حين يأتي الشعر ثانياً

مارست الأحزاب السياسية منذ أواسط القرن العشرين الطريقة نفسها التي مارستها القبيلة

حين يأتي الشعر ثانياً
TT

حين يأتي الشعر ثانياً

حين يأتي الشعر ثانياً

لم يُحسم الصراع إلى هذه اللحظة بين من ينظرون إلى الشعر على أنَّه أداة للتغيير في شتَّى ضروب المجتمع، ومن يرونه حالة خاصة يجب أنْ تبتعد عن كل غرضٍ أو هدفٍ، سواءٌ أكان اجتماعياً أو دينياً أو سياسياً، أو أي هدفٍ آخر، وهذا الأمر - بل هذه النظرة - مرتبط بولادة الشعر، فقد سجَّل الاحتفال الذي تقيمه القبيلة سابقاً لولادة شاعر فيها أول بصمات التجيير للشاعر، لأنَّها ستركن له يوماً ما، وتنام مطمئنة تحت لسانه السليط.
إنَّ هذه الرؤية ترى أنَّ الشعر سلاحٌ يذبُّ عن القبيلة، وأنَّ الشاعر ناطقٌ إعلامي يدافع عنها. وضمن هذا التوجه، ظهر شعراء كثيرون، ارتبطت شعريتهم بشتم الآخر، والدفاع عن القبيلة، وما عنترة العبسي وعمرو بن كلثوم إلَّا نموذجان صارخان لهذا التوجه، حيث يقول عمرو:
إذا بلغ الفطامَ لنا صبيٌّ
تخرُّ له الجبابرُ ساجدينا
ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا
فنجهلُ فوق جهل الجاهلينا
ومهما بلغت القصيدة من بناءٍ محكمٍ واشتغالٍ فنيٍ، فإنَّها ستبقى في الدرجة الثانية، لأنَّها منقادة للموضوع مستسلمة لتفاصيله، بل إنَّ قدحة الكتابة جاءت بسبب الموضوع، وإنَّ الشاعر جعل وظيفة محددة للقصيدة، إمَّا أنْ تكون سياسية في التغلب على بقية القبائل، أو اجتماعية، أو وعظية، أو هجائية لشتم الآخر، المهم أنْ تكون للقصيدة وظيفة يُنتفعُ منها. وبهذه الطريقة، يتحول الشعر إلى وسيلة لغاياتٍ غيرِ شعرية. وقد حدد «أدونيس» في مختاراته (ديوان الشعر العربي)، في مقدمة الجزء الأول منها، وهي مقدمة مهمة للغاية، خمسة اتجاهات استطاع أنْ يرصدها، ما بين الجاهلية وأواسط القرن الثامن الميلادي؛ أحد هذه الاتجاهات هو الاتجاه الآيديولوجي الذي يستبطن تبشيراً بقيم وأفكار معينة، والشاعر ضمن هذه الخانة يكون ملتزماً بقضايا أهله وناسه وقبيلته، والاهتمام الذي يحظى به الشاعر ليس بوصفه منتجاً للجمال، إنَّما بوصفه أداة يمكن استعمالها في يوم من الأيام، ويُنتفعُ منها، وهذا ما حدث في بداية الدعوة الإسلامية، حين ظهرت طبقة من الشعراء يمثلون الجانب الشعري المدافع عن قضايا الدين الجديد ومفاهيمه، فكان حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، وآخرون كثر، ومنهم من كتب الأراجيز لحظة المعارك، وهي تُشبه - إلى حد ما - الأناشيد التي تُبثُّ على الشاشات لحظة معاركنا الحديثة، لشحذ الهمم.
لقد بقي هذا التوجه في كتابة القصيدة قوياً مستمراً لا يقبل المناقشة، لأنَّه كان أما مرتبطاً بالسلطة، مادحاً أو هاجياً، أو مرتبطاً بعامة الناس وحقوقهم، أو مرتبطاً بالدين ومناسباته الكثيرة، أو بالطقوس وتفرعاتها، وكل هذه الموضوعات تشكل الخط الأول، أو الهدف الرئيسي من كتابة الشعر، وتأتي فيما بعد القصيدة وهمومها الذاتية.
لقد ازدهر هذا التوجه في كتابة القصيدة في العصر الحديث، وبالتحديد في بداية عصر النهضة ومقاومة الاحتلال، وفي فترة ما يُسمَّى بالحكومات الوطنية التي أُنشئت تحت الانتدابات الأجنبية. وانتعش هذا التوجه أكثر فأكثر بعد تأسيس الأحزاب السياسية، فظهر الشعر السياسي والأخلاقي والاجتماعي، وظهر الشعر الذي يتابع حركة الناس ومظاهراتهم ومطالبهم، من البارودي لحافظ إبراهيم، ومن الرصافي إلى الزهاوي، إلى عشرات غيرهم، ما بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
ومعظم ذلك الشعر يقع في خانة النصوص السياسية والاجتماعية والتاريخية والوعظية، حيث تتقدم الموضوعات، ويتراجع الشعر إلى المرتبة الأخيرة.
ومثلما استثمرت القبيلة الشاعر سابقاً، في أنْ يكون لسانها، راحت تمارس الأحزاب السياسية، ومنذ أواسط القرن العشرين، الطريقة نفسها التي مارستها القبيلة، فالحزب أياً كان ينتعش ويفرح ويهلل ويطبل حين ينتمي له شاعر من الشعراء، وواضح أنَّ هذا الفرح نابعٌ من الفكرة المتخيلة للشاعر، في أنْ يكون لسان حال الجماعة، أي جماعة، وأنْ يحوَّل مبادئ الحزب إلى نصوصٍ شعرية، وأن يكون لسان ذلك الحزب، ذاباً ومدافعاً عنه وعن توجهاته ومبادئه، وكثيراً ما كانت الأحزاب تتنافس على الشعراء، فمثلاً الحزب الشيوعي العراقي كان يشيع فكرة أن «الجواهري» أحد كوادره، فيما ينفي الجواهري نفسه أي انتماء له لأي حزب، ولكن القصائد التي كتبها الجواهري، والتي تحمل نَفَسَاً قريباً من هموم الناس ومطالبهم، وهي نصوص كثيرة، جعلت من هذه الفكرة قريبة من التصديق والواقع، فيما بقي الحزب الشيوعي إلى هذه اللحظة غيرَ راضٍ عن «السيَّاب» لأنَّه انتمى لهم مدة من الزمن، ومن ثم انقلب عليهم إلى جهة أخرى، وكتب مجموعة مقالاتٍ تهجَّم فيها على الحزب الشيوعي، طُبعت فيما بعد كتاباً باسم «كنتُ شيوعياً». وأذكر أنَّي استضفت في عام 2010 في برنامج ثقافي الشاعر «الفريد سمعان»، وهو شيوعي قديم، كان يحمل السيَّاب على ظهره أيَّام المظاهرات في نهاية الأربعينات، وسألته عن السياب وكتابه «كنتُ شيوعياً»؛ وقتها، تهجَّم الفريد على السيَّاب، نافياً صحة حديثه في هذا الكتاب. وقد مضى على تلك المقالات أكثر من خمسين عاماً، مما يعني أنَّ منطلق «الفريد سمعان» هو منطلق آيديولوجي، لأنَّ السيَّاب اختلف مع رفاق الأمس، لذلك لم يحظ السياب - على عظمة شعره - بالاهتمام النقدي أو الإعلامي الذي حظي به منافسه «عبد الوهاب البيَّاتي» الذي بسبب الماكينة الحزبية استطاع أنْ يُصبح شاعراً عالمياً، وأن يُتداول اسمُه في معظم الدول الشيوعية سابقاً، وأنْ يُترجم شعرُه إلى معظم اللغات. ولكي لا نظلم تجربة البياتي، فإنَّه استطاع أنْ يتحول من شاعرٍ يكتب عن الواقع السياسي والاجتماعي إلى شاعرٍ ينظر إلى تجربته الخاصة بروح المتأمل العارف، ولكن فيما بعد طبعاً.
إنَّ هذا الأمر ينطبق على عشرات الشعراء، ومن مختلف البلدان العربية، وبالتحديد البلدان التي ظهرت فيها الأحزاب، وانتعشت لديها الحركات التحررية، وأصابتها عدوى الانقلابات على أنظمتها التقليدية التي تأسست الدول الحديثة على أيديها، وكأن التجربة الحزبية تُجري عملية خصاءٍ للشاعر، تحوّله من غزالٍ بري إلى حصان مروَّضٍ، وضِعَ على عينيه لجامٌ خاصٌ، لا ينظر للعالم إلّا من خلاله، وهذا الأمر ينطبق على جميع الأحزاب والمنظمات والحركات الثورية والدينية، التي تُغري الشعراء بالانتماء لها ليكونوا أدواتٍ بيدها، وليس بعيداً عن هذا الأمر حزب البعث الذي يعدُّ من أكثر الأحزاب استقطاباً للشعراء، بوصفه حكم العراق ما يقارب أربعين عاماً، استطاع خلالها أنْ يُخصي عدداً كبيراً من الشعراء، بأنْ يكونوا جزءاً من منظومته، بل إنَّ عدداً من الشعراء الشيوعيين تحوَّلوا من لجام الشيوعية إلى لجام البعث، فخسروا بذلك أشياء كثيرة. وحين أتحدث عن الخسارة، فأنا أتحدث عن الخسارة الشعرية الكبيرة، حيث أطلق صدام حسين على جموع المثقفين (من شعراء ومغنين ورسامين و...و...و...) لقب الفيلق السادس أو السابع، ذلك أن صدام حسين عدهم قوة رديفة للجيش، واستثمر كتاباتهم للمعركة. وبهذا، فإنَّ الشعر تراجع في كل الحالات، ولم يستطع أولئك الشعراء أنْ يُنتجوا شعراً منفلتاً من كل شيء، متحرراً من القيود، هائماً في فضاءات البرية. لهذا، فالالتزام مهما كان نوعُه هو سبب رئيسي لتخثر القصائد، وانسداد شرايينها بالقضايا وبالتعبئة. وهذا ينطبق أيضاً على «محمود درويش» الذي كتب عن القضية الفلسطينية، وحفر اسمه لدى العامة والخاصة، ولكنّه انتقل - فيما بعد - ليكتب عن الشعر نفسه، بوصفه ضوءاً قابلاً لحوار الروح وهمومها الخاصة، وللتأمل والانشداد حول فانوسه، وقد حاول مراراً ألّا يقرأ نصوصه القديمة التي كتبها أيَّام التعبئة والدفاع عن القدس، وتبيان مظلومية الفلسطينيين، حتى أن أحد الأصدقاء ذكر مرة أن «درويش» في إحدى أماسيه الشعرية المتأخرة، أي في نهاية التسعينات، صاح عليه أحد الجمهور أنْ يقرأ «سجِّل أنا عربي»، فتغاضى «درويش» عن طلبه، فرجع يلحُّ عليه، فصرخ درويش بوجهه وقال له «سجِّل أنت». هذا يعني أنَّ النظرة العميقة للشعر وصلت إلى أعلى مناسيبها لدى «درويش»، فلم يعد يهتم بالقشور الشعرية التي يرددها الناس، وهذا الأمر يحيلنا إلى المئات، بل الآلاف من الشعراء الموجودين في عالمنا العربي، إلا أنه «ما أكثر الشعراء، ولكن ما أقلّ الشعر»، لأنّ الشعر هو العملة النادرة جداً جداً في هذا الفضاء الكتابي، فجلُّ ما يُكتب هو منطلقٌ لأغراض ووظائف محددة، سواءٌ كانت هجاءً سياسياً، أو مدحاً سياسياً، أو وعظاً أخلاقياً أو اجتماعياً، أو مطالبات وعرض لمشكلات الناس، أو حتى الكتابة للظفر بامرأة حسناء؛ كل تلك الأنواع من الكتابة الشعرية هي خارج حلبة الشعر، لأنَّ الشعر يأتي في الأخير، بينما الأغراض والأسباب هي التي تتقدم. وللأسف، فإنَّ معظم النماذج التي تُدرَّس، أو التي أصبحت أمثلة على ألسنة الناس، هي تلك النماذج التي يأتي الشعر تابعاً فيها للموضوع، فما زالت الناس تحفظ «سجل أنا عربي» لدرويش، بينما تغفل الجدارية العظيمة، وما زالت الناس تحفظ أبياتاً كثيرة للمتنبي بوصفها حكماً ومواعظ، مثل:
الرأي قبل شجاعة الشجعان
هو أول وهي المحل الثاني
بينما يغفلون عن لذة شعر أبي نؤاس:
مساحب من جر الزقاق على الثرى
وأضغاث ريحان جني ويابس
وما زال الناس يحفظون «نامي جياع الشعب نامي» للجواهري، ولكنهم يغفلون عن:
يا نديمي، وهمتُ بالشجرِ وسواي استبد بالثمرِ



سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود
TT

سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود

يعبّر بعض العراقيين المقيمين في بريطانيا عن غبطتهم وهم يروون حكاية نجاح ابن بلدهم تشارلز ساتشي الذي تحولت مؤسسته الفنية عبر أربعين سنة من المغامرة والجرأة سلطةً تهب فنانيها تذكرة المرور إلى عالم الفن العالمي. ولا يفوتهم التأكيد على معلومة تاريخية تفيد بأن لقب ساتشي يعود إلى مهنة والد تشارلز الذي كان ساعاتياً في بغداد. تلك حكاية لا يلتفت إليها أحد في خضم الإعجاب بنشاط جامع الأعمال الفنية الذي تغلغل في سوق الدعاية والإعلام حاملاً لواء المعارضة من خلال تبنيه للفنون المعاصرة.

منذ تأسيسه عام 1985 تبنى غاليري ساتشي فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة التي كانت بمثابة التمهيد الوسيط بين الأساليب الفنية الراسخة في حداثتها والفنون المعاصرة التي تشكل انقلاباً في طرق الرؤية والتقنيات، فضم معرضه الأول أعمالاً لدونالد جود، وسي تومبلي، وبرايس ماردن وأندي وارهول.

أُقيم المعرض الأول في الفترة من مارس (آذار) إلى أكتوبر (تشرين الأول) 1985، وضمّ الكثير من أعمال الفنان الأميركي دونالد جود، أحد رواد المدرسة التقليلية والفنانين الأميركيين برايس ماردن وسي تومبلي، أحد رواد الرسم التجريدي والفنان الأميركي آندي وارهول، أحد رواد فن البوب. بعد ذلك بسنة احتضن الغاليري معرضاً لأعمال النحات الأميركي جون تشامبرلين والفنانين الأميركيين دان فلافين، وسول لويت، وروبرت رايمان، وفرانك ستيلا وكارل أندريا، وجميعهم من رواد المدرسة التقليلية. كما أقيم معرض للفنان الألماني أنسيلم كيفر، والنحات الأميركي ريتشارد سيرا الذي عُرف بأعماله النحتية الضخمة.

من خلال تلك المعارض التي جذبت الأنظار إليه نجح تشارلز ساتشي في تكريس وجوده في الحياة الفنية البريطانية؛ وهو ما أهَّله للانتقال إلى المرحلة التي تحول فيها عراباً للفنون المعاصرة من خلال تبنيه الفنانين الشباب مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل، وسارة لوكاس، وجافين تروك وراشيل وايت ريد. لا يُفهم نشاط تشارلز ساتشي إلا إذا وضعناه في سياقه الاستثماري الذي كان الترويج الدعائي للفن بصفته بضاعة جزءاً أساسياً منه.

حين يعود الرسم إلى الواجهة

اقتحم ساتشي الأسواق الفنية العالمية، لكنه فعل ذلك من خلال غزو المتاحف العالمية بمجموعته بدءاً من متحف هامبورغر بانهوف ببرلين وانتهاءً بمتحف الفن الحديث (موما) بنيويورك. يختلف الكثيرون في وصف مهمته التي تمتزج فيها الحماسة للفنون المعاصرة بالهوس التجاري إلى درجة أن البعض من النقاد كان قد عدَّه واحداً من الطغاة الذين يسعون إلى صناعة تاريخ زائف للفن، ملمحين إلى ظاهرة المنظمة السرية التي تدير سوق الفن بالخفاء متخذة من أصحاب القاعات الفنية واجهة هشة مخادعة.

كل ذلك قد يكون صحيحاً على الرغم مما يتخلله من أوهام غير أن الاحتفالية التي يقيمها غاليري ساتشي بلندن لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه تقول شيئاً مختلفاً. شيئاً لا ينفي ولا يؤكد بقدر ما يأخذنا إلى مناطق خاصة في التفكير الفني. مناطق يعود فيها على سبيل المثال الاهتمام بالرسم إلى الواجهة. وهو ما أدهشني في معرض «الآن البعيد»، وهو معرض يعيد إلى الرسم مكانته من خلال أعمال رسامين بأساليب مختلفة.

لقد دأبت منذ أكثر من عشر سنوات على زيارة غاليري ساتشي، وكنت في كل مرة أشعر بالإحباط بسبب ذائقتي الجمالية غير أن المعرض الحالي، وهو أشبه بمعرض استعادي يؤكد أن الغاليري الذي صار مؤسسة سلطوية يملك من المعرفة الفنية ما يؤهله أن يكون وسيطاً عادلاً بين مختلف التيارات الفنية، وبالأخص ما كان منها حداثوياً وما هو معاصر. لا يعني ذلك أن ما يطرحه المعرض هو أشبه بصيغة التعايش بين الأساليب بقدر ما يعني أن هناك بيئة ثقافية هي الفضاء الذي تتلاقح من خلاله تلك الأساليب، بعضها من البعض الآخر لتكتمل صورة الفن الآن، الذي هو فن المستقبل.

المزاوجة بين التجارة والثقافة

بغض النظر عن الخلافات العميقة في الآراء بين مناصري ساتشي والمعترضين على نهجه، وبالأخص فيما يتعلق بانفتاحه على الفنون المعاصرة، فإن الغاليري تخطى الحدود الضيقة التي تحصره في مهمة إقامة المعارض والترويج لأعمال فنانيه ليصبح قوة ضاربة لا في السوق الفنية المحلية فحسب، بل وفي المشهد الفني العالمي. فمَن تنفتح له أبواب «ساتشي» يكون ذهابه إلى العالمية أمراً ليس عسيراً إذا ما اجتهد وصقل موهبته بالعمل والمعرفة والتجدد. وهو ما يعني أن الصرح الكبير الذي يقع في منطقة تشيلسي الثرية بلندن ليس مجرد مجموعة من القاعات التي ينتهي عملها بعرض الرسوم والمنحوتات والصور الفوتوغرافية والأعمال التركيبية والأفلام، بل هو مؤسسة معقدة التفاصيل فيما تمارسه من تأثير خفي على الحياة الفنية تبعاً لقدرتها على فرض تيارات فنية معينة وتعزيز وجود فنانين دون سواهم والتحكم بأسعار الأعمال الفنية.

زاوج ساتشي بين التجارة والثقافة بطريقة محترفة. لم تغره التجارة بعد أن أثبت أنه مؤهل للوقوف خارج المنافسة بتفوق ملحوظ، بل اندفع في اتجاه خلق ثقافة بصرية جديدة، قوامها الانتصار للفنون المعاصرة التي تجلب عروضها سمعة غير أنها لا تجلب أرباحاً. قلب ساتشي المعادلة حين صار فنانوه يبيعون أعمالهم بأعلى الأسعار وتتسابق المتاحف العالمية على إقامة معارض لهم، كما أن هناك دولاً صارت تتسابق على اقتناء أعمالهم. لقد تحول فنانون مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل وسارة لوكاس أيقوناتٍ عالمية في المشهد الفني المعاصر. كل هذا من صنع ساتشي.

تبنَّى غاليري ساتشي منذ تأسيسه عام 1985 فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة

غاليري من غير حدود

«الآن البعيد» هو عنوان المعرض الذي يقيمه ساتشي لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه. انتقى القيَّمون على هذا المعرض أعمالاً فنية قديمة وجديدة بما يتيح التعرف على مراحل زمنية مختلفة، نجح الغاليري عبرها في تكريس سمعته عراباً لفن مغاير، بعضه يتمسك بالخيوط التي تربطه بالحداثة الفنية كما كانت في النصف الثاني من القرن العشرين، في حين يذهب البعض الآخر في نفوره من الحداثة إلى درجة القطيعة؛ وهو ما فتح الباب أمام هيمنة الفنون المعاصرة على العروض التي دأب ساتشي على إقامتها عبر العشرين سنة الماضية.

«الحاضر يذهب إلى المستقبل» من خلال تلك المقولة يظهر ساتشي ثقته من أن سلطته ونفوذه سيظلان قائمين حتى بعد غيابه، وهو هنا كمَن يقول: «سيكون المستقبل من صنعي» هل سيكون ذلك حقيقياً أم أنه مجرد وهم، تمليه القوة التي يمكن أن يتمرد عليها الفن؟

من المؤكد أن هناك دعاية مبالَغ فيها لصالح ساتشي وهو الذي يدير الجزء الأكبر منها، غير أن ما لا يمكن إنكاره أن سلطته لم تكن وهماً. إن صرحاً بحجم الغاليري إنما يستند إلى سعة في النفوذ لا على مستوى السوق الفنية وحدها، بل يتخطاها إلى عموم المشهد الفني بضمنه الجوائز الفنية الرفيعة، وفي مقدمتها جائزة «تيرنر».

عبر مسيرته لم يكتفِ غاليري ساتشي بتبني الفنانين البريطانيين المعاصرين، بل امتد نشاطه ليشمل برعايته فنانين عالميين من مثل جيف كونز، وسيندي شيرمان، وروبرت غوبر، وبيتر هالي، وحاييم شتاينباخ، وفيليب تافي وكارول دونهام. أما حين أقام عام 1987 معرض «فن نيويورك الآن» فإنه اكتسي سمعة الغاليري عابر الحدود.


صيد الحمير البرية في جدارية أموية

صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
TT

صيد الحمير البرية في جدارية أموية

صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن

دأب شيوخ قبائل العرب على صيد الطيور والحيوانات البرية، وجعلوا من هذه المزاولة تقليداً راسخاً، ورثه الحكام الأمويون وطوّروه، فغدا وسيلة من وسائل اللهو، ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالغنى والترف، كما يشهد الميراث الأدبي الخاص بتلك الحقبة. تردّد صدى هذا التقليد في الفن الأموي، وتجلّى في مجموعة من الأعمال التصويرية المتعدّدة الأنواع، منها لوحات من الحجم الكبير تشكّل جزءاً من الجداريات التي تزيّن قاعات قصير عمرة في صحراء الأردن. تمثّل إحدى هذه اللوحات صيد الحمير البرية وسط حلبة مسيّجة، في مشهد شامل وجامع يتميّز بتفاصيله الإنشائية الدقيقة.

يحوي قصير عمرة قاعة كبيرة مكوَّنة من ثلاثة إيوانات حافظت على الجزء الأكبر من جدارياتها، ويحضر مشهد صيد الحمير الوحشية في الإيوان الغربي في لوحة أفقية مستطيلة، تحتلّ الجزء الأعلى من الجدار الغربي، وتستقرّ فوق تأليف ثلاثي يجمع بين ثلاثة مشاهد مستقلّة تمتدّ على الجزء الأوسط من هذا الجدار. مُحِي النصف الأعلى من مشهد الصيد بشكل كبير بحيث تعذَّر تحديد معالمه عند اكتشاف القصير في مطلع القرن الماضي، غير أن بعضاً من هذه المعالم انكشف وظهر بفضل أعمال الترميم التي أجرتها بعثة إيطالية من «المعهد العالي للحفظ والترميم» في الموقع خلال عام 2010. في المقابل، حافظ النصف الأسفل من هذه اللوحة على مختلف عناصره، واستعادت هذه العناصر لمعانها الأوّل بفضل هذا الترميم الدقيق.

يدور هذا الصيد داخل حلبة تحدّها شرقاً شبكة عريضة ترتفع على شكل سياج مقوّس. داخل هذه الحلبة، تحل مجموعة من البهائم تركض معاً في اتجاه الشبكة. تتكوّن هذه المجموعة كما يبدو من 17 بهيمة متراصة، تحضر كلها في وضعية جانبية، وتظهر وهي تجري في حركة واحدة، رافعة رؤوسها إلى الأمام. وحدها البهيمة التي تحضر في الطرف الأخير تدير رأسها إلى الخلف في اتجاه كلب سلوقي يلاحقها ويدنو منها. تبدو هذه البهائم من فصيلة الخيليات، وهيكلها ما بين الحمار والحصان، ممّا يوحي بأنّها من الحمير البريَّة التي تُعرف في الميراث الأدبي بحُمر وحش، كما تُعرف بحمير وحش. يأتي ذكر هذه الحمير في الأدبيات الخاصة بالصيد، وأقدم ما وصلنا منها رسالة الصيد المنسوبة إلى عبد الحميد بن يحيى، كاتب مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، وفيها يذكر كلاب السلوقي السريعة في مطاردة الغزلان، ويتحدّث عن غابة «من ورائها حمير وحش كثيرة».

تنقل جدارية قصير عمرة صورة حيَّة لهذه الحمير، وفيها تبدو «صُفْر المناخرِ والأَشْداق»، كما وصفها الشاعر ابن ميادة في زمن الدولة الأموية، ويظهر من خلفها ثلاثة من رجال الصيد يمتطون خيلهم. مُحِيَت صور هؤلاء الفرسان، وما بقي منها يُظهر تقدّم اثنين منهم في حركة موازية، وتهاوي الثالث وسقوطه عن حصانه في حركة معاكسة. في القسم الأسفل من التأليف، ترتفع سلسلة من الرايات المرفوعة فوق قضبان مغروسة في الأرض، تقابلها سلسلة مشابهة في القسم الأعلى من الصورة. تُشكّل هاتان السلسلتان حلقة تطلّ من خلف عدد من راياتها قامات تُمثّل على الأرجح مراقبي جولة الصيد. يظهر كلّ فرد من هؤلاء المراقبين أمام راية من هذه الرايات، رافعاً ذراعه أفقياً في حركة واحدة ثابتة. في المقابل، تظهر خيمة سوداء في طرف التأليف شرقاً، حيث ترتفع تحت الشبكة المقوّسة. تكشف هذه الخيمة عن ثلاثة وجوه تُمثّل كذلك مراقبين يتابعون جولة الصيد. وتقابل هذه الخيمة في الطرف المعاكس خيمة أخرى مشابهة تخلو من الشهود.

رصد بازيار العزيز الفاطمي أحوال الصيد وطقوسه في كتاب يُعرف باسم «البيرزة»، وفيه أشار إلى تعدد هذه الأحوال بحسب الأوضاع الطبقية الخاصة بالصيادين، وقال: «ويغدو للصيد اثنان متفاوتان، صعلوك منسحق الأطمار، وملك جبار، فينكفئ الصعلوك غانماً، وينكفئ الملك غارماً، وإنما يشتركان في لذة الظفر. ولا مؤونة أغلظ على ذي المروءة من تكلف آلات الصيد لأنها خيل وفهود وكلاب وآلات تحتاج في كل قليل إلى تجديد. ومن هنا قيل إنه لا يشغف بالصيد إلا سخيّ». رأى الكاتب أن هذا الصياد السخي يحتاج إلى كلب ودابة، كما أنه يحتاج إلى غلام يركب هذه الدابة، «وجارية تصلح لنا صيدنا وتعالج طعامنا». وأضاف في الخلاصة: «كلب ودابة وغلام وجارية هؤلاء عيال، ولا بد من دار»، «ولا بد لهؤلاء من غلة ضيعة».

تعكس جدارية قصير عمرة صورة هذا الصيد السخي في كنف الأسرة الأمويّة، وتحضر بأسلوب تشكيلي متين يتبع التقليد الروماني الكلاسيكي، ويتميّز بطابعه الواقعي النابض بالحركة الحيّة. يعود هذا المشهد ويظهر في تأليف مشابه في جدارية أخرى في الإيوان الشرقي حيث تحتل القسم الأوسط من الجدار الشرقي، وهذه اللوحة ممحوة بشكل كبير، وتصعب قراءتها من دون الاستناد إلى الرسم التوثيقي الخاص بها. يُمثّل هذا المشهد صياداً يلاحق مع قطيع من كلاب السلوقي مجموعة من الحمير الوحشية تحتلّ طرف الصورة. يعلو هذه اللوحة تأليف ثلاثي يتكوّن من مشهد يصوّر لقاءً بين قامتين يصعب تحديد هويّتهما، يتبعه مشهد يصوّر عناقاً بين هاتين القامتين الغامضتين، ثم مشهد تقليدي مستقلّ يصوّر أسداً ينقض فوق طريدة ذات جلد أبيض.

تضم مجموعة جداريات قصير عمرة كذلك لوحتين كبيرتين ترتبطان بعالم الصيد، وتمثّلان ذبح الطرائد. تبرز هاتان اللوحتان بطابعهما الفريد، وتستحقّ كل منهما قراءة متأنيّة مستقلّة.


تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
TT

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)

تزامناً مع الاحتفاء بيوم «التأسيس» في السعودية، دشنّ الدكتور إبراهيم بن عبد الله المطرف، كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، وذلك في الغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية.

يعدّ الدكتور إبراهيم المطرف خبيراً في العلاقات الدولية، وشغل سابقاً أستاذ العلاقات الدولية المشارك بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، كما شغل منصب وكيل محافظ الهيئة العامة للاستثمار للأنظمة والتعاون الدولي، وشغل أيضاً منصب أمين عام الغرفة التجارية الصناعية للمنطقة الشرقية.

يتناول الكتاب الدور القيادي لخادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز، منذ توليه إمارة الرياض، وصولاً لتسلمه الحكم في المملكة (23 يناير - كانون الثاني 2015)، ويسجل الإنجازات التي عاشتها المملكة العربية السعودية من خلال فهم علمي ودقيق للتطورات التي عاشتها، وطبيعة هذه التطورات، مع شرح لأبعادها، وطبيعة التحدّيات وسبل مواجهتها.

كما يتطرق الكتاب لعدد من القرارات التي أصدرها خادم الحرمين الشريفين، على الصعيد المحلي تطويراً لآليات الحكم، وإعداداً لجيل جديد من قادة المستقبل، ويتطرق لحركة السياسة الخارجية السعودية وأدائها، ومواقف المملكة من متغيّرات إقليمية ودولية عدة، تجسيداً لرؤية المملكة في «إدارة» أو «حل» الأزمات والصراعات الإقليمية والدولية.

سبق للدكتور المطرف أن أصدر كتاباً بعنوان «العلاقات السعودية الدولية... اللوبي أنموذجاً» طرح فيه رؤية «مستقبلية» حول بناء وتكوين «لوبي» سعودي، يكون نموذجاً لعمل سياسي ودبلوماسي فعال ومؤثّر، على صعيد العلاقات الدولية للمملكة.

الدكتور إبراهيم المطرف خلال تدشين كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات بالغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية (الشرق الأوسط)

يهتم الكتاب بتكوين «لوبي» سعودي يعمل على التأثير في الساحة الأميركية من أجل ضمان المصالح الاستراتيجية للمملكة في أقوى دولة على مستوى العالم. ويركز الكتاب على 3 محاور رئيسية. هي «اللوبي»، و«الدبلوماسية الناعمة»، و«منتديات الحوار». وتمثل هذه المحاور صُلبَ الكتاب.

وفي كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» يعود المطرف للتأكيد على الدبلوماسية الناعمة، مخصصاً فصلاً خاصاً، تناول فيه «آليات» السياسة السعودية، في حضورها «الخارجي»، وأدواتها في المجال الدولي، وفي محيطها الإقليمي الحيوي، ودائرتها العربية والخليجية، مستعرضاً ركائزها الاستراتيجية، ومقوماتها الروحية التاريخية الحضارية والثقافية، مُسلّطاً الضوء على نشأة «المصطلح» تاريخياً، وتطوره، ومُبيّناً «أدواته»، ومنها: قوة المال والنفط، والمساعدات المالية والاقتصادية للدول العربية والإسلامية والنامية، وكثير من دول العالم الثالث.

واستعرض كثيراً من المواقف التي نجحت فيها «الدبلوماسية الناعمة»، إذ تمكنت المملكة من توظيف «عناصر» قوتها الدبلوماسية «الناعمة» على النحو الذي ساعدها في تحقيق كثير من أهدافها الاستراتيجية في خدمة قضايا أمتها العربية والإسلامية، وتوفير بيئة دولية وإقليمية وعربية مواتية لإحلال السلام والاستقرار الدوليّين، وتفعيل عملية التنمية المستدامة، لخير الشعوب ورخائها ورفاهيتها، عالمياً وإقليمياً وعربياً، ومحلياً.

وفي حفل تدشين الكتاب الذي حضرته شخصيات اقتصادية وثقافية، أشار الدكتور المطرف إلى أن الكتاب شمل قراءة تحليلية لعددٍ من توجهات وسياسات وإنجازات الملك سلمان بن عبد العزيز، كما سلّط الضوء على ملامح قيادة وفكر الملك سلمان الإداري والسياسي، وما تحقق في عهده من نقلات نوعية على مختلف الأصعدة.

وأشار إلى أن تزامن تدشين الإصدارات باللغات الثلاث مع احتفال المملكة بيوم التأسيس جاء منسجماً مع أهداف هذا اليوم، حيث يقدّم الكتاب قراءة في فكر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، القائد الذي واصل مسيرة الإنجاز لمن سبقه من المؤسسين، وعزّز من مكانة وسمعة وصورة الوطن على كافة المستويات والأصعدة في المنطقة والإقليم والعالم، بمساندة من ولي عهده الأمير محمد بن سلمان.

وأضاف الدكتور المطرف: «حرصت في كتاب (قراءة في فكر ملك) على تقديم محتوى، وثّقت من خلاله بالكلمة والصورة معاً، وبفهم ومنهج دقيق، بعض توجهات وسياسات وإنجازات الملك سلمان، وتقديم قراءة موضوعية لمسيرته الرائدة».

تلقى الدكتور المطرف تعليمه الأوليّ في مدينة الخبر شرق السعودية، وحصل على الشهادة الثانوية في الولايات المتحدة، وابتعث من شركة «أرامكو السعودية» للحصول على الشهادة الجامعية في الولايات المتحدة، وإليها ابتعث من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن للحصول على شهادة الدكتوراه. وهو كاتب في الشؤون الدولية، ألّف عدداً من الكتب في الشأن الدولي، وأنجز أكثر من 30 بحثاً محكماً.