نيودلهي مرتاحة بعد تعليق واشنطن مفاوضاتها مع «طالبان»

بدأت بصياغة سياسة جديدة تعزز علاقاتها مع حكومة كابل وجناح الحركة غير الموالي لإسلام آباد

الرئيس الأفغاني أشرف غني في مؤتمر انتخابي في العاصمة كابل أمس (رويترز)
الرئيس الأفغاني أشرف غني في مؤتمر انتخابي في العاصمة كابل أمس (رويترز)
TT

نيودلهي مرتاحة بعد تعليق واشنطن مفاوضاتها مع «طالبان»

الرئيس الأفغاني أشرف غني في مؤتمر انتخابي في العاصمة كابل أمس (رويترز)
الرئيس الأفغاني أشرف غني في مؤتمر انتخابي في العاصمة كابل أمس (رويترز)

أسفر قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعليق المفاوضات الجارية مع حركة «طالبان» الأفغانية، عن حالة من الارتياح عمت الأوساط السياسية الرسمية في الهند. وكانت الولايات المتحدة تعتزم، في حالة نجاح المفاوضات والتوصل لاتفاق سلام مع «طالبان»، سحب 4500 جندي من قواتها المنتشرة في البلاد، والموزعة على خمس قواعد عسكرية في أفغانستان، في غضون عشرين أسبوعاً من تاريخ إبرام الاتفاق. وقالت حركة «طالبان» خلال المفاوضات، إنها ستضمن من جانبها عدم استخدام البلاد مرة أخرى كقاعدة انطلاق للجماعات الإرهابية.
ولم تصدر عن الحكومة الهندية حتى الآن استجابة على المستوى الرسمي، بشأن تطورات الأوضاع المشار إليها، رغم وجود إشارات تفيد بحالة من الارتياح عمت الأوساط السياسية الهندية، نتيجة انهيار المحادثات بين الجانبين. ومع ذلك، تفيد المصادر الدبلوماسية الهندية بأنها تفضل اعتماد المقاربة الحذرة حيال الأمر، وذلك في حالة ما قررت العاصمة واشنطن استئناف أو ربما إنقاذ المحادثات المتوقفة مرة أخرى.
صرح عمار سينها، السفير الهندي الأسبق لدى أفغانستان، والعضو الحالي في المجلس الاستشاري للأمن القومي الهندي، وممثل الهند بصفة غير رسمية في محادثات موسكو مع حركة «طالبان» خلال العام الماضي، معلقاً على الأنباء: «لا أعتقد أن الاتفاق قد انهار تماماً حتى الآن. وأعتقد أنها من الأنباء الباعثة على الارتياح والسرور لدى الهند، نظراً لإنقاذ أفغانستان من مصير قاتم ومشؤوم في الوقت الراهن. وكان الاتفاق المزمع إبرامه يرفع كثيراً من علامات الاستفهام المبهمة بشأن الحكومة والدستور في أفغانستان، وحتى العملية الانتخابية المقبلة»، في إشارة إلى الانتخابات الأفغانية المقرر انعقادها في 28 سبتمبر (أيلول) الجاري.
وبصرف النظر تماماً عن الولايات المتحدة الأميركية، فإن موسكو التي استضافت الجولة الأولى من محادثات السلام مع حركة «طالبان» العام الماضي، تعتبر القوة الدولية الأخرى المعتبرة التي تعتقد أن إبرام اتفاق السلام مع حركة «طالبان» من شأنه إحلال السلام والاستقرار في المنطقة، وإدخال تنظيم «داعش» الإرهابي في مأزق وجودي لا يُحسد عليه.
وعلقت المعلقة الهندية سوهاسيني حيدر، المعنية بالشؤون السياسية من صحيفة «ذي هيندو» قائلة، إن محادثات السلام متوقفة في الوقت الراهن، ولكن يمكن للجانب الأميركي اتخاذ القرار بالاستئناف في أي وقت يراه مناسباً. وأضافت: «من شأن واشنطن في الآونة الراهنة إظهار الدعم القوي لإجراء الانتخابات الرئاسية في أفغانستان، في وقت لاحق من الشهر الجاري. وذلك مع إمكانية إعادة تنشيط الدينامية الأفغانية المحلية الجديدة لصالح البلاد. ومن شأن ذلك أن يرجع بتداعيات إقليمية مهمة وإيجابية على المنطقة بأسرها».

أسباب المعارضة الهندية لاتفاق السلام المذكور

بذلت الهند في السابق قصارى جهودها السياسية والدبلوماسية، من أجل «عملية السلام والمصالحة الشاملة في أفغانستان»، تحت القيادة الوطنية الأفغانية، وفي خدمة المصالح الوطنية الأفغانية، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى حلول سياسية مستديمة، استناداً إلى المحافظة على المكاسب المحققة هناك منذ عام 2001، إذ تقول أنديرا باغشي الكاتبة في صحيفة «تايمز أوف إنديا»: «كانت نيودلهي تنظر إلى هذا الاتفاق من زاوية أنه اتفاقية انسحاب بأكثر من كونه اتفاقاً للسلام. كما خشيت الحكومة الهندية كذلك من عودة أوضاع ما بعد الاتحاد السوفياتي إلى أفغانستان من جديد، مما يعني إتاحة المجال لوجود مئات من الميليشيات المسلحة المتأهبة للقتال في محيط الهند وآسيا الوسطى، لا سيما مع ازدياد توتر الأجواء في إقليم جامو وكشمير المتنازع عليه».

ما الذي بمقدور الهند فعله؟

يقول الدبلوماسي الهندي السابق فيفيك كاتجو، الذي شغل منصب السفير الهندي الأسبق لدى أفغانستان: «ينبغي على الهند دعم الانتخابات الرئاسية الأفغانية من حيث المبدأ؛ كممارسة فعلية لأدوات السيادة الوطنية الأفغانية. وفي مثل هذه الظروف الراهنة، يتعين على الهند اعتماد السياسات الحذرة والواقعية، بغية حماية مصالحها الوطنية. وينبغي على الحكومة الهندية تعزيز ترتيبات التعاون مع الحكومة الأفغانية الحاكمة في كابل، مع اعتبار فتح قناة اتصال مع حركة (طالبان)، لا سيما مع تلك الفصائل داخل الحركة الأفغانية التي لا تخضع لموالاة إسلام آباد. وتلك هي الطريقة التي تُدار بها اللعبة الدبلوماسية على الصعيد الدولي».
وقال الدبلوماسي الهندي الأسبق راجيف دوغرا: «ينبغي على الهند كذلك إعادة النظر في موقفها الراهن حيال أفغانستان، مع التفاعل الحذر مع العناصر غير المتطرفة من حركة (طالبان) الأفغانية، ومد يد العون والمساعدة في الوقت نفسه لقوات الأمن الأفغانية. تحظى الهند بقدر هائل من حسن النيات لدى أفغانستان، غير أنها لا تُترجم إلى نفوذ فعلي على أرض الواقع. ولقد حان الوقت لتغيير هذا الموقف، وعلى الحكومة الهندية إعادة النظر في حقائق الواقع الاستراتيجي، مع التصرف من منطلق القوة الإقليمية الكبيرة الرامية إلى صياغة وجه المنطقة، مع الإفصاح التام عن موقفها المعتمد، على غرار ما تفعله كل من بكين، وموسكو، وطهران، وأنقرة، وإسلام آباد في الآونة الراهنة».
كانت الحكومة الهندية قد خصصت بالفعل 3 مليارات دولار لصالح الأعمال التنموية في أفغانستان.
ويقول علي أحمد، الأستاذ الزائر في «الجامعة الإسلامية» في دلهي، إن الهند في حاجة إلى تعزيز موقفها على الصعيد السياسي. وعلى اعتبارها من القوى الإقليمية الحاضرة، فإن الأوضاع الراهنة تعد بمثابة الفرصة السانحة التي لا تُفوت بحال. فهي تملك القوة السياسية، والاقتصادية، والقوة الناعمة المسوغة للتواصل مع حركة «طالبان» الأفغانية. وبالمضي قدماً على هذا المسار يمكن لنيودلهي ترويض الحركة الأفغانية المتمردة، والابتعاد بها عن المدار الباكستاني، مع اتخاذ مقعد دائم في عملية السلام الأفغانية. ومن شأن ذلك تمكين الهند من موازنة الدور الصيني المتزايد في الشؤون الأفغانية. ولا بد من استمرار دعم وإسناد قوات الأمن الأفغانية، في إشارة إلى مقدرات الردع الحالية. ويجري الأمر بالفعل على مستوى معتبر، لا سيما من خلال برامج التدريب العسكرية الجارية، في حين أن دولاً أخرى، مثل الولايات المتحدة الأميركية، توفر الدعم المادي والعسكري الهائل.

التحالف العسكري السري والتاريخي بين الهند وأفغانستان

تفيد المصادر المطلعة بأن الهند كانت على اتصال مباشر مع أحمد مسعود، نجل القائد العسكري الأفغاني الراحل أحمد شاه مسعود، القائد الأسبق لتحالف الشمال الأفغاني، والذي استمر في قتال حركة «طالبان» الأفغانية والقوات الأميركية الغازية حتى تاريخ اغتياله في عام 2001، على أيدي عناصر تنظيم «القاعدة» الإرهابي.
ويأمل مسعود الابن، الذي تلقى تعليمه العسكري في أكاديمية «ساندهيرست» العسكرية البريطانية، في مواصلة المهمة القتالية ضد المتمردين في البلاد، ومنع المقاتلين الجدد من السقوط في هوة التطرف الإسلامي من جديد. هذا وقد لقي أحمد شاه مسعود (48 عاماً)، مصرعه اغتيالاً عندما كان نجله يبلع من العمر 12 عاماً فقط.
يقول الدبلوماسي الهندي الأسبق بهاراث راج موثو كومار، المنسق لمساعدات الحكومة الهندية السابقة مع أحمد شاه مسعود: «يجب ألا تقع الحكومة الهندية في خطأ نشر القوات العسكرية على الأراضي الأفغانية. فماذا ستفعل القوات الهندية هناك على أي حال؟ وما الذي ستحققه؟ ومن الذي ستقاتله؟ وستدافع عمن هناك؟ إن القادة الحاليين للحكومة الأفغانية وحركة (طالبان) هما الوجهان الرئيسيان للسياسة الأفغانية الراهنة، ويتعين عليهم تسوية خلافاتهم من أجل بلوغ السلام والاستقرار بعيد المنال».
على مدى أربع سنوات، بين عام 1996 وعام 2000، وحتى مغادرته للعاصمة الطاجيكية دوشانبي لتولي مهام منصبه الجديد، كان الدبلوماسي موثو كومار يشرف على تنسيق المساعدات العسكرية والطبية، التي كانت تقدمها نيودلهي على نحو سري إلى أحمد شاه مسعود وقواته في شمال أفغانستان.
وبصرف النظر عن إرسال المعدات العسكرية الثقيلة، كانت الهند تقدم المساعدات الأخرى المكثفة إلى التحالف الأفغاني الشمالي، من الملابس العسكرية، ومدافع «الهاون»، والبنادق الهجومية، والأسلحة الصغيرة، والملابس الشتوية، والأغذية المعلبة، واللوازم الطبية، والأموال، وذلك عن طريق شقيقه المقيم في لندن، والي مسعود.
كانت اللوازم الهندية تصل بصفة منتظمة إلى العاصمة الطاجيكية دوشانبي، وتكفلت السلطات الجمركية هناك بالانتقال السلس للمساعدات الهندية إلى فارخور على الحدود بين طاجيكستان وشمال أفغانستان؛ حيث كان أحمد شاه مسعود يحتفظ بعشر مروحيات نقل عسكرية لخدمة جهوده الحربية. كما ساعدت نيودلهي كذلك في المحافظة على تلك المروحيات من خلال جهود الصيانة وتوفير قطع الغيار. ومنحت الحكومة الهندية طائرتين مروحيتين لقوات أحمد شاه مسعود، في الفترة بين عامي 1996 و1999.
وكان الجرحى من جبهات القتال يصلون في تدفقات غير منقطعة بواسطة المروحيات إلى معبر فارخور الحدودي. وكان أولئك الذين يحتاجون إلى علاج يرسلون إلى نيودلهي للعلاج عبر فارخور ثم دوشانبي، وكانت تأشيرات الدخول تصدر بوتيرة أسرع من المعتاد.
نما هذا الفصل شبه السري تقريباً من علاقة الحكومة الهندية مع أفغانستان، مع توجه محادثات السلام بين الجانب الأميركي وحركة «طالبان»، على سبيل المضي قدماً صوب الاتفاق، إلى جانب الطلب الأميركي المتكرر والمفتوح لمشاركة هندية أكبر في المصفوفة الأمنية الأفغانية.
هذا، وكان أحمد شاه مسعود قد قام بزيارة إلى الهند قبيل اغتياله بثلاثة شهور. واستمرت زيارته هذه لمدة أربعة أيام، إثر دعوة من الحكومة الهندية وقتذاك. وذكر وزير الخارجية الهندي الأسبق جاسوانت سينغ في كتابه المعنون «دعوة للتكريم»: «كانت تلك الزيارة تحت حراسة مشددة؛ حيث كانت هناك منافسة محتدمة بين مختلف الجماعات الإرهابية الأفغانية والباكستانية على اغتيال الرجل. وكان التعاون الهندي مع التحالف الأفغاني الشمالي لا يزال من الروايات غير المسرودة بشكل كبير. ولا زلنا في انتظار الإفصاح عن مزيد من هذه الفعاليات القديمة».



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.