مارك واربورتون: قمنا بجراحة جذرية في كوينز بارك

غاضب لإقالته من تدريب نوتنغهام فورست ومحبط من تجربته في رينجرز الاسكوتلندي

واربورتون يؤمن بقدرته على النجاح مع كوينز بارك رينجرز وإعادته للدوري الممتاز  -  واربورتون بقميص نوتنغهام فورست عندما تمت إقالته
واربورتون يؤمن بقدرته على النجاح مع كوينز بارك رينجرز وإعادته للدوري الممتاز - واربورتون بقميص نوتنغهام فورست عندما تمت إقالته
TT

مارك واربورتون: قمنا بجراحة جذرية في كوينز بارك

واربورتون يؤمن بقدرته على النجاح مع كوينز بارك رينجرز وإعادته للدوري الممتاز  -  واربورتون بقميص نوتنغهام فورست عندما تمت إقالته
واربورتون يؤمن بقدرته على النجاح مع كوينز بارك رينجرز وإعادته للدوري الممتاز - واربورتون بقميص نوتنغهام فورست عندما تمت إقالته

لا يناسب المدير الفني الإنجليزي مارك واربورتون نادي كوينز بارك رينجرز من الناحية الفنية فحسب، ولكن من الناحية المالية أيضاً، وخير دليل على ذلك أن واربورتون عندما كان يعمل في نادي برنتفورد، سواء مديراً رياضياً أو مديراً فنياً، تعاقد مع لاعبين مغمورين بمبالغ مالية بسيطة، ثم باعهم النادي بعد ذلك بملايين الجنيهات، بما في ذلك جيمس تاركوفسكي، وأندريه غراي، وديفيد باتون، وستيوارت دالاس، وسكوت هوغان، وآخرون. ورغم عدم التعاقد مع لاعبين بارزين بمبالغ مالية كبيرة، فإن واربورتون يقود نادي كوينز بارك رينجرز الآن للمنافسة على الصعود إلى الدوري الإنجليزي الممتاز.
يقول واربورتون: «عندما ينجح أي فريق في تحقيق نتائج جيدة رغم أنه يضم لاعبين مغمورين، فإن العروض تنهال على هؤلاء اللاعبين، وهذا أمر طبيعي. في دوري الدرجة الأولى لا يمكنك أن تنافس نادياً مثل ليدز يونايتد؛ من حيث الحضور الجماهيري الذي يصل إلى 40 ألف متفرج في المباراة الواحدة؛ لكن يمكنك أن تنافسه عندما يكون لديك فريق قوي وبيئة عمل جيدة، وعقلية تفكر في الأمور بشكل صحيح».
وعندما كان واربورتون يتولى تدريب نادي برنتفورد، كان النادي نداً قوياً للغاية لنادي بورنموث، الذي تأهل للدوري الإنجليزي الممتاز في عام 2015، ولم يهبط منه منذ ذلك الحين. يقول واربورتون: «لا يتوقف الأمر دائماً على من هو النادي صاحب الميزانية الأكبر».
وقد وجد كوينز بارك رينجرز في واربورتون مديراً فنياً مناسباً للفريق، نظراً لأنه لا يشترط تخصيص ميزانية كبيرة للتعاقد مع اللاعبين الجدد. ويقول واربورتون: «انتقل فرانك ماكلينتوك من آرسنال إلى كوينز بارك رينجرز، وكان نجله، نيل، أفضل صديق لي في المدرسة. لقد اعتدت على الحضور ومشاهدة كل مباراة من مباريات الفريق على ملعبه في الموسم الشهير 1975 – 1976، عندما احتل كوينز بارك رينجرز المركز الثاني في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز، بفارق نقطة واحدة عن ليفربول. لقد كنت مشجعاً شاباً يأتي لمشاهدة فرانك وهو يدرب اللاعبين مع ديف سيكستون: غيري فرانسيس، ودون ماسون، وجون هولينز. وبالتالي، فأنا أعرف الطريقة التي ينظر بها الجمهور لهذا النادي، والكيفية التي يريدون أن يشاهدوا الفريق وهو يلعب بها».
قدم كوينز بارك مستويات جيدة في بداية الموسم الجاري، ويحتل الآن المركز السابع في جدول ترتيب دوري الدرجة الأولى؛ لكن واربورتون يرى أن الفريق كان يستحق الحصول على أربع نقاط أخرى، وهو الأمر الذي كان سيضعه في قمة الجدول. وبعدما فشل كوينز بارك رينجرز في الالتزام بقواعد اللعب المالي النظيف، واجه النادي فترة انتقالات مضطربة للغاية. وتولى واربورتون قيادة الفريق بعد أيام من نهاية الموسم الماضي، وقرر اتخاذ إجراءات صارمة، فقد قرر التخلص من معظم لاعبي الفريق الأول، وتعاقد مع 15 لاعباً.
يقول واربورتون: «كان يتعين علينا اتخاذ بعض الإجراءات، وكنا أمام خيارين: إما أن نتحرك بهدوء وندعم الفريق بلاعب أو اثنين في كل فترة انتقالات، وإما أن نتحرك بقوة ونتعاقد مع عدد كبير من اللاعبين. في الحقيقة، شعرت بأننا بحاجة للتعاقد مع عدد كبير من اللاعبين، وبأننا بحاجة إلى جراحة جذرية. إنه أمر محفوف بالمخاطر؛ لكنني شعرت بأنه لا بد من القيام بذلك. ولم أكن أريد أن يأتي اليوم الذي أقول فيه يا ليتني فعلت ذلك!».
وأضاف: «من الواضح أن مالكي النادي لديهم رؤية وخطة واضحة؛ خصوصاً أنهم قد مروا بوقت عصيب. إننا في وضع جيد في الوقت الحالي؛ لكن يتعين علينا أن نكون أذكياء».
ومر ما يقرب من 18 شهراً بين إقالة نوتنغهام فورست لواربورتون وتعيينه مديراً فنياً لكوينز بارك رينجرز. وقال واربورتون عن إقالته من قبل نوتنغهام فورست: «لقد شعرت بغضب شديد للطريقة التي تمت بها الإقالة. لقد حددنا أهدافنا عند تعاقدي مع النادي ونجحت في تحقيقها جميعاً، فقد نجحنا في تقليص قائمة الفريق، وفي النزول بمعدل أعمار اللاعبين. لذلك كنت غاضباً للغاية عندما أقلت من منصبي، وشعرت بصدمة شديدة من هذا القرار».
لقد قضى المدير الفني البالغ من العمر 57 عاماً بعض الوقت في الولايات المتحدة الأميركية – وتلقى بعض العروض للتدريب هناك - قبل أن يعود إلى جذوره في العاصمة البريطانية لندن. ويؤكد واربورتون على أن الأندية لها الحق تماماً في تغيير المديرين الفنيين في الوقت الذي تراه مناسباً لذلك، ويقول: «إنه ناديهم، وملاك النادي يكدسون الأموال، ويتعين علينا أن نحترم رغبتهم في القيام بذلك؛ لكنهم حددوا معي الأهداف التي يجب تحقيقها عند تعاقدي معهم، ووضعنا خطة طويلة الأجل؛ لكن عندما تتم إقالتي من منصبي رغم تحقيقي جميع الأهداف المتفق عليها، فمن الصعب تحمل ذلك».
ويضيف: «لقد مر المدير الفني لي جونسون بفترة عصيبة مع نادي بريستول سيتي؛ لكن مالك النادي تمسك به، والفريق يحقق نتائج رائعة في الوقت الحالي. والأمر نفسه ينطبق على دين سميث الذي مر بفترة صعبة مع نادي برنتفورد، ولننظر الآن إلى ما وصل إليه الفريق. يتعين على الأندية أن تختار مديريها الفنيين بعناية، ثم تتمسك بهم وتمنحهم الوقت اللازم للقيام بعملهم».
وينظر واربورتون بحسرة وحزن إلى نادي رينجرز الاسكوتلندي، الذي يقوده المدير الفني الشاب ستيفن جيرارد، والذي أنفق سبعة ملايين جنيه إسترليني للتعاقد مع ريان كينت في نهاية فترة الانتقالات الصيفية الماضية، في الوقت الذي كانت تتسم فيه فترة واربورتون مع النادي بالتقشف الشديد، وكان يواجه وقتها سيلتك الذي كان ينفق بسخاء على تدعيم صفوفه تحت قيادة المدير الفني بريندان رودجرز.
وزعم رينجرز أن واربورتون قد استقال من منصبه في أوائل عام 2017؛ لكنه يقول: «نحن لم نستقل من تدريب الفريق أبداً، ولم نرحل عن غلاسجو رينجرز»؛ لكن واربورتون يؤكد على أنه شعر بوجود بعض المشكلات خلال اجتماع «ساخن» لمجلس إدارة النادي، قبل وقت قصير من مغادرته.
ولا يزال رينجرز يسعى للحصول على بطولة كبرى منذ فترة، وكانت أقرب فرصة سانحة له للحصول على لقب منذ الفوضى المالية التي عانى منها في 2012، هي وصوله للمباراة النهائية لكأس اسكوتلندا تحت قيادة واربورتون، الذي يقول: «بعض الناس يرون أنني لم أفهم مطلقاً عقلية رينجرز. أنا لست غبياً، بالطبع كنت أفهم توقعات الجماهير؛ لكن الحقيقة هي أن الفريق كان يضم لاعبين يحصل كل منهم على ثلاثة أو أربعة أو خمسة آلاف جنيه في الأسبوع، يلعبون كل أسبوع أمام لاعبين يحصل كل منهم على 15 أو 25 أو 30 ألف جنيه في الأسبوع. وبالتالي، فإن المنطق يقول إن الفجوة كبيرة للغاية مع الفريق المنافس».
وأضاف: «كانت مهمتنا في العام الثالث هي التأهل للبطولات الأوروبية، وقد تمكنا من احتلال المركز الثاني في جدول ترتيب الدوري الاسكوتلندي. لقد كان سيلتك يقدم مستويات استثنائية ويحطم كل الأرقام القياسية، وقد شعرت بالإحباط لأنه كان يتم النظر إلى ذلك على أنه اتساع للفجوة بين سيلتك ورينجرز. لقد كنا نريد تحقيق الفوز أكثر من أي شخص آخر؛ لكن كانت هناك خطة قائمة، وكل ذلك يتعلق بالاستثمار».
أما فيما يتعلق بالمنافسة في دوري الدرجة الأولى بإنجلترا حالياً، فيقول واربورتون: «لا يوجد فريق يضمن الفوز، فيمكن للفريق الذي يتذيل جدول الترتيب أن يفوز على متصدر المسابقة. ولو حقق الفريق أربعة انتصارات فيمكنه أن يقفز من المركز الثامن عشر إلى المركز الثاني في جدول الترتيب، وإذا خسر الفريق ثلاث مباريات، فإن الناس سيعتقدون أنه سيدخل دوامة الهبوط. يجب أن يعرف الجمهور أن النادي سيمر بفترات جيدة وأخرى سيئة، وهذا هو ما يحدث في الفترة الأولى لتولي أي مدير فني لأي فريق».
هذا لا يعني أن واربورتون لا يمكنه أن يحلم بتحقيق كوينز بارك رينجرز لنتائج جيدة؛ حيث يقول: «يجب أن يكون هدف كل نادٍ يلعب في دوري الدرجة الأولى هو التأهل للدوري الإنجليزي الممتاز. ويمكن لأي نادٍ من الأندية التي تكون في المراكز العشرة الأولى بحلول شهر مارس (آذار) أن تحظى بفرصة التأهل للدوري الممتاز».


مقالات ذات صلة

أموريم مدرباً جديداً لميلان

رياضة عالمية روبن أموريم مدرباً لميلان (أ.ف.ب)

أموريم مدرباً جديداً لميلان

تعاقد ميلان مع المدرب روبن أموريم، الثلاثاء، سعياً لإعادة ترتيب صفوفه عقب موسم مخيب للآمال فشل خلاله في التأهل إلى دوري أبطال أوروبا.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
رياضة عربية حسام كان يريد أن يوصل للحكم فكرته بطريقته في احتضانه (د.ب.أ)

احتجاج حسام حسن باحتضان الحكم الرابع أمام بلجيكا يخطف الأضواء

«تعادل بطعم الفوز»، وصف غلّف ردود فعل المشجعين المصريين مع أداء منتخب بلادهم، لينم عن حالة من الرضا.

محمد عجم (القاهرة )
خاص يفرض مونديال 2026 تعقيداً تقنياً وتشغيلياً غير مسبوق بسبب 104 مباريات و48 منتخباً وإقامته في 3 دول (شاترستوك)

خاص «لينوفو» لـ«الشرق الأوسط»: كأس العالم 2026 هو الأكثر تعقيداً تقنياً في تاريخ البطولة

تدير «لينوفو» بنية مونديال 2026 عبر الذكاء الاصطناعي والحوسبة الطرفية لدعم العمليات والبث والتحليل وتجربة الجماهير والمنتخبات عالمياً.

نسيم رمضان (لندن)
خاص فيدريكو فالفيردي نجم أوروغواي (أ.ف.ب)

خاص مصدر في «فيفا» لـ«الشرق الأوسط»: تصويت الجماهير هو سبب تفوق فالفيردي على العويس والعمري

أكد مصدر خاص في الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لـ«الشرق الأوسط»، أن السبب الرئيسي وراء فوز فيدريكو فالفيردي بجائزة رجل المباراة هو تصويت الجماهير.

نواف العقيّل (ميامي)
رياضة عالمية مهدي ترابي لاعب منتخب إيران (د.ب.أ)

«مونديال 2026»: إيران مهدَّدة بفقدان ترابي في المباراتين المقبلتين

ربما يضطر المنتخب الإيراني لكرة القدم لخوض مباراتيه المقبلتين في «كأس العالم» دون مهاجمه مهدي ترابي.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
TT

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله

حين تدور عجلة منافسات كأس العالم 2026، لا تتجه الأنظار فقط نحو الخطط التكتيكية، بل يتسع التحليل ليشمل «الفيزياء الجسدية» التي تصنع فوارق حاسمة على العشب الأخضر. تشهد هذه النسخة الأكبر تاريخياً تبايناً حاداً بين جيل من العمالقة الذين يستغلون طول القامة لفرض الهيمنة الجوية، ومجموعة من قصار القامة الذين يتخذون من الرشاقة والسرعة وسيلة لخلخلة الدفاعات. هذا الصدام الأنثروبولوجي يضعنا أمام مقارنات رقمية مثيرة تعكس كيف يوظف كل مدرب المزايا الجسدية للاعبيه لصناعة التفوق.

ومن بين أكثر الظواهر إثارة للاهتمام هذا العام الفارق الهائل في القامات بين اللاعبين المشاركين، حيث تشهد البطولة وجود أطول لاعب بطول 205 سنتيمترات وأقصر لاعب بطول 160 سنتيمتراً، بفارق يصل إلى 45 سنتيمتراً بينهما.

هذا التباين لا يعكس فقط الاختلافات البدنية بين اللاعبين، بل يؤكد أيضاً أن كرة القدم الحديثة ما زالت لعبة تتسع لجميع المواهب، بغض النظر عن الطول أو البنية الجسدية.

ناطحات السحاب المونديالية... عندما تحكم القامة حراسة المرمى والدفاع

يتربع الحارس النمساوي الواعد فلوريان ويغله على قمة الهرم الفيزيائي في البطولة، حيث يمنحه طوله البالغ 205 سنتيمترات تفوقاً مطلقاً في الكرات العرضية لحماية شباك فريقه فيكتوريا بلزن في الدوري التشيكي، مسجلاً اسمه كأطول لاعب يشارك في المونديال بعمر الخامسة والعشرين.

فلوريان ويغله حارس منتخب النمسا (إنستغرام)

ولا يقف ويغله وحيداً في هذا الطابق العلوي، إذ يزاحمه المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن، لاعب نيوكاسل يونايتد البالغ من العمر 34 عاماً، والذي يصل طوله إلى 201 سنتيمتر، مشكلاً جداراً دفاعياً يصعب اختراقه في الصراعات الهوائية.

المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن لاعب نيوكاسل يونايتد (إكس)

وينضم إلى هذا النادي الضخم حارس المرمى الكولومبي ألفارو مونتيرو والمدافع البوسني ستيبان راديليتش، وكلاهما يبلغ طوله 201 سنتيمتر، مما يعكس توجهاً خططياً واضحاً لدى بعض المدارس الكروية للاعتماد على الكتل الجسدية الضخمة لتأمين الخطوط الخلفية وإحباط الكرات الثابتة.

سحر مركز الجاذبية المنخفض... قصار القامة يتحدون العمالقة بالرشاقة

مهاجم بنما سيزار يانيس (رويترز)

في المقابل تماماً، يبرز النجم البنمي سيزار يانيس كأقصر لاعب في المونديال الحالي بطول لا يتجاوز 160 سنتيمتراً، ورغم وصوله لسن الثلاثين، فإن نجم نادي كوب ريسال التشيلي يعوض فوارق الطول بمرونة حركية مذهلة وقدرة سريعة على تغيير الاتجاه تُربك المدافعين أصحاب القامات الفارهة.

ويسير على ذات النهج المهاجم الشاب لجزر كوراساو جيريمي أنتونيس البالغ طوله 164 سنتيمتراً، والذي يستغل قصر قامته للتسلل بين الخطوط الضيقة، شأنه شأن الموهبة الكندية مارسيلو فلوريس بنفس الطول، والمهاجم الأسترالي السريع نيستوري إرانكوندا بطول 165 سنتيمتراً. هؤلاء النجوم يثبتون تكتيكياً أن انخفاض مركز الجاذبية يمنح اللاعب توازناً استثنائياً وقدرة أعلى على المراوغة، مما يجعلهم السلاح المثالي لضرب التكتلات الدفاعية البطيئة.

جغرافيا المنتخبات تكتيكياً... صراع الاستراتيجيات بين الطول والقصر

هالاند لاعب منتخب النرويج (غيتي)

على صعيد الجماعة، تكشف أرقام «الفيفا» الرسمية أن منتخب النرويج، مدفوعاً ببنية نجمه الأول إيرلينغ هالاند البالغ طوله 195 سنتيمتراً، يتربع رفقة منتخب البوسنة والهرسك على صدارة المنتخبات الأطول في البطولة بمعدل جماعي يبلغ 187.2 سنتيمتر، وهو ما يفسر اعتمادهم على الكرات الطويلة والاندفاع البدني القوي لفرض أسلوبهم. وفي المقابل، تبرز منتخبات أميركا الوسطى والكاريبي مثل بنما وجزر كوراساو، بمعدلات أطوال جماعية منخفضة تقترب من حاجز 179 سنتيمتراً، حيث تراهن إداراتها الفنية على تقارب الخطوط، والاعتماد على التمريرات القصيرة السريعة والتحركات الديناميكية دون كرة، معوضين فوارق البنية التحتية الجسدية بتفوق مهاري وتكتيكي ملموس على أرضية الميدان.

من مارادونا وميسي إلى يانيس

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

يقدم تاريخ كرة القدم شواهد لا حصر لها على أن الطول لم يكن يوماً الشرط الأساسي لصناعة النجوم أو تحقيق الإنجازات الكبرى، فأسطورة كرة القدم الأرجنتيني الراحل دييغو مارادونا قاد بلاده إلى لقب كأس العالم عام 1986 رغم أنه لم يكن من أصحاب البنية الجسدية الضخمة، وسار على النهج ذاته مواطنه ليونيل ميسي الذي توج مسيرته بقيادة الأرجنتين إلى لقب مونديال 2022.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

كما برزت أسماء أخرى مثل الإسبانيين تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا، والفرنسي نغولو كانتي، والكرواتي لوكا مودريتش، الذين صنعوا أمجاداً كروية بفضل الرؤية والذكاء والمهارة أكثر من الاعتماد على القوة البدنية.

كرة القدم لا تعترف بالمقاييس التقليدية

بين فيغله ويانيس، تختصر بطولة كأس العالم 2026 واحدة من أجمل حقائق اللعبة. فالفارق الهائل في القامة لم يمنع كليهما من الوصول إلى أكبر حدث كروي على وجه الأرض.

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى صراع الكبار على اللقب العالمي، تبقى هذه القصص الإنسانية تذكيراً بأن كرة القدم لا تختار أبطالها وفق الطول أو الوزن، بل وفق الموهبة والقدرة على صناعة الفارق عندما تبدأ المنافسة الحقيقية فوق المستطيل الأخضر.


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.