المختارات الشعرية... ولادة حركات أم مزاج شخصي؟

«ديوان الحماسة» لأبي تمام يبقى الأهم في تاريخ الاختيار الشعري العربي

أحمد شوقي - عباس محمود العقاد - عبد الوهاب البياتي - يوسف الصائغ
أحمد شوقي - عباس محمود العقاد - عبد الوهاب البياتي - يوسف الصائغ
TT

المختارات الشعرية... ولادة حركات أم مزاج شخصي؟

أحمد شوقي - عباس محمود العقاد - عبد الوهاب البياتي - يوسف الصائغ
أحمد شوقي - عباس محمود العقاد - عبد الوهاب البياتي - يوسف الصائغ

شكلت كتب المختارات طريقة ومنهجاً في التأليف، فقد أخذت تلك الطريقة مساحة كبيرة في النقد العربي القديم، وشكلت ظاهرة لافتة في حركة الشعر العربي، فأولى المدونات الشعرية هي عبارة عن مختارات شعرية لـ130 قصيدة، وهي المفضليات، التي تُعدُّ أقدم مجموعة في اختيار الشعر العربي، ومن بعدها ظهرت الأصمعيات، وجمهرة أشعار العرب، وقد فتحت تلك المختارات نافذة للنقدية العربية في تقسيم الشعراء إلى طبقات من الفحول وغير الفحول، وحسب معايير النقد القديم.
ولكن كما أظن تبقى مختارات أبي تمام (ديوان الحماسة) أحد أهم المختارات في تاريخ الاختيار الشعري العربي، حيث كان منسوب الوعي في أعلى مستوياته، هذا إذا علمنا أنَّ الاختيار قطعة من القلب كما يقولون، لذلك جاءت مختارات أبي تمام مبوّبة وموزعة حسب الأغراض، فضلاً عن ابتكاره أغراضاً جديدة، لم تكن معهودة في الشعر العربي، ولكن ثقافة أبي تمام سمحت له أنْ يضع جملة من الأشعار، في باب سماه «باب مذمة النساء» ومن ثم توالت المختارات بهذا الاسم؛ اسم «ديوان الحماسة»، فظهرت «حماسة الشجريين، والحماسة البصرية، وديوان الحماسة للمرزوقي، وللبحتري، وديوان الحماسة للتبريزي».
ومن ثم حدثت شبه قطيعة في فكرة المختارات، حتى وصلنا إلى بداية القرن العشرين، حيث اجتهد الشعراء في أن يكونوا على شكل مجاميع منظمة، تطرح أفكارها وتوجهاتها، فظهر لنا كتاب «الديوان» للعقاد والمازني، وهو يمثل أول مختارات معاصرة تتضمن طروحات فكرية وتنظيرية وفيها مجمل رؤية هذه المجموعة للشعر مع نصوصهم التي اختاروها والتي زعموا أنها تمثل توجههم الشعري المتوافق مع تنظيرهم النقدي، الذي انصب في نقد الشعراء الذين سبقوهم، وبالتحديد أحمد شوقي وأدب المنفلوطي ودعوا فيه إلى التجديد الشعري، الذي طردوا من ساحته شعر المناسبات والإخوانيات، ومن ثم ظهرت جماعة «أبوللو» الذين اجتمعوا في مجلة، ولم تجمعهم مختارات أو ديوان مشترك.
ولكن بظهور هاتين الحركتين بدأ التوجه نحو التجمعات الشعرية في أنْ تكون عصبة قوية، تقف بوجه السابق، أياً كان ذلك السابق، فأحمد شوقي وقف بوجهه العقاد، والعقاد وقف بوجهه أحمد عبد المعطي حجازي، والآن شعراء قصيدة النثر الشباب في مصر وقفوا بوجه حجازي. وهكذا تدور عجلة التحوَّلات الفكرية والثقافية، في بث أنساقها في كل مرحلة من المراحل، وحين نعود إلى المختارات يجب أنْ نتوقف عند ديوان الشعر العربي لأدونيس الذي يمثل وجهة نظر الحداثة إزاء الشعر العربي، الذي نقاه وخلَّصه من كل ارتباطاته الوظيفية، والغرضية، فاختار لنا شعراً صافياً للشعر وحده، أمَّا المختارات المعاصرة، التي سخنت كثيراً في الربع الأخير من القرن العشرين، وصولاً إلى هذه اللحظة، حيث حاول «حزب البعث» في بداية قبضته على السلطة، أنْ يدعم مجموعة من الشعراء، فظهرت قصائد مختارة من شعراء مجلة «الطليعة العربية» عام 1977 لـ47 شاعراً، من جيل الخمسينات، والستينات، والسبعينات الذين يُعدّون في بداية مشوارهم الشعري في ذلك الوقت، كخزعل الماجدي ومرشد الزبيدي وغزاي درع الطائي وفرج ياسين وساجدة الموسوي وآخرين ليس لهم حضور شعري بارز، ولكن هذه الأنطولوجيا محددة بغرض واحد وواضح؛ وهو التبشير بشعراء القومية العربية، وبأنَّ هؤلاء الشعراء من أجيال مختلفة، وأشكال شعرية متناوبة بين العمود التقليدي، والتفعيلة، يمثلون وجه الوطن العربي المقبل، لذلك طعَّموا هذه المختارات بشعراء عرب مثل سليمان العيسى وخليل الخوري، وما تبقى هم الشعراء العراقيون، الذين احتوت معظم قصائدهم المختارة جانباً واحداً؛ وهو التفاؤل لمستقبل الأمة العربية، وتجاوز الأزمات وبالأخص أيام النكسة، لذلك لم نجد أي شاعر شيوعي، أو من ميول ماركسية، أو حتى مستقل، لذلك فهذه المختارات التي ركزت على الستينيين حذفت منها فاضل العزاوي وفوزي كريم ومن قبلهم سعدي يوسف ويوسف الصائغ وعبد الرزاق عبد الواحد والبياتي وعشرات آخرين، لم يُذكروا في هذه المختارات، لسبب آيديولوجي، لذلك مثلت تلك المختارات وجهة نظر الحكومة، أو السلطة الثقافية المتحكمة بالشأن الثقافي في تلك المرحلة.
ولذلك كان هذا الكتاب منصباً على معظم الجيل الستيني، الذي لم تبشر تلك المختارات بأي حركة أدبية أو فنية، لغلبة الطابع الثوري فيها والآيديولوجي، وكانت هذه المختارات من إعداد الشاعر والناقد الدكتور علي جعفر العلاق، وبعد مرور ما يقارب 10 سنوات، ظهر كتاب للناقد الدكتور حاتم الصكر «مواجهات الصوت القادم» 1986، وهو دراسة نقدية عن تجربة الجيل السبعيني، مع بعض الثمانينيين مع مختارات من نصوصهم، وكانت هذه المختارات لا تمثل توجهاً مؤدلجاً، فهي ليست قريبة من السلطة كما أنها ليست معارضة لها، لكنها أخذت التوجه الفني للشعراء، وانحيازهم للحداثة دون غيرها، ومن ثم توالت فكرة المختارات، أو الدواوين المشتركة، فقد كتب عباس اليوسفي وفرج الحطاب «الشعر العراقي الآن» وكانت مقتصرة على شعراء قصيدة النثر، علماً أنَّ عنوان المختارات يوجب عليهم أنْ يلمَّوا بمجمل الشعر العراقي، لكنهم ينطلقون من فكرة مصادرة أي شكل غير قصيدة النثر، وطرده خارج الشعرية العراقية بل والعربية.
كما أصدر بيت الشعر الفلسطيني مختارات لمجموعة من الشعراء العراقيين تحت اسم «أنساغ القلب» وكانت تضم كلاً من أحمد الشيخ علي، وخضير الزيدي، وعماد جبار، وكاظم النصار، وكريم شغيدل، وماجد حدام، وكان ذلك عام 2001. ولم يحتوِ الديوان على مقدمة للشعراء إنما كانت مقدمة ترحيبية للشاعر المتوكل طه بوصفه رئيساً لبيت الشعر الفلسطيني في تلك المدة، فلا شيء يدل على أنهم حركة شعرية، بل كانت مجرد نصوص، وكلها من قصيدة النثر أيضاً ما عدا عماد جبار كانت نصوصه من التفعيلة. وقبل ذلك أصدر 3 شعراء جمعتهم الجامعة المستنصرية ديواناً صغيراً مشتركاً، وبطباعة بسيطة جداً جداً سموه «شعراء الألف الثالث» وقد أصدروه عام 1999، وهم كل من عباس عبد معلة، ونوفل هادي الحمداني، ورسول خضر الزبون، وقد كانت هذه المجموعة أو الديوان محاولة لإثبات الوجود، إلا أنَّه لم يحظَ بحضور نقدي، ولا متابعة جيدة، علماً أنَّ عنوانه يُفصح عن اقتحام شعراء جدد لقرن جديد، إلا أن النصوص لم تسعف كثيراً قوة الرغبة التي يحملها الأصدقاء في ذلك الوقت، وكم كنتُ أتمنى لو كتب الأصدقاء مقدمة لديوانهم المشترك، تجمع مجمل أفكارهم عن الشعر، خصوصاً أننا كنَّا على أعتاب نهاية قرن، وبداية قرن جديد، فلو كتبوا مقدمة لكانت مفصلاً مهماً، حتى لو لم تُسعف النصوص، كما حدث مع مقدمة ديوان نازك الملائكة «شظايا ورماد»، حيث نعود دائماً إلى المقدمة، دون أنْ نلتفت كثيراً للشعر.
بعد ذلك أصدر مجموعة من شعراء الموصل ديواناً مشتركاً عام 2002 اسمه «نقوش على وجنة البيبون»، وهم كل من عبد الله البدراني، وجاسم محمد جاسم، وحميد عبد الوهاب، وعبد المنعم الأمير، وعمر عناز، ولم يكن أفضل حالاً من «شعراء الألف الثالث»، حيث رداءة الطباعة، وهي عبارة عن استنساخ بغلاف بسيط جداً، وقد كتب الشاعر كرم الأعرجي مقدمة شعرية لهؤلاء الشباب لم تفصح عن توجه أو حركة شعرية جديدة، لكنْ ما يميز هذه المجموعة المشتركة أنهم اقتصروا على الشعر الموزون والعمودي منه على وجه التحديد كأنهم ردة فعل لبعض المختارات لشعراء قصيدة النثر، وهذا ما صنعه بسام صالح مهدي حين كتب كتابه «حركة قصيدة الشعر» 2005 متضمناً أفكار جماعة قصيدة الشعر وبيانهم الشعري مع نصوصهم التي تغلب عليها العمود ذو النزعة التجديدية. بعد ذلك صدر كثير من الدواوين المشتركة، ومعظمها من بيت الشعر في اتحاد أدباء العراق؛ ففي 2007 صدرت مجموعة مشتركة لشاعرين؛ هما الراحل حبيب النورس والشاعر عماد كاظم عبد الله، بعنوان «شاهدان ومئذنة». وفي عام 2010 صدرت أيضاً مجموعة مشتركة بين الشاعرين رضا السيد جعفر والشاعر نادر عمَّا نوئيل، وقبلها صدرت في 2009 عن نادي الشعر بمناسبة اليوبيل الذهبي لاتحاد الأدباء، مجموعة مشتركة لـ17 شاعراً «أكثر من قمر لليلة واحدة»، وكانت هذه المجموعة معظمها من الشعر الموزون، والملاحظ على مطبوعات الاتحاد من الدواوين المشتركة أنَّها لم تكن تبشر بحركات شعرية، أو توجهات جديدة، فقد خلت كل تلك الدواوين من مقدمات نقدية، أو تنظيرية، لذلك هي تحشّد الشعراء فقط، وتحاول أنْ تُرضي أكثر من جهة، وتوجه، وطرف، وهذه مسألة طبيعية، لطبيعة عمل المؤسسات الثقافية، التي لا تريد أنْ تدخل في سجالات مع المثقفين.
وفي عام 2018، صدرت مجموعة مشتركة لشعراء عراقيين بعنوان «تلويحة لأحلام مؤجلة» وتحمل عنواناً فرعياً «شعرية عراقية جديدة»، وقد كانت من إعداد وتقديم الشاعر حسام السراي، وقد ضمت كلاً من الشعراء أحمد عزَّاوي، وحسام السراي، وزاهر موسى، وصادق مجبل، وصفاء خلف، وعلي محمود خضير، وعمر الجفال، ومؤيد الخفاجي، وميثم الحربي، وفي تصوري كانت هذه المجموعة المشتركة واحدة من أكثر المجاميع، أو المختارات الأكثر نضجاً في عموم المختارات للشعر في العراق، حيث كُتبتْ لها مقدمة طويلة أشبه بالبيان الشعري، الذي ينبئ بتصورٍ واضحٍ عن الوضع السياسي، والاجتماعي، والثقافي، وعن المرحلة التي أنجبت هذه المجموعة من الشعراء، ذوي الأعمار المتقاربة نسبياً، وكل هؤلاء الشعراء دعاهم حسام السراي ليكونوا في هذه المختارات، حيث يقول في المقدمة: «عنّي شخصياً تشرفتُ بقبول أصدقائي وزملائي للمشاركة في هذا المشروع، وجمعتُ إسهاماتهم فيه، وكتبتُ هذه المقدمة التي لم تفلت من وقفة عند الشأن العام، إذن هذه المختارات كانت موجهة للذين يُشبهون حسام السراي، لأنَّه لا يوجد أي مختلف عنهم، في هذا السياق، وحتَّى عدد من هؤلاء الشعراء من يكتب العمود والتفعيلة، إلا أنه اشترك بقصائد نثر فقط، ما يعني أنَّ توجه هذه المختارات نحو قصيدة النثر، وربما العنوان الفرعي «نحو شعرية عراقية جديدة» هو الذي حدد البوصلة، رغم أنَّهم لم يحددوا لنا ما خصائص هذه الشعرية العراقية الجديدة، وكيف انبثقت؟ وما ملامحها؟ ولماذا اقتصرت على 9 شعراء فقط دون غيرهم؟ علماً أنَّ لهم عشرات آخرين من جيلهم الذي اشتدَّ عودُه الشعري بعد 2003، كما أنَّ إحدى الصفات التي اتسمت بها هذه المختارات هي المساحة النقدية والشهادات الشعرية التي أدلى بها الشعراء، كل حسب وجهة نظره للشعر، وأسباب كتابته، ونظرته لما يدور حوله، إلا أنَّ ما يُلاحظ على معظم تلك التجارب، هو تركيزهم على التحولات السياسية في البلد، والتحولات الاجتماعية، وجملة المشاكل التي مرَّ بها العراق، من حروب متكررة، وحصار خانق، واحتلال، وحرب أهلية، ومفخخات، وميليشيات، وإرهاب، ولكننا لم نقرأ لهؤلاء الشعراء أي إشارة إلى مرجعياتهم الثقافية، ولم يكتبوا بشهاداتهم الشعرية عن خزينهم المعرفي والثقافي، الذي أسهم باندلاع شعريتهم غير أسباب الحرب والاحتلال، ولكن مع هذا كله تبقى تلك التلويحة إحدى أنضج المختارات الشعرية التي تبشر بجيل شعري متفاعل مع محيطه الثقافي والاجتماعي.



هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.