تقنية الواقع الافتراضي لاستعادة الذاكرة

نظام بنظارات إلكترونية لمساعدة الكبار على اختلاف قدراتهم الإدراكية

تقنية الواقع الافتراضي لاستعادة الذاكرة
TT

تقنية الواقع الافتراضي لاستعادة الذاكرة

تقنية الواقع الافتراضي لاستعادة الذاكرة

لم ينجح باتريك ماي في تذكّر ارتداء نظارته أو أين تركها... ولكنّه أصبح اليوم قادراً على ذلك عندما يرتدي نظارة الواقع الافتراضي مرّتين أسبوعياً.
«إنها ضبابية» قال ماي لموظف مساعد في دار «سيغنتور بوينت سينيور ليفينغ» لكبار السنّ في دالاس، كان يساعده على ارتداء نظارته بالشكل الصحيح. ضبط الموظّف نظارة الرجل المسنّ فظهرت الصورة أمامه واضحة.
يعيش ماي في وحدة العناية بالذاكرة في الدار، التي يعاني جميع نزلائها من أحد أنواع صعوبات الذاكرة بسبب إصابتهم بمرض ألزهايمر وغيره من أمراض الخرف.
«نظارات الذاكرة»
يأمل كريس بريكلر، الشريك المؤسس لشركة «مايند في آر». (MyndVR) في دالاس أن تساعد نظارات الواقع الافتراضي البالغين مثل السيد ماي في استعادة أو تكرار لحظات مهمّة في حياتهم. وتختص هذه الشركة في توظيف الواقع الافتراضي لخدمة الطاعنين في السنّ الذين يعيشون في دور الرعاية الدائمة.
تذكّر ماي أنّه كان يمارس غوص السكوبا فطلب من أحد المساعدين أن يضعه في محاكاة لهذا النوع من الغوص، بعد أن كان الرجل قد اعتاد في الماضي على الاستمتاع بالغطس على شواطئ تكساس.
نقلته هذه المحاكاة عبر قارب صغير إلى الغوص مرّة أخرى في المياه الزرقاء. «آه، ما كلّ هذه الأشياء؟» قال ماي وهو يحرّك رأسه في جميع الاتجاهات ويدفع كرسيّه المتحرّك في جميع أنحاء الغرفة إلى مناطق مختلفة من المحيط الافتراضي الذي يعجّ بالأسماك والشعاب المرجانية والسلاحف الموسمية... «آه، هذه أمنية كلّ صيّاد» أضاف ماي أيضاً ضاحكاً عندما شاهد سربا من الأسماك يمرّ بجانبه.
«سيغنتور بوينت» هي مجموعة من منشآت الرعاية التي تديرها «لايف كير سيرفسز» للخدمات، وواحدة من 35 منشأة محليّة تستخدم التقنية. وتدرج المنشأة الواقع الافتراضي في نشاطات المقيمين فيها، وتمنحهم فرصة استخدام النظارة مرّتين أسبوعياً للاستفادة منها في جميع قدراتهم الإدراكية. ويزوّد موظّفو «سيغنتور بوينت» شركة «مايند في آر» بالنتائج التي يحصلون عليها على شكل استطلاعات للرأي.
وكانت نانسي ماك آرثي، مديرة قسم المبيعات والتسويق في «سيجنتور بوينت» قد أحضرت جهاز «مايند في آر» إلى المركز بعد اطلاعها على فوائده المحتملة.
تقول ماك آرثي إنّ «المقيمين يستمتعون بالنظارة كثيراً، وأكثر بكثير مما اعتقدت». أسّس بريكلر، مسؤول تنفيذي ومستشار سابق في سيليكون فالي، شركة «مايند في آر» في دالاس عام 2017، بالتعاون مع صديق يدعى شون ويورا يعمل في مجال تقنيات الرعاية الصحية.
بدأت الشركة عملها انطلاقاً من اهتمامات مشتركة تتلخص بسؤال: «كيف يمكننا أن نحسّن حياة كبار السنّ بالاعتماد على الواقع الافتراضي والموسيقى؟» في ذلك العام، اختبرت الشركة التقنية على المئات من كبار السن في خمس ولايات وجمعت النتائج بعد كلّ اختبار. صحيح أنّ بريكلر كان متفائلاً بالتقنية، إلّا أنّه لم يكن يتوقّع التأثير الذي يشهده اليوم، وقال: «نحن أمام تقدّم مستمرّ في دور الواقع الافتراضي ومساهمته في مجال العناية الصحية».
سوق هائلة
طرحت «مايند في آر» هذه التقنية رسمياً في أبريل (نيسان) 2018 وهي اليوم تستخدم لخدمة فئة كبار السن في أكثر من 20 ولاية وتتضمّن حزمة المنتج الرئيسية النظارات، بالإضافة إلى دعم تقني ومحتوى جديدين يطرحان شهرياً، مقابل 500 دولار في الشهر. ولكنّ الأسعار تختلف بحسب حجم دار المسنين وحاجات قاطنيه.
وتحدّث تقرير نشره موقع أخبار «سينيور هاوس» عن تزايد في استخدام هذه الأجهزة في التعامل مع حالات مختلفة كالعزلة والعناية بمرضى الخرف والسيطرة على الألم وتدريب فرق العمل. وتناول التقرير خمس شركات تضع الواقع الافتراضي في خدمة دور رعاية المسنّين واعتبر أنّ هذه التقنية قد تشكّل فرصة مؤثّرة لفئة كبار السنّ في شمال تكساس، لا سيّما أنّ مقاطعة دالاس وحدها تضمّ أكثر من 255000 بالغ بسن الـ65 سنة وما فوق، بحسب بيانات إحصاء السكّان الرسمي.
إنّ ما يميّز شركة «مايند في آر» عن الشركات الأخرى هو توفيرها تجربة الواقع الافتراضي لكبار السن على اختلاف قدراتهم الإدراكية. ولكنّ بريكلر شدّد على أنّها فعّالة بشكل خاص للكبار القاطنين في وحدة الذاكرة أو الذين ما عادوا قادرين على السفر.
يأمل القيّمون على هذه التقنية أن يساعد الواقع الافتراضي على تنشيط مناطق الدماغ التي تتصل بالذاكرة والإدراك بنفس الطريقة التي تتصل بها الموسيقى أو العلاجات غير التقليدية الأخرى.
وأكّد بريكلر أنّه وعلى الرغم من عدم تسجيل بيانات طبية حول نظارة «مايند في آر»، توجد بعض الدلائل المتناقلة التي تتحدّث عن نتائج واعدة لدى مرضى وحدة العناية بالذاكرة، وواصفاً إيّاها «بالتقنية الشديدة القوة القادرة على إرجاع الناس إلى وضع الذاكرة الطبيعية».
ولفتت ماك آرثي إلى أنّ التقنية تتيح للموظفين التعرّف إلى كبار السنّ وتجاربهم والأمور التي يحبونها والأخرى التي لا يحبّونها، إلى جانب تنشيط ذاكرتهم.
مغامرات جديدة
تمنح هذه التقنية كبار السنّ فرصة الذهاب في رحلات سفاري افتراضية أو زيارة معالم أثرية لم يتمكّنوا من رؤيتها.
يستخدم منتج «مايند في آر» الحالي إكسسوار الرأس «إتش تي سي فايف» (HTC VIVE) ونظام لائحة يضمّ مئات الخيارات. تعمل الشركة على ابتكار وترخيص محتواها الخاص للواقع الافتراضي، من الحفلات إلى الرحلات، بالإضافة إلى فئات شعبية أخرى كالحيوانات والطبيعة والسفر.
كما تعمل على تصوير محاكاتها الواقعية بنفسها. يقول بريكلر إنّ الواقعية مهمّة جدّاً لهذه الفئة التي لم تكبر وهي تشاهد «دونكي كونغ» ولا تألف عالم الصور والمشاهد المصممة على الكومبيوتر.
يشاهد قاطنو وحدة الرعاية الدائمة في «سيغنتور بوينت» مجموعة من مواد المحاكاة التي تتراوح مدّتها بين 15 و20 دقيقة. ومثلا، جلس أحد المرضى ويدعى روبرت باشر دون حركة على الأرض بعد أنّ أخذته النظارة في رحلة غوص افتراضية. يتحرّك هذا المريض عادة أقلّ من الآخرين الذين يميلون برؤوسهم وأجسادهم عندما يدخلون إلى البيئات الافتراضية.
يعاني السيد باشر من مرض باركينسون ويظهر عليه الارتجاج الدائم في يديه وجسمه. ولكن بعد استخدام نظارة الواقع الافتراضي، وجد المساعدون في الدار أن حدّة عوارض مرضه قد تراجعت. وهذه الآثار الإيجابية التي ظهرت تدوم لفترة تتراوح بين 15 دقيقة وساعة، الأمر الذي اعتبرته ماك آرثي مفاجئاً جداً.
أمّا كارول مونجوفن، مقيمة أخرى من الدار، فتضحك أثناء مشاهدتها لمحاكاة عبر النظارة. فقد ذهبت في رحلتها الافتراضية إلى هاواي، الجزيرة التي لطالما رغبت بزيارتها، وسمحت لها التقنية أيضاً بالسفر إلى «استوديوهات يونيفرسال هوليوود» لزيارة «جوراسيك بارك».
وأثناء الحديث عن تجربتها، قالت مونجوفن إنّها «رأت أماكن لم تكن لتستطيع زيارتها بطريقة أخرى، وشعرت أنّها شديدة الواقعية. إنّها مذهلة».
تعمل تقنية «مايند في آر». اليوم في خدمة كبار السن فقط، ولكن بريكلر يعتقد أنّها قابلة للاستخدام على نطاق أوسع في المنازل، واصفاً إيّاها بـ«الفضاء المفتوح والواسع».
- «ذا دالاس مورنينغ نيوز»، خدمات «تريبيون ميديا».



أخيراً... يمكنك تغيير عنوان «جيميل» دون فقدان بياناتك

يتحول العنوان القديم إلى عنوان ثانوي يستمر في استقبال الرسائل (شاترستوك)
يتحول العنوان القديم إلى عنوان ثانوي يستمر في استقبال الرسائل (شاترستوك)
TT

أخيراً... يمكنك تغيير عنوان «جيميل» دون فقدان بياناتك

يتحول العنوان القديم إلى عنوان ثانوي يستمر في استقبال الرسائل (شاترستوك)
يتحول العنوان القديم إلى عنوان ثانوي يستمر في استقبال الرسائل (شاترستوك)

أصبح بإمكان مستخدمي «جيميل» (Gmail) من «غوغل» أخيراً تغيير عناوين بريدهم الإلكتروني دون الحاجة إلى إنشاء حساب جديد أو فقدان بياناتهم، في خطوة تمثل تحولاً ملحوظاً في واحدة من أكثر خدمات الإنترنت ثباتاً خلال العقدين الماضيين.

لطالما ارتبط عنوان البريد الإلكتروني في «جيميل» بهوية المستخدم الرقمية بشكل شبه دائم. فمنذ إطلاق الخدمة، كان تغيير العنوان يعني عملياً بدء حساب جديد من الصفر، مع ما يتطلبه ذلك من نقل الرسائل، وتحديث الحسابات المرتبطة، وفقدان جزء من التاريخ الرقمي. هذا القيد جعل الكثير من المستخدمين عالقين بعناوين قديمة لا تعكس هويتهم الحالية، سواء لأسباب مهنية أو شخصية.

ميزة تغيّر المعادلة

بدلاً من إنشاء حساب جديد، يمكن للمستخدم تعديل عنوانه مع الاحتفاظ بكامل بياناته، بما في ذلك الرسائل والملفات المخزنة وسجل النشاط عبر خدمات «غوغل» المختلفة. والأهم أن العنوان القديم لا يختفي بالكامل، بل يتحول إلى عنوان ثانوي يستمر في استقبال الرسائل، ما يخفف من مخاطر فقدان التواصل مع جهات قديمة.

من الناحية التقنية، تبدو الخطوة بسيطة، لكنها تعكس تغييراً أعمق في كيفية تعامل المنصات مع الهوية الرقمية. فالبريد الإلكتروني لم يعد مجرد وسيلة تواصل، بل أصبح مفتاحاً للدخول إلى منظومة واسعة من الخدمات أي من التخزين السحابي إلى الاشتراكات والتطبيقات المختلفة. وبالتالي، فإن فصل الهوية عن عنوان ثابت يمثل إعادة تعريف لطبيعة الحساب نفسه.

تتيح «غوغل» أخيراً تغيير عنوان «جيميل» دون الحاجة إلى إنشاء حساب جديد أو فقدان البيانات (شاترستوك)

مرونة ببعض القيود

الميزة لا تتيح تغييرات متكررة، إذ يُتوقع أن يكون تعديل العنوان محدوداً بفترات زمنية معينة، ما يشير إلى محاولة الموازنة بين المرونة والاستقرار. كما أن تغيير العنوان داخل «جيميل» لا يعني تحديثه تلقائياً في الخدمات الخارجية، حيث سيظل على المستخدم تعديل بياناته في المواقع والتطبيقات المرتبطة بشكل يدوي.

إلى جانب ذلك، تبرز اعتبارات أمنية. فإمكانية تغيير عنوان البريد قد تفتح الباب أمام سيناريوهات جديدة تتعلق بالاحتيال أو انتحال الهوية، خصوصاً إذا لم يكن المستخدمون على دراية بالتغيير. وهذا يضع مسؤولية إضافية على المنصات لتوضيح آليات التغيير، وعلى المستخدمين متابعة حساباتهم المرتبطة بعناية.

رغم هذه التحديات، تأتي الخطوة في سياق أوسع يشير إلى تحول تدريجي في إدارة الهوية الرقمية. فمع توسع استخدام الإنترنت في مختلف جوانب الحياة، أصبح من الضروري أن تعكس الحسابات الرقمية تطور المستخدمين، بدلاً من أن تظل ثابتة كما كانت عند إنشائها لأول مرة.

استمرارية الهوية الرقمية

يمكن قراءة هذه الخطوة ضمن توجه أوسع لدى شركات التكنولوجيا نحو جعل الحسابات أكثر مرونة واستمرارية، بدلاً من ربطها بعناصر جامدة يصعب تغييرها. وفي هذا السياق، لا يتعلق الأمر فقط بتحسين تجربة المستخدم، بل بإعادة بناء العلاقة بين المستخدم والمنصة على أساس قابل للتكيف.

في النهاية، قد تبدو القدرة على تغيير عنوان البريد الإلكتروني تفصيلاً صغيراً مقارنة بالتطورات الكبرى في عالم التكنولوجيا، لكنها تمس جانباً أساسياً من تجربة المستخدم اليومية. فهي تعالج مشكلة استمرت لسنوات، وتفتح الباب أمام تصور جديد للهوية الرقمية أقل ارتباطاً بالثبات، وأكثر قدرة على التغير مع الزمن.


«ميتا» تطور نظارات ذكية تدعم العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام اليومي

دمج العدسات الطبية في التصميم يجعل النظارات الذكية أقرب إلى الاستخدام اليومي بدلاً من كونها جهازاً إضافياً (ميتا)
دمج العدسات الطبية في التصميم يجعل النظارات الذكية أقرب إلى الاستخدام اليومي بدلاً من كونها جهازاً إضافياً (ميتا)
TT

«ميتا» تطور نظارات ذكية تدعم العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام اليومي

دمج العدسات الطبية في التصميم يجعل النظارات الذكية أقرب إلى الاستخدام اليومي بدلاً من كونها جهازاً إضافياً (ميتا)
دمج العدسات الطبية في التصميم يجعل النظارات الذكية أقرب إلى الاستخدام اليومي بدلاً من كونها جهازاً إضافياً (ميتا)

تدعم نظارات «ميتا» الذكية العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام، لكنها تواجه تحديات في القيمة اليومية والخصوصية، واعتماد المستخدمين على نطاق واسع.

لطالما بقيت النظارات الذكية تقنية متقدمة، لكنها غالباً بعيدة عن الاستخدام اليومي الفعلي، لسبب بسيط، وهو أن معظم الناس الذين يرتدون نظارات يحتاجون إلى تصحيح البصر. ومن دون معالجة هذه النقطة، تبقى أي تقنية قابلة للارتداء محدودة الانتشار.

تحاول شركة «ميتا» تغيير هذا الواقع، عبر تطوير جيل جديد من النظارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والمصممة منذ البداية لاستيعاب العدسات الطبية، تسعى الشركة إلى مواءمة التكنولوجيا مع أحد أبسط متطلبات الرؤية.

عنصر أساسي في التصميم

في الإصدارات السابقة، كانت العدسات الطبية تُعامل غالباً كإضافة لاحقة، يتم تكييفها مع التصميم بدلاً من دمجها فيه. أما في النماذج الجديدة، فقد أصبحت جزءاً من التصميم الأساسي، حيث تم تطوير الإطارات لتناسب مجموعة واسعة من درجات النظر. هذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً فحسب. فمع اعتماد مليارات الأشخاص حول العالم على النظارات الطبية، فإن أي جهاز لا يراعي هذا الاحتياج سيبقى خارج الاستخدام اليومي. ومن خلال دمج التصحيح البصري في التصميم، تحاول «ميتا» تحويل النظارات الذكية من منتج تقني إلى أداة يومية.

تستمر النظارات في تقديم مجموعة من الوظائف المعروفة، كالتواصل دون استخدام اليدين، والتقاط الصور وتشغيل الصوت والتفاعل مع مساعد ذكي. لكن الجديد هنا لا يكمن في الوظائف بحد ذاتها، بل في توسيع نطاق المستخدمين المحتملين. فبدلاً من أن تكون هذه النظارات خياراً إضافياً، تصبح قابلة للاستخدام بديلاً مباشراً للنظارات التقليدية. وهذا يغيّر طبيعة التبني من تجربة تقنية إلى جزء من الروتين اليومي.

توسيع قاعدة المستخدمين لا يعتمد فقط على التقنية بل على توافقها مع احتياجات الحياة اليومية (ميتا)

سوق تنمو... وتحديات قائمة

يأتي هذا التوجه في وقت تشهد فيه سوق النظارات الذكية نمواً متزايداً، مع دخول شركات تقنية كبرى واستكشافها لهذا المجال. لكن التحديات الأساسية لا تزال قائمة. من الناحية التقنية، لا تزال قيود، مثل عمر البطارية، وقدرة المعالجة، والاتصال تؤثر على الأداء. أما من ناحية المستخدم، فالتحدي الأكبر يكمن في مدى اندماج هذه الأجهزة في الحياة اليومية دون إحداث احتكاك. كما أن إضافة العدسات الطبية تعالج جزءاً من المشكلة، لكنها لا تقدم حلاً كاملاً.

تعتمد قيمة النظارات الذكية إلى حد كبير على كيفية استخدامها. تُعد الوظائف الحالية مثل التقاط الصور والحصول على معلومات أو التفاعل مع الرسائل مفيدة، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى الضرورة اليومية لمعظم المستخدمين. في المقابل، تظهر إمكانات أوضح في الاستخدامات المتخصصة، مثل مساعدة الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية على فهم محيطهم. هذه التطبيقات تعكس قدرة حقيقية للتقنية، لكنها لا تزال محدودة من حيث الانتشار.

نجاح النظارات الذكية يعتمد على تكامل التجربة بين العتاد والبرمجيات والذكاء الاصطناعي (ميتا)

الخصوصية... العامل الحاسم

إلى جانب التحديات التقنية، تبقى مسألة الخصوصية من أبرز العوامل المؤثرة في مستقبل هذه الأجهزة. فالقدرة على التقاط الصور أو الفيديو بشكل غير ملحوظ تثير تساؤلات حول الموافقة والرقابة، خصوصاً في الأماكن العامة. هذه المخاوف لا تتعلق بالقوانين فقط، بل بكيفية تقبل المجتمع لمثل هذه الأجهزة. وقد يكون هذا العامل الاجتماعي أكثر تأثيراً في تبني التكنولوجيا من أي تطور تقني بحد ذاته.

من جهاز إلى منصة

تعكس هذه الخطوة تحولاً أوسع في كيفية تقديم الأجهزة القابلة للارتداء. فبدلاً من التركيز على العتاد فقط، تتجه الشركات نحو بناء منظومات متكاملة تجمع بين الذكاء الاصطناعي والبرمجيات والخدمات. في هذا السياق، لا تمثل العدسات الطبية مجرد تحسين بصري، بل تصبح جزءاً من محاولة أوسع لتقليل الحواجز بين المستخدم والتكنولوجيا، وجعلها أكثر اندماجاً في الحياة اليومية.

لا تعني هذه التطورات أن النظارات الذكية أصبحت منتجاً ناضجاً بالكامل. لكنها تمثل خطوة نحو جعلها أكثر واقعية وقابلية للاستخدام.

فمن خلال معالجة أحد أهم العوائق العملية، تقترب «ميتا» من تحويل الفكرة إلى منتج يومي. ومع ذلك، يبقى نجاح هذه الأجهزة مرتبطاً بعوامل أوسع، تشمل القبول الاجتماعي، والقيمة الفعلية للمستخدم، وتطور التجربة. قد يكون إدخال العدسات الطبية خطوة ضرورية لكنها ليست كافية بمفردها لجعل النظارات الذكية جزءاً أساسياً من الحياة اليومية.


لم يعد الطبيب وحده… كيف يشارك الذكاء الاصطناعي في القرار الطبي؟

تتجه الرعاية الصحية نحو دمج مصادر بيانات متعددة لتكوين فهم أكثر شمولاً لحالة المريض (شاترستوك)
تتجه الرعاية الصحية نحو دمج مصادر بيانات متعددة لتكوين فهم أكثر شمولاً لحالة المريض (شاترستوك)
TT

لم يعد الطبيب وحده… كيف يشارك الذكاء الاصطناعي في القرار الطبي؟

تتجه الرعاية الصحية نحو دمج مصادر بيانات متعددة لتكوين فهم أكثر شمولاً لحالة المريض (شاترستوك)
تتجه الرعاية الصحية نحو دمج مصادر بيانات متعددة لتكوين فهم أكثر شمولاً لحالة المريض (شاترستوك)

لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي في قطاع الرعاية الصحية يدور حول وعود مستقبلية أو تحولات مفاجئة، بل بات أقرب إلى مسار تطور تدريجي يعيد تعريف كيفية فهم المرض وعلاجه وإدارة الأنظمة الصحية. ففي عام 2026، تتجه الصناعة نحو مرحلة أكثر نضجاً، حيث تتحول البيانات من مجرد مورد داعم إلى بنية أساسية تقود القرارات والابتكار.

هذا التحول لا يقوم على تقنية واحدة، بل على تقاطع عدة اتجاهات كتكامل البيانات وتطور النماذج التحليلية وتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات اليومية، وظهور بيئات تنظيمية تسمح بتجريب هذه التقنيات دون الإخلال بالمعايير.

يتوسع دور الذكاء الاصطناعي ليصبح جزءاً من دعم القرار السريري وتحسين دقة التشخيص والعلاج

من بيانات متفرقة إلى منظومات متكاملة

أحد أبرز التغيرات يتمثل في كيفية التعامل مع البيانات الصحية. فبدلاً من الاعتماد على مصادر منفصلة، يتجه القطاع نحو دمج تدفقات متعددة تشمل الجينوم، والتصوير الطبي والسجلات السريرية والبيانات الناتجة عن الأجهزة القابلة للارتداء.

هذا التحول نحو البيانات المتعددة الوسائط لا يهدف فقط إلى زيادة حجم المعلومات، بل إلى وضعها في سياق متكامل يسمح بفهم أعمق للحالة الصحية لكل مريض. ومع تزايد هذا التكامل، تصبح هندسة البيانات نفسها عاملاً حاسماً في نجاح التحليل، وليس مجرد خطوة تقنية في الخلفية.

في الوقت نفسه، يتوسع دور الذكاء الاصطناعي من كونه أداة تحليل إلى شريك في اتخاذ القرار. فأنظمة دعم القرار السريري المدعومة بالذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على تحسين دقة التشخيص وتقديم توصيات علاجية أكثر تخصيصاً، مدعومة ببيانات واسعة النطاق. لكن هذا لا يعني استبدال الطبيب، بل إعادة توزيع الأدوار. فالأنظمة الذكية تبرز المخاطر وتقدم الخيارات، بينما يبقى القرار النهائي بيد الإنسان. هذا التوازن بين الأتمتة والحكم البشري يشكل أحد ملامح المرحلة الحالية في تطور الرعاية الصحية.

الرعاية تتجاوز المستشفى

من التحولات اللافتة أيضاً انتقال الرعاية الصحية تدريجياً من المؤسسات إلى المنازل. فمع تزايد استخدام أجهزة إنترنت الأشياء وتقنيات المراقبة عن بُعد، أصبح من الممكن متابعة المرضى بشكل مستمر، خصوصاً في حالات الأمراض المزمنة. هذه النماذج الجديدة لا تقتصر على تقليل التكاليف، بل تهدف إلى تحسين النتائج الصحية من خلال التدخل المبكر. ومع ذلك، لا تزال هذه المقاربات في مراحل التوسع التدريجي، حيث يتم اختبارها عبر مشاريع تجريبية قبل تعميمها على نطاق واسع.

يساهم الذكاء الاصطناعي في تسريع اكتشاف الأدوية وتحسين كفاءة التجارب السريرية (شاترستوك)

تسريع الابتكار عبر بيئات تنظيمية مرنة

في موازاة ذلك، بدأت الجهات التنظيمية تلعب دوراً أكثر مرونة في دعم الابتكار. إذ ظهرت بيئات تجريبية تسمح باختبار نماذج الذكاء الاصطناعي باستخدام بيانات اصطناعية أو محاكاة، ما يسرّع عملية التحقق دون تعريض خصوصية المرضى للخطر. هذا النهج يعكس تحولاً في طريقة تنظيم القطاع، من نموذج يعتمد على الموافقة المسبقة فقط، إلى نموذج يوازن بين التجريب والرقابة.

على مستوى البحث العلمي، تبرز تقنيات جديدة مثل التعلم الآلي الكمي، التي تُستخدم لتحسين التنبؤ بسلامة الأدوية في مراحل مبكرة. هذه الأدوات قد تقلل من معدلات الفشل في التجارب ما قبل السريرية، وهو أحد أكبر التحديات في تطوير الأدوية. إلى جانب ذلك، يساهم الذكاء الاصطناعي في تحليل التفاعلات الجزيئية وتسريع اكتشاف المركبات الدوائية، ما يقلص الوقت والتكلفة في المراحل الأولى من البحث.

بعيداً عن الاستخدامات الطبية المباشرة، يتوسع حضور الذكاء الاصطناعي في العمليات الإدارية والتشغيلية. فبحلول عام 2026، يُتوقع أن تعتمد المؤسسات الصحية بشكل متزايد على أنظمة ذكاء اصطناعي لإدارة مهام مثل الفوترة، وسير العمل، وتحسين الكفاءة. هذا التوجه يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة متخصصة، بل أصبح جزءاً من البنية التشغيلية اليومية، على غرار الأنظمة السحابية أو إدارة علاقات العملاء.

تتزايد أهمية الرعاية الصحية المنزلية المدعومة بالمراقبة عن بُعد وتقنيات إنترنت الأشياء (شاترستوك)

جودة البيانات... العامل الحاسم

رغم هذا التوسع، تبرز حقيقة أساسية: نجاح الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية يعتمد بدرجة كبيرة على جودة البيانات. فحتى أكثر النماذج تقدماً لا يمكنها تقديم نتائج دقيقة إذا كانت البيانات غير مكتملة أو غير متسقة. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على جمع بيانات عالية الجودة، وربطها بشكل متكامل، عاملاً حاسماً في تحديد الجهات القادرة على تحقيق قيمة حقيقية من هذه التقنيات.

وكما هو الحال في أي تحول رقمي، لا تخلو هذه التطورات من تحديات. فزيادة الاعتماد على البيانات تثير قضايا تتعلق بالخصوصية، وأمن المعلومات، وإمكانية إساءة الاستخدام. ولهذا، يترافق التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي مع استثمارات موازية في الحوكمة والامتثال، لضمان تحقيق الفوائد دون تعريض النظام لمخاطر جديدة.

نحو نموذج جديد للرعاية الصحية

ما يتضح من هذه الاتجاهات هو أن قطاع الرعاية الصحية لا يشهد ثورة مفاجئة، بل تحولاً تدريجياً يعيد بناء أسسه. فبدلاً من الاعتماد على تدخلات متأخرة، يتجه النظام نحو الوقاية والتنبؤ، مدعوماً ببيانات متكاملة ونماذج تحليلية متقدمة.

في هذا النموذج، لا تكون البيانات مجرد سجل للماضي، بل أداة لتوقع المستقبل. ولا يكون الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الإنسان، بل امتداد لقدراته.

وبينما لا تزال العديد من هذه التحولات في مراحلها الأولى، فإن الاتجاه العام يبدو واضحاً: مستقبل الرعاية الصحية سيُبنى على البيانات، لكن قيمته الحقيقية ستعتمد على كيفية استخدامها.