حضور دولي لافت في تشييع جاك شيراك

الفرنسيون يرون في الرئيس الأسبق صنواً للجنرال ديغول

جندي يراقب اصطفاف الفرنسيين لإلقاء النظرة الأخيرة على الرئيس الراحل في قصر «الأنفاليد» أمس (إ.ب.أ)
جندي يراقب اصطفاف الفرنسيين لإلقاء النظرة الأخيرة على الرئيس الراحل في قصر «الأنفاليد» أمس (إ.ب.أ)
TT

حضور دولي لافت في تشييع جاك شيراك

جندي يراقب اصطفاف الفرنسيين لإلقاء النظرة الأخيرة على الرئيس الراحل في قصر «الأنفاليد» أمس (إ.ب.أ)
جندي يراقب اصطفاف الفرنسيين لإلقاء النظرة الأخيرة على الرئيس الراحل في قصر «الأنفاليد» أمس (إ.ب.أ)

تجمع الفرنسيون بكثافة، أمس، أمام مدخل كنيسة سان لويس في قصر «الأنفاليد»، من أجل إلقاء نظرة الوداع الأخيرة على الرئيس الأسبق جاك شيراك الذي سجي جثمانه داخلها بعد ظهر الأحد. وتحت سماء ممطرة، انتظروا بهدوء وصمت، وبينهم كثير من الشبان الذين تراصوا صفوفاً، احتراماً وتكريماً لذكرى رجل ترك الحياة السياسية، وابتعد عن الحياة العامة منذ خروجه من قصر الإليزيه في عام 2007. وكثير من هؤلاء لم يعرفوا شيراك رئيساً، ولا المعارك السياسية التي خاضها منذ أن دخل المعترك السياسي في الستينات، إلى جانب الرئيس الأسبق جورج بومبيدو.
وخلال حياته السياسية الطويلة، عاش شيراك نعمة الحكم، كما ظلمة المعارضة وضعف الولاءات. وكانت التجربة الأكثر إيلاماً بالنسبة إليه عندما «خانه» رئيس الوزراء إدوار بالادور، الذي يدين له بالوصول إلى رئاسة الحكومة، لكنه لم يتردد في الترشح ضده في الانتخابات الرئاسية لعام 1995، بعد أن وجد أن استفتاءات الرأي العام تجعله متقدماً عليه. لكن شيراك، الرجل المحنك، الذي كان في زمنه الوزير الأصغر سناً، والذي شغل منصب رئاسة الحكومة مرتين، وكان عمدة لمدينة باريس طيلة 17 عاماً، ونائباً طيلة عقود، عرف كيف يقاوم تيار بالادور، ويركب الموجة الواعدة، ليفوز برئاسة الجمهورية مرة أولى لسنوات سبع، ثم مرة ثانية في عام 2002 لولاية من خمس سنوات.
ودأبت برناديت شيراك، أرملة الرئيس الراحل، أيام رئاسته، على القول إن الفرنسيين «لا يحبون زوجها». والحال أن ما أظهره هؤلاء، كباراً وصغاراً، يأتي بالتكذيب القاطع لأقوالها. فمنذ صبيحة الخميس، توافد الفرنسيون إلى محيط منزل عائلة شيراك، في الدائرة السادسة من باريس، ثم إلى قصر الإليزيه، لتسجيل كلمة وداع في السجلات الذهبية التي أمر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بفتحها، وأخيراً تجمهروا في قصر الأنفاليد. ومنذ الخميس، أعلن ماكرون اليوم (الاثنين) يوم حداد وطني، وقد نكست الأعلام، وأعلنت أكثر من هيئة ومدينة عزمها على تكريم الرئيس الراحل. كذلك، فإن الإعلام الفرنسي، بمكوناته المكتوبة والسمعية - البصرية كافة، إضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي، كرس وقتاً طويلاً ومساحات كبيرة للرئيس الراحل، ولحياته وشخصيته وسياساته وعلاقاته الدولية ومواقفه التي تذكر له.
ولم تتوقف الأمور عند الداخل الفرنسي. فشيراك الذي صال وجال في العالم، كانت له صداقات عربية وأفريقية ودولية. واليوم، ستشهد باريس حشداً من رؤساء الدول والحكومات يربو عددهم على الثلاثين. وقد حرص صهر شيراك على التأكيد، أول من أمس، أن القادة الحاضرين جاءوا برغبة منهم، وأن العائلة «أو الرئاسة» لم توجه أي دعوة لحضور مراسم الدفن البروتوكولية التي ستحصل اليوم على دفعتين: الأولى في كنيسة سان لويس وباحة قصر الأنفاليد، والثانية في كنيسة سان سوبليس، قبل أن ينقل الجثمان إلى مقبرة مونبارناس، ويدفن إلى جانب ابنته لورانس التي توفيت في عام 2016، وكانت حتى غيابها الجرح النازف لعائلة شيراك بسبب مرضها المزمن.
والواقع أن شعبية شيراك وصلت إلى حدودها القصوى - وهنا المفارقة - منذ خروج الرئيس الأسبق، الذي خاض في حياته أكثر من معركة سياسية، من السلطة. والمفارقة أيضاً أن الفرنسيين متعلقون بشيراك الرجل الإنساني والسياسي البسيط المتواضع المحب للناس، أكثر من تعلقهم بشيراك رجل الدولة، رغم أنه كانت للأخير مواقف في الداخل والخارج ما زالت عالقة في أذهان مواطنيه. ومن أبرزها على الإطلاق وقوفه ضد الحرب في العراق عام 2003، ودعوته إلى المحافظة على البيئة، وقوله الشهير: «منزلنا يحترق، ونحن ننظر في اتجاه آخر». كذلك، فإن شيراك أراد أن يكون الرئيس الذي يدافع عن الضعفاء، وهو ما برز في مواقفه من القضية الفلسطينية، وانتقاده الاستيطان الإسرائيلي وبناء حائط الفصل، وحمايته للرئيس ياسر عرفات، ومواقفه في القدس خلال زيارة رسمية في عام 1995. وأراد شيراك أن يكون صديقاً لأفريقيا التي جال فيها طولاً وعرضاً، وطلب في قمة جوهانسبرغ عام 2002 محو ديون الدول الأفريقية، كذلك لم يتردد في التدخل عسكرياً في يوغوسلافيا. ولا يمكن تناسي محاولة شيراك إعادة إحياء «سياسة فرنسا العربية»، ووقوفه الدائم إلى جانب لبنان، والدور الذي لعبه في إخراج القوات السورية من هذا البلد بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في فبراير (شباط) من عام 2005. وكان شيراك أول رئيس دولة يزور نيويورك بعد اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول)، وأرسل قوات فرنسية إلى أفغانستان إلى جانب القوات الأميركية. ويُعرف عن الرئيس الأسبق احترامه العميق للحضارات غير الأوروبية، خصوصاً الأفريقية والآسيوية، وحرصه على إنشاء متحف خاص بها، هو متحف «الفنون الأولى» المطل على نهر السين في باريس.
لكن الفرنسيين سيذكرون لشيراك تمسكه بالإرث الديغولي، ومحاولته إبقاء فرنسا سيدة قراراتها السياسية، وعدم التحول إلى تابعة للسياسة الأميركية، وهو ما برز في الملفين العراقي والفلسطيني وملفات أخرى. لكن مقابل ذلك، يؤخذ على شيراك قراره العودة إلى القيام بتجارب نووية في الممتلكات الفرنسية في المحيط الهادئ منذ وصوله إلى الرئاسة، الأمر الذي آثار انتقادات في داخل فرنسا وخارجها.
لا أحد يجهل مدى اهتمام الوسائل الإعلامية بإجراء استطلاعات للرأي حول المواضيع كافة. ولم تشذ مجلة «جي دي دي» عن القاعدة، لأنها أجرت استفتاء حول شخصية شيراك، وموقعه في تاريخ الرئاسة الفرنسية. وتفيد النتائج بأن شيراك ينظر إليه على أنه «أفضل رئيس» للجمهورية الفرنسية الخامسة، بالتساوي مع الجنرال شارل ديغول، بطل فرنسا الحرة ورئيس جمهوريتها لولاية ونصف، بوصفه فضل الاستقالة بعد أن خيب الفرنسيون أمله بالتصويت ضد الاستفتاء الذي أجراه في عام 1968. وبذلك يكون الفرنسيون قد «كرسوا» رئيسهم الأسبق، بأن رأوا فيه «رجلاً يشبههم»، بخصاله ونقاط ضعفه الكثيرة. والواضح أنهم يريدون تناسي هذه النقاط، والتركيز فقط على الصفحات المضيئة في سجل هذا الرجل الحافل.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.