محافظ «المركزي» الكويتي: البنوك لن تتسبب بأزمة مالية عالمية جديدة

محمد يوسف الهاشل قال لـ«الشرق الأوسط» إن «صيرفة الظلّ» تهديد للاستقرار المالي

بنك الكويت المركزي -  محافظ البنك الدكتور محمد يوسف الهاشل (الشرق الأوسط)
بنك الكويت المركزي - محافظ البنك الدكتور محمد يوسف الهاشل (الشرق الأوسط)
TT

محافظ «المركزي» الكويتي: البنوك لن تتسبب بأزمة مالية عالمية جديدة

بنك الكويت المركزي -  محافظ البنك الدكتور محمد يوسف الهاشل (الشرق الأوسط)
بنك الكويت المركزي - محافظ البنك الدكتور محمد يوسف الهاشل (الشرق الأوسط)

ينطلق اليوم في الكويت «المؤتمر المصرفي العالمي: صياغة المستقبل» الذي يقيمه البنك المركزي الكويتي، تحت رعاية أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، ويشارك في المؤتمر متحدثون من صناع السياسات ومسؤولون تنفيذيون رفيعو المستوى في القطاع المصرفي وخبراء مصرفيون وممثلون من شركات التقنيات المالية من مختلف دول العالم.
ويتناول المؤتمر ضمن جدول أعماله عرضاً للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها القطاع المصرفي والفرص والمخاطر الناجمة عن الابتكارات التقنية مع التركيز على رؤية تطوير الصناعة المصرفية ودعم التنمية المستدامة.
وفي حواره لـ«الشرق الأوسط»، قال محافظ بنك الكويت المركزي، الدكتور محمد يوسف الهاشل، إن المؤتمر يهدف إلى مناقشة التحديات التي تواجهها الصناعة المصرفية، وأبرزها تحديات عدم اليقين بشأن آفاق النمو في الاقتصاد العالمي في ضوء النزاعات التجارية، وأثرها على نمو التجارة الخارجية والاقتصاد العالمي، وانعكاسات ذلك على أداء القطاعات المصرفية والاستقرار المالي.
واعتبر الهاشل أن هذه التحديات تأتي في ضوء عدم اليقين بشأن آفاق النمو في الاقتصاد العالمي بسبب ما يشهده من نزاعات تجارية وسياسات حمائية.
وأكد أن «أوضاع الاقتصاد العالمي تتأثر بانعكاسات السياسات النقدية غير التقليدية التي تبنتها بنوك مركزية عالمية، للخروج من الأزمة المالية العالمية، التي أدت إلى بيئة اقتراض منخفضة التكاليف، ما أفضى إلى تزايد حجم الدين العالمي ليتجاوز 246 تريليون دولار أميركي، أي ما يقارب 320 في المائة من الناتج الإجمالي العالمي».
وشدد على أن البنوك التي تواجه تحديات تدفعها إلى مكافحة من أجل البقاء، يجب أن تخوض 5 معارك رئيسية في سعيها للتطوير. وقال: «يعتمد مستقبل الصناعة المصرفية على مدى قدرتها على النجاح في معاركها الخمس التي يجب عليها أن تخوضها، فإذا لم تنتصر في تلك المعارك الخمس فسوف يكون شأنها شأن الصناعات التي اندثرت نتيجة تراخيها وركونها إلى الدعة وإفراطها في الثقة».
> ينعقد في الكويت، اليوم، «المؤتمر المصرفي العالمي: صياغة المستقبل»... ماذا يستهدف هذا المؤتمر؟
- يهدف المؤتمر إلى مناقشة التحديات التي تواجهها الصناعة المصرفية، وأبرزها تحديات عدم اليقين بشأن آفاق النمو في الاقتصاد العالمي في ضوء النزاعات التجارية، وأثرها على نمو التجارة الخارجية والاقتصاد العالمي، وانعكاسات ذلك على أداء القطاعات المصرفية والاستقرار المالي. وتشمل هذه التحديات أيضاً تسارع النمو في التقنيات المالية الحديثة، ثم التغيرات المتسارعة في توقعات العملاء واحتياجاتهم وأثر ذلك على الصناعة المصرفية.
وانطلاقاً من ذلك، سيناقش المؤتمر دور الصناعة المصرفية في تحديد مسارها المستقبلي على صعيد مواجهة تلك التحديات، سواء كان ذلك من حيث تقوية مصداتها المالية لمواجهة أي صدمات خارجية، أو من حيث تبني التقنيات المالية الحديثة والتحوط لمخاطرها، كما سيناقش دور الجهات الرقابية في دعم جهود الصناعة المصرفية في مسارها التحولي لمواجهة تحديات المستقبل.
> تتحدثون عن التحديات التي تواجه الصناعة المصرفية الحديثة، ما هذه التحديات؟
- تواجه الصناعة المصرفية 3 تحديات أساسية؛ الأول: أوضاع الاقتصاد العالمي، ويتمثل التحدي الثاني في ثورة التقنيات المالية الحديثة وآثارها على الصناعة، أما التحدي الثالث فهو التغيرات المتسارعة في توقعات العملاء واحتياجاتهم.
> ماذا تمثل أوضاع الاقتصاد العالمي من تحديات؟
- تأتي هذه التحديات في ضوء عدم اليقين بشأن آفاق النمو في الاقتصاد العالمي بسبب ما يشهده من نزاعات تجارية وسياسات حمائية، وبشكل محدد بين قطبي الاقتصاد العالمي، وبما تنطوي عليه من انعكاسات سلبية على حجم التجارة الدولية وعلى النمو في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومن ثم معدلات البطالة والتضخم. وتبدو هذه الضبابية في نمو الاقتصاد العالمي في قيام صندوق النقد الدولي بتخفيض توقعاته للنمو العالمي لعام 2019 مرتين لتبلغ 3.2 في المائة، في حين من المتوقع للاقتصادات المتقدمة أن تسجل نمواً متواضعاً يبلغ 1.9 في المائة.
كذلك تتأثر أوضاع الاقتصاد العالمي بانعكاسات السياسات النقدية غير التقليدية التي تبنتها بنوك مركزية عالمية، للخروج من الأزمة المالية العالمية، التي أدت إلى بيئة اقتراض منخفضة التكاليف، ما أفضى إلى تزايد حجم الدين العالمي ليتجاوز 246 تريليون دولار، أي ما يقارب 320 في المائة من الناتج الإجمالي العالمي، وقد تزايدت إلى حد كبير ديون المؤسسات المالية والشركات، بالإضافة إلى ارتفاع الدين الحكومي، وصاحب هذه الديون أيضاً تدهور في جودتها واحتمالات تعثر السداد، خصوصاً في حالة عودة أسعار الفائدة للارتفاع وما يصاحبها أيضاً من تراجع في قيم الأصول، وهو أمر له انعكاسات سلبية على إيرادات البنوك التي تراجعت أرباحها أيضاً بسبب انخفاض معدلات الفائدة على القروض. ولا شك أن تضافر مجموعة العوامل تلك يشكل صدمات قوية للاقتصاد العالمي قد تنتقل آثارها لتهدد الاستقرار المالي.
> كيف تحّولت ثورة التقنيات المالية الحديثة تحدياً إضافياً للصناعة المصرفية؟
- تتمثل التحديات التي تواجهها الصناعة المصرفية في التطور المتسارع في هذه التقنيات والإقبال المتزايد عليها في ضوء انخفاض تكلفتها، بحيث أصبحت تزاحم الصناعة المصرفية التقليدية في بعض مجالات عملها الأساسية، ولذلك تسعى البنوك إلى الاستحواذ على شركات التقنيات المالية الواعدة أو التحالف والتعاون معها، إلا أن التحدي الأبرز أمام البنوك لا يأتي من هذه الشركات وإنما من عمالقة التقنية، وهي الشركات القادرة على منافسة البنوك في تقديم الخدمات المالية بما لها من قاعدة عملاء واسعة وتكاليف متدنية، نظراً لأنها تعتمد على التقنيات بدلاً من الانتشار الجغرافي عبر سلسلة الفروع، فضلاً عن أنها إلى الآن غير خاضعة لأي جهة رقابية، الأمر الذي ينطوي على مخاطر كبيرة على الاستقرار المالي.
> ماذا بشأن توقعات العملاء؟
- نعم، يتمثل التحدي الثالث للصناعة المصرفية في التغيرات المتسارعة في توقعات العملاء واحتياجاتهم، حيث إن عملاء المصارف اليوم على ثقافة رقمية عالية ويتوقعون الحصول على الخدمات المالية أنّى أرادوا، وتكمن قوة هذا التحدي في العدد المتنامي لأبناء جيل الألفية، حيث يقدر أن يكون هؤلاء عما قريب أكبر شريحة من عملاء البنوك، وفي الكويت تبلغ نسبة أبناء جيل الألفية ومن هم أصغر سناً 58 في المائة، ولا شك أن لهذه الفئة سلوكها الخاص وسماتها المغايرة لسمات الأجيال السابقة، حيث يبدي 57 في المائة من هذه الفئة استعدادهم للتحول من البنوك إلى منصات مالية رقمية.
> في رأيكم؛ ما أبرز السبل لتطوير الصناعة المصرفية؟
- التحديات التي تواجهها الصناعة المصرفية اليوم لم تعد مرتبطة بمجالات تطوير تقليدي لهذه الصناعة، وإنما في إطار تحديات أقرب ما تكون إلى مكافحة من أجل البقاء. وهنا يتعين على البنوك في سعيها للتطوير أن تخوض 5 معارك متزامنة؛ هي:
1) كسب الولاء ونيل ثقة العملاء من خلال تلبية مختلف احتياجاتهم وتوقعاتهم.
2) خلق القيمة من حيث نوعية وأسلوب تقديم الخدمات، وتزويد العملاء بالنصح والاستشارات مع الاهتمام بولائهم على المدى الطويل، وليس النظر إليهم كهدف ربح على المدى القصير.
3) رفع الكفاءة في إطار معرفة البنوك لتطلعات العملاء ورغباتهم من خلال الاستفادة مما لديها من بيانات مالية في تحليل تنبؤي موجه للتعمق في معرفة رغبات عملائها وميولهم ثم تلبيتها.
4) تعزيز المتانة وهو ما يتطلب من البنوك أن تحافظ على قوة أوضاعها المالية ومؤشرات السلامة المالية لديها.
5) وأخيراً استقطاب المواهب انطلاقاً من أن رأس المال البشري هو العنصر الأساسي الذي من خلاله تحقق البنوك أغراضها.
> لديكم خبرة واسعة في المصرفية الدولية، كيف ترون مستقبل الصناعة المصرفية؟
- كما أشرت، يعتمد مستقبل الصناعة المصرفية على مدى قدرتها على النجاح في معاركها الخمس التي يجب عليها أن تخوضها، فإذا لم تنتصر في تلك المعارك الخمس فسوف يكون شأنها شأن الصناعات التي اندثرت نتيجة تراخيها وركونها إلى الدعة وإفراطها في الثقة. أما إن نجحت في تلك المعارك الخمس فإن أمامها مستقبلاً واعداً.
> المؤتمر يتحدث عن المستقبل... كيف ترون تأثير التطورات الرقمية والتعاملات المالية الذكية في خلق فرص جديدة للمصارف؟
- على صانعي السياسات المصرفية أن تكون لديهم قناعة راسخة بأنه لا بد من تبني التطورات الرقمية والتعاملات المالية الذكية، آخذاً بالحسبان ما يمكن أن تحققه الصناعة المصرفية من استفادة من هذه التطورات التقنية في مجال آفاق رحبة لخلق فرص جديدة للتطور؛ منها تعزيز الشمول المالي لديها والوصول إلى شرائح واسعة من العملاء، على أن تكون البنوك حذرة ومتيقظة إلى ما يصحب هذه التطورات من مخاطر لصيقة بها لا بد من مواجهتها.
> كيف يمكن للبنوك المركزية ضمان أن الأنظمة الرقمية يمكنها صد عمليات القرصنة وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب؟
- الأنظمة الرقمية سلاح ذو حدين، وهو ما يتطلب من البنوك والمؤسسات الرقابية على حد سواء مهارة الاستخدام الجيد لهذه الأنظمة وإتقان توظيفها لتحقيق الأهداف المطلوبة منها، وفي الوقت ذاته مواجهة مخاطرها.
> كيف يمكن للبنوك المركزية تعزيز دور الرقابة والشفافية في ظل هذا التقدم التقني؟
- حقيقة الأمر أن البنوك المركزية، وفي ضوء التطورات في مجال التقنية المالية، تتبنى من جانبها أيضاً الرقابة والشفافية لمواجهة مخاطر تحديات هذا التطور، وليست البنوك وحدها هي المعنية بذلك، وهناك تعاون وثيق بين البنوك والجهات الرقابية على هذا الصعيد، ومن أهم الوسائل لتحقيق ذلك ممارسة الرقابة اللصيقة، وتطوير القدرات البشرية المؤهلة لمواجهة تحديات المستقبل، وتطوير البنى التحتية التقنية اللازمة، وفي الوقت ذاته يتعين على البنوك المركزية أن ترتقي بسبل الرقابة لديها لتخرج من دائرة التركيز على التعليمات الرقابية إلى الرقابة ذاتها، بحيث لا تكون هذه الرقابة بالحدة التي تُعرقل الإبداع والابتكار، ولا بالتراخي الذي يسمح بتراكم المخاطر في العمل المصرفي وتهديد الاستقرار المالي.
ويتبنى بنك الكويت المركزي منهجية تستند إلى قناعته وإيمانه بأهمية الابتكار والقيام بدور محفز للصناعة المصرفية من خلال إطلاق البيئة الرقابية التجريبية لتوفير بيئة آمنة لاختبار الخدمات والمنتجات المالية المبتكرة، مع تطوير بنية تحتية داعمة لتلك الابتكارات.
> خلال العقد الماضي، تعرضت البنوك العالمية لأزمة مالية تركت آثاراً على النظام العالمي... هل نحن على أبواب أزمة مماثلة؟ وما الذي يجعلنا بعيدين عن ذلك؟
- رغم عدم اليقين بشأن آفاق نمو الاقتصاد العالمي في ضوء ما سبق أن أشرت إليه، وما يمكن أن يترتب على ذلك من انعكاسات على صعيد الاستقرار المالي، فإنه من الواضح أن السلامة المالية للبنوك اليوم أحسن حالاً مما كانت عليه قبل عقد مضى. إذ طبقت البنوك المركزية حول العالم، في إطار جهودها لمواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية، كثيراً من المعايير الرقابية التي تمثل إصلاحات مالية انعكست في تعزيز مؤشرات السلامة للبنوك على صعيد كفاية رأس المال، والرفع المالي، ومعايير السيولة وغيرها من معايير الرقابة النوعية على صعيد الحوكمة وإدارة المخاطر. ولذلك فإن المدخل إلى مثل هذه الأزمة إن وقعت فلربما لن يكون من قبل البنوك وإنما من مداخل أخرى، مثل صيرفة الظل في بعض الدول، التي تشكل فيها هذه الصيرفة نسبة كبيرة من نشاط النظام المالي دون أن تكون خاضعة لرقابة أو قد تكون الرقابة عليها غير كافية، ما يجعل تلك الصيرفة مصدر تهديد للاستقرار المالي.
> كيف يمكن أن يتحول القطاع المصرفي (الخليجي خصوصاً) إلى مولد للفرص الاستثمارية؟
- لا شك أن ذلك مرتبط أيضاً بما أشرت إليه من معارك التطوير الخمس التي تخوضها البنوك، ويتطلب في المقام الأول، مراعاة أساس عمل هذه الصناعة وهو تلبية احتياجات الإنسان، ثم عليها أن تحسن استغلال الفرص المتاحة بشكل جيد، مع تقييم نجاح هذه الفرص في ضوء تعاون مشترك بين الحكومة والقطاع الخاص على المستويين المحلي والإقليمي كذلك، وابتكار الأدوات التمويلية المناسبة التي تشجع على استغلال تلك الفرص الاستثمارية، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتوفير التمويل اللازم لها ودعم الشباب الخليجي والتشجيع على الابتكار والتوجه إلى القطاع الخاص والعمل الحر، وتقديم الدعم الفكري والاستشارات بحكم خبرته في المجال الاستثماري، حيث إن البنوك لها باع طويل في الاستثمار وخبرة ممتدة إذا اجتمعت مع ابتكارات الشباب، فإن في ذلك دعماً نوعياً ومالياً يحقق للطرفين فرصاً واعدة.
> هل نجحت القطاعات المصرفية العربية في التطوير الهيكلي لمواجهة التحديات ومواكبة التحولات نحو الصيرفة الرقمية؟
- يتفاوت الأمر من مصرف إلى آخر، ومع ذلك فإن هناك جهوداً حثيثة لمواكبة التحولات نحو الصيرفة الرقمية مع تعاون مشترك بين الدول العربية من خلال صندوق النقد العربي، ومن خلال اللجان الرقابية مع أشقائنا في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. ولا شك أن التطوير ليس محطة نهائية بل مسيرة متواصلة، وما زال هناك كثير من التحديات التي تتطلب مزيداً من الجهود لاستكمال هذه المسيرة.
> هل تعاني البنوك الإسلامية من مشاكل في السيولة وإيجاد أدوات استثمارية مبتكرة؟
- في الكويت الأمر على النقيض من ذلك، حيث تتمتع البنوك الإسلامية بسيولة وفيرة، شأنها في ذلك شأن البنوك التقليدية. كما أن بنك الكويت المركزي يوفر لها أدوات لامتصاص فوائض السيولة لديها في إطار عمليات السياسة النقدية الموجهة لتنظيم مستويات السيولة في القطاع المصرفي. ومن جانب آخر، فإن مجالات الاستثمار أمام البنوك الإسلامية واسعة، ولكن عليها ألا تكتفي بأن تكون أدواتها متوافقة مع أحكام الشريعة، بل يجب أن تكون مبنية على مبادئ الشريعة الإسلامية، وألا تقتصر أدواتها على محاكاة الأدوات التقليدية.
> ما دور الصكوك الإسلامية في تنمية السوق المصرفية وإدارة المخاطر لدى البنوك الإسلامية؟
- لا شك أن الصكوك الإسلامية - إن بنيت على أسس سليمة - تلعب دوراً مهماً في تنمية السوق الرأسمالية، خصوصاً فيما تشكله هذه الصكوك من أدوات تمويلية واستثمارية للمهتمين من حكومات وبنوك وشركات وأفراد. وفي حال وجود نمو لهذه الصكوك يدعم تطوير سوق ثانوية لها، فإن من شأن ذلك أيضاً تحسين إدارة المخاطر لدى البنوك الإسلامية وتوفير أداة استثمارية جيدة للسوق.
> كيف ترون مستقبل الصناعة المصرفية الإسلامية وقدرتها على التقدم في ضوء التحديات التي أشرتم إليها؟
- لا شك أن التحديات تواجه البنوك جميعها على السواء وعليها أن تواجه البيئة الاقتصادية العسيرة والتطورات التقنية وتوقعات العملاء. وسبق أن ناقشت في كلمة مُفصلة في مؤتمر «المالية الإسلامية أطروحة عالمية»، الذي عقد في مايو (أيار) 2018 في مدينة الكويت، قدرة المالية الإسلامية وآفاقها الرحبة لتقديم طرح ذي قيمة عالمية يلبي الحاجة الماسة لدى الحكومات والمؤسسات والأفراد، مسلمين كانوا أم غير مسلمين. ويأتي ذلك في إطار المبادئ الأساسية للعمل المالي الإسلامي، وذلك من حيث ارتباط عملياته بأصول حقيقية، والربط أيضاً بين القطاعين المالي والاقتصادي وحظر أنشطة المضاربة التي تعود بالضرر على المجتمع.



مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
TT

مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

قفزة جديدة سجّلها سعر صرف الدولار في مصر، حيث تخطى حاجز 53 جنيهاً تزامناً مع «إجراءات تقشفية» تتخذها الحكومة، خصوصاً على مستوى الطاقة لتجاوز تداعيات حرب إيران.

ذلك الارتفاع غير المسبوق في قيمة الدولار أمام الجنيه، يراه خبير اقتصادي مصري تحدث لـ«الشرق الأوسط»، نتيجة للضغوط الكثيرة على الاقتصاد، في ظل تراجع للإيرادات الدولارية، ولا سيما قناة السويس، كما أن «ارتفاع الدولار يزيد المخاوف من تفاقم الغلاء في البلاد».

وشهد سعر صرف الدولار أمام الجنيه ارتفاعاً ملحوظاً خلال بداية تعاملات الأحد، متجاوزاً حاجز 53 جنيهاً للمرة الأولى في عدد من البنوك.

وحسب بيانات «البنك المركزي المصري»، سجّل سعر صرف الجنيه أمام الدولار حتى ظهر الأحد 53.53 جنيه للشراء و53.63 جنيه للبيع.

الخبير الاقتصادي، عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، علي الإدريسي، يرى أن «الارتفاع الحالي كان متوقعاً في ظل الضغوط على الاقتصاد»، موضحاً أن «سعر الصرف يتحدد بناء على قوى العرض والطلب، بينما يواجه الاقتصاد تحديات في تدفقات النقد الأجنبي المتمثلة في السياحة، وإيرادات قناة السويس، والصادرات، والاستثمارات الأجنبية المباشرة بسبب تداعيات حرب إيران».

في المقابل، تلتزم الدولة بسداد التزامات وديون مستحقة، بالإضافة إلى الارتفاع الكبير في تكلفة الاستيراد، ولا سيما قطاع الطاقة، حيث ارتفع برميل البترول من 77 دولاراً إلى مستويات تتراوح بين 100 و105 دولارات مع توقعات بوصوله إلى 150 دولاراً، بحسب تقرير «وكالة فيتش» منذ أيام، وهذا يخلق مشكلتين تتمثلان في زيادة سعر المنتج عالمياً وتراجع قيمة العملة محلياً، بحسب الإدريسي.

مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن «قطاع الصناعة يتصدر قائمة القطاعات الأكثر تضرراً جراء التقلبات الراهنة في أسعار الصرف، لأن معظم مدخلات الإنتاج مستوردة من الخارج». وأشار إلى أن «المواطن هو من يتحمل التكلفة النهائية لهذه الضغوط، مروراً بالزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات، وما تلاها من ارتفاع في تذاكر مترو أنفاق القاهرة والقطارات، فضلاً عن الزيادات المتوقعة في أسعار الكهرباء».

يأتي ذلك وسط تحركات حكومية للتخفيف من تداعيات الحرب الإيرانية. وأكّد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي، الخميس، مع نظيره الأميركي، ماركو روبيو، «أهمية تقديم الدعم الاقتصادي وتوفير السيولة النقدية لاحتواء التداعيات السلبية للتصعيد الحالي على مصر»، لافتاً إلى تداعيات التصعيد العسكري على الاقتصاد المصري مع «تأثر أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع عائدات السياحة وقناة السويس».

وقبل نحو أسبوعين، اتخذت الحكومة المصرية قرارات «استثنائية» تضمنت رفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، وسط إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، مع استعداد رسمي لتقديم حزمة حماية تشمل دعم الأجور والمعاشات والسلع.

وطالب علي الإدريسي الحكومة بـ«وضع ضوابط لحماية محدودي الدخل والطبقات الفقيرة»، لافتاً إلى «أهمية انتقال التعامل الحكومي الحالي الناعم إلى ما أهو أشد، بما يتناسب مع حجم الضغوط التي يواجهها المواطن، وذلك بإحكام القبضة على الأسواق وتفعيل إجراءات صارمة ضد المتلاعبين لمواجهة الغلاء المتصاعد».


«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
TT

«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)

قالت شركة «إتش سي» القابضة للاستثمار، إن الوضع الخارجي للاقتصاد المصري أظهر مؤشرات قوية قبل اندلاع حرب إيران، مما «خفّف من حدة الصدمات الخارجية نسبياً».

وأثرت الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 فبراير (شباط)، على الاقتصاد العالمي وعلى مصر تحديداً، وسط تعطل مضيق هرمز الذي يمر منه نحو 20 في المائة من إجمالي النفط والغاز عالمياً.

وترى هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي بشركة «إتش سي»، أن ارتفاع صافي الاحتياطي النقدي الأجنبي بنحو 11 في المائة على أساس سنوي إلى مستوى قياسي بلغ 52.7 مليار دولار في فبراير الماضي، وارتفاع الودائع غير المدرجة في الاحتياطيات الرسمية بمقدار 1.26 مرة على أساس سنوي لتصل إلى 13.4 مليار دولار، فضلاً عن اتساع صافي الأصول الأجنبية بالقطاع المصرفي بشكل ملحوظ بنحو 16 في المائة على أساس شهري، و3.39 مرة على أساس سنوي ليصل إلى 29.5 مليار دولار في يناير (كانون الثاني)؛ قد حصّن الاقتصاد المصري من تداعيات سلبية قوية.

وأشارت منير إلى أن الحرب تسببت في خروج صافي تدفقات أجنبية صافية بما يقرب من 4 مليارات دولار تقريباً من السوق الثانوية لأذون الخزانة منذ الأول من مارس (آذار) الحالي حتى الآن، مما أدى إلى تراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار بنحو 9 في المائة منذ 28 فبراير ليصل إلى 52.6 جنيه، وهو الأمر الذي يعكس مرونة سعر الصرف.

وتوقعت هبة منير زيادة معدل التضخم لشهر مارس إلى 14.3 في المائة على أساس سنوي، و2.4 في المائة على أساس شهري، وهو ما قد يرفع التضخم المتوقع للعام الحالي بأكمله إلى 13-14 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بتوقعات سابقة قبل اندلاع الحرب، ما بين 10-11 في المائة، و«هو ما قد يؤخر دورة التيسير النقدي».

وأرجعت ذلك إلى «ارتفاع أسعار النفط بنحو 48 في المائة لتصل إلى 107 دولارات للبرميل، الأمر الذي دفع الحكومة إلى رفع أسعار الديزل المحلي وأسطوانات الغاز والبنزين بنسبة 19 في المائة في المتوسط في 10 مارس، والتي سيكون لها تأثير على معدلات التضخم».

وفيما يتعلق بأسعار العائد على أذون الخزانة، قام البنك المركزي المصري برفع العائد للحفاظ على جاذبية الاستثمار في أذون الخزانة على المدى القصير؛ إذ بلغ العائد على أذون الخزانة لأجل 12 شهراً 23.4 في المائة، بما يعكس سعر فائدة حقيقياً إيجابياً قدره 6.94 في المائة.

و«بناءً على ذلك، ومع الأخذ في الاعتبار المخاطر الجيوسياسية وتأثيرها على موارد مصر من النقد الأجنبي، والتوقعات المُحدَثة للتضخم، ورغبة الحكومة من واقع رؤيتنا في الإبقاء على جاذبية الاستثمار في أدوات الدين، والمحافظة على مستهدفات نسبة عجز الموازنة للناتج المحلي الإجمالي؛ نتوقع أن تُبقي لجنة السياسة النقدية على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعها المقرر عقده يوم الخميس المقبل 2 أبريل (نيسان)».


القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
TT

القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية

في ظل التحول المتسارع الذي يشهده قطاع السياحة في السعودية، برزت استثمارات القطاع الخاص بوصفها من أبرز محركات النمو، مع تنامي دوره شريكاً رئيسياً في تطوير الوجهات السياحية وتعزيز جاذبية السوق، مدعوماً بحوافز حكومية ومنظومة استثمارية متكاملة.

وقد تجلى هذا الدور الريادي في قلب الجلسات النقاشية للنسخة الرابعة من «مبادرة مستقبل الاستثمار» المنعقدة في ميامي؛ حيث اجتمع المستثمرون العالميون لبحث مستقبل تدفقات رؤوس الأموال. وأكد وزير السياحة السعودي، أحمد الخطيب، أن المملكة تقدم نموذجاً لسوق جاهزة تماماً لاستقطاب الاستثمارات، مشيراً إلى أن «دور القطاع الخاص، ومشاركته الفاعلة، هما الركيزة الأساسية لهذا النجاح، حيث يُسهم بنحو 48 في المائة من إجمالي الاستثمارات السياحية».

وقال إن المملكة، في إطار «رؤية 2030»، نجحت في بناء منظومة استثمارية متكاملة لا تقوم على مشروعات ووجهات متفرقة، بل على تكامل السياسات والتشريعات والبنى التحتية، وتمكين الاستثمار، وتطوير رأس المال البشري، بما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق يضمن استدامة النمو على المدى الطويل.

دور القطاع الخاص

من جهته، أكد وكيل وزارة السياحة لتمكين الوجهات السياحية، محمود عبد الهادي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «القطاع الخاص أصبح لاعباً رئيسياً في دفع عجلة السياحة، مسهماً بنحو 219 مليار ريال (58.4 مليار دولار) من إجمالي الاستثمارات الملتزم بها في القطاع، البالغة 452 مليار ريال، مقابل 233 مليار ريال (62.1 مليار دولار) يسهم بها (صندوق الاستثمارات العامة)، في نموذج يعكس شراكة استراتيجية لتعزيز النمو المستدام».

وفي سياق تعزيز الجاذبية الاستثمارية، كشف عن أن المملكة حلّت في «المركز الـ5» ضمن اقتصادات «مجموعة العشرين» لعام 2024 من حيث الكثافة الاستثمارية، مع حصة استثمارية بلغت 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أحد المعدلات الأعلى عالمياً.

كما نجحت في جذب 56 مشروعاً سياحياً نوعياً بين عامي 2019 و2024 بقيمة استثمارية بلغت 1.9 مليار دولار.

جبال «فيفا» في جازان (وزارة السياحة)

حوافز استثمارية شاملة

وأوضح عبد الهادي أن المستثمرين في القطاع السياحي يستفيدون من حوافز متنوعة؛ تشمل «إعفاءات ضريبية طويلة الأجل للشركات متعددة الجنسية، ودعم الأجور في المهن الخاضعة للتوطين، إلى جانب تخفيضات وإعفاءات من رسوم التراخيص البلدية، وتمويل المشروعات بمختلف أحجامها عبر (صندوق التنمية السياحي)؛ مما يسهم في خلق بيئة استثمارية جاذبة وتخفيف المخاطر».

القطاع الخاص يقود البنية الفندقية

وأضاف أن القطاع الخاص يمثل نحو 60 في المائة من الغرف الفندقية الجديدة، وأنه يقود المشروعات الاستثمارية في 10 مناطق سعودية، «مع التركيز على الوجهات الكبرى والناشئة، في وقت نجحت فيه المملكة في جذب أكثر من 50 علامة فندقية عالمية، واستقطاب أكثر من 40 مستثمراً جديداً منذ عام 2020».

أرقام قياسية لعام 2025

سجل القطاع السياحي السعودي في 2025 نحو 122 مليون سائح محلي ووافد من الخارج، بزيادة 5 في المائة على العام السابق، فيما بلغ إجمالي الإنفاق السياحي 301 مليار ريال (نحو 80.3 مليار دولار)، بنمو 6 في المائة مقارنة بعام 2024. وبلغ عدد السياح المحليين 92.9 مليون سائح مع إنفاق قدره 128.2 مليار ريال (نحو 34.2 مليار دولار)، فيما وصل عدد السياح الوافدين إلى 29.3 مليون سائح مع إنفاق 172.6 مليار ريال (نحو 46 مليار دولار). وتهدف المملكة إلى استقبال 150 مليون سائح سنوياً بحلول 2030.

سياح يشاهدون الغروب بالقرب من «صخرة الفيل» في العلا (وزارة السياحة)

أولويات الاستثمار المستقبلية

وأشار إلى أن المملكة وضعت أولويات للسنوات الخمس المقبلة؛ تشمل تطوير مرافق الضيافة، وتعزيز منصات الحجز والترويج السياحي، وإطلاق تجارب سياحية متنوعة تشمل الشواطئ والمدن والتراث والمغامرات، إلى جانب الاستثمار في السياحة الزراعية وسلسلة الإمداد السياحي والخدمات اللوجيستية، «بما يوفر فرصاً واسعة للقطاع الخاص ويعزز استدامة النمو».

منتجع فاخر في البحر الأحمر (وزارة السياحة)

حوافز السياحة

وأكد أن المملكة اعتمدت آليات لضمان النمو المستدام للمشروعات السياحية، تشمل «دعم استثمارات القطاع الخاص بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة من النفقات الرأسمالية، إضافة إلى إعفاءات من الرسوم البلدية لمدة تصل إلى 7 سنوات، وإعفاءات من ضريبة دخل الشركات للاستثمارات الأجنبية للفترة ذاتها، وتخفيض ضريبة القيمة المضافة على الغرف الفندقية بنسبة تصل إلى 100 في المائة، إلى جانب دعم استئجار الأراضي بنسبة 100 في المائة لمدة تصل إلى 20 عاماً».

منطقة البلد في جدة (وزارة السياحة)

دعم النمو المستدام

وأوضح أن اعتماد «نظام الاستثمار السعودي لعام 2025» مكّن المستثمرين الأجانب من التملك الكامل وحمايتهم، إلى جانب تسهيل حركة الأموال؛ «مما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق، بالتوازي مع تطوير الكوادر البشرية من خلال برامج تدريبية مختصة بالشراكة مع الجامعات والمؤسسات التعليمية».

وأكد أن هذه المنظومة المتكاملة، إلى جانب الشراكة بين القطاعين العام والخاص، «تمثلان الركيزة الأساسية لتحقيق مستهدفات (رؤية 2030)، بما في ذلك رفع إسهام السياحة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 10 في المائة، وخلق أكثر من 1.6 مليون وظيفة»، مشدداً على أن «القطاع الخاص لم يعد مجرد مستثمر، بل هو شريك استراتيجي يقود نمو السياحة السعودية على المدى الطويل».