أيهما يشكل الذائقة الفنية... النص أم المتلقي؟

كتاب وباحثون مصريون يتحدثون عن التفاعل بينهما... سلباً وإيجاباً

عمار علي حسن ومصطفي الضبع وحسن حماد  ونادية شكري
عمار علي حسن ومصطفي الضبع وحسن حماد ونادية شكري
TT

أيهما يشكل الذائقة الفنية... النص أم المتلقي؟

عمار علي حسن ومصطفي الضبع وحسن حماد  ونادية شكري
عمار علي حسن ومصطفي الضبع وحسن حماد ونادية شكري

يصنع الأدب حالة من الجدل والإمتاع المستمر، سواء بين النص وكاتبه، أو بينه وبين المتلقي، مروراً بوسائط عدة تتدخل أحياناً في فهم النص، كالمجال الثقافي والبيئي والاجتماعي والسياسي، وتمتد خيوط تلك الوسائط إلى النقد الذي يلعب دوراً مهماً في كشف آليات النص، ووسائل تأثيره، وربما مساره المستقبلي.
في هذا الاستطلاع آراء لكتاب ونقاد حول السؤال الأكثر جدلاً في هذه القضية، وهو: كيف تتشكل الذائقة الفنية؟ ومن الحامل الأساسي الأول: النص الأدبي أم المتلقي؟

عمار علي حسن: عدة طرق لقراءة النص
النص الأدبي وسيط شفاف لإيصال تجربة المؤلف إلى القارئ، الذي هو متلقي النص الأدبي، ومن يلعب دوراً في الحياة الأدبية من خلال التغذية المرتدة، وهنا يمكننا أن نتفهم الربط بين الأطراف الثلاثة، باعتبار أن المجتمع يسيطر على الأدب ويطوعه، ولذا لا يجب أن نلقي بالاً للتصنيفات البلاغية لأساليب الكتابة، ونربط بين الكاتب والنص والقارئ، جاعلاً دور الناقد هو إزالة الحواجز التي تفصل بين هذه العناصر الثلاثة.
النص الأدبي هو الحامل الأساسي للذائقة، بما يحمله من قدرة على الجذب والتشويق والشغف والإثارة والإفادة والإشباع، وبعد هذا تأتي خلفية القارئ، الذي قد يكون قارئاً جيداً مستعداً للتذوق على المستوى النظري، لكن ظروفاً نفسية ما قد تسيطر عليه في بعض الأحيان تجعله ينفر مما يجب الانجذاب إليه، ويقبح من يستحق المديح. ولا يمكن هنا أن أنكر دور الناقد.
لست مع التفكيكيين الذين سلبوا النقد أي قدرة على توصيل المعني الجوهري للنص، حين قالوا إن «كل قراءة هي إساءة قراءة»، وإن القارئ منتج للنص وليس متلقياً له، وبذلك فقد النقاد دورهم، وفقد الأدباء أنفسهم مكانتهم لحساب القراء، وتاهت عقول القراء في رحلة بحث مضنية عن المعاني الكامنة في النصوص الغارقة في الغموض، وغاب تأثير الواقع لدى النقاد الجدد، في سبيل رفع شأن مفهوم «التناص» الذي يقوم على أن كل نص أدبي هو مجرد إعادة إنتاج نصوص أدبية أخرى، وليس انعكاساً للواقع الاجتماعي. ولم يصل الأمر إلى هذا الحد فحسب، بل أثيرت شكوك حول الدور التقليدي للأدب، باعتباره يقدم تجارب بديلة لحياتنا، ويقدم صوراً ذهنية جديدة من المعرفة عن أنفسنا والآخرين.
كما أن القارئ ليس واحداً، فهناك القارئ الضمني الذي يخلقه النص لنفسه، وهناك القارئ المقصود الذي يستقبل صوراً بعينها في أثناء عملية القراءة، وهناك القارئ الأعلى الذي يشبه أداة استطلاع يتم استعمالها لاكتشاف المعنى الكامن في النص من خلال جمع آراء عدد من القراء، كما اعتبر أن هناك أيضاً ما يسمى القارئ المخبر الذي لا يهتم بالمتوسط الإحصائي لآراء عدد من القراء مثلما هو الحال بالنسبة للقارئ الأعلى، إنما يهتم بوصف النص من قبل أحد بعينه.
من هنا، نجد أن النص الواحد يقرأ بعدة طرق، إذ إن كل فرد يهضم الأدب على قدر ما لديه من معرفة وخبرة اجتماعية، كما أن النصوص لا تتفاعل بالطريقة نفسها حين يتم نقلها إلى سياقات اجتماعية وسياسية مختلفة عن سياقاتها الأصلية، ولا تنتج القراءات نفسها حين يتعرض لها أشخاص مختلفون، لغوياً وثقافياً واجتماعياً.
وإلى جانب القارئ، هناك المروي عليه الذي يختلف عن القارئ في أنه يعتبر هبة الراوي، إذ إن الروائي هو الذي يحدد جنسه وطبقته وعرقه وعمره من خلال مخاطبته في سياق النص عبر الشخصيات التي يختارها. فكل قارئ يتأثر بشخصيات الرواية أو القصة التي يقرأها، وهذا التأثر يبدأ من مجرد الإعجاب، ويصل أحياناً إلى حد التقمص. ومعنى هذا أن الراوي يحدد السياق الاجتماعي للمروي عليه، الذي بدوره ينظر للنص من زاوية وضعه الاجتماعي، ثقافياً وسياسياً وطبقياً.
فالقارئ والمروي عليه، على حد سواء، وإذا كانت متابعتهما للمقتطفات النصية ومحاولة ترتيبها تقودهم للتوصل إلى استنتاجات مستقلة عن مقاصد المؤلف أحياناً، فإن سلوكهم هذا ليس خروجاً على السياق الاجتماعي، إنما هو إعادة تشكيل لهذا السياق من خلال النص، طبقاً لوضعهما الاجتماعي ومستواهما الثقافي، وكذلك حالتهما النفسية. فتحقق النص يعني توصل القارئ إلى الوعي التاريخي الذي يجعله يدرك موقعه، ويرسخ وجوده الحقيقي.
إن منتج النص هو الأصل والأساس، ودونه لن يكون هناك ما يتفاعل معه القارئ، ونصه مجرداً عن شخصه هو الحامل القوي للذائقة، وبعدها يأتي القارئ، وما بين الاثنين يقع الناقد، ويتفاعل الجميع لإنتاج الذائقة، وإن كان بدرجات متفاوتة.
- باحث في علم الاجتماع السياسي

مصطفى الضبع: دوائر الذائقة
حتى تتشكل الذائقة، فإنها تتربى تربية الإنسان، وتصقل كما تصقل الموهبة، وهو ما يتحقق عبر أربع دوائر أساسية تبدأ من الأوسع للأضيق.
وتتشكل ذائقة الطفل من الصغر إلى الكبر عبر هذه الدوائر، وهي: الوسط الاجتماعي، وتلعب فيه وسائل الإعلام دورها الأهم. فالطفل الذي تأخذه وسائل الإعلام (التلفزيون خاصة) تفرض عليه نوعاً من الذائقة البصرية، تتلوها الذائقة المتشكلة عبر السمع تربية للأذن وتشكيلاً للوعي السمعي، وهو ما يكون له تأثيره الأكبر على تشكيل ذائقة الطفل. ثم المدرسة، وتعمل على تشكيل جينات الذائقة، وترسيخ الجمال الذي من شأنه تعليم الذائقة، وتسهم في الوقت ذاته (مع التلفزيون) على تنمية الذائقة المتدرجة من الصغر إلى الكبر. ثم يأتي بعد ذلك الأسرة، عبر توجيه النشء إلى مواطن الجمال، وتربية الذوق، والعمل على إبعادهم عن مواطن القبح، أو إبعاد مواطن القبح عنهم، وهو ما يعمل على تدشين الذائقة المتطورة من الطفولة إلى الشباب، مرسخة أسسها وقواعدها، وضامنة عدم إصابتها بالخلل مستقبلاً. وتشكل الذات الحلقة الرابعة في هذه الدوائر، عبر مكاشفتها النصوص الممتلكة قدراً أكبر من الجمال، فكلما حرصت الذات على اكتشاف ما ينمي ذائقتها، اكتسبت من الخبرات الجمالية ما يشكل هذه الذائقة بشكل أقوى. ونتيجة لما تشكل من ذائقة في الدوائر الثلاث السابقة، تعمل الأرضية الجمالية للمتلقي بشكل كبير في اكتشاف جماليات النص.
ولن تتشكل ذائقة المتلقي ما لم يكن قادراً على استكشاف الجينات الجمالية في النصوص، تلك التي من شأنها تنمية ذائقته، واستكمال فعل الحاسة الجمالية، وهو ما يعني أن الاستعداد الجمالي للذات وقد تربى سابقاً هو الأساس في اكتشاف الجمال، فالنصوص مهما بلغت من جمالها تتطلب ذائقة تشكلت عبر مراحل نموها الطبيعية، ولن يتمكن نص من تشكيل وعي المتلقي ما لم تكن هناك أسس جمالية متوطنة في النفس الإنسانية.
- أستاذ النقد الأدبي

حسن حماد: البعد الثالث
من يصنع الذائقة الفنية: النص أم المتلقي؟ هذا سؤال جدلي عن العلاقة بين الإبداع والمتلقي بشكل عام. ولكن حتى تكون الفكرة أكثر شمولاً، لا بد من أن نضع في الاعتبار بعداً ثالثاً، وهو الوسط البيئي والثقافي والاجتماعي والتاريخي الذي في ظله يولد العمل الإبداعي، ويوجد أيضاً الجمهور المتذوق، وعادة ما يطلق على هذا البعد الثالث اسم الإطار.
وفكرة الإطار أصبحت تمثل أهمية ضرورية لفهم الواقع الإنساني، حيث أصبح للمكان والبيئة والطبيعة دور كبير في تشكيل الثقافة. وفي ضوء هذا البعد الخاص بالسياق أو الإطار، نستطيع القول إن الذائقة الفنية للفرد أو للمجموع تتشكل عبر إطار تراكمي من الخبرة الإنسانية الحياتية والبيئية، ولا يمكن أن نتصور وجود ذائقة فنية من دون أعمال فنية إبداعية راقية. وبالمثل، لا توجد ذائقة فنية دون وجود جمهور واعٍ، لديه المقدرة على إدراك الأعمال الفنية واستيعابها وفهمها وتذوقها.
مثالاً على ذلك وضع الأغنية الآن في مصر، حيث أصبح الفن الغنائي، شأنه شأن الفن السينمائي، مهدداً بالانقراض والاضمحلال، وذلك لأن المناخ الثقافي العام يعاني انحطاطاً وتراجعاً وتدهوراً نتيجة سيطرة ثقافة السلعة، وهيمنة الذهنية التكفيرية، ووجود أزمة اقتصادية طاحنة، وأيضاً شيوع ثقافة الهامش، وهي ثقافة الدهماء والغوغاء، أو كما أسميها ثقافة «التوك توك»؛ هذا النمط الثقافي أصبح - وللأسف - لا يمثل فقط ثقافة العامة، ولكن أيضا ثقافة النخبة أو الصفوة. أتذكر أنني ذات يوم حضرت حفلاً لعرس أحد الأطباء الشباب، ففوجئت بأن شباب الأطباء أصدقاءه يتراقصون على أغاني المهرجانات، وهذا معناه أن ثقافة الهامش استطاعت أن تغزو المجتمع بطبقاته وطوائفه كافة، وهذه الظاهرة يمكن أن نسميها «مكر الهامش».
وفي ظل هذا المناخ الذي تسير أقداره في اتجاه رأسمالية متحالفة مع الأصوليات الدينية، يضيع النص الإبداعي، وتضمر الذائقة الفنية.
النص هو الصانع.
- أستاذ الفلسفة وعلم الجمال

نادية شكري: النص أولاً
النص هو الأساس، فلا شك في أن النص الجيد الصادق الكاشف يخلق المتلقي، ويسيطر عليه، ويضيف إليه، ويجعله منحازاً له، ولكل ما شابهه من إبداع جميل إنساني، عبر لوحة أو مقطوعة موسيقية، أو حتى منظر طبيعي حوله.
تلك النصوص - على قلتها - تحقق ما يسمع عنه الناس من أن «الفن رسالة»؛ النص الأدبي يصنع مجراه بعد انتهاء الكاتب منه لدى المتلقي. فالأخير يتمعن في شخوص العمل وأدوارهم، وفي جمال اللغة وكيفية وقدرة من كتبها على الوصول إليه، بل يتخيل أن الكاتب اصطفاه دون غيره بذاك النص. فيبدأ هو في الاكتشاف، وقد يحفزه النص في البحث داخله عن قدرة على الكتابة، أو حتى على النقد.
والكاتب في أثناء خلقه للعمل لا يقصد شيئاً من هذا على ما أعتقد، لكن بجودة فنه يخلق الوشائج بينه وبين الجمال والمتلقي، فتكون أهمية إضافته. فهناك الفيلم الذي لا ينسى على سبيل المثال، واللوحة أو الرواية أو المقطوعة الموسيقية كذلك.
والفن الجيد جزء من روح صاحبه، جزء من إنسانيته في أرقى صورها، لذا فلا عجب أن تتفاعل مع قارئ أو متلقٍ به حب وشغف يشبه صاحب العمل الأدبي أو الفني عموماً. وبالتالي، لو لم يوجد النص، ما وجد المتلقي بالتأكيد، فالنص سابق على القراءة، وعلى النقد، وحتى على محاولات تنفيذه إخراجياً. فالقارئ حين يتفاعل مع العمل يصنع نوعاً من المشاركة مع شخوص العمل، ومع مؤلفه في الوقت نفسه، يشعر بهم، ويصبح له رأي في أدوارهم أو طبائعهم، ومن الجائز أن يقوم بعمل إسقاط على الشخصيات المحيطة به. ما أعنيه أن الفن يمنح المتلقي وجهة نظر خاصة في كثير من الأمور، أي يضيف إلى وعيه من خبرات الكاتب. وهنا يكمن الخوف من الكتابات الهابطة والتقليعات بعيدة كل البعد عن الرقي الأدبي والإنساني، فهي تهبط بوعي القارئ إلى الغث والرديء، وتؤثر على نظرة الأجيال الجديدة للمستقبل.
- قاصة روائية



مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
TT

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)

أكدت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، أن الوزارة بصدد تنفيذ استراتيجية متعددة الأبعاد لنشر الثقافة والوعي والفنون والاحتفاء بالرموز الوطنية وبالمبدعين المصريين في كل أنحاء العالم.

وقالت خلال لقائها، رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، الاثنين، إن من ضمن خطة الوزارة أنه سيتم إطلاق منصة موحدة لمتاحف رموز الدولة المصرية؛ للتعريف بمسيرة تلك الرموز عبر أشكال رقمية لافتة، مثل «الريلز» وغيرها من داخل تلك المتاحف، بشكل رقمي جاذب للأجيال المُستهدفة، بالإضافة إلى تنظيم رحلات للمدارس والجامعات إلى تلك المتاحف لربط الأجيال بالرموز الوطنية، والترويج لزيارتها من خلال برامج مع وزارة السياحة، وتنفيذ برامج أخرى لتسويق التراث الوطني.

ومن المتاحف التي تخص رموزاً وطنية في مجالات شتى وتابعة لوزارة الثقافة، متحف سعد زغلول «المركز الثقافي بيت الأمة» ومتحف «رامتان» منزل «عميد الأدب العربي» طه حسين، ومتحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» ومتحف محمود مختار، ومتحف أم كلثوم ومتحف محمد عبد الوهاب.

وترتكز خطة الوزارة خلال الفترة المقبلة على ثلاثة أبعاد، هي «البعد الاجتماعي» ويستهدف تحقيق العدالة الثقافية وضمان الثقافة بصفتها حقاً للجميع، ثم «البعد الوطني»، ويسعى لضمان الأمن الثقافي عبر حماية الهوية والوعي، وأخيراً «البعد الحضاري»، ويرمي إلى تمكين المبدعين ونشر الإبداع في مصر، وفق بيان لرئاسة الوزراء، الاثنين.

ويستند البعد الاجتماعي إلى إرساء مبدأ العدالة الثقافية، وأكدت الوزيرة أنه من المخطط البدء الفوري في تطوير 30 قصر ثقافة في محافظات عدة، وذلك مرحلة أولى خلال 12 شهراً، وفق خطة تستهدف رفع جودة الخدمات الثقافية المُقدمة في القصور المطورة وزيادة إقبال المواطنين عليها.

وزيرة الثقافة خلال عرض خطة عمل الوزارة بمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

بينما يهدف البعد الوطني إلى إنشاء برنامج متخصص لجيلَي «زد وألفا» يجمع بين التكنولوجيا والتراث المصري عبر تطبيقات تفاعلية وألعاب تعليمية ورحلات ثقافية، مع دمج المحتوى الثقافي المصري الأصيل في مناهج التعليم الأساسي لجميع المراحل لتعريف الأجيال بهويتهم وتراثهم.

ويتخذ البعد الحضاري شعار «مصر تبدع للعالم»، ويستهدف الاحتفاء بالمبدعين المصريين في كل مجالات الفنون والثقافة في أنحاء العالم، من خلال إنشاء استوديو مصر الرقمي ليكون مركز إنتاج رقمي متكاملاً لإنتاج محتوى مصري عالي المستوى يحكي قصة مصر للعالم بلغة العصر، بالإضافة إلى إنشاء برنامج التصدير الثقافي المصري، وبناء شراكة بين متاحف مصر الفنية وعواصم العالم لعرض قطع فنية للتعريف بالفنون المصرية والمبدعين المصريين.

وعرضت وزيرة الثقافة آليات تنفيذ محاور العمل المُستهدفة، سعياً لبناء منظومة ثقافية متكاملة، مشيرة إلى أن محور «الرقمنة» يشغل اهتماماً كبيراً ضمن أجندة عمل الوزارة، حيث تعدّه عصب منظومة الثقافة المصرية، وأنه لم يعد اختياراً، حيث تستهدف «الثقافة» بناء المنصة الثقافية الموحدة منصةً واحدة تجمع كل المبادرات الثقافية المصرية، مع السعي للوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين لتحقيق الأهداف المرجوة.


مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
TT

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

ضمن ديكورات تتنقّل مشاهدها بين ثلاثة فضاءات مختلفة، تدور أحداث مسرحية «كذبة بيضا» (Mensonge blanc)، من تأليف ألكسندر نجار، وإخراج لينا أبيض، وبطولة أنطوني توما. تتوزّع هذه الفضاءات بين منزل عائلي، وثكنة لمقاتلين في ميليشيا، وخطوط تماس تفصل بين مناطق المدينة الواحدة، لتشكّل مشهداً بصرياً درامياً يعكس انقسام الشخصيات وتقلّباتها الداخلية.

مسرحية «كذبة بيضا» على مسرح مونو (الفنانة جوزيان بولس)

يبدأ عرض المسرحية في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت، وتروي حكاية شاب لبناني أراد الالتحاق بميليشيا مسلَّحة أسوة بأصدقائه، فيقرّر أهله إرساله إلى اسكوتلندا لإبعاده عن أجواء الحرب الأهلية في السبعينات.

يوصل الأهل ابنهم إلى مطار بيروت مطمئنين إلى أنه متجه نحو بلد ينعم بالسلام، لكن الشاب يعود سريعاً لينخرط مع أصدقائه في ثكنة للمقاتلين في منطقة السوديكو، ويخوض تجربة قاسية تستمر 6 أشهر تترك أثرها في مسيرته الحياتية.

وتوضح المخرجة لينا أبيض لـ«الشرق الأوسط» أن القصة حقيقية وصلت إلى مسامع المؤلف ألكسندر نجار، فتأثر بها وكتبها، مشيرة إلى أن الوجهة الأصلية للشاب كانت رومانيا، ومنها ولدت فكرة العمل في استعادة لحقبة عاشها اللبنانيون.

تدور المسرحية في حقبة الحرب الأهلية في السبعينات (الفنانة جوزيان بولس)

يشارك في المسرحية، إلى جانب أنطوني توما، 9 ممثلين منهم جو أبي عاد، وجلال الشعر، وغاييل عايلة، وجاك مارون، وعلي بليبل، وجوزيان بولس. وتُقدَّم باللغتين العربية والفرنسية، في انعكاس لأسلوب اللبنانيين في المزج بينهما، مع ترجمة متبادلة للحوار تُعرض على شاشة عملاقة أثناء العرض.

وعن سبب التسمية، تشرح لينا أن الشاب حين عاد إلى بيروت مخالفاً قرار أهله، بدأ يتساءل إن كان قد ارتكب خطأً وكذب عليهم، قبل أن تصف ممرضة فرنسية في الثكنة ما فعله بأنه «كذبة بيضاء»، وهو ما يفتح باباً لصراع داخلي وأسئلة وجودية.

تحمل المسرحية أبعاداً سياسية واجتماعية وفلسفية، وتطرح موضوع العلاقة بين الأهل والأبناء وفرض القرارات عليهم. وتستطرد لينا أبيض قائلة: «كان الشاب يحلم باحتراف الغناء، بينما أراد والده له مساراً مهنياً مختلفاً، رافضاً دخوله المجال الفني». وتشير لينا إلى أن العمل، رغم استعادته أحداث منتصف السبعينات، فإنه يعكس واقعاً لا تزال آثاره حاضرة اليوم، حيث تستمر التعقيدات السياسية وتبعات الحرب في حياة اللبنانيين.

وتؤكد أن الفكرة الأساسية تتمحور حول العلاقة بين الأجيال، وكيف يرث الأبناء أفكار ذويهم من دون مساحة كافية للاختيار أو الاعتراض، في دوامة تتكرر من جيل إلى آخر.

يتضمن العرض عناصر فنية متعددة، بينها الغناء، والموسيقى، وديكورات ذات حضور بصري لافت، إذ يؤدي أنطوني توما عدداً من الأغنيات، محققاً رمزياً حلم الشخصية التي حُرمت من ممارسة شغفها الفني.

الفنان أنطوني توما بطل العمل (الفنانة جوزيان بولس)

وترى لينا أن كل مشاهد سيتلقى العمل من زاويته الخاصة؛ فقد يدرك الأهل أخطاءهم، بينما يكتشف الشباب أهمية اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، مؤكدة أن المسرحية تسعى إلى تعزيز التفاهم بين الأجيال من دون إصدار أحكام أو توجيه نقد مباشر.

كما يضم العمل ممثلين من أعمار مختلفة، من العشرينات حتى الستينات، لتقديم نماذج تمثِّل أجيالاً متعددة، مما يضفي على العرض نضجاً فنياً وإنسانياً. ويستغرق عرض المسرحية نحو ساعة، وهي، بحسب مخرجتها، «مسلية وفلسفية في آن واحد».


وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)

قالت الممثلة المصرية وفاء عامر، إن مسلسل «الست موناليزا» منذ حلقاته الأولى لم يكن يعتمد على الصدمات السريعة أو المفاجآت، بقدر ما كان يبني توتره بهدوء وثقة، عبر تفاصيل صغيرة تتراكم تدريجياً حتى تصل إلى لحظة فارقة تغيّر مسار الحكاية بالكامل، مؤكدة أن هذا النفس الدرامي الطويل هو ما جذبها إلى العمل وجعلها تتحمس للمشاركة فيه؛ لأنها شعرت بأن النص يراهن على وعي المشاهد وصبره، وليس على إبهاره اللحظي فقط.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التحولات التي شهدتها شخصية «عفاف» في الحلقات التي أُذيعت لم تكن انقلاباً مفاجئاً أو تغييراً مصطنعاً لخلق الإثارة، بل نتيجة طبيعية لمسار درامي محسوب بدقة شديدة، موضحة أنها حين قرأت السيناريو أدركت أن الشخصية ستسير في هذا الاتجاه، حتى وإن ظهر في البداية أنها امرأة بسيطة، حنونة، قريبة من الجميع، تحمل ملامح الطيبة والتلقائية.

وأشارت إلى أن هذا الهدوء الظاهري كان يخفي خلفه طبقات أعمق، وأن «عفاف» منذ ظهورها الأول كانت تحمل بذور تحوّلها، لكن هذه البذور احتاجت وقتاً كي تنبت أمام أعين الجمهور، وهو ما حدث في أحدث الحلقات.

ويدور العمل حول شخصية «موناليزا» التي تجسدها مي عمر، والتي تعاني من زواج فاشل مرتبط بشروط صعبة، وتمر بسلسلة من المواقف المعقدة مع شخصيات متنوعة في محيط العائلة والأصدقاء، وبعد الانفصال تحاول إعادة بناء ذاتها.

وتتوقف وفاء عند فكرة أن «الدراما لا تقدم أسوأ ما في المجتمع» كما يظن البعض، بل تسلط الضوء على مناطق مسكوت عنها، معتبرة أن وظيفة الفن هي التنبيه، لا الإدانة فقط. فحين تعرض الدراما بوادر أزمة أو أعراض خلل نفسي أو اجتماعي، فإنها تمنح المشاهد فرصة للفهم والانتباه، وربما التصحيح.

راهنت وفاء عامر على تأثير دورها في الأحداث (صفحتها على «فيسبوك»)

وتؤكد أن شخصية «عفاف» تنتمي إلى هذا النوع من الشخصيات المركبة، التي تحمل داخلها صراعات لا يراها المحيطون بها بسهولة، لافتة إلى أنها تناقشت مع المؤلف والمخرج في الكثير من التفاصيل حول خلفياتها وطريقة التعامل معها.

وأوضحت أن أكثر ما أسعدها بعد عرض الحلقات هو أن عدداً كبيراً من المشاهدين عادوا إلى الحلقات الأولى ليتأملوا التفاصيل من جديد، فاكتشفوا أن الإشارات كانت موجودة منذ البداية، سواء في نظرة عابرة، أو جملة قصيرة بدت عادية في سياقها، لكنها حملت دلالة مختلفة بعد اكتمال الصورة.

وأكدت أن تعاونها مع المؤلف محمد سيد بشير كان سبباً أساسياً في حماسها للتجربة؛ لكونه كاتباً يؤمن بالشخصيات التي لا تُختصر في صفة واحدة، ولا يُحكم عليها من مشهد أو موقف، لافتة إلى أنه يجيد توزيع المفاجآت على امتداد الحلقات، بحيث لا يشعر المشاهد بقطيعة مفاجئة في تطور الشخصية.

أما عن تعاونها مع مي عمر، فأكدت أنها وجدت فيها ممثلة مجتهدة تحب عملها بصدق وتسعى دائماً إلى تطوير أدواتها، لافتة إلى أنها تواصلت معها فور قراءة السيناريو لتعبّر عن إعجابها بالشخصية التي تقدمها، وشعورها بأنها تناسبها للغاية، مشيرة إلى أن العلاقة بينهما على المستوى الإنساني انعكست بشكل واضح على الشاشة.

وقالت إن «الكيمياء بين الممثلين لا تُصنع فقط أمام الكاميرا، بل تبدأ من الاحترام المتبادل والثقة، وهو ما شعرت به منذ الأيام الأولى للتصوير»، معتبرة أن هذا التفاهم ساعدهما على تقديم مشاهد تعتمد على شدّ نفسي وتوتر داخلي أكثر من اعتمادها على المواجهات الصريحة.

وعلّقت على ما يُثار أحياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن مي عمر، معتبرة أن «الجدل في حد ذاته دليل حضور وتأثير، وأن الفنان الذي لا يُثار حوله نقاش قد يكون بعيداً عن دائرة الضوء، في حين أن الجدل يعكس اهتمام الجمهور وترقبه، لكن الأهم في النهاية هو الاستمرار في العمل والاجتهاد وتقديم اختيارات متنوعة»، ومؤكدة أنها على المستوى الشخصي تحب متابعة أعمال مي عمر وتشاهدها كممثلة قبل أن تكون زميلة.

وفاء عامر تحدثت عن دورها في «الست موناليزا» (صفحتها على «فيسبوك»)

وتطرقت وفاء عامر إلى فكرة التنقل بين البطولة المطلقة والأدوار الرئيسية داخل الأعمال الفنية، معتبرة أن هذا الأمر بالنسبة لها مرتبط بالاختيارات الفنية وليس بحسابات المساحة أو عدد المشاهد.

وقالت: «لا أنظر إلى حجم الدور بقدر ما أنظر إلى تأثيره في البناء الكلي للعمل»، مشيرة إلى أن الشخصية التي تُحدث تحولاً في مسار الحكاية قد تكون أكثر أهمية من شخصية حاضرة في كل المشاهد بلا تأثير حقيقي.

وأشارت إلى أن هذا المفهوم يتجلى بوضوح في «الست موناليزا»؛ فشخصية «عفاف» رغم أنها ليست محور الحكاية الوحيد، فإن وجودها كان عنصراً مفصلياً في تغيير مسار العلاقات والصراعات بين الشخصيات. فبمجرد انكشاف دوافعها الحقيقية، أعادت ترتيب موازين القوى داخل العمل، ودفعت شخصيات أخرى إلى اتخاذ قرارات مصيرية، وهو ما تعتبره جوهر البطولة من وجهة نظرها.

وأضافت أن الفنان الحقيقي يجب أن يملك شجاعة التنقل بين المساحات المختلفة؛ لأن البطولة في رأيها ليست لقباً ثابتاً يُعلّق على «الأفيش»، بل حالة درامية تتحقق حين تكون الشخصية مكتوبة بعمق ومؤثرة في مجرى الأحداث. وأكدت أن هذا الوعي بات يحكم اختياراتها في السنوات الأخيرة؛ إذ تسعى إلى أدوار تضيف إلى رصيدها مناطق جديدة وتكشف جوانب لم تقدمها من قبل، بدلاً من تكرار أنماط نجحت سابقاً، لكنها لم تعد تشبع طموحها الفني.

وفي الختام عدّت وفاء عامر مسلسل «الست موناليزا» تجربة تعتز بها، ليس فقط بسبب ردود الفعل الإيجابية التي تلقتها؛ بل لأن شخصية «عفاف» منحتها مساحة تمثيلية ثرية، جمعت بين الهدوء الظاهري والعاصفة الداخلية.