراء من إقرار مشروع قانون الموازنة لعام 2020 في موعده الدستوري، بتجدّد الاشتباك السياسي على نحو غير مسبوق، على خلفية تبادل الاتهامات المترتبة على نزول المحتجين إلى الشارع احتجاجاً على تفاقم الأزمة الاقتصادية، من دون أن تلوح في الأفق بوادر انفراج.
لكن الجديد في تجدّد الاشتباك السياسي يكمن، كما يقول مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، في أنه لم يقتصر على المكونات الرئيسية المشاركة في الحكومة، وإنما انسحب هذه المرة على علاقة بعضها برئيس الجمهورية ميشال عون، من خلال اتهام الفريق الوزاري المؤيد له بأن هناك مَن استغل النزول إلى الشارع، وعمد إلى استهداف أبرز رموز الدولة، أي الرئيس الماروني الذي هو رأس السلطة في لبنان.
وأشار إلى أن الاشتباك السياسي تلازَمَ مع البحث عن مخرج لتأمين فتح اعتمادات مالية بالدولار لاستيراد المشتقات النفطية والأدوية والقمح «وهذا ما تأمّن لاحقاً من خلال التدبير الذي أصدره حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بعد تلقيه جرعة غير مسبوقة للدفاع عن السياسة النقدية التي يتبعها للحفاظ على الاستقرار المالي، صدرت عن البطريرك الماروني بشارة الراعي في عظته، الأحد الماضي، إلى جانب دفاعه عن قيادة الجيش في وجه الهجمات التي تستهدفها».
ولفت المصدر الوزاري إلى أن «ما صدر عن البطريرك الراعي كان موضع ترحيب تجاوز الساحة المحلية إلى الإقليم والمجتمع الدولي»، وأوضح أن «التعميم الذي أذاعه سلامة كان موضع تشاور بينه وبين رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة سعد الحريري ووزير المال علي حسن خليل وجمعية المصارف، خصوصاً أنه ربط فتح الاعتمادات بقيود لمنع استنزاف احتياط مصرف لبنان بالعملات الصعبة، من غير أن يدعمه بأموال جديدة».
واعتبر أن «فرض هذه القيود في حاجة إلى آلية أمنية وقضائية ورقابية لتوفير الحماية لأسواق الصرف وتبادل العملات، خصوصاً أن عدم حصول تحويلات بالعملات الصعبة من لبنان إلى الخارج، في ظل احتدام الأزمة الاقتصادية والمالية يدعو إلى الاطمئنان حيال السيطرة على هذه الأسواق».
ولا يؤيد المصدر ما تردد ويتردد عن أن التعرض لرئيس الجمهورية ممن نزلوا إلى الشارع جاء بناء على أمر عمليات حظي برعاية المعترضين على توجهه للحوار مع النظام في سوريا لتأمين عودة النازحين، وقال: «لا يجوز إقحام عودة النازحين بالحركة الاحتجاجية، خصوصاً أن ترحيب دمشق باستقبالهم، بلسان وزير الخارجية وليد المعلم، في خطابه الذي ألقاه من منبر الأمم المتحدة لا يُصرف في مكان، على الأقل في المدى المنظور، ما دام أنه ربط إعادتهم بتأهيل البنى التحتية وتوفير الخدمات والمباشرة بإعادة بناء القرى والبلدات المهجرة».
ورأى أن لا مصلحة لرئيس الجمهورية في أن يتحول مجلس الوزراء إلى ساحة حرب بالمعنى السياسي للكلمة تُقام في قاعته المتاريس «لأنه سيكون المتضرر الأول، ولا أظن أنه يتصرف هكذا مع اقتراب دخول ولايته الرئاسية عامها الرابع». وأضاف أن «مجرد إحداث صدمة إيجابية تدعو إلى التفاؤل بتوفير الحلول، ولو على مراحل، للأزمة الاقتصادية المالية في الإفادة من مقررات (مؤتمر سيدر)، سيسجل في خانة الإنجازات للعهد القوي الذي هو في حاجة إليها».
ويتوقف المصدر الوزاري أمام ارتفاع منسوب التأزم السياسي، سواء في داخل الحكومة أو بين بعض أطرافها ورئيس الجمهورية، ويرى أن للأخير القدرة على خفض منسوبه «بدلاً من إقحام البلد في لعبة تصفية الحسابات التي سيتضرر منها الجميع بلا استثناء».
ويُعتقد أن لرئيس الجمهورية دوراً في إعادة الاعتبار للتواصل والحوار، بدءاً بالمكونات المشاركة في الحكومة «بدلاً من إغراق البلد في حالة من الفلتان يصعب السيطرة عليها، وبالتالي فإن المصلحة تقضي بأن يبادر إلى الانفتاح على الجميع، بمن فيهم مَن هم على خلاف معهم، وهذا يتطلب منه سعة الصدر وعدم التوقف أمام بعض الحملات التي استهدفته ومعه رئيس الحكومة ومسؤولون آخرون».
ويخلص المصدر إلى أنه «لا يبدو أن هناك مَن يُعِدّ لمؤامرة تستهدف الرئاسة الأولى، وبالتالي فإن لجوء بعض مَن هم في فريق عون السياسي إلى التلويح بالاقتصاص ممن استهدفوا الرمز الأول في الدولة، من شأنه أن يدفع في اتجاه تعقيد الأمور، من دون أن يعني هذا الكلام أن هناك مَن يتعاطف مع كل من حاول الإساءة إليه».
وشدد على أن «هناك ضرورة لتضافر الجهود بغية تفكيك الاشتباك السياسي، وإبطال فاعليته، في التأثير السلبي على التضامن الحكومي، في وقت تتطلع فيه الأنظار إلى إقرار موازنة العام المقبل بالتعاون مع المجلس النيابي لتأتي برمتها على قياس الاستجابة للتعهدات اللبنانية أمام مؤتمر سيدر، بما يعبد الطريق للإفادة منها للنهوض بلبنان من أزماته المالية والاقتصادية».
وفي هذا السياق، يسأل المصدر الوزاري عن جدوى تنظيم حملة ضد سلامة يرعاها عدد من المنتمين إلى «التيار الوطني الحر»، بذريعة أن وجوده لأكثر من عقدين على رأس حاكمية المصرف المركزي بات يتطلب اختيار مَن يخلفه، ويقول إنه «لا مبرر لمثل هذا الهجوم، وهل تأتي المطالبة بإعفائه من منصبه من باب مكافأته على دوره في الحفاظ على الاستقرار النقدي؟».
كما سأل عن جدوى إصرار «التيار الوطني» على خوض المعارك المفتوحة ضد معظم المكونات في الحكومة «بدلاً من أن يمون على القيادي فيه النائب زياد أسود ويطلب منه وقف حملاته التي كانت وراء تأجيل الحوار الذي كان سيقيمه تيار المستقبل مع الوزير جبران باسيل»، فتأجيل الحوار لم يكن إلا رسالة لباسيل على خلفية أنه لم يصدر منه أي رد على أسود مع أن مجرد تأجيله كان في محله لقطع الطريق على تصاعد المعارضة بداخل «المستقبل»، احتجاجاً على استضافته.
كما أن «التيار الوطني» يتحمل، بحسب المصدر الوزاري، مسؤولية تفخيخ الأجواء السياسية داخل الحكومة، تارة بتحميله حزب «القوات اللبنانية» مسؤولية وقوفه وراء بث الشائعات ضد رئيس الجمهورية، وتارة أخرى بوقف الحوار مع الحزب «التقدمي الاشتراكي» الذي انتقد، كما يقول مسؤول بارز فيه، «عدم التوازن القضائي» في التعاطي مع حادثة قبرشمون.
وعليه، فإن «الحريري لن يلتفت إلى الحملات التي تستهدفه وينصرف إلى التحضير لإعداد الموازنة من جهة ولرزمة الإصلاحات المالية والإدارية لخفض العجز في موازنة 2020»، لكن هذا لا يعني، كما يقول المصدر الوزاري، أن التسوية السياسية ما زالت في أمان «بل أُصِيبت باهتزاز، وكادت تتحول إلى تجربة عرجاء، والمسؤولية لا تقع على عاتق الحريري الذي ينأى بنفسه عن الدخول في السجالات وتبادل الحملات الإعلامية والاتهامات السياسية، إنما تقع على الشريك الآخر فيها».
وبكلام آخر، فإن «إنقاذ التسوية من الاهتزاز يعيد الاعتبار للحكومة وللعهد في آن، وإلا فإن تجويفها من مضمونها سيرتد سلباً على الجميع من دون استثناء، أي الحكومة والحكم، لأن لا مجال للجوء لخيارات غير مدروسة تأخذ البلد إلى المجهول».



العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.


الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
TT

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)

تتصاعد التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد وتفاقم الصدمات المناخية، وظهور صراعات جديدة في المنطقة والعالم تلقي بآثارها على البلاد، فيما تكشف تقارير أممية ودولية عن مواجهة ملايين السكان نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات الأساسية، وازدياد أعداد النازحين وتراجع القدرة على الإغاثة بسبب نقص التمويل.

وفي حين أعلنت الأمم المتحدة إطلاق «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»، صدرت تحذيرات من تفاقم أزمة النزوح واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يضع البلاد أمام تحديات إنسانية متشابكة تتطلب دعماً دولياً عاجلاً ومستداماً، وسط شكوى السكان من تدهور قدراتهم الشرائية واضطرارهم إلى تقليص وجباتهم.

وحذرت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، مؤكدة أن البلاد لا تزال تمثل إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق تقديرات «المفوضية»، فقد ارتفع عدد النازحين داخلياً إلى نحو 5.2 مليون شخص مع استمرار النزاع المسلح، بينما يعيش أكثر من 63 ألف لاجئ أوضاعاً اقتصادية قاسية، دفعت ببعضهم إلى تقليص وجباتهم الغذائية أو تأجيل الحصول على الرعاية الصحية بسبب الفقر المتصاعد؛ مما يعكس اتساع نطاق الأزمة وتعقيد جهود الاستجابة الإنسانية.

تدهور المعيشة في اليمن دفع ربات البيوت إلى تقليص كمية الطعام (الأمم المتحدة)

وكانت «المفوضية» أكدت أن اليمن يواجه إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم، بعد أن أثرت فيضانات مدمرة على أكثر من 460 ألف شخص خلال العام الماضي، وألحقت أضراراً بمواقع النزوح ودمرت الملاجئ في مناطق معرضة أصلاً للأمطار الموسمية.

تفاقم مرتقب

من جهتها، توقعت «شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة» أن تبلغ الاحتياجات الغذائية ذروتها بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، مع احتمال تضرر نحو 16 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي خلال تلك الفترة.

وتظهر بيانات الشبكة الدولية المختصة في مراقبة المجاعات استمرار ظهور مستويات الطوارئ الغذائية في بعض المناطق، بما في ذلك محافظات الحديدة وحجة وتعز، إضافة إلى مناطق في لحج والضالع وأبين وشبوة، بعد تآكل سبل العيش وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

قسوة المناخ في اليمن ألحقت أضراراً بمساكن النازحين وفاقمت من معاناتهم (الأمم المتحدة)

وتعاني الأسر في مختلف أنحاء اليمن من التداعيات طويلة الأمد للصراع وتدهور الاقتصاد وتراجع فرص كسب الدخل، وفقاً للتقرير الذي يرجح أن تبلغ الاحتياجات من المساعدات الغذائية ذروتها خلال موسم الجفاف.

وأشارت البيانات الدولية إلى احتمالية تضرر نحو 16 مليون شخص، ودخول معظم مناطق البلاد ضمن مستويات الأزمة الغذائية أو أسوأ، وفق «التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي»، في وقت يخطط فيه «برنامج الأغذية العالمي» لدعم 1.6 مليون شخص في مناطق الحكومة، بينما لا تزال المساعدات معلقة بمناطق الحوثيين، مما يؤثر على 9.5 مليون شخص.

وأطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»؛ التي تهدف إلى جمع نحو 2.16 مليار دولار لتوفير مساعدات إنسانية منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد.

موائد فقيرة

كشف كثير من العائلات اليمنية عن أن الأشهر الأخيرة كانت الأشد صعوبة في قدرتها على تلبية احتياجاتها المعيشية، بينما تذهب التقارير الدولية إلى أن الأشهر الستة المقبلة ستشهد تفاقماً في أزمة الأمن الغذائي باليمن، في ظل استمرار تدهور الظروف الاقتصادية وتآكل مصادر الدخل لدى ملايين الأسر.

الفيضانات في اليمن شردت الآلاف خلال العام الماضي وأضافتهم إلى أعداد النازحين (أ.ف.ب)

يقول سامي المقطري، وهو من سكان العاصمة اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعيشة أصبحت أشد صعوبة، فبينما تراجعت فرص العمل بشكل كبير، توقفت المساعدات الغذائية والمالية إلى أقصى حد».

وينوه بأنه كان سابقاً يحصل على «فرص عمل بالأجر اليومي بين حين وآخر، كما يأتي بعض المساعدات، على شكل سلال غذائية أو مبالغ مالية، لتغطية العجز في توفير الطعام» لعائلته؛ بسبب التوقف عن العمل بعض الوقت أو عدم كفاية الأجرة التي يحصل عليها، إلا إن «الأشهر الأخيرة شهدت توقف العمل والمساعدات معاً».

وتتحسر، أمنية العريقي، وهي ربة بيت في تعز؛ بسبب عدم قدرتها على تلبية احتياجات عائلتها، المكونة من 6 أفراد، بعد ارتفاع أسعار الخدمات والغذاء.

وذكرت لـ«الشرق الأوسط» أنها تتلقى مساعدة مالية من شقيقها المغترب بين فترة وأخرى، وكان ذلك يساعد في تلبية كثير من الاحتياجات إلى جانب راتب زوجها، إلا إن ذلك، ومع تراجع سعر صرف العملات الأجنبية، وبقاء الأسعار على حالها، دفعها إلى التنازل عن كثير من المتطلبات.

بينما يتراجع تمويل أعمال الإغاثة في اليمن تشهد البلاد زيادة في أعداد النازحين (رويترز)

بدوره، يبدي علي غالب، وهو معلم في محافظة لحج (شمال عدن)، غضباً شديداً من ارتفاع الأسعار بتأثيرات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول منطقة الشرق الأوسط، «بينما كان السكان ينتظرون تراجع الأسعار بعد التحسن الذي شهدته العملة المحلية منذ نحو 8 أشهر؛ مما يعني أن اليمنيين تطولهم الكوارث، ولا يصل إليهم أي خير»، وفق رأيه.

ووفق التقديرات الأممية، فإن نحو 22.3 مليون إنسان سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، منهم 5.2 مليون نازح داخلياً، فضلاً عن آلاف اللاجئين والمهاجرين الذين يعيشون ظروفاً إنسانية معقدة، وتسعى الأمم المتحدة من خلال «خطة الاستجابة» إلى إنقاذهم.


السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».