في مخيم الهول... أطفال دون جنسية وآباء خلف القضبان وأمهات قلقات على المستقبل

داعشيات مع أطفالهن في مخيم «الهول» (أ.ف.ب)
داعشيات مع أطفالهن في مخيم «الهول» (أ.ف.ب)
TT

في مخيم الهول... أطفال دون جنسية وآباء خلف القضبان وأمهات قلقات على المستقبل

داعشيات مع أطفالهن في مخيم «الهول» (أ.ف.ب)
داعشيات مع أطفالهن في مخيم «الهول» (أ.ف.ب)

تروي أمل المتحدرة من بلدة الباب، بريف حلب الشرقي، قصة زواجها من مقاتلين أجانب وإنجاب أطفال لا يحملون جنسية أي بلد. أمل تبلغ من العمر 22 سنة فقط لكن ليس لها من اسمها نصيب. فقد انقلبت حياتها عندما أجبرها والدها على الزواج من مقاتل شيشاني منتصف عام 2014 وكان عمرها آنذاك 17 عاماً، قبل أن تنتهي بها الأمور للعيش اليوم في مخيم الهول شرق سوريا.
أثناء الحديث معها كانت أمل تجلس في خيمتها وإلى جانبها يلعب طفلان تتراوح أعمارهما بين سنة وخمس سنوات، لكن كلاً منهما ولد من أب يحمل جنسية أجنبية مختلفة. لم يتم تسجيلهما في قيود الولادة الرسمية بعد تجربة مريرة خاضتها هذه السيدة السورية وكثير من مثيلاتها اللواتي تزوجن من عناصر في صفوف تنظيم «داعش» الإرهابي ولم تكنّ على علم بأن المطاف قد ينتهي بهن في هذا المكان المعزول وبأن مستقبلاً غامضاً ينتظرهن وأطفالهن. وأكثر ما يؤلم أمل اليوم عندما يسألها طفلاها عن مصير والدهما فلا يوجد لديها جواب. ترد بالسكوت والبكاء لكنهما ليسا جواباً كافياً لأطفال لا يدركون أنهم ولدوا في بلد مزقته نيران الحرب، ومزقت أواصر أسرة مجهولة القيود بسبب غيابها عن السجلات الرسمية لا في الدولة التي يعيشون فيها ولا في موطن آبائهم.
سكنت أمل بداية في مدينة الرقة مع زوجها الشيشاني وفي بداية حديثها قالت: «لم يكن زوجي يعرف العربية، وكانت الحياة صعبة. كل شيء يطلبه مني كان يرسمه. فنجان أو كأس شاي مثلاً، وعندما يجوع يرسم لي أشكالاً من الطعام».
قالت إن زوجها كان قاسيا في معاملته ويضربها بشكل مستمر، الأمر الذي دفعها إلى خلعه وطلب الطلاق من المحكمة الشرعية، رغم المحاذير التي واجهتها وعواقبها الخطيرة. وأضافت قائلة: «الخلع عند التنظيم شبه مستحيل، لكنني توسلت للقاضي وطلب مني دعم روايتي بتقارير طبية تؤكد تعرضي للضرب المبرح». وبالفعل، ذهبت أمل إلى المستشفى وحصلت على التقارير المطلوبة، وفي اليوم التالي وافق القاضي على طلاقها، لكنها تفاجأت بأنها حامل ومضت في طريقها وتركت المنزل. وبعد يومين، قُتل زوجها بغارة من طيران التحالف. أعربت عن فرحتها، قائلة: «حقيقة فرحت عندما قُتل، كان يعاملني على أنني جارية وخادمة ليس أكثر».
وبعد فترة قصيرة وهرباً من سكن النساء المخصص للسيدات اللواتي يقتل أزواجهن وبسبب المعاملة السيئة في ذلك المكان، وافقت على الزواج من مقاتل عراقي الجنسية وكان يكبرها بعشرين سنة. وعن تجربتها الثانية تقول: «خلال 5 سنوات تنقلنا كثيراً في تل أبيض، ثم رجعنا للرقة، كما ذهبنا إلى الميادين ثم البوكمال، وقصدنا مدينة القائم العراقية وفي النهاية كنا في الباغوز». لكنها طوال السنوات الخمس الماضية لم تنعم بالاستقرار وزاد من وضعها بؤساً مقتل زوجها العراقي بمعركة الباغوز وقد ترك لها طفلة عمرها أشهر معدودة، فقررت عدم الزواج من جديد.
وفي مخيم الهول تتحمل كثير من النساء السوريات والعراقيات أعباء ومسؤوليات تربية أطفال ولدوا من مقاتلين أجانب بعد سيطرة عناصر التنظيم على مساحات شاسعة قبل طرده والقضاء على مناطقه العسكرية ربيع العام الحالي. وعلى رغم ذلك تجد نساء يحملن طفلاً رضيعاً على ظهورهن أو يكن حوامل. ينتظرن في طابور طويل لساعات تحت شمس حارقة في الصيف حتى يأتي دورهن لتسلم حصص غذائية.
أما سعاد (مواليد عام 1991) المتحدرة من مدينة حمص وسط سوريا فقد اضطرت مع زوجها الحمصي إلى ترك المدينة (سكان حي باب سباع) والانتقال إلى محافظة الرقة بداية 2013. وفي نهاية العام نفسه قتل زوجها بضربة لطائرات النظام وترك لها فتاة تبلغ من العمر ثماني سنوات. وبعد سيطرة تنظيم «داعش» على المدينة بداية 2014 وافقت على الزواج من مقاتل «مهاجر» كان يتحدر من روسيا قريب من زوج شقيقتها، ليُقتل بعد سنة من زواجهما ويترك لها طفلاً عمره 5 سنوات. فتزوجت للمرة الثالثة من مقاتل عربي يتحدر من المغرب وهي حامل منه اليوم لكنه محتجز لدى «قوات سوريا الديمقراطية».
ومن خلف خمارها الأسود لم يظهر منه سوى عينين قلقتين، أعربت سعاد عن غضبها لجهلها مصير زوجها الذي تمّ توقيفه بعد خروجه من الباغوز قبل أشهر. وقالت: «قدّمت طلباً لزيارته مرات كثيرة لكنهم رفضوا ذلك. أريد أن أعرف هل لا يزال هنا في سوريا أم تم ترحيله إلى بلده المغرب». وعن مصير أطفالها مكتومي القيد، قالت: «لم أدرك مصاعب توثيق وتثبيت مواليد أطفالي والحصول على وثائق وبطاقات شخصية. كنا في حالة حرب ولا توجد سجلات رسمية، واليوم نعيش تحت رحمة هذه الخيمة». صمتت برهة محاولة التوقف عن البكاء، قبل أن تتابع كلامها: «لا أريد لطفلي الجنين أن يواجه مصير إخوته نفسه ويكون مكتوم القيد».
فاطمة ذات الـ25 سنة أُجبرت برفقة زوجها على الخروج من حي باب النيرب بمدينة حلب بداية 2013 بعد تدهور الأوضاع المعيشية والأمنية في مسقط رأسها، الأمر الذي دفع الأسرة للنزوح إلى بلدة منبج شمالاً. وبعد سيطرة تنظيم «داعش» عليها صيف 2014 ومقتل زوجها بالعام نفسه، أجبرت على الزواج من مقاتل كان يتحدر من طاجيكستان أنجبت منه طفلة عمرها سنة ونصف السنة وبعد مقتله تزوجت من مقاتل تونسي ليقتل هو الآخر في معارك طرد التنظيم من بلدة الباغوز بشهر مارس (آذار) الماضي، وهي حامل منه اليوم. وعن سبب زواجها أكثر من مرة علقت قائلة: «أخذوني لمضافة النساء، وكان يشرف علينا جهاز الحسبة (شرطة التنظيم النسائية)، كانت معاملتهن سيئة للغاية، فقبلت الزواج من أول شخص يطلبني للزواج». سكتت برهة واغرورقت عيناها بالدموع قائلة: «غالباً ما يتخذ المقاتل أكثر من زوجة واحدة ويكون لديه سبايا يبيع ويشتري متى يشاء، ثم يطلقون زيجاتهم بعد شهور معدودة ويتزوجون من جديد».
وعلى الرغم من ذلك، تخشى نساء مخيم الهول فصل أزواجهن عن عائلاتهم بعد الإفراج عنهم، وترحيل كل مقاتل أجنبي إلى دولته لتستمر إجراءات محاكمته قانونياً هناك، بينما يبقى مستقبل أطفالهم غامضاً ومعقداً.
خلال المقابلة مع النساء في المخيم كانت ترتفع ضحكات عدد كبير من الأطفال السوريين والعراقيين والعرب والأوروبيين يلهون مع بعضهم بين الخيم أو ينقلون عبوات مياه كبيرة لأمهاتهم. فالمخيم لا يزال يفتقر إلى الخدمات الأساسية مثل المدارس والأماكن المخصصة لرعاية الأطفال.
ويؤوي مخيم الهول الواقع على بعد نحو 45 كيلومتراً شرق مدينة الحسكة أكثر من سبعين ألف شخص، معظمهم سوريون وعراقيون وأجانب يتحدرون من 50 جنسية غربية وعربية، مما يشكل عبئاً يُثقل كاهل السلطات الكردية التي تشرف على المنطقة والتي طالبت مراراً منظمات الأمم المتحدة وجهات دولية إنسانية بدعم أكبر للاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
ووصفت ماجدة أمين مديرة مخيم الهول الوضع بأنه «شديد الصعوبة وكارثي» لوجود عشرات الآلاف من الأشخاص أغلبهم من النساء والأطفال في حاجة حقيقية إلى المساعدة، حيث تعرض القسم الأكبر منهم لفظائع وشهدوا حروباً ومشاهد موت يعجز عنها الوصف ومعاناة بدنية ونفسية. ولدى حديثها لـ«الشرق الأوسط» من مكتبها بالمخيم، قالت: «هؤلاء يحتاجون إلى الأمان والمأوى والغذاء والرعاية الصحية، فالمخيم يفتقر لمراكز ومؤسسات تعليمية وترفيهية، وبإمكانات بسيطة قمنا بافتتاح حديقة كمتنفس لهذه الأسر والأطفال الذين يفتقرون إلى أبسط مقومات الحياة».
وما يزيد الوضع تعقيداً غياب قنصليات معظم الدول والتي لا تملك القدرة على تقديم الخدمات أو تستطيع الوصول إلى مواطنيها في المنطقة، لغياب مكاتب قنصلية رسمية في المناطق الخاضعة لنفوذ «قوات سوريا الديمقراطية» شمال شرقي سوريا. وفي الوقت الذي ترفض فيه منظمة «يونيسيف» والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة استيعابهم أو تعرفيهم بوصفهم لاجئين؛ تحجم إدارة مخيم الهول عن منحهم وثائق ثبوتية وبالكاد يتم تعريفهم في السجلات على قيود أمهاتهم.



اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.