تركيا تلمح إلى الخيار العسكري للضغط على {هيئة تحرير الشام} في إدلب

جيفري طالب بضربها وموسكو تضغط من أجل التخلص منها

صورة وزعها حساب لـ«قسد» عن استكمال هدم تحصينات كردية على الحدود مع تركيا أول من أمس
صورة وزعها حساب لـ«قسد» عن استكمال هدم تحصينات كردية على الحدود مع تركيا أول من أمس
TT

تركيا تلمح إلى الخيار العسكري للضغط على {هيئة تحرير الشام} في إدلب

صورة وزعها حساب لـ«قسد» عن استكمال هدم تحصينات كردية على الحدود مع تركيا أول من أمس
صورة وزعها حساب لـ«قسد» عن استكمال هدم تحصينات كردية على الحدود مع تركيا أول من أمس

تصاعدت المؤشرات عقب القمة الثلاثية التركية الروسية الإيرانية حول سوريا التي عقدت في أنقرة الاثنين الماضي، على توجه تركي للتعامل مع وجود المجموعات المتشددة والتنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها هيئة تحرير الشام التي تشكل جبهة النصرة (سابقا) غالبية قوامها في إدلب، لإقناع روسيا بوقف دعم تقدم قوات النظام هناك.
وللمرة الأولى، ألمحت أنقرة إلى احتمال التوجه إلى عمل عسكري ضد هيئة تحرير الشام وأنها قد تطبق سيناريو «غصن الزيتون»، على إدلب، ما يعني الدخول في مواجهة عسكرية مع الهيئة التي باتت خياراتها شبه منعدمة وأصبحت واقعة بين خطر التفكيك أو القضاء عليها.
واعتبرت أنقرة على لسان أحد مستشاري الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أن وجود مقاتلي الهيئة داخل إدلب يعطي ذريعة للنظام وروسيا من أجل القصف في إدلب، ما يجعل تركيا عاجزة عن الحفاظ عليها، مشيراً إلى أن بلاده لن تصبر إلى ما لا نهاية على ما يحدث في المحافظة الواقعة شمال غربي سوريا.
وتتمسّك تركيا بنقاط المراقبة التي أقامتها ضمن اتفاق منطقة خفض التصعيد في إدلب على اعتبار أن وجودها يهدف إلى تثبيت الوضع الديمغرافي، ولذلك احتمال التحرك عسكريا ضد «هيئة تحرير الشام» قد يكون مطروحاً على الطاولة حتى تتمكن تركيا من إنقاذ اتفاق سوتشي مع روسيا، وتنفيذ ما تردد أنه تم الاتفاق عليه في قمة أنقرة الثلاثية الأسبوع الماضي بشأن إقامة منطقة عازلة جديدة منزوعة السلاح في إدلب.
واتفقت تركيا وروسيا وإيران في آستانة، كما اتفقت تركيا مع روسيا في قمة سوتشي العام الماضي، على انسحاب كل العناصر الإرهابية الأجنبية من سوريا. وانتقدت موسكو مرارا تقاعس تركيا عن تنفيذ تعهداتها بسحب هذه العناصر بموجب اتفاق سوتشي.
ويقول مراقبون إنه مع تبلور الموقف التركي الجديد، الذي يبدو في الأساس محاولة للضغط على تحرير الشام، باتت الخيارات محدودة أمام الهيئة، فإما أن تختار حلّ نفسها وإما أن تواجه السيناريوهات الصعبة ليس فقط من جانب النظام وروسيا وإنما عمليات عسكرية تركية محتملة بدعم روسي وأميركي أيضا.
وبحسب مصادر تركية، فإن قمة أنقرة توصلت إلى اتفاق بين أطرافها الثلاثة (تركيا وروسيا وإيران) بشأن القضاء على التنظيمات الإرهابية والمجموعات المتشددة، وتخيير مقاتلي تحرير الشام والتنظيمات الأخرى، وبخاصة الأجانب، بين المغادرة الطوعية، أو مواجهة الجيش التركي بدعم روسي و«أميركي».
ولفتت المصادر إلى أن تركيا حاولت خلال الفترة الماضية إقناع هيئة تحرير الشام بحل نفسها، وسعت إلى تفكيكها من الداخل، لكنها فشلت في ذلك، ويبدو أن الخيار المطروح حاليا هو العمل العسكري في إدلب وإخضاعها لسيطرة تركية كاملة على غرار عفرين بموافقة روسيا، بحيث تصل السيطرة التركية إلى الطريقين الدوليين حلب اللاذقية (إم 4)، ودمشق حلب (إم 5)، وهو ما يعني تحييد النظام ومنع هجماته بدعم من إيران ويضمن بالتبعية وقفا دائما لإطلاق النار، ومنع موجة جديدة من النزوح من جانب سكان إدلب باتجاه الحدود التركية في المستقبل.
وكانت القمة الثلاثية في أنقرة الأسبوع الماضي، قد كشفت عن إصرار روسيا على حسم مصير هيئة تحرير الشام بيد تركيا وإلزامها بتنفيذ التزاماتها في هذا الشأن.
وتتمسك روسيا بوجود قواتها على الطرق الدولية (إم 4 و5) وتسيير دوريات مشتركة مع القوات التركية في المنطقة منزوعة السلاح في إدلب، بهدف التأكد من سحب الأسلحة الثقيلة من فصائل المعارضة «المعتدلة» والتحقق من أن مقاتليها منتمون فقط إلى «الجبهة الوطنية للتحرير» وليس المجموعات المتشددة.
ويذهب مراقبون إلى أن هيئة تحرير الشام لن تقبل بدخول مواجهة مع تركيا وإنما قد تبدي مرونة في القبول ببعض الخطوات التي تقوي موقف أنقرة في مواجهة الضغط الروسي، في ظل إدراكها مدى حرص أنقرة على تجنب انهيار اتفاق سوتشي، وأنها لن تتردد في العمل العسكري ضدها إذا تعارض وجودها في إدلب مع مصالحها، كما حدث عندما هددت أنقرة بعملية عسكرية في إدلب ونشرت قواتها على حدودها وبدأت بتفكيك أجزاء من الجدار الإسمنتي الفاصل بين ولاية هطاي والأراضي السورية، وذلك بسبب معارضة «تحرير الشام» نشر نقاط المراقبة التركية في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، ووقتها تراجعت الهيئة وسهلت دخول القوات التركية.
وتوقعت المصادر التركية أن تتضح الصورة أكثر عقب لقاء إردوغان المنتظر مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
في السياق ذاته، طالب المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري، في تصريحات صحافية، تركيا، بتوجيه ضربات ضد «هيئة تحرير الشام»، قائلا إن نظام الأسد وروسيا جعلا من هيئة تحرير الشام ذريعة في إدلب من أجل شن حملة عسكرية لاسترداد أراض من فصائل المعارضة، وهو ما عرض حياة أكثر من 3 ملايين مدني للخطر، وأدى إلى نزوح ما يزيد على 500 ألف شخص.
وأضاف أن واشنطن سترد على ذلك بتوسيع العقوبات المفروضة على النظام السوري وحلفائه بالتعاون مع دول الاتحاد الأوروبي.
تعزيزات عسكرية للتحالف
على صعيد آخر، دخلت قافلة تعزيزات عسكرية أميركية جديدة، ليل السبت - الأحد، إلى شمال شرقي سوريا، وتوجهت إلى قواعد التحالف الدولي. وضمت عشرات الشاحنات المحملة بآليات هندسية متنوعة وكرفانات مسبقة الصنع، وشاحنات مغلقة إلى جانب صهاريج وقود، من إقليم كردستان العراق عبر معبر «سيمالكا» الحدودي مع سوريا، برفقة دوريات من قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
وهذه هي القافلة الثانية التي تدخل شمال شرقي سوريا، خلال شهر سبتمبر (أيلول) الجاري، كما كانت 4 قوافل تعزيزات عسكرية دخلت المنطقة في شهر أغسطس (آب) الماضي وتوجهت إلى قواعد التحالف الدولي.
وتسيطر على منطقة شرق الفرات ومنبج وتل رفعت بريف حلب، قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تقودها وحدات حماية الشعب الكردية، التي تعتبرها تركيا «منظمة إرهابية» لعلاقتها بحزب العمال الكردستاني (المحظور) وتطالب بإبعادها عن حدودها والتوقف عن دعمها من قبل الولايات المتحدة.
وفي 7 أغسطس الماضي، توصلت أنقرة وواشنطن لاتفاق يقضي بإنشاء «مركز عمليات مشتركة» في تركيا لتنسيق إنشاء وإدارة منطقة آمنة مقترحة في مناطق سيطرة قسد.
وفي 8 سبتمبر الجاري، سيرت الولايات المتحدة وتركيا أول دورية عسكرية مشتركة بمنطقة تل أبيض شمال الرقة، كما نفذ الجانبان 5 طلعات جوية مشتركة في شرق الفرات منذ بدء التعاون على إنشاء هذه المنطقة.
وقال الرئيس التركي، أول من أمس، إنه أبلغ نظيره الأميركي دونالد ترمب، عدة مرات، حول إرسال واشنطن عشرات آلاف الشاحنات المحملة بالذخائر والمعدات إلى شرق الفرات، وتقديمها مجانا للوحدات الكردية بحجة محاربة «تنظيم داعش»، في حين لا تستطيع تركيا شراء تلك الأسلحة من واشنطن بأثمانها.
ولفت إلى أنه ظهر تنظيم مفتعل تحت اسم «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، وأنه ليس سوى غطاء أو مظلة ومنظمة إرهابية، ولا يختلف عن حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا والولايات المتحدة منظمة إرهابية.
وشدد على أن تركيا ستقيم منطقة آمنة على طول 422 كيلومترا من حدودها مع سوريا وبعمق 20 ميلا (32 كم)، مثلما قال ترمب، لافتا إلى أن عمق المنطقة قد يكون 20 أو 30 كم تقريبا.
وأوضح أن عمق المنطقة الآمنة مهم من أجل تطهيرها من الإرهابيين، وتسليم المنطقة إلى أصحابها الأصليين، مثل العرب الذين يشكلون 85 - 90 في المائة من السكان هناك، واستيعاب ما بين 2 و3 ملايين لاجئ سوري.
في السياق ذاته، أكد المبعوث الأميركي إلى سوريا، جيمس جيفري، رفض بلاده السماح لنظام الأسد باستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة قسد في شمال شرقي سوريا.
ونقلت صحيفة «ذي ديفنس بوست» الأميركية، عن جيفري، قوله، إن الولايات المتحدة منعت النظام السوري وحلفاءه من التوغل في مناطق شمال شرقي سوريا، الخاضعة لسيطرة الأكراد، وستستمر في ذلك.
وقال: «يجب ألا يحاول أي طرف من أطراف النزاع السوري أن يستولي على المزيد من الأراضي، بما في ذلك نظام الأسد».



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».