المختارات الشعرية... ولادة حركات أم مزاج شخصي؟

«ديوان الحماسة» لأبي تمام يبقى الأهم في تاريخ الاختيار الشعري العربي

أحمد شوقي - عباس محمود العقاد - عبد الوهاب البياتي - يوسف الصائغ
أحمد شوقي - عباس محمود العقاد - عبد الوهاب البياتي - يوسف الصائغ
TT

المختارات الشعرية... ولادة حركات أم مزاج شخصي؟

أحمد شوقي - عباس محمود العقاد - عبد الوهاب البياتي - يوسف الصائغ
أحمد شوقي - عباس محمود العقاد - عبد الوهاب البياتي - يوسف الصائغ

شكلت كتب المختارات طريقة ومنهجاً في التأليف، فقد أخذت تلك الطريقة مساحة كبيرة في النقد العربي القديم، وشكلت ظاهرة لافتة في حركة الشعر العربي، فأولى المدونات الشعرية هي عبارة عن مختارات شعرية لـ130 قصيدة، وهي المفضليات، التي تُعدُّ أقدم مجموعة في اختيار الشعر العربي، ومن بعدها ظهرت الأصمعيات، وجمهرة أشعار العرب، وقد فتحت تلك المختارات نافذة للنقدية العربية في تقسيم الشعراء إلى طبقات من الفحول وغير الفحول، وحسب معايير النقد القديم.
ولكن كما أظن تبقى مختارات أبي تمام (ديوان الحماسة) أحد أهم المختارات في تاريخ الاختيار الشعري العربي، حيث كان منسوب الوعي في أعلى مستوياته، هذا إذا علمنا أنَّ الاختيار قطعة من القلب كما يقولون، لذلك جاءت مختارات أبي تمام مبوّبة وموزعة حسب الأغراض، فضلاً عن ابتكاره أغراضاً جديدة، لم تكن معهودة في الشعر العربي، ولكن ثقافة أبي تمام سمحت له أنْ يضع جملة من الأشعار، في باب سماه «باب مذمة النساء» ومن ثم توالت المختارات بهذا الاسم؛ اسم «ديوان الحماسة»، فظهرت «حماسة الشجريين، والحماسة البصرية، وديوان الحماسة للمرزوقي، وللبحتري، وديوان الحماسة للتبريزي».
ومن ثم حدثت شبه قطيعة في فكرة المختارات، حتى وصلنا إلى بداية القرن العشرين، حيث اجتهد الشعراء في أن يكونوا على شكل مجاميع منظمة، تطرح أفكارها وتوجهاتها، فظهر لنا كتاب «الديوان» للعقاد والمازني، وهو يمثل أول مختارات معاصرة تتضمن طروحات فكرية وتنظيرية وفيها مجمل رؤية هذه المجموعة للشعر مع نصوصهم التي اختاروها والتي زعموا أنها تمثل توجههم الشعري المتوافق مع تنظيرهم النقدي، الذي انصب في نقد الشعراء الذين سبقوهم، وبالتحديد أحمد شوقي وأدب المنفلوطي ودعوا فيه إلى التجديد الشعري، الذي طردوا من ساحته شعر المناسبات والإخوانيات، ومن ثم ظهرت جماعة «أبوللو» الذين اجتمعوا في مجلة، ولم تجمعهم مختارات أو ديوان مشترك.
ولكن بظهور هاتين الحركتين بدأ التوجه نحو التجمعات الشعرية في أنْ تكون عصبة قوية، تقف بوجه السابق، أياً كان ذلك السابق، فأحمد شوقي وقف بوجهه العقاد، والعقاد وقف بوجهه أحمد عبد المعطي حجازي، والآن شعراء قصيدة النثر الشباب في مصر وقفوا بوجه حجازي. وهكذا تدور عجلة التحوَّلات الفكرية والثقافية، في بث أنساقها في كل مرحلة من المراحل، وحين نعود إلى المختارات يجب أنْ نتوقف عند ديوان الشعر العربي لأدونيس الذي يمثل وجهة نظر الحداثة إزاء الشعر العربي، الذي نقاه وخلَّصه من كل ارتباطاته الوظيفية، والغرضية، فاختار لنا شعراً صافياً للشعر وحده، أمَّا المختارات المعاصرة، التي سخنت كثيراً في الربع الأخير من القرن العشرين، وصولاً إلى هذه اللحظة، حيث حاول «حزب البعث» في بداية قبضته على السلطة، أنْ يدعم مجموعة من الشعراء، فظهرت قصائد مختارة من شعراء مجلة «الطليعة العربية» عام 1977 لـ47 شاعراً، من جيل الخمسينات، والستينات، والسبعينات الذين يُعدّون في بداية مشوارهم الشعري في ذلك الوقت، كخزعل الماجدي ومرشد الزبيدي وغزاي درع الطائي وفرج ياسين وساجدة الموسوي وآخرين ليس لهم حضور شعري بارز، ولكن هذه الأنطولوجيا محددة بغرض واحد وواضح؛ وهو التبشير بشعراء القومية العربية، وبأنَّ هؤلاء الشعراء من أجيال مختلفة، وأشكال شعرية متناوبة بين العمود التقليدي، والتفعيلة، يمثلون وجه الوطن العربي المقبل، لذلك طعَّموا هذه المختارات بشعراء عرب مثل سليمان العيسى وخليل الخوري، وما تبقى هم الشعراء العراقيون، الذين احتوت معظم قصائدهم المختارة جانباً واحداً؛ وهو التفاؤل لمستقبل الأمة العربية، وتجاوز الأزمات وبالأخص أيام النكسة، لذلك لم نجد أي شاعر شيوعي، أو من ميول ماركسية، أو حتى مستقل، لذلك فهذه المختارات التي ركزت على الستينيين حذفت منها فاضل العزاوي وفوزي كريم ومن قبلهم سعدي يوسف ويوسف الصائغ وعبد الرزاق عبد الواحد والبياتي وعشرات آخرين، لم يُذكروا في هذه المختارات، لسبب آيديولوجي، لذلك مثلت تلك المختارات وجهة نظر الحكومة، أو السلطة الثقافية المتحكمة بالشأن الثقافي في تلك المرحلة.
ولذلك كان هذا الكتاب منصباً على معظم الجيل الستيني، الذي لم تبشر تلك المختارات بأي حركة أدبية أو فنية، لغلبة الطابع الثوري فيها والآيديولوجي، وكانت هذه المختارات من إعداد الشاعر والناقد الدكتور علي جعفر العلاق، وبعد مرور ما يقارب 10 سنوات، ظهر كتاب للناقد الدكتور حاتم الصكر «مواجهات الصوت القادم» 1986، وهو دراسة نقدية عن تجربة الجيل السبعيني، مع بعض الثمانينيين مع مختارات من نصوصهم، وكانت هذه المختارات لا تمثل توجهاً مؤدلجاً، فهي ليست قريبة من السلطة كما أنها ليست معارضة لها، لكنها أخذت التوجه الفني للشعراء، وانحيازهم للحداثة دون غيرها، ومن ثم توالت فكرة المختارات، أو الدواوين المشتركة، فقد كتب عباس اليوسفي وفرج الحطاب «الشعر العراقي الآن» وكانت مقتصرة على شعراء قصيدة النثر، علماً أنَّ عنوان المختارات يوجب عليهم أنْ يلمَّوا بمجمل الشعر العراقي، لكنهم ينطلقون من فكرة مصادرة أي شكل غير قصيدة النثر، وطرده خارج الشعرية العراقية بل والعربية.
كما أصدر بيت الشعر الفلسطيني مختارات لمجموعة من الشعراء العراقيين تحت اسم «أنساغ القلب» وكانت تضم كلاً من أحمد الشيخ علي، وخضير الزيدي، وعماد جبار، وكاظم النصار، وكريم شغيدل، وماجد حدام، وكان ذلك عام 2001. ولم يحتوِ الديوان على مقدمة للشعراء إنما كانت مقدمة ترحيبية للشاعر المتوكل طه بوصفه رئيساً لبيت الشعر الفلسطيني في تلك المدة، فلا شيء يدل على أنهم حركة شعرية، بل كانت مجرد نصوص، وكلها من قصيدة النثر أيضاً ما عدا عماد جبار كانت نصوصه من التفعيلة. وقبل ذلك أصدر 3 شعراء جمعتهم الجامعة المستنصرية ديواناً صغيراً مشتركاً، وبطباعة بسيطة جداً جداً سموه «شعراء الألف الثالث» وقد أصدروه عام 1999، وهم كل من عباس عبد معلة، ونوفل هادي الحمداني، ورسول خضر الزبون، وقد كانت هذه المجموعة أو الديوان محاولة لإثبات الوجود، إلا أنَّه لم يحظَ بحضور نقدي، ولا متابعة جيدة، علماً أنَّ عنوانه يُفصح عن اقتحام شعراء جدد لقرن جديد، إلا أن النصوص لم تسعف كثيراً قوة الرغبة التي يحملها الأصدقاء في ذلك الوقت، وكم كنتُ أتمنى لو كتب الأصدقاء مقدمة لديوانهم المشترك، تجمع مجمل أفكارهم عن الشعر، خصوصاً أننا كنَّا على أعتاب نهاية قرن، وبداية قرن جديد، فلو كتبوا مقدمة لكانت مفصلاً مهماً، حتى لو لم تُسعف النصوص، كما حدث مع مقدمة ديوان نازك الملائكة «شظايا ورماد»، حيث نعود دائماً إلى المقدمة، دون أنْ نلتفت كثيراً للشعر.
بعد ذلك أصدر مجموعة من شعراء الموصل ديواناً مشتركاً عام 2002 اسمه «نقوش على وجنة البيبون»، وهم كل من عبد الله البدراني، وجاسم محمد جاسم، وحميد عبد الوهاب، وعبد المنعم الأمير، وعمر عناز، ولم يكن أفضل حالاً من «شعراء الألف الثالث»، حيث رداءة الطباعة، وهي عبارة عن استنساخ بغلاف بسيط جداً، وقد كتب الشاعر كرم الأعرجي مقدمة شعرية لهؤلاء الشباب لم تفصح عن توجه أو حركة شعرية جديدة، لكنْ ما يميز هذه المجموعة المشتركة أنهم اقتصروا على الشعر الموزون والعمودي منه على وجه التحديد كأنهم ردة فعل لبعض المختارات لشعراء قصيدة النثر، وهذا ما صنعه بسام صالح مهدي حين كتب كتابه «حركة قصيدة الشعر» 2005 متضمناً أفكار جماعة قصيدة الشعر وبيانهم الشعري مع نصوصهم التي تغلب عليها العمود ذو النزعة التجديدية. بعد ذلك صدر كثير من الدواوين المشتركة، ومعظمها من بيت الشعر في اتحاد أدباء العراق؛ ففي 2007 صدرت مجموعة مشتركة لشاعرين؛ هما الراحل حبيب النورس والشاعر عماد كاظم عبد الله، بعنوان «شاهدان ومئذنة». وفي عام 2010 صدرت أيضاً مجموعة مشتركة بين الشاعرين رضا السيد جعفر والشاعر نادر عمَّا نوئيل، وقبلها صدرت في 2009 عن نادي الشعر بمناسبة اليوبيل الذهبي لاتحاد الأدباء، مجموعة مشتركة لـ17 شاعراً «أكثر من قمر لليلة واحدة»، وكانت هذه المجموعة معظمها من الشعر الموزون، والملاحظ على مطبوعات الاتحاد من الدواوين المشتركة أنَّها لم تكن تبشر بحركات شعرية، أو توجهات جديدة، فقد خلت كل تلك الدواوين من مقدمات نقدية، أو تنظيرية، لذلك هي تحشّد الشعراء فقط، وتحاول أنْ تُرضي أكثر من جهة، وتوجه، وطرف، وهذه مسألة طبيعية، لطبيعة عمل المؤسسات الثقافية، التي لا تريد أنْ تدخل في سجالات مع المثقفين.
وفي عام 2018، صدرت مجموعة مشتركة لشعراء عراقيين بعنوان «تلويحة لأحلام مؤجلة» وتحمل عنواناً فرعياً «شعرية عراقية جديدة»، وقد كانت من إعداد وتقديم الشاعر حسام السراي، وقد ضمت كلاً من الشعراء أحمد عزَّاوي، وحسام السراي، وزاهر موسى، وصادق مجبل، وصفاء خلف، وعلي محمود خضير، وعمر الجفال، ومؤيد الخفاجي، وميثم الحربي، وفي تصوري كانت هذه المجموعة المشتركة واحدة من أكثر المجاميع، أو المختارات الأكثر نضجاً في عموم المختارات للشعر في العراق، حيث كُتبتْ لها مقدمة طويلة أشبه بالبيان الشعري، الذي ينبئ بتصورٍ واضحٍ عن الوضع السياسي، والاجتماعي، والثقافي، وعن المرحلة التي أنجبت هذه المجموعة من الشعراء، ذوي الأعمار المتقاربة نسبياً، وكل هؤلاء الشعراء دعاهم حسام السراي ليكونوا في هذه المختارات، حيث يقول في المقدمة: «عنّي شخصياً تشرفتُ بقبول أصدقائي وزملائي للمشاركة في هذا المشروع، وجمعتُ إسهاماتهم فيه، وكتبتُ هذه المقدمة التي لم تفلت من وقفة عند الشأن العام، إذن هذه المختارات كانت موجهة للذين يُشبهون حسام السراي، لأنَّه لا يوجد أي مختلف عنهم، في هذا السياق، وحتَّى عدد من هؤلاء الشعراء من يكتب العمود والتفعيلة، إلا أنه اشترك بقصائد نثر فقط، ما يعني أنَّ توجه هذه المختارات نحو قصيدة النثر، وربما العنوان الفرعي «نحو شعرية عراقية جديدة» هو الذي حدد البوصلة، رغم أنَّهم لم يحددوا لنا ما خصائص هذه الشعرية العراقية الجديدة، وكيف انبثقت؟ وما ملامحها؟ ولماذا اقتصرت على 9 شعراء فقط دون غيرهم؟ علماً أنَّ لهم عشرات آخرين من جيلهم الذي اشتدَّ عودُه الشعري بعد 2003، كما أنَّ إحدى الصفات التي اتسمت بها هذه المختارات هي المساحة النقدية والشهادات الشعرية التي أدلى بها الشعراء، كل حسب وجهة نظره للشعر، وأسباب كتابته، ونظرته لما يدور حوله، إلا أنَّ ما يُلاحظ على معظم تلك التجارب، هو تركيزهم على التحولات السياسية في البلد، والتحولات الاجتماعية، وجملة المشاكل التي مرَّ بها العراق، من حروب متكررة، وحصار خانق، واحتلال، وحرب أهلية، ومفخخات، وميليشيات، وإرهاب، ولكننا لم نقرأ لهؤلاء الشعراء أي إشارة إلى مرجعياتهم الثقافية، ولم يكتبوا بشهاداتهم الشعرية عن خزينهم المعرفي والثقافي، الذي أسهم باندلاع شعريتهم غير أسباب الحرب والاحتلال، ولكن مع هذا كله تبقى تلك التلويحة إحدى أنضج المختارات الشعرية التي تبشر بجيل شعري متفاعل مع محيطه الثقافي والاجتماعي.



قرية القضاة المصرية تحقق شهرة واسعة بفضل كرة القدم

البطولات الشعبية تنجح تنظيمياً وجماهيرياً في محاكاة البطولات الكبرى (صفحة بطولة القضاة للمحترفين)
البطولات الشعبية تنجح تنظيمياً وجماهيرياً في محاكاة البطولات الكبرى (صفحة بطولة القضاة للمحترفين)
TT

قرية القضاة المصرية تحقق شهرة واسعة بفضل كرة القدم

البطولات الشعبية تنجح تنظيمياً وجماهيرياً في محاكاة البطولات الكبرى (صفحة بطولة القضاة للمحترفين)
البطولات الشعبية تنجح تنظيمياً وجماهيرياً في محاكاة البطولات الكبرى (صفحة بطولة القضاة للمحترفين)

نجحت قرية مصرية صغيرة في دلتا النيل بمحافظة الشرقية في تحقيق حضور إعلامي وجماهيري لافت تجاوز حدودها الجغرافية بفضل كرة القدم، بعدما تحولت دورة محلية تنظمها سنوياً إلى حدث رياضي واجتماعي يجتذب آلاف المتابعين، والمسؤولين الحكوميين، وشخصيات عامة، ورعاة، ومعلنين، في مشهد يعكس الدور المتنامي لكرة القدم الشعبية في مصر.

فمن قلب القرى والمحافظات فرضت دورات مراكز الشباب والملاعب الترابية حضورها بقوة خلال السنوات الأخيرة، بعد أن نجحت تنظيمياً وجماهيرياً في محاكاة البطولات الكبرى، بينما تخطف مواهب لاعبيها عقول وقلوب الجماهير.

وأسدل الستار أمس (الأربعاء) على منافسات دورة قرية القضاة لكرة القدم 2026، وسط حضور جماهيري كثيف، وأجواء احتفالية غير معتادة بالنسبة لقرية صغيرة، وبحضور وزير الشباب والرياضة المصري، جوهر نبيل، للمباراة النهائية، برفقة قيادات برلمانية، وتنفيذية، وشعبية، في انعكاس للمكانة التي تحظى بها البطولة.

حضور جماهيري كثيف للمباراة النهائية لدورة قرية القضاة 2026 (صفحة بطولة القضاة للمحترفين)

وتوّج فريق قرية القضاة (صاحب الأرض) بلقب البطولة بعد فوزه على فريق ميرا بركلات الترجيح بنتيجة 7/6، عقب مباراة أقيمت تحت الأضواء الكاشفة، وحضور جماهيري ملأ جنبات الملعب، والطرق، والأسطح المحيطة به. وما إن أطلق الحكم صافرة النهاية حتى تحولت شوارع القرية إلى ساحة احتفال كبيرة، حيث أضاءت الألعاب النارية السماء، وخرج الأهالي للاحتفال بفوز فريقهم.

أما الجوائز المالية فعكست حجم التطور الذي وصلت إليه البطولة مقارنة بالدورات الشعبية الأخرى، حيث رصدت اللجنة المنظمة جوائز مالية كبيرة للمباراة النهائية، إذ حصل الفريق الفائز بالمركز الأول على جائزة قدرها 40 ألف جنيه (الدولار يساوي 53.92 جنيها)، فيما حصل الفريق صاحب المركز الثاني على 30 ألف جنيه، بإجمالي جوائز بلغ 70 ألف جنيه.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ حظي النهائي بتغطية إعلامية مباشرة عبر قناة رياضية متخصصة تولت نقل المباراة بأحدث تقنيات التصوير والإخراج التلفزيوني، في مؤشر على تنامي الحضور الجماهيري والإعلامي للبطولة، وتحولها إلى حدث تتجاوز أصداؤه حدود القرية، ومحافظة الشرقية.

وهو ما دفع وزير الشباب والرياضة للتعليق بأن «بطولة القضاة تمثل نموذجاً متميزاً لدور الرياضة في تعزيز العلاقات المجتمعية، وإعلاء قيم الروح الرياضية، والتنافس الشريف»، مؤكداً أهمية استمرار هذه المبادرات والبطولات الشعبية التي تجمع أبناء المجتمع حول ممارسة الرياضة، وتسهم في اكتشاف المواهب، وتعزيز روح الانتماء.

وزير الشباب والرياضة المصري جوهر نبيل يسلم كأس البطولة (وزارة الشباب والرياضة)

يوسف كهربا، المسؤول الإعلامي لـ«بطولة القضاة للمحترفين»، وأحد المُنظمين لها، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن البطولة منحت قرية القضاة شهرة غير مسبوقة على مستوى مصر، ويوضح أن القيمة الأساسية للبطولة تكمن في الحضور الإعلامي الكبير الذي حققته للقرية، موضحاً أن اسمها بات متداولاً على نطاق واسع عبر وسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي جعلها، بحسب وصفه، من أكثر القرى المصرية حضوراً في المشهد الرياضي الشعبي خلال السنوات الأخيرة.

ويشير إلى أن التأثير الأبرز كان في رواج اسم القرية خارج حدود محافظة الشرقية، مشيراً إلى أن المواد المصورة الخاصة بالبطولة حققت مئات الملايين من المشاهدات عبر المنصات الرقمية المختلفة الخاصة بها، التي تولت تغطية المباريات، ونشر أبرز اللقطات، والأهداف، وهو ما ساهم في اتساع دائرة المتابعين بصورة كبيرة.

ويضيف كهربا أن النجاح الإعلامي والتنظيمي للبطولة دفع العديد من منظمي الدورات الرياضية الشعبية في المحافظات الأخرى إلى التواصل مع اللجنة المنظمة للاستفادة من تجربتها، خصوصاً كيفية تجهيز الملعب، وإدارة المباريات، واستقدام الفرق، والحكام، فضلاً عن رغبة بعض المنظمين في استضافة فرق اعتادت المشاركة في بطولة القضاة، بهدف رفع مستوى التنافس لبطولاتهم المحلية.

بطولة شعبية منحت قرية القضاة شهرة غير مسبوقة على مستوى مصر (وزارة الشباب والرياضة)

ويرى عضو اللجنة أن حضور وزير الشباب والرياضة للمباراة النهائية مثل لحظة فارقة بالنسبة لأهالي القرية، لأنها عكست حجم الاهتمام الذي باتت تحظى به البطولة، مبيناً أن الزيارة كانت مصدر فخر كبير للسكان، ورسالة بأن حدثاً رياضياً شعبياً انطلق من قرية صغيرة أصبح قادراً على جذب المسؤولين وصناع القرار إلى قلب الريف المصري.

ويرى الناقد الرياضي، أيمن هريدي، أن حضور وزير الشباب والرياضة للمباراة النهائية لدورة القضاة أكسبها قوة، ومكانة، وجدية، وزاد من أهمية الدورات التي تقام في الأقاليم، وأكد أن المواهب موجودة في كل مكان، وتحتاج فقط الفرصة، مؤكداً أن الدورات التي تقام في المحافظات والريف هي «منجم» للموهوبين، وتعد فرصة لاكتشاف المواهب، وبديلاً حقيقياً عن الأكاديميات الرياضية باهظة الثمن، ويمكن أن يخرج منها أسماء لامعة في سماء الكرة المصرية.

أجواء احتفالية غير معتادة شهدتها قرية القضاة عقب انتهاء البطولة (صفحة بطولة القضاة للمحترفين)

ويبين هريدي، لـ«الشرق الأوسط»، أن لهذه الدورات دوراً في توسيع قاعدة الممارسة الرياضية، بما يسهم في شغل أوقات فراغ الشباب والنشء بشكل إيجابي، وتوجيه طاقاتهم نحو نشاط بدني ينمي مهاراتهم، وقدراتهم الذهنية، والبدنية.

كما يشير هريدي إلى أن دورات كرة القدم الشعبية والريفية في المحافظات المصرية لها أهمية اجتماعية ورياضية كبيرة، حيث تتجاوز كونها مجرد مباريات ترفيهية لتشكل جزءاً أصيلاً من النسيج الثقافي، والمجتمعي، فلها دورها في تعزيز الروابط الاجتماعية، حيث يشارك سكان القرية في الاستعدادات التنظيمية، ما يجمع أهل القرية والشباب في أجواء من الألفة، والانتماء، والتنافس الشريف.


«عبد الوهاب» في أمسية موسيقية تستعيد إرثه الفني في لبنان

الأوركسترا الوطنية تحيي حفل عبد الوهاب في كازينو لبنان (المايسترو أندريه الحاج)
الأوركسترا الوطنية تحيي حفل عبد الوهاب في كازينو لبنان (المايسترو أندريه الحاج)
TT

«عبد الوهاب» في أمسية موسيقية تستعيد إرثه الفني في لبنان

الأوركسترا الوطنية تحيي حفل عبد الوهاب في كازينو لبنان (المايسترو أندريه الحاج)
الأوركسترا الوطنية تحيي حفل عبد الوهاب في كازينو لبنان (المايسترو أندريه الحاج)

في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، تحيي الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق عربية أمسية غنائية تكريماً للموسيقار محمد عبد الوهاب، تحمل عنوان «في حبّ موسيقار الأجيال عبد الوهاب والخلود». وتتولى إحياء الأمسية الفنانة نادين عواد، التي تؤدي على مسرح كازينو لبنان باقة من روائع الموسيقار الراحل. وتُسجِّل نادين بهذه المناسبة سابقة فنية، إذ ستكون أول فنانة لبنانية تؤدي أغنية «من غير ليه» كاملة على المسرح.

ويشير المايسترو أندريه الحاج، قائد الأوركسترا الوطنية والمشرف على البرنامج الموسيقي للأمسية، إلى أن اختياره صوتاً نسائياً جاء انطلاقاً من اقتناعه بموهبة نادين عواد، وما تمتلكه من نضج غنائي يؤهلها لخوض هذه التجربة. ويتابع في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «نادين هي ابنة الموسيقي الراحل فؤاد عواد، وقد سبق أن تعاونّا قبل نحو سنتين في حفل غنائي. يومها أدَّت أغنية (أنا لك على طول) لعبد الوهاب، فلفتني صوتها. وانتظرت الوقت المناسب لتقف منفردة على المسرح وتقدّم باقة من أغنياته».

المايسترو أندريه الحاج يدعو المدارس لإدراج هذه النشاطات في مناهجها التربوية (المايسترو أندريه الحاج)

ويؤكد الحاج أن أداء «من غير ليه» كاملة بصوت نسائي لبناني يشكّل تجربة لافتة، موضحاً أنها المرة الأولى التي تؤدي فيها امرأة هذه الأغنية كاملة على المسرح. ويقول: «أعدّها فرصة سانحة لنادين لإبراز موهبة غنائية مميزة. وكان دوري أن أكشف عن هذه الموهبة، لا سيما أنني أقوم بذلك انطلاقاً من حبي لاكتشاف أصوات تمتلك هذا المستوى من التميّز».

ويرى الحاج أن لبنان يزخر بمواهب غنائية كثيرة لم تحظَ بفرصة الظهور، مشدداً على أهمية البحث الدائم عن أصوات جديدة قادرة على مواصلة مسيرة الأغنية الأصيلة التي تركها كبار الفنانين. ويضيف أن الأمسية تستند إلى ثلاثة عناصر فنية أساسية لا غنى عنها في أي أمسية غنائية، هي الموسيقى والصوت والكلمة، وهي عناصر يراها ضرورية لنجاح أي عمل غنائي. ويقول: «حرصنا على حضورها مجتمعة، وهي قاعدة كان الرحابنة يعتمدونها على الخشبة لإنتاج أعمال مسرحية رفيعة المستوى».

وتُفتتح الأمسية بموسيقى أغنية «أنا وحبّي»، قبل أن تؤدي نادين عواد أغنيتَي «لا مش أنا اللي أبكي» و«يا مسافر وحدك». وفي منتصف الحفل، يقدّم الحاج مع الأوركسترا المقطوعة الموسيقية الشهيرة «النهر الخالد»، التي لحّنها عبد الوهاب عام 1954، من كلمات الشاعر المصري محمود حسن إسماعيل، باللغة العربية الفصحى، وعلى مقام الكورد، وتتغنى بنهر النيل الخالد، وترتبط بوجدان المواطن والفلاح المصري، إذ تصف جمال ضفافه وأشجار النخيل المحيطة به بلغة شعرية وموسيقية رفيعة، تعبّر عن ارتباط المصريين بنهرهم.

ويتضمن البرنامج مجموعة من الأعمال الموسيقية والغنائية لعبد الوهاب، تمتد معها الأمسية لأكثر من ساعة. ويلفت الحاج إلى الإقبال الذي تشهده هذه الحفلات، مشيراً إلى نفاد بطاقات الدخول منذ اليوم الأول للإعلان عنها. وتأتي الأمسية في إطار التعاون بين المعهد الوطني للموسيقى وكازينو لبنان.

ومن بين الأغنيات التي تؤديها نادين عواد «إمتى الزمان»، من كلمات أمين عزّت الهجين، وهي واحدة من أشهر الطقاطيق الرومانسية الخالدة في تاريخ الموسيقى العربية.

يقام الحفل بالتعاون بين الكونسرفاتوار الوطني وكازينو لبنان (المايسترو أندريه الحاج)

أما ختام الأمسية، فيكون مع «من غير ليه»، التي تؤديها نادين عواد كاملة على مدى نصف ساعة متواصلة، في تجربة تُعدّ الأولى من نوعها بصوت نسائي لبناني. ويعلّق الحاج: «لم يسبق أن قُدّمت الأغنية بهذا الشكل في لبنان، وأعدّ ذلك حدثاً فنياً من شأنه تعزيز مكانة لبنان الثقافية والفنية».

ويُفتح الحفل مجاناً أمام الجمهور، في خطوة تتيح للبنانيين من مختلف الشرائح الاجتماعية المشاركة في هذه الأمسية الموسيقية. وفي هذا السياق، يشدد الحاج على ضرورة توسيع قاعدة جمهور الحفلات الموسيقية، وعدم حصرها بفئة عمرية أو اجتماعية معينة. ويقول: «علينا الإكثار من هذا النوع من الحفلات، وتشجيع تلامذة المدارس على حضورها. فبرأيي، تبدأ التربية الفنية من البيت والمدرسة. هناك جيل بأكمله يجهل أغنيات عمالقة الفن في لبنان والعالم العربي. ومن هنا، أدعو المدارس إلى إدراج الحفلات الموسيقية الكلاسيكية ضمن مناهجها التربوية، لتعزيز هذا الجانب لدى التلامذة واصطحابهم إلى الأمسيات كي يتعرّفوا إلى الموسيقى الأصيلة».

ويشير الحاج إلى أن الأوركسترا الوطنية تحيي 4 حفلات من هذا النوع شهرياً، مما يتيح للمدارس إدراجها ضمن نشاطاتها الفنية. ويضيف: «ما الفائدة من أن يحضر هذه الحفلات الأشخاص أنفسهم ومن جيل معيّن؟ من الضروري توسيع آفاقها وإشراك جيل الشباب، ليتمكّن من التعرّف إلى تراثه الفني العربي. وأتفاجأ اليوم بوجود جيل لم يسبق له أن سمع بفيروز وفريد الأطرش ووديع الصافي وصباح، أو أم كلثوم وعبد الوهاب. وأعدّ ذلك نقصاً في الثقافة الفنية العامة. فالأوركسترا الوطنية ليست حكراً على أحد، بل هي حق من حقوق الشعب اللبناني، ومن واجبها أن تتيح له الاستفادة ثقافياً من كل ما تقدّمه من حفلات».


بعد 100 يوم من الضياع في المحيط... إنقاذ 5 أشخاص من قارب مفقود

 الأشخاص كانوا في رحلة يُفترض أن تستغرق ساعة واحدة بين جزيرتي موريلو ورو عندما باغتتهم عاصفة (أ.ب)
الأشخاص كانوا في رحلة يُفترض أن تستغرق ساعة واحدة بين جزيرتي موريلو ورو عندما باغتتهم عاصفة (أ.ب)
TT

بعد 100 يوم من الضياع في المحيط... إنقاذ 5 أشخاص من قارب مفقود

 الأشخاص كانوا في رحلة يُفترض أن تستغرق ساعة واحدة بين جزيرتي موريلو ورو عندما باغتتهم عاصفة (أ.ب)
الأشخاص كانوا في رحلة يُفترض أن تستغرق ساعة واحدة بين جزيرتي موريلو ورو عندما باغتتهم عاصفة (أ.ب)

عُثر على خمسة أشخاص في دولة كيريباتي الواقعة جنوب المحيط الهادئ، بعدما أمضوا ثلاثة أشهر تائهين في عرض البحر على متن قارب صغير لا يتجاوز طوله 20 قدماً (نحو 6 أمتار)، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وأفاد خفر السواحل الأميركي في غوام بأن القارب، الذي كان على متنه تسعة أشخاص، فُقد أثره في 30 يوليو (تموز)، بعدما لم يصل إلى جزيرة «رو» التابعة لميكرونيزيا.

كانت السلطات قد أوقفت عمليات البحث عقب إخفاق فرق الإنقاذ في العثور على أي أثر للقارب أو ركابه، رغم تمشيط مساحة بلغت 85 ألفاً و700 كيلومتر مربع على مدى 10 أيام.

لكن سكان قرية في جزيرة «جنوب تاراوا» التابعة لجمهورية كيريباتي رصدوا القارب الصغير الأسبوع الماضي، وتمكنوا من إنقاذ خمسة من ركابه.

ووفقاً للتقارير، عُثر على القارب على بُعد نحو 5400 كيلومتر من الموقع الذي شوهدت فيه المجموعة للمرة الأخيرة.

وقال خفر السواحل الأميركي لوكالة «أسوشييتد برس»: «إنها أخبار مذهلة ورائعة؛ فقد عُثر على هؤلاء الأشخاص الخمسة، وهم يتلقون الرعاية حالياً».

وأضاف: «نتقدم بخالص تعازينا إلى عائلات وأصدقاء أولئك الذين لم يصلوا معهم».

رحلة مدتها ساعة تتحول إلى محنة استمرت أشهراً

كان الأشخاص التسعة في رحلة يُفترض أن تستغرق ساعة واحدة بين جزيرتي موريلو ورو، عندما باغتتهم عاصفة حوّلت رحلتهم القصيرة إلى محنة امتدت لأشهر، عانوا خلالها الجوع وفقدوا عدداً من رفاقهم.

وحسب آرثر آيرونز الثاني، وهو مسؤول في ميكرونيزيا، فقد نفد وقود القارب في أثناء رحلة العودة، مما أدى إلى انحرافه عن مساره.

وأوضح آيرونز لصحيفة «نيويورك تايمز» أن الركاب شاهدوا سفناً وطائرات في الأفق، ولوّحوا طلباً للمساعدة، لكن المسافة التي كانت تفصلهم عنها كانت كبيرة جداً.

وبعد نحو 100 يوم في عرض البحر، لمح الركاب جزيرة في الأفق، قبل أن يجنح قاربهم الصغير ويستقر على الشاطئ.

واهتدى الناجون الخمسة، وهم ثلاثة رجال ومراهقان، إلى البلدة مسترشدين بأصوات أجراس الكنيسة.

وفي البداية، اعتقد سكان القرية أن القادمين كانوا في حالة سُكر، بعدما شاهدوهم يترنحون في أثناء دخولهم البلدة.

ووفقاً للتقرير، توفي أربعة من ركاب القارب، بينهم طفل، خلال الأشهر التي قضوها تائهين في عرض البحر.

جفاف شديد وسوء تغذية حاد

وقال المشرّع كاو تيتاكي راكوروا، من دولة كيريباتي، إن الناجين يتلقون الرعاية حالياً على يد قسّ في الجزيرة.

من جانبها، أفادت الممرضة بوكين تورورو بأن الناجين الخمسة كانوا يعانون من جفاف شديد وسوء تغذية حاد. وأوضحت أنهم يخضعون للعلاج باستخدام المحاليل الوريدية، وأن علامات التعافي بدأت تظهر عليهم.

وأفادت: «إنهم يبتسمون، ويُبدون رغبتهم في تناول الطعام».

من جهته، أعلن حاكم ولاية تشوك في ميكرونيزيا، ألكسندر ناروهن، أنه بدأ محادثات مع حكومة كيريباتي لترتيب عودة الناجين إلى وطنهم.

وقال الحاكم: «كان على متن القارب المفقود تسعة أشخاص. نشكر الله على محبته ورحمته، إذ تم العثور على خمسة منهم».

وأضاف: «نواصل الدعاء لرفاقهم الأربعة الآخرين».