الحب ومكابداته... شعرياً

رشا أحمد تتخذه دالاً مركزياً في ديوانها «بضوء أكثر شحوباً»

الحب ومكابداته... شعرياً
TT

الحب ومكابداته... شعرياً

الحب ومكابداته... شعرياً

تتنوع أسئلة الحب ومكابداته، في ديوان «بضوء أكثر شحوباً» للشاعرة رشا أحمد، معبرة عن القلق والضجر من الحياة، ومن الحب نفسه، الذي يشكل دالاً مركزياً في الديوان، تدور حوله المشاعر والرؤى والانفعالات ومفارقات الأزمنة والأمكنة، سواء عبر حضورها المنقضي في الماضي، كعلامات وإشارات خاطفة، أو من خلال حضورها الراهن المثقل بالمكابدات النفسية والعاطفية.
فما الحب إذن، بل ما الشعر، ما الحياة... ثلاثة تساؤلات قلقة تشكل بعفوية ورومانسية ناعمة وموحية مدار الرؤية في هذا الديوان، فسؤال الكتابة هو نفسه سؤال الحب، تطرحه الذات الشاعرة في النصوص، وتنوع مداراته واشتباكاته مع العالم، كأنه مفتاح الخلاص من ربكة الوجود والحب معاً، هذه الربكة التي لم تثمر سوى ضوء شاحب، يضجر من نقيضه الآخر الأكثر سطوعاً، لأنه يحمل ضمنياً نفياً له... إنها متاهة الخطى الضائعة والأبواب الموصدة وراءها يذبل الحب ويتناثر كمبرر هش للبقاء، ويصبح رهاناً خاسراً على الكذب والصدق معاً، بينما يبقى الحب الذي يختزل سؤال الإنسان عن مصيره معلقاً في أفق الحلم ومصادفات الروح والحياة... تطالعنا هذه المكابدات في النص الأول بالديوان «في فمي ثلاثة أحرف»؛ حيث يصبح اسم الشاعرة نفسها جزءاً من هذه الربكة، ويتخفى على شكل بوح مضمر في النص، حسبما تقول فيه:
«يحدثُ أن أكتبَ
نصّاً حزيناً
يشبهني تماماً
أجلسُ على الحافة
أدلَّي ساقيَّ
وأفتح أزرار قلبي.
يدَّعي حبيبي
أني امرأة صالحة للحبّ
يقولُ إنني لا أشبهُ أحداً
ويعرفُ أيضاً
أن ذاكرتي معطوبة
خطفها خريفٌ ما
لست مشغولة بمواعيد الفصول
كل ما يهمُّني
أن تتلكَّأ نسمة في الكأس»
تتواثب حركة النص هنا، ما بين الداخل والخارج؛ مشكلة حالة من التجانس بين ما هو حسي ومعنوي، في بناء الصورة الشعرية، وتسهم في تدفق المشهد الشعري بخفة واخزة كأنه ضربات فرشاة مرتجلة فوق مسطح اللوحة، تختزل موقف الذات الشاعرة من واقعها المشوش المضطرب، وتكسب غواية الحب في الديوان نبرة درامية، تتنقل أصداؤها عبر نصوصه السبعة، بدلات رمزية شفيفة، فيما تقف الذات على مسافة بينها وبين موضوعها، ما يتيح لها أن تسائله، وتلوِّح بالرغبة في التمرد عليه، والبحث عن فضاءات أخرى للضوء بمنظور واقعي، وليس بمنظور علاقات غير كفؤة، يختلط فيها الوهم بالحقيقة، فلا شيء آخر تراهن الذات عليه سوى الحب، تشتهيه وتريده صنواً للضوء والنور والأمل والحرية، إنه اللحظة التي يمكن أن تلمس فيها نفسها بسلام ودفء، دون ذلك، لا شيء في مرآة الحب سوى المزيد من العتمة والغياب والفقد... يطالعنا هذا المعنى في النص الثاني «عن أيد صغيرة بيضاء»، التي تراوح فيه الشاعرة، بين فضاء الأنا، وفضاء الآخر، موفرة مساحة للذات، تتأمل من خلالها المشهد المتشابك من زوايا بعيدة ومتنوعة، فتقول على لسان الذات الشاعرة، وكأنها صوت الآخر المخاطب:
تحتسي كلَّ صباحٍ
خيباتها..
تقرأ الجريدة
تبحث عن نعي ما
تركه لها عاشقٌ
كعربون حزن.
عن أيدٍ صَغِيرَة
بيضاءَ
تمسحُ عن وجهها الغبارَ
ما تبقَّى من فتات الليلِ
من أرصفة النهار.
لا عصافيرَ تتقافزُ فوق الحافة
لا شيءَ
كلُّ ما بها
قابلٌ للخسارة
إلا أنتَ..
يشكل الاستثناء الوحيد في جملة «إلا أنتَ» نافذة مخاتلة للرجاء والأمل، لكن الذات الشاعرة لا تطمئن إلى هذه النافذة كثيراً، إنما تطمئن للشعر، وتثق فيه، لأنه ببساطة شديدة دليلها الوحيد إلى لذة الحب والحياة، وأنه من دون ذلك، يصبح العالم كائناً شريراً لا يطاق، لذلك سرعان ما تعود في النص نفسه إلى ضمير الأنا المفرد، تلوذ به، فهو المكان الأرحب للمكاشفة والتشابك والتقاطع بين الضرورة الطبيعية للوجود والضرورة الشعرية والشخصية للذات... يقول النص فيما يشي بذلك:
أثقلني حبُّكَ
حتى صرتُ لا أعرفني
تسللتْ إلى ملامحي
تجاعيدُ غيابكَ
أعطني يدكَ
حتى أهزَّ أغصانَ قلبي
أنا لم أكن
سوى أنثى
تلتقطُ الحُبَّ
تصرخُ
تبكي
ولا تنسى
أن تتكوَّرَ
أكثرَ حين يقضمها
ظلُّك!!!
إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل الحب موقف من الحياة يصلح لرثاء الذات، أم أنه موقف من الذات يصلح لرثاء الحياة، خصوصاً أن الشاعرة تدرك أن الشعر هو الوجه الآخر للحياة، هو كتابها المفتوح على براح الحب وتداعياته، في الشارع، ودبيب خطى البشر، وتحولات الطبيعة والأشياء، كما أنه ليس ثمة حقيقة خالصة من الحب، تستطيع أن تمشي وحدها بلا هذا الدبيب، أو تلتمس ولو ظلاً بائساً له. لذلك تدع الحب يتناثر برموزه ودلالاته في الديوان كأنه عناقيد برق خاطفة، لا تصادره أو تسيّجه بأطر عاطفية ونفسية معينة، بل تتركه يبتكر مدارات فرحه وحزنه ولذته، بل أحياناً تتركه يكسر لعبته كأنه طفل، يتعلم الحب فوق عتبة اللغة والحياة. إنه سؤال شائك ولاهث عن المعرفة والحقيقة، معرفة الذات وحقيقة ما يدور حولها، لجعل الحياة فضاءً لطيفاً، ينبثق منه الجمال بحرية، دون قيود أو إكراهات تفرضها الضرورة وجاذبية التوازن كمبرر للوجود... فلا بأس أن ترهف الذات السمع للحب من نوافذ غامضة، ولا بأس أيضاً، أن ترسم هذه الصورة لقلبها، وكأنها ظلٌّ لراحلين قفزوا فوق الروح، قائلة في نص يشارف المعنى نفسه بعنوان «الذين قفزا فوق روحي»:
«كأرجوحة بالية
قلبي
يتحرك ببطء».
......
«عن العمر
الذي غافلني
ومضى
عن العابر
الذي
رفض مشاطرتي
كأس حزني الشائخة.
أنا مثلكَ
أيضاً مهزومة
ومقسومة
تماماً من منتصف الطريق
من منتصف القلب».
لا تنحصر صورة الحب في الديوان في العلاقة النمطية بين صوتين كائنين، رجل وامرأة، ذكر وأنثى، كما أنه ليس عادة أو ترفاً لضرورة ما، بل تكمن صيرورته في كونه سؤالاً مفتوحاً على العناصر والأشياء، يشكل انحياز الذات لفضائها الخاص، وأيضاً محاولة مستمرة لإعادة الفهم والإدراك. وهو ما تجسده الشاعرة قائلة:
«ليس من عاداتي تأويلُ الخطاب
لا أهتمُّ بما بعدَ الحداثة
قبلَ الحداثة
في المنتصف
على اليمين
من أعلى أو من أسفل
لا تعارض يا حبيبي
بين كفِّ البحرِ وصدركَ
فقط الأخير شاطئي الخاصُ...»
ورغم تعدد صور الحب ومفارقاته في النصوص، إلا أنه تصبح أكثر حميمية حين تلصق بصورة الأمومة، فكأن الحب في جوهره فعل أمومة، وهو ما يطالعنا على نحو لافت في نص «لو.. أنني أم الشاعرة» تستحضر فيه صورة الأم:
أمِّي:
حين يأتيني الموتُ
سأضيء بيتي بشموعٍ كثيرة
ألوِّنُهَا بسماءِ روحي
وأشعلُ موسيقا خافتة
سأعطيهِ
ما يستحقهُ
وأنتفضُ بعيداً
لأعانقِك!
لا تكف الذات الشاعرة عن تقليب صورة الحب، محاولة الإمساك بفعاليته في مرآة المعرفة، فتغادر رموزه الشائعة المألوفة مثل قيس وليلى، أو روميو وجولييت، وتحاور رولان بارت، صاحب «لذة النص»، و«الكتابة في درجة الصفر»، تستدعيه، وتحيل إليه في نص مفعم بحوارية شعرية، بين ذات شاعرة تنفر من أن تتحول شروط الإبداع إلى قيود، تحد من طاقته على حرية الحب، وبين مفكر يريد أن يؤسس هذه الحرية على ضوابط وقواعد، تضمن للحب الاستدامة... تقول الشاعرة في هذا النص:
سيدي «بارت»
كم أنت أبلهُ
العاشقُ لا يشكو الحبَّ
لكنه حين يشتد المطرُ
يتوه منه مقبض الباب.
كان كسولاً جداً
كلما اقتربَ من ظلّينا
وأعلنَ موتَ الحبّ.
هل كان يقصدُ موتَ المؤلف
أشكُّ في ساعة الميدان
في بوصلة الروح
أشكُّ في بسمة الموناليزا
في درجة الصِّفر.
«بارت»..
هل تحبُّ أم كلثوم
هل أضاءت ليلك
بالآهات
هل رمت منديلهَا
في لذّة النّص».
فهكذا... تدخل أم كلثوم إلى النص في هذا الديوان الشيق، ليس من باب التناص ودواله الشائعة، إنما من باب التساؤل عن لذة أخرى أبعد من لذة النص، تعيد تكوين المشهد بنغمة أكثر تجريداً، وفي مشهد شعري لافت لا يسعى للخلاص من الحب إلا بالحب نفسه.



مصطفى غريب: مسلسل «هي كيميا» جاء بالصدفة... والكوميديا اجتهاد

مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
TT

مصطفى غريب: مسلسل «هي كيميا» جاء بالصدفة... والكوميديا اجتهاد

مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)

قال الممثل المصري، مصطفى غريب، إن مشاركته في الدراما الرمضانية بمسلسل «هي كيميا» جاءت في اللحظات الأخيرة، وبعدما كاد أن يغيب عن هذا العام، لعدم وجود فكرة أو تجربة مناسبة للدراما.

وأضاف غريب في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن المسلسل جاء بالمصادفة بعد لقاء مع المؤلف مهند طارق، الذي أخبره بأن لديه مشروع مسلسل مكتوب منه ما يقرب من نصف عدد الحلقات، وطلب منه الاطلاع عليه، وبعد قراءة الحلقات اتصل بالمنتج، وناقشوا الأمر معاً، وتحمسوا لتقديم المشروع لطرافة فكرته، وانطلقت التحضيرات بالتزامن مع كتابة الحلقات.

ويصف مصطفى غريب قرار الموافقة على المسلسل بأنه كان من أسرع القرارات في مسيرته، «لكنه لم يكن قراراً متسرعاً، فالبحث عن نص مكتوب بشكل شبه مكتمل كان بالنسبة لي عاملاً حاسماً، خصوصاً في ظل طبيعة الإنتاج التلفزيوني، التي قد تنطوي أحياناً على مخاطرة عندما يُبنى المشروع على حلقة أو حلقتين فقط».

وعن أسباب حماسه لـ«هي كيميا»، يوضح مصطفى أنه لا يتعامل مع العمل بمنطق المنافسة أو الرهانات، ولا يشغله تصنيف نفسه أو غيره داخل قوالب جاهزة، فبالنسبة له، المسألة الأساسية هي أن يخرج العمل في صورة جيدة، وأن يكون صادقاً مع نفسه ومع الجمهور، مؤكداً أنه لا يدخل أي تجربة وهو يفكر في السباق الرمضاني، أو في مقارنة نفسه بأعمال أخرى، بقدر ما يركز على سؤال واحد، هل المسلسل سيقدم شيئاً حقيقياً للناس أم لا؟

وفي ما يتعلق بتحضيره للشخصية، يوضح غريب: «طريقتي لا تختلف كثيراً من عمل إلى آخر، فأنا أبدأ دائماً بقراءة السيناريو بهدوء، محاولاً فهم ملامح الشخصية، كما كُتبت على الورق، ثم البحث عما يمكن إضافته إليها من تفاصيل، سواء على مستوى السلوك أو الشكل أو الإيقاع، وذلك بالتعاون مع المخرج والمؤلف»، مؤكداً أن بناء الشخصية لا يعتمد فقط على ما هو مكتوب، بل أيضاً على ما يمكن استنباطه «بين السطور».

الملصق الترويجي للمسلسل (حسابه على فيسبوك)

وحول الكوميديا والارتجال، يوضح مصطفى غريب أن العمل الكوميدي بطبيعته يفتح المجال للاجتهاد والتجريب، لكن ذلك لا يحدث بشكل عشوائي، فهناك دائماً أساس مكتوب يُبنى عليه، ثم تأتي اللمسات الإضافية خلال القراءة أو في أثناء التصوير، أو حتى في الأيام التي لا يكون فيها تصوير، حين يعود الممثل إلى الورق ليقترح أفكاراً أو بدائل، مؤكداً أن بعض اللحظات تولد في لحظتها أمام الكاميرا، بينما تحتاج لحظات أخرى إلى تفكير مسبق، وكل ذلك يمر في النهاية عبر رؤية المخرج.

ويثني الممثل المصري على التعاون مع المخرج إسلام خيري، الذي وصفه بأنه «يتمتع بنظرة شاملة للعمل من الخارج، ما يسمح له برؤية المشهد من زاوية أوسع، فلا يتردد في تعديل المشهد، أو حذف أفكار اتُفق عليها مسبقاً إذا شعر بأن هناك خياراً أفضل، وهو ما حدث بالفعل في بعض المشاهد، حتى في المشهد الأول من المسلسل، الذي شهد تغييرات جذرية قبل تصويره، في محاولة للوصول إلى أفضل صيغة ممكنة».

ويشدد مصطفى غريب على أن النجاح الحقيقي بالنسبة له لا يُقاس بـ«التريند» أو بالأرقام المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل بردود الفعل المباشرة من الناس، فاللحظات التي يشعر فيها بقيمة ما قدمه هي تلك التي يلتقي فيها بجمهور حقيقي في الشارع، أو يتلقى رسالة صادقة من شخص يقول له إنه أعجبه العمل، لافتاً إلى أنه لم يسعَ يوماً لصناعة نجاح مصطنع، ولم يدفع مقابل دعاية زائفة، لقناعته أن هذه الأمور لا تصنع قيمة حقيقية.

وعن النجاح الذي حققه في السابق، يعترف مصطفى غريب بأنه أمر يحمل قدراً من القلق، ليس فقط في مجال التمثيل، بل في أي مجال؛ فالنجاح، في رأيه، يفرض مسؤولية أكبر، ويجعل سقف التوقعات أعلى، وهو ما قد يكون أكثر صعوبة من الفشل نفسه، لكنه في الوقت نفسه يرى أن أي شخص يتقاضى أجراً مقابل عمله عليه مسؤولية أن يؤديه بأقصى قدر من الإخلاص.

ويختتم مصطفى غريب حديثه بالتأكيد على أن طموحه الأساسي يظل ثابتاً في أن يشارك في أعمال صادقة، وأن ينجح في إدخال البهجة على قلوب الناس، معتبراً أن «القدرة على إضحاك الجمهور، خصوصاً في ظل الضغوط اليومية التي يعيشها، هي واحدة من أصعب وأهم المهام التي يمكن أن ينجح فيها أي فنان»، على حد تعبيره.


نظرات الناس لا تهم…كيف تتعامل مع نوبة غضب طفلك بالأماكن العامة؟

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
TT

نظرات الناس لا تهم…كيف تتعامل مع نوبة غضب طفلك بالأماكن العامة؟

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)

قد تبدو نوبات الغضب في الأماكن العامة من أكثر المواقف التي يخشاها الأهل عندما يتعلق الأمر بسلوك الأطفال الصغار. ذلك الشعور المفاجئ بالذعر والإحراج الذي يجتاحك في تلك اللحظة هو إحساس مرّ به معظم الآباء والأمهات.

بصفتها أماً ومربية أطفال (جليسة أطفال) سابقة ومؤلفة كتاب «تغيير مرحلة الطفولة المبكرة»، تقول ديفون كونزمان إنها شهدت مختلف أشكال السلوكيات لدى الأطفال. فكل نوبة غضب أو صراع قد يجعل الوالدين يشعران وكأنهما ارتكبا فشلاً شخصياً. كما أن الخوف من نظرات الآخرين أو أحكامهم، وما يصاحبه من شعور بالعار، قد يُزعزع ثبات حتى أكثر الأشخاص هدوءاً.

إلا أن ما تؤكد عليه كونزمان، بصفتها مدربة في مجال التربية، هو أن كل نوبة غضب تمثل فرصة لفهم العلاقة بينك وبين طفلك بصورة أعمق وتعزيزها. وتعرض أربع خطوات عملية للتعامل مع هذه المواقف:

1. انتقل إلى مكان أكثر خصوصية

إذا بدأ طفلك في فقدان السيطرة في مكان عام، فاحرص أولاً على نقله إلى بيئة آمنة تتيح له تفريغ مشاعره بعيداً عن الضوضاء والازدحام. ففي متجر البقالة مثلاً، يمكن التوجه إلى ممر أكثر هدوءاً أو إلى دورة المياه.

خذ نفساً عميقاً، وحافظ على هدوئك، وذكّر نفسك بأن الموقف ليس حالة طارئة. الحفاظ على هدوئك هو أقوى ما يمكنك فعله أثناء نوبة الغضب، بعد التأكد من سلامة طفلك. فوجودك الهادئ والمستقر يُعد عنصراً أساسياً لمساعدته على تنظيم مشاعره.

2. انتبه لحدوده فيما يتعلق بالتواصل الجسدي

عند محاولة تهدئة طفلك في لحظات التوتر، من المهم أن تتبع رغبته في مستوى التقارب الجسدي. راقب مدى تحمّله للمسّ أو الاحتضان أثناء نوبة الغضب، إذ قد يكون القليل من القرب أفضل من الإكثار منه.

يمكنك عرض عناق أو الجلوس بالقرب منه إذا بدا متقبلاً لذلك. أما إذا كان يضربك، فقد تميل إلى الإمساك بيديه لمنعه، غير أن ذلك قد يشعره بالتقييد ويزيد من انفعاله. إحدى الطرق لمساعدته على إدراك حدوده الجسدية هي الجلوس معه ووضع وسادة أو حقيبة بينكما لتحديد مساحة شخصية أوضح.

3. استخدم لغة بسيطة وواضحة

إذا صدر عن الطفل سلوك غير آمن، فضع حداً لهدوء وحزم، باستخدام عبارات واضحة مثل: «لن أسمح لك بالضرب».

أما إذا كانت نوبة الغضب ناتجة عن الإرهاق أو الإحباط، فحاول التعبير عن تفهمك بعبارات مثل: «أعلم أن هذا مُزعج» أو «أنا هنا لمساعدتك».

احرص على أن تكون كلماتك واضحة ومتوقعة، ثم شجّعه على التعبير عن مشاعره دون إصدار أحكام. وعندما تبدأ حدة الموقف في الانخفاض، قدّم له خيارات محددة تقع ضمن الحدود التي تضعها، بحيث يشعر بشيء من السيطرة.

في متجر البقالة، مثلاً، يمكن أن تقول: «هل ترغب في الجلوس في عربة التسوق أم الإمساك بيدي؟» أو «هل تودّ حمل قائمة المشتريات أم مساعدتي في دفع العربة؟». هذه الخيارات البسيطة والمناسبة لعمره تمنحه إحساساً بالمشاركة بدل العجز.

4. خصص وقتاً لتهدئة مشاعرك أيضاً

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره، بل يشمل كذلك قدرتك أنت على ضبط مشاعرك.

في الأماكن العامة، قد يلتفت الناس وينظرون إليك. وحتى إن كان ذلك بدافع الفضول، فقد تشعر وكأنهم يصدرون أحكاماً عليك. قبل أن تسمح لهذا الشعور بالتأثير فيك، ركّز على ما يمكنك التحكم فيه في تلك اللحظة.

لا تأخذ الأمر على نحو شخصي. تذكّر أن نوبة غضب طفلك لا تعكس قيمتك كوالد أو أسلوبك في التربية. وبدلاً من الاعتقاد بأن طفلك يتعمّد إثارة الفوضى، افهم أنه يمرّ بوقت صعب ويحتاج إلى دعمك.

يمكنك اختيار تجاهل نظرات الآخرين أو الردّ بهدوء وتعاطف. عبارة بسيطة مثل «أنا أبذل قصارى جهدي» قد تكون كافية.

كما أن من المهم إدارة شعورك بالإرهاق. فإذا شعرت بأن الموقف في مكان عام أصبح مرهقاً لك بشدة، فلا بأس من الانتقال إلى مكان هادئ، والسماح لطفلك بالتعبير عن مشاعره، ومنح نفسك لحظة لالتقاط أنفاسك. قد يعني ذلك ترك عربة التسوق لدى خدمة العملاء أو في أحد الممرات والخروج، أو التوجه إلى السيارة لتهدئة أعصابك قبل استكمال يومك.


لم تعد مختبئة... العلماء يحدّدون بؤر العقارب السامَّة بدقّة

المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
TT

لم تعد مختبئة... العلماء يحدّدون بؤر العقارب السامَّة بدقّة

المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)

أصبح بمقدور العلماء الآن وضع خرائط لأماكن انتشار العقارب السامَّة، مما يمنح البشر أداة جديدة في مواجهة إحدى أخطر الحشرات التي تشكل تهديداً للصحة والسلامة العامة. وقد طوَّر فريق من الباحثين نهجاً علمياً جديداً للتعرُّف على مواقع انتشار بعض فصائل هذه الحشرة المميتة والتنبؤ بها، واستطاعوا، من خلال تحليل الظروف البيئية، تحديد العوامل التي تساعد في بقاء العقارب على قيد الحياة وانتشارها. وقد تساعد هذه النتائج الجهات المعنيّة على رصد الأماكن التي تتزايد فيها احتمالات وقوع حوادث لدغات العقارب، في مختلف المناطق الاستوائية حول العالم، حتى يتسنى لها اتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة للتصدي لهذه المشكلة.

اعتمد الفريق البحثي المشترك من جامعتي جالواي في آيرلندا وابن زهر في المغرب على سلسلة من الدراسات الميدانية ونموذج حاسوبي لتحديد مناطق تمركز أخطر فصائل العقارب حول العالم، فضلاً عن الأسباب الكامنة وراء الانتشار الجغرافي لهذه الحشرات.

وخلصت نتائج الدراسة إلى تحديد نمط واضح لانتشار العقارب، فتبيَّن أنّ نوع التربة يُعد من أقوى العوامل المؤثّرة في انتشارها، في حين تلعب درجات الحرارة والرطوبة دوراً رئيسياً في رسم خرائط انتشار بعض أنواعها.

ويقول الباحثون إن العقارب، على اختلاف أنواعها، لا تتفاعل مع البيئة بالطريقة نفسها، إذ إنّ بعضها يمتلك قدرات أعلى على التأقلم، مما يمنحه نطاقاً أوسع للانتشار، في حين يقتصر وجود فصائل أخرى على مناطق محدودة، ممّا يخلق بؤراً خطرة تتزايد فيها احتمالات التعرُّض للدغات بصفة خاصة.

خرائط جديدة لتقليل الألم الذي كان يحدث بلا إنذار (شاترستوك)

وركزت الدراسة، التي نشرتها الدورية العلمية «اتصالات بحوث البيئة» المتخصصة في الدراسات البيئية، ونقلتها «وكالة الأنباء الألمانية»، على مناطق وسط المغرب، لكونها من أخطر مناطق تمركز العقارب حول العالم، وكانت تهدف إلى تحسين إجراءات الوقاية ودعم إمكان تطوير أدوات أكثر فاعلية لتشخيص هذه المشكلة وابتكار أمصال أفضل لعلاج اللدغات. ويقول رئيس مختبر علاج السموم بجامعة غالواي ورئيس فريق الدراسة، الباحث مايكل دوغون، إنّ «هذه النتائج قد تسهم في إنقاذ الأرواح، إذ يمكن، من خلال تحديد أماكن تمركز العقارب بدقة، أو الأماكن التي يُحتمل أن تظهر فيها، أن تتمكن السلطات الصحية من تنظيم حملات توعية وتدريب الأطقم الطبية المتخصّصة، وتنفيذ إجراءات وقائية في المناطق التي ترتفع فيها مخاطر التعرُّض للدغات العقارب، وحماية الأطفال خصوصاً». وأضاف، في تصريحات نقلها موقع علمي متخصّص في البحوث، أنّ «هذا النهج العلمي يمكن تطبيقه في أي دولة تعاني خطر العقارب، من البرازيل إلى الشرق الأوسط والهند».

ويؤكد الباحثون أنّ العقارب تشكل خطراً صحياً يُغفَل في كثير من الأحيان، لا سيما في المناطق المدارية وشبه الاستوائية، حيث يتعرَّض أكثر من مليونَي شخص للدغاتها سنوياً. ورغم أنّ معظم اللدغات تؤدّي إلى آلام وتورمات، فإن لدغات بعض الفصائل قد تسبّب مشكلات صحية خطيرة وقد تفضي إلى الوفاة في بعض الحالات، لا سيما لدى الأطفال وكبار السنّ. وتشير الإحصاءات إلى أنّ نحو 3 آلاف طفل حول العالم يفقدون حياتهم بسبب لدغات العقارب كلّ عام. ورغم توافر أمصال مضادة لعدد من سموم العقارب، يواجه الأطباء تحدّيات كبيرة في علاج هذه الحالات، إذ يتعذَّر في كثير من الأحيان تحديد نوع العقرب الذي لدغ المصاب، ممّا يؤدّي إلى تأخير تقديم العلاج المناسب.

العلم يقترب من أماكن الخطر خطوةً خطوة (شاترستوك)

وفي إطار الدراسة، طبَّق الباحثون نموذجاً حاسوبياً يُعرف باسم «الانتروبيا القصوى»، يتيح التنبّؤ بالمناطق التي ترتفع فيها احتمالات وجود العقارب والظروف البيئية التي تفضّلها كلّ فصيلة. ومن خلال تحليل قواعد البيانات المتعلّقة بتركيبة التربة ودرجات الحرارة والظروف البيئية المختلفة، أثبت الفريق البحثي إمكانية تحديد الأماكن المُحتَملة لانتشار العقارب في دول أخرى خارج المغرب. وتنطوي هذه المعلومات على أهمية كبيرة بالنسبة إلى الدول الواقعة في المناطق المدارية، حيث لا تتوافر سجلات مفصَّلة عن أنواع العقارب المختلفة. وشارك في هذا المشروع علماء وباحثون حاصلون على درجة الدكتوراه من الجامعتين، إلى جانب طلاب من جامعة غالواي، يتوجّهون إلى المغرب سنوياً ضمن برنامج أكاديمي في مجال علم الحيوان.

ما كان عشوائياً صار قابلاً للتوقُّع (شاترستوك)

ويقول رئيس فريق الدراسة، مايكل دوغون: «بشكل عام، فإن معرفتنا بالعلوم البيئية الخاصة بالعقارب وسمومها وأفضل السبل لعلاج لدغاتها لا تزال محدودة، ويهدف هذا المشروع الدولي التعاوني إلى تطوير أدوات جديدة للوقاية من خطر اللدغات وتشخيصها وعلاجها حول العالم، ممّا يتطلَّب تعاون فرق متعدّدة التخصّص، تضم خبراء في الصحة العامة وعلم الحيوان، فضلاً عن أفراد من المجتمعات المحلّية».

ومن جانبه، قال الباحث في جامعتي ابن زهر وأغادير وأحد المشاركين في الدراسة، فؤاد صالحي، إنّ «هذا البحث يثبت أنّ البيانات المتعلّقة بالتنوّع البيئي يمكن أن تُسهم في صياغة سياسات الصحة العامة. وقد تمكنا، من خلال الجمع بين العمل الميداني والنماذج الحاسوبية البيئية، من تحديد المناطق التي ترتفع فيها احتمالات انتشار العقارب الخطيرة، ونأمل أن يسهم هذا البحث في دعم استراتيجيات الوقاية وتحسين الجاهزية الطبية، والمساعدة في الحدّ من أعباء لدغات العقارب، سواء داخل المغرب أو خارجه».