المصادفة ومفارقاتها سردياً

حسن عبد الموجود ينوع طرائقها في «حروب فاتنة»

المصادفة ومفارقاتها سردياً
TT

المصادفة ومفارقاتها سردياً

المصادفة ومفارقاتها سردياً

تهيمن المصادفة بمفاجآتها ومفارقاتها العبثية على أغلب قصص المجموعة القصصية «حروب فاتنة» للكاتب القاص حسن عبد الموجود، وتتنقل بتنويعات سردية ومكانية سلسلة في تخوم القص، تحفز القارئ لأن يصبح طرفاً فاعلاً في اللعبة القصصية، وكسر إيهام التوقع لما قد تنتهي إليه. وأيضاً كسر مفهوم الإطلاق التي تفرضه المصادفة بإيقاعها المباغت. لذلك فالكثير من قصص المجموعة هي ابنة المصادفة، أو على الأقل ترتدي أقنعتها، حتى يبدو السرد نفسه وكأنه فعل مصادفة.
فهناك مصادفة المظروف السري، في قصة «دراجة تعيد رفيق الحزب القديم»، وكيف تتحول من كود سياسي إلى أقنوم عاطفي ينتهي بزواج بطلي القصة. وفي «مِعزة جوركي» تتحول مصادفة المِعزة الضالة إلى حرب صغيرة، تعلو فيها وتيرة العبث والسخرية وظنون التجسس، بين الزوج وزوجته، والأب والأم التي تتوهم أن جارتها تتلصص على هاتفها الجوال فتخفيه في أماكن لا تخطر على البال... وتبلغ المصادفة ذروة السخرية، فالمعزة الرافضة للطعام بعد أن تم حبسها في مكتبة السارد الكاتب تلتهم كل تراث الأدب الروسي بالرف الأول، بينما يقبع تحت أظافرها جزء صغير من أحد الأغلفة عليه اسم مكسيم غوركي؛ فيما يجتر مشهد النهاية المزيد من العبث واللامعنى، فتراث جوركي وعائلته يتحولان إلى روث تلفظه المعزة على هيئة كرات سوداء على أرض الشارع. وفي قصة «النوم مع فتاة مودلياني»، تتضافر مصادفة اللوحة نفسها المعلقة خلف مكتب رئيس البنك، ومصادفة النوم في أثناء اليقظة، ثم يتحول المشهد من مرض يعاني منه البطل الموظف إلى حلم بالنوم في اللوحة نفسها، حتى أنه يجلس أمامها متخيلاً أن المرأة العارية خرجت من الإطار، وسوف تنثني بجذعها على ركبتيه... وفي «العرض الأخير» يصبح المشهد بتوتراته العاطفية والجنسية بين البطل وحبيبته مرآة كاشفة لتناقضات الواقع، في لحظة مفصلية من تاريخه تتقاطع فيها ظلال «ثورة 25 يناير»، مع مصادقة الشقة التي تطل على فناء السجن بضاحية المعادي، والتي تتحول نافذتها وستارتها إلى خشبة مسرح، يتبادل عليها البطلان والمساجين التلصص على بعضهما بعضا.. ثم مصادفة زيارة السلطان المفاجئة وموكبه المهول، وما يفرضه من تغيير خطط السير في شوارع مدينة مسقط العمانية حيث تدور أحداث قصة «إشارات حمراء تفضي إلى البحر»، وسط حالة من الهلع تنتاب البطل الذي يسكن على ربوة في منطقة نائية، لم يتخيل يوماً أن يزورها مسؤول، فيغادرها ومعه صديقته، ويظل يقود عربته في شوارع تحولت فجأة إلى متاهة حتى يجد نفسه على شاطئ البحر... وفي قصة «ليلة العقرب»، تطالعنا مصادفة القردة التي تهبط من بين الأشجار وتقذف بالحجارة أبطالها الثلاثة: الزوج المصري المدرس، وزوجته المدرسة الجديدة التي تهفو لرؤيته، وتحملت مشاقاً في صعود الجبل، وناظر المدرسة اليمني، وهما يهرعان به إلى المشفى بعد أن أصيب بلدغة عقرب في موضع حساس بجسده... ترتطم الزوجة بالأحجار وتسقط دامية، ممزقة ثيابها، لكن ناظر المدرسة المريض المتهم بالتربص جنسياً بها، سرعان ما يخلع قميصه ويسترها به، في مصادفة صنعها وعي الكاتب السارد، ليضفي مسحة من التوتر الدرامي للنص.
تتنوع المصادفة ما بين داخل الحكاية وخارجها، وتشكل ماهية ضمائر السرد وتنقلاتها السلسة، من ضمير المتكلم المفرد المسكون بلذة البوح، إلى ضمير الغائب المفتوح على براح الآخر. بينما تسعى الذات في صراعها العبثي مع العالم إلى كسر العلاقات التراتبية الثابتة بين الأشياء والكائنات، خصوصاً في واقع عبثي، اختلطت فيه الأشياء وتداعت إلى حد الشعور بالتقزز واللامعنى. فبطل قصة «ضحكات التماسيح» الرئيس الشهير لإحدى الصحف الخاصة المحسوبة على المعارضة أصبح بعد تقاعده واعتزاله العمل يقيس حياته بمعدل سيجارتين مسموح له بهما طبياً، وتحت وطأة الشيخوخة وافتقاده الإثارة حتى مع زوجته المسنة الشاردة طوال اليوم، لا يجد بديلاً لكسر طوق العزلة سوى أن يتعمد الإثارة، حين يمشي في الشارع أو يجلس بالمقهى موهماً زبائنه بأن تمساحه كان مربوطاً في رجل الكرسي، ويطلب منهم تحريك أرجلهم ليعرف أين زحف... وفي زيارته المفاجئة الثانية الصاخبة للصحيفة وبعد أن يوبخه رئيس تحريرها لتدخله في العمل، ويطرده رجال الأمن خارج المبني، يكرر حيلة التمساح نفسها مع كوكبة من الصحافيين التفوا حوله، وكأنها مرثية لحياة أصبحت خارج الزمن.
يتعاطف الكاتب مع أبطاله، ويلتمس لهم الأعذار والمبررات، فهي شخصيات مهمشة تعيش على الحافة، فيما تبدو مصادفة السقوط العبثي، وكأنها الإطار الوحيد الذي يحفظ لوجودهم مجرد إشارة مضمرة في المشهد.. يطالعنا هذا على نحو خاص في قصة «غرف منسية»، فالبطل موظف في مكتب الاتصال أيام الوحدة بين مصر وسوريا، وبعد أن رقي إلى درجة مفتش وأصبح رئيساً للمكتب الذي عفا عليه الزمن، وصفصف عليه وزميله، يستعيد ملامح زوجته بعد 30 عاماً من وفاتها في جسد «رغدة» الفتاة الشابة التي جلبها زميله لتنظيف المكتب، فيلاطفها ويضرب لها موعداً غرامياً، لكن صورة الزعيم المعلقة على الحائط في الغرفة تصيبه بالضيق والنفور، ممثلة حاجزاً نفسياً بينه وبين رغبته المشتهاة.
تكشف هذه القصة في ثنايا السرد والوصف سيكولوجية رجال النظام الحاكم المسكونة دوماً بالخوف والخنوع، فمحض صورة صماء معلقة على الحائط تقتل الشهوة الإنسانية في أوج تفجرها... في المقابل وعلى الضفة الأخرى المعارضة للنظام لا تختلف الصورة، فبطل قصة «دراجة تعيد رفيق الحزب القديم» أحد كوادر العمل السري بالحزب الشيوعي، مضطرب نفسياً، يعاني من أزمة هوية، تتمثل في أن له أكثر من اسم فهو «توفيق»، أو «تو»، وهو «عبد الرسول»، بينما اسمه الحقيقي «عبد الملاك» يكاد ينساه تحت وطأة هويته المفتتة، فلا أحد يتذكره، أو يناديه به، حتى رفيقته «مونيكا» بالحزب التي يسلمها «مظروفاً» به نقود كل فترة، في موعد ومكان متفق عليهما، لا تعرف هذه الأسماء، وهي أيضا بمثابة لغز، فلا يعرف اسمها الحقيقي، إلا بعد أن يقعا في الحب ويتزوجان بشكل سري. يصف الكاتب شخصية «تو» متوغلاً في داخلها على هذا النحو، قائلاً (ص8) «لا يخشى الموت بقدر خوفه من النسيان، لا يرغب في شهرة بقدر رغبته في أن يبقى اسمه أطول وقت، ولو في ذاكرة شخص واحد».
«تو» الذي يسلمه الحزب دراجة كعهدة للتخفيف من عبء المهام المكلف بها، والذي غادر الحزب بلا رجعة، عقب وفاة زوجته في آخر مهمة لهما قبل أن يسلمها المظروف إثر صدمة سيارة لها في شارع عدلي بوسط القاهرة، بعد عشرين عاماً تغير فيها الحزب، يصر على أن يرجع الدراجة خوفاً من أن يتهمه أحد بالسرقة، فيتم استغلاله بفجاجة وهو ودراجته في الدعاية لصالح الحزب في طوره الجديد. حينئذ تتحول الدراجة من مجرد رمز ضمني في القصة إلى بطل حقيقي. لكن رغم ما تشي به هذه القصة من تعرية جوانب معتمة ومهمة في عالم الأحزاب اليسارية السرية، إلا أن نبرة الشعار السياسي كثيراً ما طغت على حركة السرد، فبدا وكأنه مجرد ظل لها. على العكس من ذلك، وفي بعض القصص، خصوصاً قصة «ماء العقرب وتراب العذراء»، ينفتح المشهد القصصي على تعقيدات الواقع سياسياً واجتماعياً بروح مرحة، فبطله الشاب محرر باب الأبراج بصحيفة قومية، يعي أنه يمارس لعبة، تخفف عنه وطأة العيش وحيداً مع والده بعد وفاة أمه وهجر زوجته له... يستثمر البطل ما ينطوي تحت قشرة اللعبة من مصادفات مخاتلة، في توسيع شهرته ومكانته الوظيفية، مدركاً أن حيل الأبراج واللعب معها لا ينفصلان عن حيل اللعب مع الحياة، كما أنها رغم بساطتها تنطوي على مناطق شائكة ممنوع عليه الاقتراب منها، خصوصاً اللعب مع برج «الثور» لأنه برج رئيس الدولة، وخط أحمر يكتبه رئيس التحرير بنفسه... إن قوة الرمز هنا تكمن في مقدرته على التحليق في النص كإشارة خاطفة على تأرجح اللعبة برمتها، ما بين الحضور والغياب، والقوة والضعف.
يعزز الوصفُ وتنوع طرائقه الفضاءَ السردي الرحب في المجموعة، ويبتكر الكاتب ما يمكن تسميته بثنائية «الضخامة والضآلة» لصنع صورة بصرية تكسر الإطار التقليدي في رسم الشخوص، ورصد انعكاسها، ما بين الضوء والعتمة، وضخامة الجسد وضآلة الروح في الحياة... يطالعنا ذلك في وصفه لضخامة جسد العقيد في قصة «حروب فاتنة» في مقابل هشاشة جسد الجندي، الذي يجد صعوبة في ربط بنطال العقيد المفكوك، حتى يساعده العقيد «بشفط أرطال من الدهون بمخزن سري قرب عموده الفقري». وكذلك نظرته لمدير البنك، في «النوم مع فتاة مودلياني»، الذي يشبهه برسوم الفنان الكولومبي فرناندو بوتيرو المعروفة بضخامة هياكلها البشريّة. وفي «ضحكات التماسيح»؛ حيث يصف زوجة البطل المرأة المسنة بأن «وجهها الضخم لا يتناسب مع جسدها الضئيل» وغيرها.
وهكذا، في هذه المجموعة الشيقة، ليس ثمة «حروب فاتنة»، ابنة صراعات فادحة ومصيرية، هناك مآزق إنسانية وشخوصٌ كل همها التعايش مع مصائرها، بينما تبدو المصادفة وكأنها النافذة الوحيدة الباقية أمامها للاستمتاع بلحظة استثنائية على هامش الحياة، بعيداً عن مكابدات هذه المآزق... إنها إذن «مصادفات فاتنة»، فالحياة بلا مصادفة، سواء في حيزها الضيق الخانق، أو المتسع الباهظ، رتيبة إلى حد الضجر والجنون.



حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
TT

حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)

فجّر مقطع مصور لحادث اعتداء رجل أعمال مصري على فرد أمن غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدّى إلى تجديد وتأليب الفروق الطبقية في مصر، خصوصاً بعد إلقاء القبض على رجل الأعمال وانتشار الفيديو الخاص بالواقعة بشكل كبير وما يتضمنه من ألفاظ غير لائقة.

وانتصر «الترند» لفرد الأمن الذي تعرض للاعتداء، حيث أصبحت كلمة «فرد أمن» في صدارة قوائم البحث على «إكس» بمصر، الجمعة. وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت أنه قد تم ضبط أحد الأشخاص «صاحب مصنع» بعد تداول مقطع فيديو يظهر فيه الشخص بأحد التجمعات السكنية في التجمع الخامس، شرق القاهرة، يتعدى على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسبّ، وهو ما برّره المتهم بأنه فعل ذلك متضرراً من فرد الأمن لعدم قيامه بعمله ومعترضاً على تدخل أحد السكان. وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقّه وتولت النيابة التحقيق.

واعتبر عدد من مستخدمي وسائل التواصل ما حدث من المعتدي يشير إلى استغلال التفاوت الطبقي بينه وبين فرد الأمن، وظهر العديد من التعليقات الرافضة لما قام به، حتى تساءل البعض عن اسم المصنع الذي يمتلكه هذا الشخص ليتم مقاطعة منتجاته، وبالفعل دعا عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» لمقاطعة مصنع الشخص المعتدي.

وترجع أستاذة علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا، هذه الواقعة إلى ما تسميه «ثقافة الكمبوند»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع تآكل الطبقة الوسطى التي كانت سائدة وكاسحة وتفرض قيمها وأخلاقها في المجتمع المصري، تسرب بعض أفرادها إلى الطبقات الدنيا الفقيرة التي لا حول لها ولا قوة، وصعد القليل من أبنائها لطبقات الأثرياء الجدد، ولكن وفق أعمال لا علاقة لها بالإنتاج، بقدر ما ترتبط بالسمسرة والتجارة والتربح من العملة وأنشطة أخرى ربما محظورة، لتتكون لدينا طبقة من الأثرياء الجدد مسيطرة طبقياً ولكنها ساقطة أخلاقياً».

وأشارت إلى أن «التجمعات السكنية الجديدة خلقت نوعاً من العزلة الاجتماعية لطبقة الأثرياء الجدد، فأصبحوا يرون أنفسهم فوق كل الطبقات، وتسربت إليهم أمراض العزلة التي أنتجت كمية جرائم لا يمكن تخيلها»، على حد تعبيرها.

ووصفت المشهد الذي ظهر في الفيديو بأنه «مخيف»، مضيفة أن «العنف الجسدي غير مبرر، والمجال العام له قانونه، فحين يتحول شخص ثري إلى هذا الطائر الجارح الذي يعتدي بالضرب والسبّ على آخرين بهذا الشكل، كل هذا يدعونا للتساؤل: ماذا حدث لثقافة الكمبوند؟».

وفيما عدّ الخبير القانوني، هيثم عمر، أن «قوانين العقوبات على مر التاريخ منذ إنشائها حرصت على تشديد العقوبة على كل من يتعدى على من هم تحت يده، سواء أهل أو عمال». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سبب تشديد العقوبة يرجع إلى أن المعتدي غالباً يستغل ولايته عليهم وحاجتهم للعمل أو سيطرته عليهم، فيعاقب القانون كل من له سيطرة، لكونه أصلاً مصدر الأمان، وليس مصدر الرهبة والاعتداء، فالعقوبة تكون مغلظة». أشارت تعليقات كثيرة إلى التفاوت الطبقي الذي فجّرته الواقعة، وعدم ردّ فرد الأمن على الاعتداء، لكونه من طبقة أقل من المعتدي، وطالبه كثير من المستخدمين بعدم التنازل، فيما برزت أخبار تفيد بأن الشركة مالكة المجمع التجاري لن تتخلى عن فرد الأمن، وستدعمه حتى يحصل على حقّه.

وترى المتخصصة في علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن ما يحدث من وقائع تشي بتفاوتات طبقية في المجتمع يجب أن نضعها في حجمها الصحيح. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «التفاوت الطبقي الحقيقي كان موجوداً في الماضي، وقامت ثورة يوليو (تموز) لتقضي على هذا التفاوت الطبقي بين الباشاوات وعامة الشعب، الآن لا يوجد فارق بين شخص وآخر طبقياً إلا بمجهوده وبناء مستقبله، وإن كانت هناك مجتمعات من الأثرياء، فلا يجوز أن يتعدى أحدهم على عامل بسيط. وإذا فعل فالقانون يحسم بينهما، كما أن الرأي العام والتوجه العام سيتعاطف مع الشخص الفقير الذي تعرض للظلم أو للتنمر أو العنف».

وأشارت خضر صالح إلى أن التفاوت الطبقي ليس مبرراً للعنف، ولكن «هناك كثيراً من الخروق الاجتماعية التي تحدث تقليداً للدراما وما فيها من عنف وبلطجة، وهو ما ينعكس سلوكيات في الشارع».


السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
TT

السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)

تحتل عروض السيرة الهلالية والأراجوز وخيال الظل والتنورة، والفنون الشعبية عموماً، مكانة خاصة في حفلات ليالي رمضان التي تنظمها وزارة الثقافة عبر مواقعها وهيئاتها المتنوعة، وإن كانت الوزارة أعلنت برنامج احتفاليات رمضان لهذا العام متضمناً العديد من الأنشطة والفعاليات التي وصل عددها لما يزيد على 4 آلاف فعالية في المواقع الثقافية بكل محافظات مصر، فقد ظلت عروض السيرة الهلالية والعرائس التقليدية والفنون الشعبية لها نصيبها الوافر من هذه الفعاليات.

فإلى جانب الاحتفاء بفن الإنشاد الذي يستعيد التراث الصوفي ضمن فعاليات برنامج صندوق التنمية الثقافية، من خلال حفلات يحييها عدد من أبرز المنشدين، من بينهم الشيخ محمود التهامي، إلى جانب الشيخ إيهاب يونس، والمنشد مصطفى جمال، يقدم الصندوق عروضاً تعكس ثراء المشهد الثقافي المصري، من بينها عروض فرقة التنورة التراثية، والفنون الشعبية، والسيرة الهلالية، وعروض الأراجوز، وخيال الظل، وفق بيان لوزارة الثقافة.

كما تواصل هيئة قصور الثقافة استضافتها عروض السيرة الهلالية خلال شهر رمضان بالحديقة الثقافية في حي السيدة زينب (وسط القاهرة) ضمن برنامج «راوي من بلدنا» للسيرة الهلالية لفرقتَي محمد عزت وعز الدين نصر الدين، وتقديم الشاعر مسعود شومان.

كما يحتفي قصر ثقافة روض الفرج بعروض السيرة الهلالية لفرقة الفنان فتحي سليمان، بالإضافة إلى فعاليات معارض لنتاج الورش الحرفية والفنية، وورش الحرف اليدوية والفنية للشباب والعمال والقرية ورواد القصور المتخصصة والمرأة، فضلاً عن أنشطة أطلس المأثورات الشعبية.

ويرى الباحث في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون المصرية، الدكتور عبد الكريم الحجراوي، أن «هذه الفعاليات السنوية التي تواكب شهر رمضان تعد ثابتة، وتحتفي بالعديد من الفنون الأصيلة التي تكاد تتعرض للاندثار»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «شهر رمضان له خصوصيته لدى الأسر المصرية التي تحب الخروج والسهر خلال ليالي رمضان، ومن ثم الاستمتاع بالحفلات المتنوعة التي تقدم مجاناً للجمهور في مواقع مختلفة».

عروض الأراجوز تقدم في شهر رمضان (ملتقى الأراجوز)

كما تشهد العديد من المواقع الثقافية مثل «بيت السحيمي» و«قبة الغوري» العديد من العروض الرمضانية لفرقة التنورة وفرق الفنون الشعبية، فضلاً عن فرق متخصصة في فن الأراجوز، وخيال الظل، بالإضافة إلى عروض العرائس وعروض فرقة رضا للفنون الشعبية والفرقة القومية للفنون الشعبية.

وأشار المتخصص في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون إلى أن الاهتمام بتقديم فنون شعبية وأدائية بعينها مثل السيرة الهلالية والتنورة، يحافظ على الهوية المصرية فيما يتعلق بهذه الفنون، موضحاً أن «السيرة الهلالية تكاد تكون اختفت في مصر ما عدا رقعة جغرافية محدودة جداً في الصعيد بين سوهاج وقنا، ولم تعد موجودة بشكل دوري أو ثابت إلا من خلال احتفاليات رمضان. ومن المهم أن يتعرف الناس على هذا الفن من خلال ليالي رمضان، وكذلك أيضاً (عروض) التنورة والأراجوز كانت موجودة في وقت ماضٍ، ولكنها تقارب على الاختفاء، ومن ثم تقوم هذه الفعاليات الرمضانية السنوية باستعادة هذه الفنون وتقديمها للجمهور والأجيال الجديدة».

ويستضيف برنامج صندوق التنمية الثقافية خلال رمضان حفلات للفنان وجيه عزيز، تشهد على عودته بعد فترة غياب طويلة، ويستضيف كذلك حفلاً للفنانة منال محي الدين، إحدى أبرز التجارب الموسيقية المصرية التي نجحت في تقديم آلة «الهارب» ضمن السياق الموسيقي العربي، عبر مشروع فني يمزج بين الدراسة الأكاديمية والروح الشرقية، كنموذج للتجديد الموسيقي القائم على الحفاظ على الهوية، والانفتاح على آفاق تعبيرية جديدة.


«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
TT

«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)

كيف لقردٍ صغير في حديقة حيوانات في اليابان أن يأسر كل تلك القلوب حول العالم؟ كيف استطاع «بانش (Punch)» أن يسرق الأضواء والأرقام من نجوم المسلسلات وأخبار الحروب 5 أيامٍ على التوالي، في ظاهرةٍ احتلّت منصات التواصل الاجتماعي من دون سابق تخطيطٍ ولا حملة إعلامية منظّمة؟

إنها ببساطة المشاعر الإنسانية المشتاقة ربما للحظاتٍ من الصدق والنقاء، والتي استطاع «القرد بانش» أن يصنعها من دون تمثيلٍ ولا ادّعاء.

تحوّل القرد «بانش» إلى ظاهرة على وسائل التواصل الاجتماعي (أ.ف.ب)

«بانش» حبيب الملايين

بقصته المؤثّرة والزاخرة بالتفاصيل الحزينة، حرّك بانش تعاطف الملايين؛ فقردُ المكاك الياباني تخلّت عنه أمه عندما وُلد في 26 يوليو (تموز) الماضي، ثمّ نبذه رفاقه القِرَدة في حديقة إيشيكاوا ودفعوه أرضاً كلما حاول التقرّب منهم.

لم يبقَ له سنَدٌ في هذه الدنيا سوى دمية محشوّة على شكل قرد، يمسك بيدِها ويجرّها خلفه أينما ذهب. تلك الدمية التي أعطاه إياها عمّال الحديقة، هي أكبر منه حجماً وأثقل وزناً لكنه حريص على ألّا تفارقه لحظة. يساعدها في تسلّق الصخر معه، يحتضنها ويلعب معها، وإن غلبَه النعاس يغفو على صدرها.

لا يخطو «بانش» خطوة من دون أن يجرّ الدمية خلفه (رويترز)

بعد ساعات قليلة على نشر عمّال الحديقة مجموعة من الفيديوهات القصيرة التي توثّق يوميات بانش مع دميته الحبيبة، حتى انتشرت الحكاية وصارت حديث الملايين، ودفعت بالبعض إلى إنشاء حسابات لدعم بانش أو تبنّيه. كما ارتفعت أعداد زوّار حديقة إيشيكاوا الآتين للتعرّف عن قرب إلى القرد الصغير.

البطريق «غريب»

ليس بانش الحيوان الوحيد الذي ذاع صيتُه وتحوّل من مجرّد حيوانٍ في حديقة إلى حكاية يتناقلها البشر، وترويها الكتُب والأفلام.

تكثر القصص المؤثّرة والمُلهمة الآتية من خلف قضبان حدائق الحيوان. لعلّ البطريق «غريب كون (Grape-Kun)» هو الأشهر على الإطلاق من بين أبناء فصيلته. ولغريب حكاية حزينة كذلك، إذ هجرته شريكته بعد أن أنجبت فرخهما الأول الذي فصلته الحديقة عنهما. بعد خسارته ابنه وشريكته، رفضته البطاريق الأخرى فبات يقضي معظم وقته معزولاً ووحيداً.

إلى أن جاء ذلك اليوم من عام 2017 فوضعت حديقة حيوان «توبو» اليابانية حيث مقر إقامة غريب، 60 مجسّماً دعائياً لشخصيات من سلسلة رسوم متحركة يابانية شهيرة. وكان المجسّم الموضوع على صخرة عالية في قفص غريب عبارة عن بطريق من فصيلته. صار البطريق المنعزل يحدّق يومياً بجاره الجديد لساعات محاولاً الوصول إليه، وعندما انتهت الحملة الدعائية أُزيلت المجسّمات من الأقفاص كافة باستثناء «هولولو» صديق غريب. هذا الولع بالمجسّم أكسب البطريق شهرةً عالميةً وقاعدةً جماهيريةً واسعةً على الإنترنت، لكنه توفّي في السنة ذاتها، أي 2017.

كان البطريق «غريب كون» يمضي ساعات في تأمّل المجسّم (إكس)

الدب «كنوت»... من اليُتم إلى الهوَس

مثل القرد بانش، كان الدب القطبي «كنوت (Knut)» يتيماً بعد أن رفضته أمه عند ولادته. تولّى حرّاس حديقة الحيوان في برلين تربيته وذاع صيتُه؛ بسبب تلك القصة المؤثّرة. إلا أنّ شهرته الفعليّة نالها بفعلِ حملةٍ عالمية معترضة على إبقائه في الأَسر. وقد تحوّل كنوت عام 2007 إلى ظاهرة إعلامية جماهيريّة أقرب إلى الهوَس الجماعي، ألهمَت ألعاباً إلكترونية وبرامج تلفزيونية وكُتُباً كلها من بطولة الدب القطبي الصغير. كما كان له الفضل في زيادة إيرادات حديقة برلين بنحو 5 ملايين يورو. إلا أنّ الحكاية انتهت بشكل دراماتيكي، إذ نفق كنوت بشكل مفاجئ عن عمر 4 سنوات بعد سقوطه في حوض السباحة داخل قفصه.

الدب القطبي «كنوت» الذي حظي بمتابعة الملايين حول العالم (رويترز)

الباندا «هوا هوا»... شكل غير مألوف وشخصية أليفة

إنها الباندا التي اضطرّت محميّة «تشنغدو» في الصين إلى تقييد دخول الزوّار، بسبب تدفّقهم لزيارتها. ليس اسمُ «هوا هوا (Hua Hua)» فقط العلامة الفارقة فيها، فكل ما في الباندا الصغيرة فريد؛ من عينَيها الشبيهتَين بشكل دمعة، إلى إلى أرجلها القصيرة للغاية، وجسمها الممتلئ الصغير، وفرائها الأبيض الكثيف. يكتمل المشهد بشخصيتها اللطيفة رغم قَدَمها الخلفيّة المقوّسة التي تعيق سرعتها وقدرتها على تسلّق الأشجار.

«هوا هوا» هي أشهر باندا في الصين على الإطلاق؛ بسبب مظهرها الفريد وشخصيتها الأليفة. كما أنّها تمتلك قوةً خارقةً وهي فهمُها اللهجة العامية في محافظة سيشوان الصينية. وما يميّز «هوا هوا» تعاملُها مع رفاقها بمحبة، إلى درجة أنها تسمح لباندا أخرى في المحمية بسرقة طعامها. أكسبَتها تلك الصفات مجتمعةً جماهيريةً واسعةً على الإنترنت ومنصات التواصل. على سبيل المثال لا الحصر، حصدت مقاطع الفيديو الخاصة بها على «تيك توك» 2.6 مليون مشاهدة.

الدلفين المُلهمة

لـ«وينتر (Winter)» قصة مؤثّرة، فالدلفين الأنثى كانت في شهرها الثاني عندما علقت في مصيدة داخل المياه الساحلية لفلوريدا عام 2005. رغم جهود الإنقاذ كانت إصاباتها بالغة، ما أدّى إلى بتر جزء من ذيلها وتشويه زعانفها.

منذ ذلك الحين صارت تسبح بطريقة غير طبيعية، لكن بمساعدة فريق العناية وشركة متخصصة في الأطراف الصناعية، مُنحت «وينتر» ذيلاً صناعياً، وهو كان الأول الذي يجري تركيبه لدلفين، ما سمح لها بالسباحة بمرونة وسرعة دلفين ذي ذيل طبيعي.

تابع كثيرون حكاية وينتر التي صارَ يُنظَر إليها بوصفها مصدر إلهام لذوي الاحتياجات الخاصة، كما نُشرت كتب وصُمّمت ألعاب فيديو عنها. وفي 2011، صدر فيلم «حكاية دلفين» حيث جسّدت وينتر شخصيتها، معيدةً تمثيل عملية الإنقاذ، وأثبتت ريادتها في استخدام ذيلها الاصطناعي.

«فيونا» فرس النهر

وُلدت «فيونا (Fiona)»، وهى أنثى فرس النهر في حديقة حيوان سينسيناتي الأميركية عام 2017، وذلك قبل موعد ولادتها بـ6 أسابيع. كان وزنها 13 كيلوغراماً فقط، وهو أقل بكثير من المعدل الطبيعي لأفراس النهر. ولأنها لم تكن قادرةً على الوقوف ولا الرضاعة بمفردها، اضطر القائمون على رعاية الحيوانات إلى التدخل وتقديم رعاية مكثفة لها، شملت إطعامها وتدفئتها على مدار الساعة.

«فيونا» فرس النهر وهي تلعب مع أمها في حديقة حيوان سينسيناتي (أ.ب)

وثّقت حديقة الحيوان الأشهر الأولى من حياتها على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث شاركت تحديثات يومية حصدت ملايين المشاهدات، وأصبحت قصتها رمزاً للصمود والأمل. كما غطّت وسائل إعلام مهمة من بينها صحيفة «نيويورك تايمز» ومنصّة «ناشيونال جيوغرافيك»، رحلة فيونا، وسرعان ما أصبحت من أشهر حيوانات حدائق الحيوان على الإنترنت.

نمَت «فيونا» لتصبح أنثى فرس نهر بالغة، وهي لا تزال تُبهج مُحبيها بشخصيتها المرحة، وبتفاعلها مع الزوار.