الحلقة (8): أسرار الخلافات مع تونس واستعادة العلاقة بالمغرب والمشاركة في عمليات عسكرية في أفريقيا

أحمد قذاف الدم يروي لـ {الشرق الأوسط} مسيرة نصف قرن مع معمر القذافي

قذاف الدم مع الملك المغربي محمد السادس
قذاف الدم مع الملك المغربي محمد السادس
TT

الحلقة (8): أسرار الخلافات مع تونس واستعادة العلاقة بالمغرب والمشاركة في عمليات عسكرية في أفريقيا

قذاف الدم مع الملك المغربي محمد السادس
قذاف الدم مع الملك المغربي محمد السادس

يواصل أحمد قذاف الدم تذكر الأيام الخوالي في العمل بجوار العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، الذي حكم البلاد طوال 42 عاما، وشهدت تلك السنوات عواصف وأنواء وتقلبات في المواقف؛ سواء مع بعض الدول العربية أو الأجنبية. ويقول قذاف الدم في هذه الحلقة لـ«الشرق الأوسط» إن إحدى أكبر العواصف التي مرت على العلاقات الليبية - التونسية كانت تلك التي تتعلق باتفاقية الوحدة بين البلدين عام 1974. كان القذافي يبحث عن «بدائل وحدوية»، وهو يشعر بالمخاطر التي تتعرض لها بلاده مع مصر عقب قرارات وقف إطلاق النار بين القاهرة وتل أبيب، وعدم رضاه عن إجراء مفاوضات الكيلو 101، بعد حرب 1973 على الأراضي المصرية لا الإسرائيلية، بالإضافة إلى تعرض التحالف الثلاثي الوليد بين مصر وليبيا وسوريا، للتصدع.
لكن أطرف واقعة في موضوع تونس وليبيا هو لحاق القذافي بالرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، حين سافر الأخير إلى أوروبا، لكي يسأله معمر عن سبب نقض الاتفاق.. ومن الطرائف أيضا مطالبة الرئيس بورقيبة للقذافي بأن يعيد له ورقة اتفاق الوحدة التي وقّعها معه، وتمسّكه باستعادة هذه الورقة، ومطالبته بأن يتسلم النسخة بيده، قبل أي حديث مع ليبيا، حيث ظل يلح في هذا الأمر، وفقا لشهادة قذاف الدم، إلى أن أعادها له القذافي في نهاية الأمر.

يقول قذاف الدم: «بدأنا مع الرئيس بورقيبة بداية قوية بالاتحاد العربي الإسلامي.. كان يُطلق عليه (اتفاق جربة)، لكن قوى أخرى كثيرة تدخلت ونسفت هذا الاتفاق، مع أنه كان بالإمكان، وفقا للاتفاق، أن تكون هناك دولة تضم ليبيا وتونس.
وكان الاتفاق يتضمن أن تكون دولة الاتحاد (الليبية التونسية) برئاسة الرئيس بورقيبة، والقذافي نائبا للرئيس، أو وزيرا للدفاع، وعبد السلام جلود منصب الوزير الأول (رئيس الوزراء)، وأن يكون نائبه محمد المصمودي وزير الخارجية التونسي في ذلك الوقت.
واستمر العمل على هذا، إلى أن فوجئت ليبيا بتوقف تونس، من طرف واحد، عن العمل المشترك. ويتذكر قذاف الدم تلك الأيام بقوله إن الليبيين حين أرادوا أن يعرفوا ماذا يجري من جانب الطرف التونسي، وفهم سبب عدم الاستمرار في العمل على اتفاق الوحدة، لم يتمكنوا من الحديث مع الرئيس بورقيبة، لأنه كان قد ترك تونس فجأة وغادر إلى جنيف.
ويضيف أن القذافي حين علم بخبر مغادرة بورقيبة، قرر اللحاق به إلى هناك، حيث التقى بالرئيس التونسي بالفعل.. «حين ألغى بورقيبة الاتفاق الاتحادي وسافر لجنيف، كنا نحن عقب الثورة الليبية، وكنا متحمسين وفرحانين، وشكل لنا وقف الاتفاق صدمة كبيرة».
وحين قابل القذافي بورقيبة في جنيف عاتبه، وقال له: «كيف هذا، يا سيادة الرئيس.. نحن في ليبيا وتونس وقّعنا اتفاقا، وخرجت الجماهير في البلدين تصفق لهذا الاتفاق، وفجأة تلغون هذا الاتفاق. ماذا حدث بين يوم وليلة؟!». ويتابع قذاف الدم قائلا إنه كانت توجد ضغوطات كبيرة دولية وعربية على الرئيس بورقيبة، ولهذا «تراجع عن الاتفاق، فبدأت العلاقة بين البلدين بين مد وجزر، وأصبحت الثقة بين الجانبين مفقودة، وغذى الخلاف أطراف كثيرة».
ومرت السنوات إلى أن جاءت عملية «قفصة» في المدينة التونسية المعروفة بهذا الاسم، والواقعة في جنوب وسط تونس، عام 1980 وذلك حين قام عشرات المسلحين الذين قيل وقتها إنهم ينتمون لفصائل من المعارضة التونسية، بالاستيلاء على المدينة، ودعوة سكانها للانضمام إلى «الثورة المسلحة»، والدعوة للإطاحة بالرئيس بورقيبة.
واستنجدت السلطات التونسية في ذلك الوقت بفرنسا، وقامت باعتقال معظم المشاركين في العملية، وقدمتهم للمحاكمة، وأعدمت 11 منهم على الأقل، ووجهت أطراف تونسية وفرنسية إصبع الاتهام لليبيا، خاصة أن من بين المتهمين في أحداث قفصة شبان ذوو توجهات قومية وثورية تشبه الحراك السياسي الذي جاء بالقذافي للحكم عام 1969.
وكانت هذه ثاني واقعة للخلافات الكبيرة التي حدثت بين البلدين. ويقول قذاف الدم إنه حين وقعت أحداث قفصة أرادت القوات الفرنسية أن تأتي لتقمع «هذه الانتفاضة، ونحن اعترضنا على هذا، وذهبت أنا إلى باريس، وتكلمت مع الفرنسيين حول هذا الموضوع، وقلت لهم: إذا ما دخلتم إلى تونس، فستجدون القوات الليبية أمامكم، وفي مواجهتكم. وقلت لهم أيضا إننا، نحن، لا نتدخل في تونس.. هذا لأنهم اتهموا ليبيا بهذه العملية، بينما ليبيا لم تكن طرفا فيها. واكتفى الفرنسيون بإرسال بعض الخبراء الفنيين ولم يرسلوا قوات، ونحن توقفنا عند هذا الحد».
ويواصل موضحا: «استمرت الأحوال مع تونس على هذا المنوال، إلى أن توفرت لدينا مزيد من المعلومات عن مشروع المخطط الفرنسي لضرب ليبيا، وهو جزء من المخطط الغربي الذي كنت قد تحدث فيه مع السادات وحذرت منه، من قبل». ويضيف أنه لهذا السبب ذهب إلى تونس، ويقول: «التقيت هناك بالسيدة وسيلة بورقيبة (زوجة رئيس الدولة)، وكان لها نفوذ في القصر الرئاسي.. وكان يوجد أيضا الهادي مبروك، سفير تونس لدى فرنسا، الذي أصبح فيما بعد وزيرا لخارجية بلاده. وتكلمت معهم (مع وسيلة والمبروك) بشأن الزيارة التي كنت قد قمت بها لباريس، بسبب أحداث قفصة وتداعياتها»، وقلت: «لماذا تستعينون بالقوات الفرنسية؟ وتحدثنا مطولا واتفقنا على أساس أن نمتص هذه الخلافات».
وفي هذا اللقاء، دعتني السيدة وسيلة لزيارة تونس مجددا.. وبالفعل، لم يمضِ وقت طويل حتى ذهبت إلى هناك مرة أخرى، والتقيت هذه المرة بالرئيس نفسه، لكن، في الحقيقة، كانت صحته قد بدأت تسوء خاصة في السنوات الأخيرة، وفي هذه الزيارة، حيث التقيت أيضا مع رئيس الوزراء التونسي، ومعه وزير الخارجية أيضا (وكان في ذلك الوقت هو «الباجي قائد السبسي»)، وكان إدريس قيقة وزيرا للداخلية، وهم كانوا مُصرين على أن تعيد ليبيا لتونس وثيقة الاتحاد الموقّعة بين البلدين، ظنا منهم أنه في حالة وفاة الرئيس بورقيبة ستستخدمها ليبيا لفرض الوحدة بالقوة على تونس.. وحدث نقاش كثير حول هذه النقطة.
واستمرت اللقاءات والمناقشات بشأن هذه الوثيقة وحق تونس، أو عدم حقها، في استعادتها، عدة أيام، وفي عدة مواقع في العاصمة، منها القصر ومجلس الوزراء وغيره.. «وأنا قلت في أحد تلك الاجتماعات إن هذه الورقة هي الشيء المضيء الوحيد في تاريخ العلاقات الأفريقية. فردوا: نحن مستعدون لكل أنواع التعاون، لكن الورقة لا بد أن تعود، لأن الرئيس مُصرّ على ذلك، وهو غاضب من هذا الموضع.. ولا حديث إلا باستعادة الورقة».
وغادر قذاف الدم إلى ليبيا، وشرح للقذافي أهمية ورقة وثيقة الاتحاد مع تونس للرئيس بورقيبة، وأن المسؤولين هناك يجمعون على هذا الأمر، فاستغرب القذافي من هذه القضية، لكنه، في النهاية، حسم الأمر، وقال: «هيا.. خذ الورقة وامش لهم، خلاص.. سيأتي يوم تفرض فيه الشعوب العربية هذه الوحدة وتعدل هذا الوضع المقلوب.. أعطهم ورقتهم».
واقترح قذاف الدم على القذافي أن يقوم هو بنفسه بتسليم الورقة للرئيس بورقيبة، على أساس أنه جرى توقيعها بين الرئيسين في السابق. ويقول إنه «بعد أخذ ورد، وافق الأخ معمر على الذهاب إلى تونس.. وذهبنا فعلا، وسلّم الوثيقة، ومدها بيده ليد الرئيس الذي فرح فرحا كبيرا هو والسيدة وسيلة، ولا أعرف لماذا. لكن على أي حال كانت إعادة الورقة بداية لصفحة جديدة في العلاقات الليبية - التونسية إلى أن جاء الرئيس زين العابدين بن علي، حيث سارت الأمور، واستفدنا من كل هذه الأخطاء التي حدثت في السابق».
لكن هل ما زال هناك خلاف لم يُحسم بعد، كما يتساءل البعض، بين ليبيا وتونس، بشأن استغلال «الجرف القاري» الغني بالنفط والغاز، على الحدود بين البلدين. ويحوي هذا الجرف ثروات سمكية وأهمية استراتيجية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه القضية سبق طرحها على محكمة العدل الدولية في «لاهاي» للفصل فيها، منذ عام 1982. وتوجد منذ عام 1988 اتفاقية بين البلدين لاستغلال المنطقة بواسطة شركة بترولية تونسية ليبية.
ويقول قذاف الدم إن مرحلة التعامل مع زين العابدين بن علي الذي تولي حكم تونس منذ عام 1987 إلى عام 2011، اتسمت بالتعايش بين البلدين.. «بدأنا نتعايش، ونتقاسم مع بعض الجرف القاري.. كان هناك خلاف على الجرف القاري، لكن المحكمة حكمت لصالح ليبيا. وهنا رأى الأخ معمر رأيا آخر، وهو أن نتقاسمه مع تونس.. الأخ معمر لم يكن من البداية راضيا عن هذه المحاكمة، وكان يرى من أول يوم أن نتقاسم هذا الجرف مع تونس، إلا أن الإخوة في تونس رفضوا الاقتسام في ذلك الوقت، وساروا للمحكمة، وبعد أن حكمت لصالح ليبيا، ذهبنا نحن للرئيس زين العابدين لتدشين أحد الحقول، وأعلن الآخر معمر في ذلك المكان أن هذا الحقل مناصفة بيننا وبين الأشقاء في تونس».
وعن انطباعه عن الرئيس بن علي، يقول قذاف الدم إنه «استطاع أن يستفيد من الأخطاء التي وقعت فيها العلاقات بين تونس وليبيا في السابق، واستطاع أن يجنب البلدين الخلافات. ولم يشب العلاقات أي شائبة، إلا بعض الأمور البسيطة العابرة. الرئيس زين العابدين كان يركز اهتماماته على الوضع الداخلي في بلاده، ولم يكن لديه أي اهتمامات خارجية إلا فيما يخص تونس».
وكانت البحث عن مثل هذه التحالفات في ذلك الوقت، أي منذ بداية حكم القذافي، تجري على قدم وساق، ولكن بطرق مختلفة، سواء مع الدول العربية، مثل مصر وسوريا وتونس، أو في دول القارة الأفريقية، من تشاد وأفريقي الوسطى، ومن الغابون إلى أوغندا، وهذه الدولة الأخيرة كانت واحدة من عدة دول شارك فيها قذاف الدم نفسه مع ضباط ليبيين آخرين في القتال، ضمن صراع كانت تخوضه ليبيا ضد ما تعتقد أنه معارك مع الاستعمار والرجعية والتمدد الغربي والإسرائيلي في القارة السوداء لخنق الدول العربية، خاصة دول الطوق والمواجهة.
ويبدو من كلام قذاف الدم، في العموم، أن ليبيا كانت تجد مساعدة من مصر في عهد عبد الناصر وبداية عهد السادات، بشأن محاولة إدارة الأوضاع والصراع مع أطراف أخرى دولية وإقليمية، لكن اتجاه السادات نحو الغرب ودخوله في مفاوضات مع إسرائيل للوصول إلى اتفاق سلام، منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، جعل ليبيا تلعب بمفردها في ساحة مترامية الأطراف.
وكان أحمد قذاف الدم، وهو ضابط في مقتبل العمر يشارك، سواء بالتدريب أو بنفسه في بعض العمليات في أفريقيا مع ضباط وجنود ليبيين وغير ليبيين، وتعرض لمحاولة اغتيال بقذيفة صاروخية حين كان يمر بسيارته الـ«رانج روفر» في كمبالا، عاصمة أوغندا، على طريق مطار عنتيبي، وكان معه عدد من الضباط، وذلك على خلفية «عملية عنتيبي الشهيرة التي قامت فيها قوات كوماندوز إسرائيلية بأول عملية كبيرة خارج أراضيها لتحرير رهائن إسرائيليين في يوليو (تموز) 1976 كانوا ضمن 248 راكبا على متن طائرة فرنسية جرى خطفها على أيدي عدد من الفلسطينيين، وحطوا بها في المطار الأوغندي.
وفي يوم من تلك الأيام استقل قذاف الدم، ومن معه، سيارة الـ«رانج روفر» ذات اللون المموه، وتوجه إلى الطريق المؤدي للمطار.. ويقول: «في لحظة، والسيارة تجري، أصدرت أمرا لمن معي بالخروج منها فورا.. كان لدي إحساس قوي بأنها ستنفجر بنا، وهو ما كان.. قلت: اقفزوا.. وقفزنا كلنا منها، بينما كان صوت القذيفة يصفر في الهواء في أثر السيارة.. كانت قذيفة من نوع (آر بي جي)، فجّرتها قبل أن نصل الأرض، لكننا نجونا منها».
ويواصل قائلا إن «أوغندا كانت مكانا مهما وحيويا، وكانت أعين اليهود دائما على هذا المكان.. بدأنا منذ أوائل أيام الرئيس الأوغندي عيدي أمين. كان يحرسه اليهود والإسرائيليون، فالتقى بالأخ معمر في أحد مؤتمرات القمة الأفريقية، وهنا دعاه إلى زيارة ليبيا، فجاء وبقي عندنا أياما.. معمر أدخله الإسلام، بعد أن كان رجلا لا دينيا، وقام عيدي أمين، وهو في ليبيا، بقطع علاقته بإسرائيل، وأعلن أيضا فتح سفارة لفلسطين في بلده.. هذا الرجل كانت تتعامل معه وسائل الإعلام الغربية، خاصة البريطانية على أنه بطل من أبطال أفريقيا وزعيم ومناضل، لكن بعد أن قام بما قام به في ليبيا، أصبحت وسائل الإعلام نفسها تصوره على أنه مجرم وآكل للحوم البشر». ويضيف أن الغرب «تآمر عليه وحاول إسقاطه، وكان لا بد من الدفاع عنه، خاصة بعد عملية عنتيبي».
ووفقا للغط الذي دار في وقت العملية، يبدو أن عيدي أمين كان على علم بها منذ البداية، وأنه كان يريد أيضا أن يقدم يد المساعدة لإنجاح الهدف منها. وكانت الطائرة التابعة للخطوط الجوية الفرنسية قد أقلعت من مطار اللد في إسرائيل، في طريقها إلى فرنسا، وحين توقفت في مطار أثينا (ترانزيت) قامت عناصر قيل إنها منتمية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بالسيطرة عليها، والتحليق بها والهبوط بها في مطار بنغازي في ليبيا للتزود بالوقود، ثم توجهوا بها بعد ذلك إلى مطار عنتيبي. وبعد عدة أيام من المفاوضات، قام الكوماندوز الإسرائيلي باقتحام المطار والاشتباك مع الخاطفين ومع جنود أوغنديين، وتحرير الرهائن.
وبعد انتهاء العملية، بدأ الإعلام الغربي الهجوم على الرئيس عيدي أمين. ويقول قذاف الدم: «أما عسكريا، فقد ساند الغرب هجوما وغزوا بمجموعة مرتزقة يستهدف عيدي أمين لإسقاطه، ولهذا وقفنا معه وقاتلنا معه.. وأنا أيضا قاتلت معه، مثلما قاتلت في أكثر من 5 دول أفريقية أخرى لمساندة استقلالها وتحررها.. وقتها كنا نعلم في ليبيا أن الغرب لديه خرائط يهدف من خلالها للفصل بين العرب في شمال أفريقيا وباقي القارة الأفريقية. أي أفريقيا السوداء وأفريقيا البيضاء.. كان يريد عزلنا في بحيرة الملح في شمال أفريقيا، وننحصر بين أوروبا الموحدة وأفريقيا الموحدة، ونظل نحن كمجموعة دول في شمال أفريقيا غير قابلة للحياة، لأن المنطقة، منطقتنا، ليس فيها مياه ولا إمكانيات، ولهذا عملنا لمواجهة هذا المشروع مع الجميع، بمن في ذلك الرئيس التالي لأوغندا، يوري موسيفيني».
وكان قذاف الدم، قد بدأ، في تلك المرحلة، عمله السياسي الحقيقي مع القذافي، وذلك منذ قرر ندبه من القوات المسلحة لقسم العلاقات الدولية في أواخر السبعينات من القرن الماضي، ولم يكن العمل في قطاع العلاقات الدولية يعني القيام بأعمال وزارة الخارجية نفسها، رغم أن هذا القطاع كان في الحقيقة يتبع الوزارة نفسها.
ويوضح هذه النقطة بقوله: «كنا ضمن وزارة الخارجية، ولكن بحكم أن لدينا قضية نحمل همها وندافع عنها، أو بحكم العلاقات الشخصية مع الآخرين، نستطيع أن نعرض الأشياء بشكل جريء يختلف عن العرض الدبلوماسي أو العرض المبني على البروتوكول الدولي، مثل المفاوضات التي أجراها مع رؤساء كالسادات ومبارك وميتران وحتى ملك المغرب الراحل.
ويقول: «في بعض الأحيان كنت أقوم ببعض المهام وأخطر الأخ معمر بها لاحقا». وحدث هذا في عدة وقائع كان نتيجتها إعادة العلاقات أو توثيقها بين ليبيا وبعض البلدان العربية. على سبيل المثال، قصة عودة العلاقات بين المغرب وليبيا؛ كنا أصدقاء للرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، إلى أن فوجئنا به يسافر إلى المغرب التي كنا على خلاف معها بسبب الجزائر وبن جديد نفسه.. أنت تعرف طبعا أنه كانت هناك مشكلة بين بن جديد والملك الحسن الثاني تتعلق بقضية الصحراء. على أي حال، كنت وقت زيارة الرئيس الجزائري للمغرب موجودا في لندن لبعض المهام، وبعد كثير من التردد، وجدت نفسي بجوار مقر خلوي للملك في منطقة فاس، في شمال المغرب.
ومن المعروف أن القذافي فاجأ الجميع بزيارته للمملكة المغربية في يوليو (تموز) من عام 1983. وكان السبب في المفاجأة أن البلدين كانا على طرفي نقيض ويتبادلان الاتهامات بشأن دعم كل منهما لخصم الآخر.. فالرباط كانت تتهم ليبيا بدعم جبهة البوليساريو في الصحراء المغربية، بالمال والسلاح إلى درجة أصبح معها مقاتلو البوليساريو، من وجهة نظر المغاربة، يمثلون مصدرا للقلاقل وعدم الاستقرار في المملكة، بينما كانت الجزائر، جارة كل من المغرب وليبيا، تستفيد من الدعم الليبي للبوليساريو. أما ليبيا فكانت تتهم المغرب بمساعدة فرنسا في وجودها بتشاد ضد الوجود الليبي هناك.
ويقول قذاف الدم: «لم نكن نعرف في ليبيا بترتيبات اللقاء الذي جرى بين الملك المغربي وبن جديد. وفوجئنا به. الجزائر، طبعا، كنا حلفاء لها في ذلك الوقت، وكان عداؤنا للمغرب بسبب علاقتنا بالجزائر.. أما قضية الصحراء، فنحن الأساس فيها، ونحن أول من بدأ المقاومة فيها.. نحن من سلح ودرب الأحرار في الصحراء لمقاومة الاستعمار الإسباني إلى أن خرج منها، وبعدها بدأت القضية تأخذ منحى آخر، وهو صراع بين المغرب والجزائر، فنحن انحزنا في تلك المرحلة للجزائر، بحكم العلاقة التي بيننا».
وجاء اللقاء الأول والمفاجئ بين الزعيمين المغربي والجزائري في 1983، وهنا بدأ قذاف الدم في إجراء الاتصالات، وهو في لندن، مع عدد من أصدقائه المغاربة ممن كانوا يدعونه في السابق لزيارة المغرب، بينما كان هو يتردد في ذلك.. ولم يكن قذاف الدم قد سافر إلى المغرب من قبل.. ويقول: «حين دعاني الأخوة المغاربة مجددا، وجدت أنها فرصة أن أذهب إلى هناك.. ولم أخبر الأخ معمر بالزيارة؛ كنا في طائرة أحد الأصدقاء، وعندما دخلت الطائرة الأجواء المغربية جرى توجيهها إلى مدينة فاس، ولم أكن أعرف إن كنا قد اختطفنا أم ماذا. لكنني في النهاية وجدت نفسي وجها لوجه مع ملك المغرب (رحمه الله).
ويتابع موضحا: «نزلنا من الطائرة، وأخذتنا سيارة إلى مزرعة على ربوة جميلة، ولم أكن أعرف أنها للملك الحسن.. كانت هناك خيمة موضوعة فوق الربوة، وقال لي أحد الأصدقاء المغاربة ممن كانوا معي: تفضل.. اذهب إلى هناك، ثم غادر مع السيارة. وقفت ونظرت حولي.. لم يكن هناك أحد في هذه المزرعة الفسيحة؛ وجدت في الخيمة عدة مقاعد، ولم أجد فيها أحدا، فتراجعت ووقفت خارجها».
ويضيف قذاف الدم قائلا: «بعد قليل، جاءت سيارة فجأة، وكانت ماركة مورس (إنجليزية الصنع) صغيرة يقودها سائق يرتدي الملابس المغربية التقليدية. وحين اقتربت السيارة مني، كنت قد أدرت ظهري للجهة الأخرى، لكن حين شعرت أنها اقتربت أكثر وتوقفت قرب الخيمة، التفت إليها وإلى مَن فيها، فإذا به الملك الحسن الثاني شخصيا، وكان هو الذي يقودها بنفسه ووحده. نزل وهو يقول: مرحبا سي أحمد في بلدك. سلمت عليه، وقلت له: أنا جئت.. ثم توجهنا ناحية الخيمة، وقبل أن نجلس داخلها، أخبرته أنني جئت دون علم معمر، وبدأنا بعدها في مناقشة العلاقات الليبية - المغربية، واتفقنا بعدها، أي بعد حوار طويل، على أنه حان الوقت لاستعادة العلاقات بين البلدين. وفي الحقيقة سألني الملك سؤالا مباشرا، وهو: لماذا تعادوننا؟ فقلت له: نحن لا نعاديكم؛ طالما صافحت الرئيس الشاذلي، فأنت صافحت معمر القذافي، فنحن حلفاء للجزائر، وعندما سقطت هذه العداوة بينكم وبين الجزائر، فنحن تلقائيا لم يعد لدينا أي مشكلة معكم. ليس لدينا حدود مشتركة ولا شيء من هذا القبيل.
ومكثت في ضيافة الملك الحسن 3 أيام. واتفقنا على أنه سيجري لقاء مع القذافي، واتفقنا على أن يكون هذا اللقاء في مكان ثالث لأنني أبديت لجلالة الملك عدم رغبتي في أن يجري اللقاء في المغرب، كما أن الملك، من جانبه، تحفظ على موضوع الذهاب إلى طرابلس، وقال: لو ألتقي ساعة مع الأخ معمر سنحل كل مشاكلنا».
وعلى أي شيء انتهى اللقاء؟ يقول قذاف الدم: «اتفقنا على إجراء المقابلة بين جلالة الملك والقذافي في إسبانيا عند فيليب جونزاليس (رئيس وزراء إسبانيا آنذاك) وكان صديقنا. وكان ذلك قبل شهر رمضان بأيام، وعدت إلى طرابلس، وأبلغت الأخ معمر، فكان رد فعله سريعا وعفويا، وتساءل: كيف نلتقي في بلد ثالث.. نحن عرب. إذا كان لا يريد أن يأتي إلينا، فنذهب نحن إليه. وهنا كنت أريد أن أترك الأمور تأخذ مزيدا من الوقت حتى يكون هناك نوع من التفهّم من كل جانب للآخر قبل اللقاء، فقلت له: إن شاء الله بعد شهر رمضان نجهز زيارة للمغرب.
إلا أن القذافي لم يعطني الفرصة ولم يمنحني مزيدا من الوقت، وأجاب في صيغة سؤال: (ولماذا بعد شهر رمضان، ما الذي يمنع أن تكون في رمضان؟)، ولم يكن أمامي أي خيارات، فقلت له: (خلاص، فلتكن يوم الخميس المقبل). وكنا، في ذلك اليوم، يوم أحد أو اثنين على ما أذكر. وعليه سافرت إلى المغرب، وقابلت الملك مرة أخرى، وقلت له: (جلالة الملك.. لقد كسبت الرهان). وبهذا عادت العلاقة بين البلدين.. استقبلنا الملك استقبالا حافلا، وجلس مع القذافي، واتفقا على كثير من الأمور»، حيث استمرت العلاقات الأخوية كذلك أيضا في عهد الملك المغربي الحالي محمد السادس.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.