فنان الغرافيتي بادسورا: هناك أمل لشباب فنزويلا

تعكس أعماله الفنية الجماليات والصمود في خضم الانهيار والدمار

فنان الشارع الفنزويلي «بادسورا» يواصل خلق الفن والأمل عبر الرسم المستمر في الأماكن العامة بالعاصمة كراكارس (تصوير: جينيزي غارسيا)
فنان الشارع الفنزويلي «بادسورا» يواصل خلق الفن والأمل عبر الرسم المستمر في الأماكن العامة بالعاصمة كراكارس (تصوير: جينيزي غارسيا)
TT

فنان الغرافيتي بادسورا: هناك أمل لشباب فنزويلا

فنان الشارع الفنزويلي «بادسورا» يواصل خلق الفن والأمل عبر الرسم المستمر في الأماكن العامة بالعاصمة كراكارس (تصوير: جينيزي غارسيا)
فنان الشارع الفنزويلي «بادسورا» يواصل خلق الفن والأمل عبر الرسم المستمر في الأماكن العامة بالعاصمة كراكارس (تصوير: جينيزي غارسيا)

باتت أزمة فنزويلا مادة إخبارية يومية في مختلف غرف الأخبار حول العالم، مع ارتفاع معدل التضخم في هذا البلد الغني بالنفط إلى نسبة مفزعة، لا تقل عن مليون في المائة، مع تزايد تدفقات المهاجرين من أبناء البلد إلى البلدان المجاورة، أو إلى البلدان الأوروبية المختلفة، إذ يعجزون عن تلبية متطلبات الغذاء والدواء الأساسية لأنفسهم ولذويهم في بلدهم مع احتدام وتيرة الصراعات السياسية المزرية هناك.
وبرغم ذلك، وفي خضم الأزمة الراهنة، لا يزال هناك بصيص من أمل وتفاؤل في الأفق. فهناك «فولفانغ سالازار» فنان الشوارع الفنزويلي، المعروف في بلاده باسمه المستعار المختار «بادسورا». وينبئ هذا الاسم المستعار عن تلاعب واضح بالألفاظ بين اللغتين الإنجليزية والإسبانية، إذ يوحي المقطع الأول «باد» بمعنى السيئ في اللغة الإنجليزية، في حين يعني المقطع الثاني «سورا» كلمة قمامة باللغة الإسبانية، في إيحاء من الفنان المحلي أن فنون الشوارع لا تعتبر فناً خالصاً قائماً بذاته لدى بلدان تلك المنطقة. وفي مقابلة أجرتها صحيفة «الشرق الأوسط» مع الفنان الفنزويلي «فولفانغ سالازار» في العاصمة كاراكاس، أوضح الفنان أن لقبه المستعار يشي بحالة التمرد الشائعة في جلّ أرجاء البلاد راهناً، وهو لقب وليد العجز، مع الرغبة المستمرة في الصراخ للعالم من حوله بأن أسلوبه ليس سلة للمهملات، بل هو فن مفروض من طريقة تعليمه لذاته.
ظل فولفانغ يواصل خلق الفن والأمل عبر الرسم المستمر في الأماكن العامة بالعاصمة كاراكارس. وتعكس أعماله الفنية الجماليات، واللطف، والصمود في خضم الانهيار والدمار. وكانت فنزويلا تعد واحدة من أغنى دول العالم، وكان سكانها يستمتعون بحياة طيبة هادئة. أما الآن، فقد تحول بعض من أشهر شوارعها إلى شاهد على القسوة، والعنف، والفقر.
يطالعك كثير من الوجوه ذات الابتسامات الهادئة المترنمة بألحان الموسيقى عند النظر إلى جداريات الفنان «بادسورا». وهو من دون شك انعكاس واضح لشخصية، أو ربما هوية الشعب الفنزويلي. ويمكن اعتبار هذه الأعمال الفنية بمثابة المرآة التي يتسنى للناس تلمس ذكريات الماضي بمجرد النظر إليها.
يقول «بادسورا» عن أعماله: «تحاول التداخلات كافة استهداف توعية الناس بشأن تيمة بعينها. وجذب انتباه وتصورات المارة يستلزم مني السعي الدؤوب لإنشاء تراكيب متنوعة؛ حيث تمتزج فيها مختلف أساليب وأنماط الفنون، مثل الواقعية والانطباعية والتكعيبية، بخلاف المناظر الطبيعية».
ويضيف «بادسورا» قائلا: «رسالتي من أعمالي شديدة الذاتية. فكل الأعمال الفنية تحمل انعكاساً للحياة؛ حيث يعثر كل فرد على رسالته الخاصة، وهو يقرر بنفسه كيفية تلقيها وترجمتها على الواقع الراهن من حوله. أما بالنسبة لي، فإن أعمالي بالغة الحساسية لتيمات الهوية، والقيم، والتنوع، والإعلام، والثقافة، والتجرد. ويتوقف كل شيء فيها على الخطوة التالية التي يتخذها المجتمع وانعكاساتها اللازمة عليه، وذلك من أجل إبلاغ رسالة ذات طابع أكثر استفزازاً من الطابع النقدي التقليدي». تمكن مطالعة أعمال الفنان «بادسورا» الفنية في مختلف أرجاء كاراكاس، وكذلك في بلدان أخرى من قارة أميركا اللاتينية، مثل الإكوادور، والبرازيل، وكولومبيا، فضلاً عن بعض العواصم الأوروبية الرئيسية. ولا تخرج أعماله الفنية عن التصوير الجداري أو الرسم الملون على الحوائط (الغرافيتي) المفعم بطاقة هائلة من التفاؤل. ومن المثير للدهشة أن يسعى هذا الفنان الشاب إلى الإعلان عن جماليات بلاده، بدلاً من الشعور بالشفقة والرثاء لحالها. والفن انعكاس ورؤية لزاوية من المجتمع الفنزويلي، لا تتطلع إليها نشرات الأخبار.
يقول «بادسورا»: «ما من شك أن الطريقة الوحيدة لبناء بلد من البلدان هي مواصلة العمل. وإنني أعيش في كل يوم أفكر في نوع التدخل التالي الذي يعزز من قيمة احترام الذات، والرغبة في الحياة الكريمة في واحدة من أجمل بلاد العالم. إن مسؤولية بناء الدولة على نحوها الأفضل لا تتعلق بالمؤسسات العامة أو الكيانات الخاصة فحسب، وإنما هناك جانب كبير من العبء يقع على عاتق المواطنين، ولكل منهم عمله ومساهمته. وينبغي على العالم مساعدتنا في التواصل بشأن الأمور الجيدة والجميلة في بلادنا، وتنبغي مساعدتنا في تنشيط الثقافة، والاقتصاد، والسعادة، كما ينبغي أن يعلموا حول العالم أن روح الشعب الفنزويلي هي أكبر وأصلب من هذه الأزمة الراهنة».
لكن هل من المتوقع أن تؤثر الأزمة الراهنة على عالم الفن في فنزويلا؟
يجيب «بادسورا» قائلاً: «إن فنون الرسم هي من الأنشطة المكلفة على الدوام. وصارت تكاليف المواد الخام، والطلاء، والألوان المستوردة من الخارج في أغلب الأحيان باهظة للغاية. ولا يعتبر فن الغرافيتي استثناء من ذلك بحال. وحقيقة الأمر أن هناك عدداً معتبراً من فناني الغرافيتي لم يهاجروا البلاد إلى دول أخرى، بل يواصلون الاضطلاع بمسؤولياتهم، إلى جانب الاهتمام بالفنون، وهناك آخرون لم يغادروا البلاد، ولكنهم لم يعودوا يمارسون الفن منذ فترة طويلة. ومع ذلك، يواصل عدد من فناني الشوارع الإسهام بأعمالهم الفنية في البلاد، بالاستعانة بمواردنا الخاصة، أو ببعض الدعم المؤسسي أو الخاص».
يقول لنا الفنان إنه مع استطاعته الحصول على مادة الأكريليك، فإن الأزمة الوطنية الراهنة تؤثر عليه باختفاء الألوان الأخرى التي يحتاج إليه في أعماله الفنية. ويوضح الأمر بقوله: «إن ألوان الرشّ صارت مكلفة للغاية، ولكن هناك مؤسسة حكومية يمكنها توفير بعض الدعم من خلال إحدى البرامج. وبالإضافة إلى ذلك، شرعت بعض الشركات الخاصة والجهات الحكومية في المطالبة بإنتاج مزيد من أعمال الرسم على الجدران، باعتبارها نوعاً من أنواع التواصل مع الشعب». وأخيراً، سألته إن كان يرى هناك أملاً بالنسبة لشباب فنزويلا، فجاءت كلماته مفعمة بالأمل والتفاؤل الصادق. ويعتقد الفنان «فولفانغ سالازار» أو «بادسورا» أن الجانب المضيء من الأزمة الراهنة يكمن في الفرص التي تخلقها لدى الجميع، وأن رسالته التي يخاطب بها الجميع قوية، ومؤثرة، ومبتكرة.



علاج جديد يحد من انتشار سرطان العظام

سرطان العظام يظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق (جامعة كيس ويسترن ريزيرف)
سرطان العظام يظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق (جامعة كيس ويسترن ريزيرف)
TT

علاج جديد يحد من انتشار سرطان العظام

سرطان العظام يظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق (جامعة كيس ويسترن ريزيرف)
سرطان العظام يظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق (جامعة كيس ويسترن ريزيرف)

توصل باحثون من جامعة كيس ويسترن ريزيرف الأميركية إلى نتائج وصفوها بـ«الواعدة»، لعلاج جديد يستهدف الساركوما العظمية، أكثر أنواع سرطان العظام شيوعاً لدى الأطفال والشباب.

وأوضح الباحثون أن هذا العلاج يُمثل خطوة مهمة بعد عقود من محدودية الخيارات العلاجية الفعالة ضد هذا المرض، ونُشرت النتائج، الثلاثاء، في دورية (BMC Medicine).

والساركوما العظمية هي أكثر سرطانات العظام الأولية انتشاراً، ويصيب غالباً الأطفال والمراهقين خلال فترات النمو السريع. وينشأ هذا السرطان في الخلايا المسؤولة عن تكوين العظام، ويظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق أو الذراع.

وعلى الرغم من عدم وضوح أسبابه بدقة، فإنه يرتبط بتغيرات جينية في الخلايا، وأحياناً بعوامل وراثية نادرة. ووفق الباحثين، تكمن خطورته في قدرته على الانتشار إلى أعضاء أخرى، خصوصاً الرئتين، ما يجعل علاجه أكثر تعقيداً. ويعتمد العلاج حالياً بشكل رئيسي على مزيج من الجراحة والعلاج الكيميائي.

ويعتمد العلاج الجديد، المعروف باسم (OSM CAR-T)، على إعادة برمجة الخلايا المناعية لدى المريض لتتعرف على الخلايا السرطانية وتهاجمها وتدمرها بدقة.

ورغم نجاح تقنية هذه التقنية في علاج سرطانات الدم مثل اللوكيميا واللمفوما، فإن فاعليتها ضد الأورام الصلبة مثل الساركوما العظمية كانت محدودة بسبب تعقيد هذه الأورام وتنوع خصائصها.

وتمكن الفريق البحثي من تجاوز هذه العقبة عبر تصميم خلايا مناعية مُعدّلة تسمى (CAR-T) تستهدف بروتيناً يظهر على سطح خلايا الساركوما العظمية، ما يتيح للخلايا المناعية التعرف على عدة مستقبلات في وقت واحد ومهاجمة الورم بفاعلية أكبر.

وأظهرت التجارب المعملية وعلى النماذج الحيوانية نتائج إيجابية، إذ نجحت الخلايا المناعية المُعدّلة في القضاء على خلايا الساركوما العظمية في جميع العينات التي خضعت للاختبار، وقلصت حجم الأورام بشكل ملحوظ. والأهم من ذلك، وفق الفريق، أظهر هذا النهج قدرة العلاج على استهداف الخلايا السرطانية المنتشرة إلى أعضاء أخرى في الجسم، وهي من أخطر مراحل المرض وأكثرها مقاومة للعلاج.

وقالت الدكتورة ريشمي باراميسواران، الباحثة الرئيسية في الدراسة: «العلاجات التقليدية للساركوما العظمية، التي تعتمد على الجراحة والعلاج الكيميائي، لم تشهد أي تطور يُذكر منذ أكثر من 40 عاماً».

وأضافت عبر موقع الجامعة، أن النهج الجديد يفتح الباب أمام علاج موجه يستخدم جهاز المناعة لمهاجمة السرطان، مع احتمالية تحقيق نتائج أفضل وآثار جانبية أقل.

وأشارت إلى أنه من المتوقع أن يبدأ اختبار العلاج في تجارب سريرية خلال العامين المقبلين، وإذا أثبت نجاحه لدى البشر، فقد يوفر خياراً علاجياً جديداً يقلل الحاجة إلى الجراحة، ويمنح أملاً أكبر للمرضى، خصوصاً أولئك الذين يعانون من انتشار السرطان إلى أجزاء أخرى من الجسم.


«كذبة بيضا» تكسر إيقاع الحرب بشريط ذكريات موجع

العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)
العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)
TT

«كذبة بيضا» تكسر إيقاع الحرب بشريط ذكريات موجع

العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)
العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)

لم تستسلم جوزيان بولس، مديرة «مسرح مونو»، أمام واقع حرب يلفّ لبنان من شماله إلى جنوبه. تحدَّت أصوات الصواريخ والانفجارات، ومشهد تشتُّت اللبنانيين، عبر مقاومة ثقافية وفنية، فدعت هواة المسرح إلى حضور العرض الأول من مسرحية «كذبة بيضا». لبَّى الدعوة جمهورٌ ملأ مقاعد صالة «مونو»، مشدوداً إلى مبادرتها، ومعبِّراً عن امتنانٍ لمساحة ضوءٍ تستحدثها وسط ظلمة حرب قاتمة.

وعلى مدى نحو ساعة، تابع الحاضرون عملاً مسرحياً متقناً صاغه الكاتب ألكسندر نجار، وأدَّته على الخشبة مجموعة من الممثلين، من بينهم جو أبي عاد، وجوزيان بولس، ومايا يمِّين، وجاك مارون، وغيرهم. وجاء العمل ضمن مشهدية بصرية لافتة، تتضمن ديكورات تتقاطع مع زمن الحرب الأهلية في سبعينات القرن الماضي.

تفاصيل حرب السبعينات حضرت على الخشبة (مسرح مونو)

تتمحور قصة العمل حول الشاب العشريني «جينو» (أنطوني توما)، الضائع بين مصيرين: أحدهما مجهول والآخر موجع؛ فإما أن يغادر البلد لإكمال دراسته بعيداً عن وطأة الحرب، وإما أن ينخرط في ميليشيا تقاتل على الأرض.

وتطرح مخرجة العمل، لينا أبيض، الدوامة نفسها التي يعيشها شباب اليوم، مبرزة تأثير قرارات الأهل على أبنائهم، بما يزيد من ضياعهم، ومسلِّطة الضوء على القرارات المصيرية التي كثيراً ما تُفرَض عليهم من عائلاتهم. فيعيش الحضور تجربة مسرحية تتراوح بين الحنين إلى الوطن وفكرة الصمود رغم كل شيء.

ومنذ اللحظة الأولى لدخول صالة المسرح، حرصت لينا أبيض على إشعار الجمهور بالحقبة التي يدور فيها العمل؛ فكانت أغنيات سبعينات القرن الماضي تصدح في الأرجاء. يخرج صوت كلود فرنسوا تارة، ليلاقيه نجم سبعيني آخر هو جان فرنسوا ميكايل، ما أيقظ مشاعر الحنين لدى الحضور من جيل الحرب، الذين أدركوا أنهم على موعد مع أيامٍ خلت.

موضوع المسرحية يعود إلى سبعينات القرن الماضي، لكنه يقيم مقاربة موضوعية بين ما حدث وما يجري اليوم؛ فالسلام لا يزال مفقوداً في بلد عانى الأمرَّين لأكثر من نصف قرن. وتأخذنا لينا أبيض في رحلة ذكريات تختلط فيها المتعة بالوجع، فتغمر المشاهد بأحاسيس متناقضة.

بالعربية والفرنسية تدور حوارات المسرحية، ناقلةً يوميات عائلة لبنانية تنتمي إلى طبقة رأسمالية؛ فالأب والأم يخططان لمستقبل ابنهما ليتسلَّم إدارة المصنع الذي يملكانه، فيما تحاول العمة تقريب وجهات النظر بينهما وبين الابن الشاب الذي يحلم بأن يصبح مغنياً. وفي نهاية المطاف، يتفق الجميع على أن سفره هو الحل الأفضل، إذ لا يرغبون في أن يقاتل ويعود إليهم في صندوق خشبي.

بطل العمل أنطوني توما أعاد الحضور بأغنياته إلى زمن السبعينات (مسرح مونو)

يوهم «جينو» والديه بأنه غادر إلى آسكوتلندا، لكنه في المقابل يلتحق بالمقاتلين في ثكنة تقع على خطوط التماس في منطقة السوديكو. هناك نتابع إيقاع يوميات المقاتلين وما يتعرضون له من مخاطر، كما نتعرَّف إلى القنَّاص الذي يتلذذ باصطياد الناس في بيوتهم من سكان الحي الغربي لمنطقتهم، وكذلك إلى الممرضة الفرنسية المتطوعة لمساعدة جرحى الحرب.

تستعيد مشاهد «كذبة بيضا» تفاصيل الحرب الأهلية اللبنانية، فتعود بنا إلى الألقاب التي كان يحملها المقاتلون لتكون أسماء تمويهية لهم، مثل: «راسبوتين»، و«أسبيرين»، و«العميد»، و«شاكوش»، إضافة إلى «أزنافور»، وهو الاسم الحركي للشاب «جينو».

كما تستحضر لينا أبيض متاريس الرمل، التي كانت تفصل بين شارع وآخر، وانقطاع التيار الكهربائي والأدوية، وتعيد إلى الذاكرة أسلوب التواصل مع المغتربين اللبنانيين عبر رسائل البريد والتسجيلات الصوتية، التي كانت تُرسل إلى بلاد الاغتراب لتشكِّل، آنذاك، صلة التواصل الوحيدة بين المقيمين والمغتربين.

وكما الانفجارات وأزيز الرصاص المنتشر في الأجواء، نستعرض خسائر الحرب البشرية والمادية. ويتردد في الآذان صوت المذيعة في نبأ إخباري: «مكتب التحرير في خبر جديد». كما يستمع الحضور إلى قصة أحد المقاتلين، وكيف خسر ابنه وزوجته في 26 يونيو (حزيران) عام 1975 على خطوط التماس، فقرَّر الانتقام لهما عبر التحاقه بإحدى الميليشيات، حيث صار يملك سلطة منع أي شخص من دخول منزله والدوس على ذكرياته المحروقة.

تضع المسرحية إصبعها على الجرح عندما يتحدث المقاتلون عن الإحباط، وعن عالمٍ نسي لبنان وتركه يواجه مصيره وحيداً من دون أي مساعدة.

يصدح صوت أنطوني توما بأغنيات السبعينات، منها «لا بوهيم» لشارل أزنافور، و«يسترداي» لفرقة البيتلز، و«Je lui dirai des mots bleus» للمغني الفرنسي كريستوف، موقظاً مشاعر مختلطة لدى الحضور، بعدما أعادهم إلى حقبة أليمة محفورة في ذاكرتهم.

«كذبة بيضا» من تأليف ألكسندر نجار وإخراج لينا أبيض (مسرح مونو)

يبقى شريط الذكريات حاضراً طوال العرض، ويستوقف الجمهور مشهد العمة «ريموند» التي نمَّت موهبة «جينو» عندما كانت تشتري له مجلة «Salut les copains»، فتعود بالذاكرة إلى جيلٍ كان يبني أحلامه الفنية على مجلات فرنسية لمواكبة تطورات الساحة الفنية بطريقته الخاصة.

في «كذبة بيضا»، لا يروي ألكسندر نجار قصة الشاب «جينو» فحسب، بل يفتح الباب على حكايات جيلٍ بأكمله تكسَّرت أحلامه، وبقيت جروح الحرب ندوباً في ذاكرته.

حاول نجار أيضاً تلوين القصة بمواقف مضحكة تخفف من وطأة الأحداث، إلا أنه حافظ في الوقت نفسه على إبراز شعب أتعبته الحروب، فبدا منهكاً وضائعاً بين خيارين لا يقلُّ أحدهما قسوة عن الآخر، ليُقنع نفسه في النهاية بأنه بخير، مكتفياً بما يشبه «كذبة بيضاء» لا أكثر.


 مصر لتوثيق المواويل والرقصات الشعبية رقمياً

الاحتفال باليوم المصري للفنون الشعبية (وزارة الثقافة)
الاحتفال باليوم المصري للفنون الشعبية (وزارة الثقافة)
TT

 مصر لتوثيق المواويل والرقصات الشعبية رقمياً

الاحتفال باليوم المصري للفنون الشعبية (وزارة الثقافة)
الاحتفال باليوم المصري للفنون الشعبية (وزارة الثقافة)

يحتفل المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية بمصر بـ«اليوم المصري للفنون الشعبية» عبر فعاليات تحتفي بتوثيق كنوز الفنون الشعبية المصرية على منصات المركز، وبث تسجيلات مرئية لهذه الفنون ومنها: «الأغنية الشعبية المصرية، والرقص الشعبي المصري، وفن الموال الشعبي، والفنون الشعبية في سيوة، وعاشق المدّاحين (عبد الرحمن الشافعي)».

وتأتي هذه الاحتفالية التي تواكب 18 مارس (آذار) في إطار جهود وزارة الثقافة لتأكيد الهوية المصرية، وتم اختيار هذا اليوم للاحتفال بـ«اليوم المصري للفن الشعبي» ليواكب ذكرى ميلاد الفنان الراحل محمود رضا الذي أسس مدرسة رائدة في استلهام الفنون الشعبية وقدمها للعالم عبر «فرقة رضا» وفق بيان للمركز القومي للمسرح.

وتمكنت فرقة رضا من ترسيخ حضورها في الفن الشعبي المصري من خلال مجموعة كبيرة من الرقصات والأغاني الشعبية المستوحاة من حياة المصريين في الدلتا والصعيد والساحل والصحراء، وشاركت الفرقة في مجموعة من المهرجانات الفنية خارج مصر، كما شاركت في عدد من الأفلام السينمائية مثل «أجازة نص السنة» و«غرام في الكرنك» و«حرامي الورقة» و«وا إسلاماه».

ويجسد الاحتفال باليوم المصري للفنون الشعبية «قيم الأصالة والتفرد في الثقافة المصرية، ويؤكد أن الفنون الشعبية ليست مجرد تراث محفوظ، بل هي لغة حية تعكس وجدان الأمة وتاريخها المشترك عبر الأجيال. وفق مدير المركز القومي للمسرح المخرج عادل حسان، موضحاً أنه ضمن برنامج الاحتفال باليوم المصري للفن الشعبي، الإعلان عن نتائج مسابقة زكريا الحجاوي لدراسات الفنون الشعبية، والتي اعتمدها المخرج هشام عطوة، رئيس قطاع المسرح، وتهدف إلى تشجيع البحث العلمي وصون التراث الثقافي. واعتبر حسان هذه المناسبة، وهذا اليوم علامة مضيئة في الذاكرة الوطنية، ورسالة تؤكد أن الفن الشعبي هوية حية تتجدد وإبداع لا ينطفئ.

جانب من استعراضات فرقة رضا (وزارة الثقافة)

وتضم مصر مجموعة من فرق الفنون الشعبية في محافظات مختلفة، بالإضافة إلى الفرقة القومية للفنون الشعبية، وتبني هذه الفرق استعراضاتها وأغانيها على التراث الشعبي في كل أنحاء مصر عبر بيئاتها المختلفة، ومن الأغاني والاستعراضات المهمة التي اشتهرت بها بعض هذه الفرق «الحجالة» و«المراكبي» و«الأقصر بلدنا» وغيرها من الأعمال.

وسبق أن أعلنت وزارة الثقافة المصرية عن مشروع لتوثيق تراث فرقة رضا بقيادة سليم سحاب ويشمل المشروع أيضاً إعادة تدوين النوت الموسيقية والبارتيتور لأعمال فرقتي رضا والقومية للفنون الشعبية، وتوزيعها توزيعاً أوركسترالياً حديثاً يوسع من أفقها الصوتي، مع الحفاظ التام على الطابع اللحني والتوزيع الأصلي.

وكان قد تقرر إعادة تسجيل الأغاني والمقطوعات الموسيقية بجودة صوتية عالية وبمرافقة أوركسترا حية، لضمان الحفاظ على الذاكرة السمعية لهذا التراث، إلى جانب تنظيم ورش فنية للعناصر المشاركة تجمع بين الطابع الشعبي والانضباط الأكاديمي، ما يتيح تقديم عروض ترتقي إلى المستوى الدولي.

ومن بين الفنون الشعبية التي يحتفي بها المركز والاحتفالية السنوية باليوم المصري للفنون الشعبية فن الموال الذي برع فيه العديد من المطربين الشعبيين من بينهم محمد عبد المطلب ومحمد طه الملقب بـ«ملك الموال» وحفني أحمد حسن وشفيق جلال ومتقال القناوي.