صالات السينما لـ«ديزني» والبيوت لـ«نتفليكس»

توزيع مهام أم نهاية دور؟

لقطة من «توي ستوري}
لقطة من «توي ستوري}
TT

صالات السينما لـ«ديزني» والبيوت لـ«نتفليكس»

لقطة من «توي ستوري}
لقطة من «توي ستوري}

لمن يعرف لندن منذ عقود ويمر بها اليوم سائحاً، تستوقفه -إذا ما كان من رواد السينما وعشاق الأفلام- المحطات التي عنيت له أكثر من سواها.
أخذتُ الحافلة من ميدا ڤايل إلى البيكاديللي. مشيت في كوينزواي وأكسفورد ستريت وعرّجت على هاي ستريت كنسينغتون ومررت بماربل آرتش وادجوار رود. في كل زاوية توقفت عندها كانت هناك صالة سينما شاهدت فيها أفلاماً من كل نوع ومستوى. الآن هي إما تحولت إلى مطاعم وإما إلى محل ملابس وإما إلى مركز ألعاب وإما ما زالت مغلقة فقط.
في بيروت الوضع ذاته. ليس فقط لأن المولات خطفت الروّاد إلى مراكز تجارية توفر التجول بهواء المكيّفات المريح بين العديد من المحال الأخرى والمطاعم قبل دخول صالة السينما فيها، بل أيضاً لأن حب ارتياد صالات السينما في عاصمة كانت مثل «السينماتِيك فرنسيز» في باريس، انحسر عن الناس وسط ظروف البلد الاقتصادية البائسة.

مشكلات غير معهودة
في صوفيا، بلغاريا، حيث قضيت بضعة أسابيع قبل حين، لن تجد فيلماً بلغارياً في أيٍّ من صالاتها. كلها أفلام أميركية. هذا كان الحال نفسه قبل نحو عشرين سنة عندم جُلت في العاصمة الأوكرانية بحثاً عن فيلم أوكراني أو روسي أشاهده حتى ولو لم يكن مترجماً للإنجليزية (وهو لن يكون) فلم أجد إلا أحد أفلام رامبو والعديد من النسخ الشبيهة.
هناك، ليس بعيداً عن إحدى الصالات التي استفادت من الانفتاح الرأسمالي باستقبال الأفلام الترفيهية الخفيفة أتذكر امرأة عجوزاً افترشت طاولة صغيرة عليها نحو عشر حبّات بطاطا وحذاء قديم تعرضه للبيع.
قبل أكثر من مائة عام، تنبّأ لوي لوميير بأن «السينما اختراع بلا مستقبل».
وكم كان على خطأ. في السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر وُلد الفن السابع كفرجة للترفيه وإثارة التعجب وانتقل خلال سنوات قليلة إلى أفلام مشغولة بحب معرفة كيفية وضع صورة تلو أخرى لسرد حكاية أو لانعكاس موقف أو إيصال رسالة. في مطلع العقد الثاني من القرن العشرين اكتمل السعي لسرد سينمائي على النحو الذي ما زال معمولاً به اليوم: فن الصنعة مع فن الحكاية وصولاً لجمهور شاسع الرغبات ومستويات القبول.
وقبل 100 سنة تأكد للجميع أن السينما وُلدت لتبقى وأن المخرج أكثر من مجرد راوي قصة تُسند إليه مهمة تصويرها. أفلام تلك الفترة ضمت ارتقاءً على الناحيتين الفنية والترفيهية كما الحال في «حجرة دكتور كاليغاري» للألماني روبرت واينـ، و«أرملة بارسون» للدنماركي كارل تيودون دراير، و«الخارج عن القانون وزوجته» للسويدي فكتور سيوستروم، و«أتهم» للفرنسي آبل غانس، وكل ذلك على جانب أفلام عديدة لمخرجين أميركيين وضعوا نقاط الصنعة على حروف السينما مثل سيسيبل ب. دميل وديفيد وورك غريفيث وبستر كيتون وإنغرام ركس وأرنست لوبيتش.
الحال ماثل إلى اليوم: أفلام ترفيهية وأفلام فنية. الأولى تسود صالات السينما في كل مكان والأخرى تنتشر على شاشات المهرجانات السينمائية. الأولى تعيش من وراء إقبال الجمهور المحب للترفيه، والأخرى من وراء محبي ومتذوقي فن السينما.
لكن ما وراء هذه النظرة الخارجية هناك مشكلات لم تعهدها السينما من قبل. نعم واجهت تحديات متواصلة وقفزت فوقها واستمرت باندفاع متجاوزةً عراقيل مختلفة، لكن الوضع الحالي هو مفصلي أكثر من سواه.
السينما الجماهيرية اليوم تجد نفسها أمام اختيارين: واحد اسمه «ديزني» والآخر اسمه «نتفليكس». الأول فرش عباءته على كل المعمورة بأفلام مستنسخ بعضها من بعض تستطيع أن تنقل الحكاية في أحدها إلى فيلم آخر من دون الحاجة إلى أي تعديل فعلي. والاختيار الآخر هو أن تبقى في البيت تشاهد على مقعدك الوثير بينما تأكل من عنقود العنب أو ربما تمسك بفخذ الدجاجة وعيناك على الشاشة. أمر لو تخيّل إنغمار برغمن أو روبير بريسون أو مايكل أنغلو أنطونيوني أو أندريه تاركوفسكي احتمال حدوثه لأُصيبوا بصدمة منعتهم من صنع الأفلام.
«ديزني» جيّشت سيلاً من الأفلام واستحوذت على مليارات الدولارات وحجّمت من الشركات الأميركية الكبرى الأخرى. منذ نحو خمس سنوات وأفلامها هي التي تتصدر قوائم أفضل الإيرادات. وهذا العام نجد أن خمسة من أفلامها جمعت مليارات الدولارات وهي على التوالي:
1‪ - ‬ Avengers‪:‬ Endgame‪:‬ ‪$‬1‪,‬937‪,‬042‪,‬204
2‪ - ‬ The Lion King‪:‬ ‪$‬1‪,‬599‪,‬814‪,‬249
3‪ - ‬ Captain Marvel‪:‬ ‪$‬1‪,‬126‪,‬129‪,‬839
4‪ - Toy Story: ‪$‬1‪,‬053‪,‬387‪,‬196
5‪ - ‬ Aladdin‪:‬ ‪$‬1‪,‬037‪,‬340‪,‬115

أدوار مختلفة
وبينما الناس تتلهى بمشاهد المخاطر والبطولات الخرافية تُعزز من دون أن تدري سُلطة المؤسسة الواحدة التي تستطيع الاستمرار على هذا المنوال واستحواذ الهيمنة. الشركات الأخرى ما عليها سوى أن تبحث عن بديل أو تقلد. لكن المسألة لا تكمن فيما ستقوم به هذه الشركات الأخرى بقدر ما هي في الضحية الذي هو المشاهد ذاته الذي سيُقبل على الوليمة ذاتها طويلاً قبل أن يتساءل عن السبب في ذلك.
«ديزني» نجحت في تعليب المشاهدين وجعلهم روّاداً صاغرين لما تعرضه. كيف نفسر ما سبق وفوقه أنها في العام المنصرم استحوذت على المراتب العليا ذاتها بعشرة أفلام فقط، بينما كل شركة من الشركات المنافسة (وورنر، يونيفرسال، باراماونت، صوني، فوكس) أنتجت أكثر من هذا العدد ولم تسجل إلا نجاحات قليلة؟
في الصالات إذن لدينا شعار «ديزني» على الملصقات والإعلانات وعلى الشاشات. أما في البيوت فتملك ناصية الموقف شركة «نتفليكس» التي تعمل على منوال أن تنتقل السينما من مفهوم الشاشة العريضة والصالة التي يتشارك الجلوس فيها الناس إلى مفهوم البيت حيث يشاهد المرء ما يريد من دون الخروج من المنزل وقيادة السيارة إلى المركز التجاري وصعود سلالم والوقوف في الصفوف وشراء المثلجات و«البوب كورن» والجلوس فوق مقعد إذا غادره للحظة فاته المشهد برمته.
إنه الخيار الصعب، أن يجد الباحث عن أفلام جيدة نفسه كما لو كان ينتمي إلى مخلوقات نادرة ما زالت تعاين الحياة على الأرض للمرّة الأولى. شخصيات تدير ظهورها إلى حيث يقبل الناس فتبحث -فيما تبقّى من صالات الفن والتجربة وسينما البدائل- عن أعمال جديدة خرجت من المهرجانات الأخيرة بفوز أو من دونه.
لكن حتى هذه المهرجانات وأفلامها لا تقوم بأدوارها ذاتها السابقة. باتت بدورها تستند، ولو بحدود، إلى إسهامات سينما المنازل كما الحال مع «الآيرلندي» لمارتن سكورسيزي الذي سيفتتح مهرجان نيويورك، ومع «روما» الذي افتتح مهرجان فنيسيا في العام الماضي.
نعم هي تعرض المختلف عن السائد، لكن هذا المختلف عن السائد الذي ما زلنا نهلل له ليس بالقيمة الفنية ذاتها مع ما سبقه من النوع ذاته. القلة فقط من أفلام المهرجانات ترتقي إلى فن لا يمكن تجاهله. الغالبية هي شغل على الإعلام كسبيل (شبه وحيد) لإثارة تلك المخلوقات الأرضية التي ما زالت تبحث عن بديل.



أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
TT

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)

اشتهر أحد رؤساء شركة «مترو - غولدوين - ماير» المعروفة بـ«M.G.M» في الثمانينات بأنه كان يملك دُرجَين في مكتبه؛ أحدهما لعقود البيع، والآخر لعقود الشراء. وكان يفتح الدُّرج الأول لبيع أقسام من الشركة وأملاكها في يوم، ويستردها في يوم آخر، ويقبض نسبته من العقود في كلتا الحالتين.

هذا الوضع يبدو اليوم أقل أهمية مما كان عليه آنذاك، وما انكشف عنه يومها من فضيحة لم يؤذِ أحداً، وغلَّفه التاريخ بالنسيان. وبالمقارنة مع ما يحدث في «هوليوود» اليوم من عمليات شراء بين المؤسسات وعمليات دمج يصعب تتبّعها، تبدو عمليات الأمس طبيعية؛ لأنها لم تقع في فخاخ الأوضاع الاقتصادية المتعثرة التي سادت خلال السنوات العشر الأخيرة.

رؤوس متعددة

قبل 3 أيام، رفعت شركة «باراماونت» السعر الذي عرضته للاستحواذ على شركة «وورنر»، التي كانت على وشك الموافقة النهائية على عرض قدَّمته «نتفليكس» في الشهر الأخير من العام الماضي. وما إن علمت «باراماونت» أن «وورنر برذرز» تدرس جدياً عرض «نتفليكس»، حتى عرضت شراءها بمبلغ تجاوز 100 مليار دولار، مقابل مبلغ 87.2 مليار دولار عرضته منصة «نتفليكس».

السعر الجديد الذي تُواجِهُ به «باراماونت» تردّدَ «وورنر» في القبول هو الآن 108 مليارات و500 مليون دولار.

«معركة بعد أخرى» أحد أهم نجاحات «وورنر» الأخيرة (وورنر)

الأهداف هنا متعددة؛ فمن ناحية، يحتوي أرشيف «وورنر» آلاف الأفلام التي أنتجتها الشركة، أو أنتجتها شركة «نيولاين سينما» التابعة لها. ومن ناحية أخرى، ستؤدي عملية الشراء إلى تعزيز حجم شركة «باراماونت»، التي تمتلك بدورها أرشيفاً ضخماً من الأفلام. كذلك تسعى «باراماونت» إلى تحسين وضعها بعدما سجَّلت في نهاية العام الماضي أضعف دخل لها، وحلَّت خامسة بين الاستوديوهات السينمائية الخمسة الكبرى («ديزني»، و«وورنر»، و«يونيڤرسال»، و«سوني»، و«باراماونت»)، إذ بلغت عائدات أفلامها ملياراً و419 مليون دولار، بفارق 5 مليارات و161 مليون دولار عن الشركة التي حلّت في المرتبة الأولى؛ «ديزني».

ما تبحث عنه «باراماونت» أيضاً هو ضم إدارة أعلى فاعلية حققت نجاحات تجارية ملحوظة في الأشهر الأخيرة من خلال إنتاج فيلمي «معركة بعد أخرى» و«خاطئون». يضاف إلى ذلك امتلاك «وورنر» حقوق إنتاج أفلام مؤسسة «دي سي (DC)» للكوميكس، التي تضم شخصيتي «سوبرمان» و«باتمان»، وتستعد لإطلاق نسخة جديدة من «سوبرغيرل».

وكان أنجح أفلام «باراماونت» في العام الماضي «مهمة: مستحيلة: الحساب الأخير (Mission: Impossible - The Final Reckoning)»؛ إذ سجّل 598 مليون دولار عالمياً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق ربح؛ لأن تكلفة إنتاجه بلغت 400 مليون دولار.

من يد إلى يد

تاريخ «هوليوود»، خصوصاً استوديوهاتها الكبرى، مليء بعمليات الاستحواذ مقابل مبالغ خيالية. فشركة «مترو» نفسها بيعت لـ«أمازون» العام الماضي بـ8 مليارات و500 مليون دولار، وأصبح اسمها الآن «أمازون م.ج.م».

وعبر هذا التاريخ شهدنا عقوداً عدَّة، منها شراء شركة «سوني» اليابانية العملاقة في عام 1990 «كولومبيا» وشريكتيها «تراي - ستار» و«سكرين غمز (Gems)». ولم تكن «كولومبيا» الأولى ولا الأخيرة؛ فمنذ الثلاثينات تم شراء ودمج وبيع كثير من الشركات، توقف كثير منها لاحقاً (مثل «آر كي أو» و«ريبابلك»)، لتبقى المؤسسات السبع الكبرى المعروفة: «كولومبيا»، و«م.ج.م»، و«يونيڤرسال»، و«باراماونت»، و«وورنر»، و«ولت ديزني»، و«فوكس».

لكن هذا التاريخ لم يشهد عقداً بحجم العرض الذي قدَّمته «باراماونت» مؤخراً لشراء «وورنر». فمبلغ 108 مليارات و500 مليون دولار هو سعر مرتفع، ويتضمّن 7 مليارات دولار لتغطية أي تأخير في تنفيذ الصفقة، إضافة إلى رفع قيمة السهم الواحد إلى 31 دولاراً، مع ضمان عدم انخفاض هذا المبلغ تحت أي ظرف.

الأكبر إغراءً أن المبلغ سيُدفع نقداً، وليس عبر ودائع أو تحويلات مصرفية. وفي المقابل، تحصل «باراماونت» على الشركة وقنواتها التلفزيونية (بما فيها «سي إن إن - CNN») ومنصاتها الخاصة. وكانت «وورنر» تميل إلى قبول عرض «نتفليكس» عندما رفعت الأخيرة عرضها إلى 72.2 مليار دولار، لكنها تنظر الآن بعين التقدير إلى العرض الجديد، في حين لا يبدو أن «نتفليكس» ترغب في تجاوز هذا الرقم الخيالي بعرض منافس.

عين «باراماونت» على «سوبرمان» (وورنر)

أفلام ناجحة ولكن...

السؤال الأبرز هو: لماذا تعرض «وورنر» نفسها للبيع على الرغم مما حققته في العامين الماضيين من نتائج تجارية جيدة عبر أفلام مثل «سوبرمان»، و«معركة بعد أخرى»، و«خاطئون»؟

سؤال وجيه لأكثر من سبب؛ منها احتلال الشركة المركز الثاني تجارياً بين شركات «هوليوود»، إذ بلغت عائداتها مع نهاية العام الماضي 4 مليارات و379 مليون دولار، مقابل 6 مليارات و580 مليون دولار لـ«ديزني».

وتكشف صحيفة «لوس أنجليس تايمز» عن أن أحد أهم الأسباب يعود إلى بضع عمليات اندماج نفذتها الشركة خلال السنوات الماضية؛ مما حمَّلها أعباءً مالية كبيرة، بعدما جاءت النتائج دون التوقعات. ومن بين هذه العمليات شراء مؤسسة «تايم» الإعلامية عام 1990، والأسوأ منها شراء شركة «إيه أو إل (AOL)» عام 2001، وهي صفقة وُصفت بأنها من أسوأ عمليات الدمج في تاريخ «هوليوود».

كما استحوذت «وورنر» على محطات غير ربحية مثل «تي إن تي (TNT)»، و«تي بي إس (TBS)»، و«تي سي إم (TCM)». وفي عام 2016 اشترت الشركة العملاقة «إيه تي آند تي (AT&T)» شركة «وورنر»، لكن ذلك لم يحل الأزمة، إذ لا تزال الشركة تعاني من ديون تبلغ 53 مليار دولار منذ عام 2022.

وعند إضافة هذه العمليات الخاسرة والديون المتراكمة إلى حقيقة أن «هوليوود» بأسرها تمرُّ بأزمة سببها منافسة المنصات الكبرى («أمازون»، و«نتفليكس»، و«أبل»)، التي تمارس ضغوطاً متصاعدة على استوديوهات «هوليوود» التقليدية، (كما حدث عندما اشترت «أمازون» «م.ج.م»)، ومع غياب خطة فعلية لمواجهة هذه المنصات التي استحوذت على نحو 50 في المائة من جمهور السينما، يصبح السبب النهائي واضحاً: تخلُّص «وورنر» من أعبائها عبر بيع أصولها لمن يرغب.


شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
TT

شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)

SENTIMENTAL VALUE

★★★

إخراج:‫ يواكيم تراير‬

النرويج - ألمانيا - الدنمارك (2025)

دراما عائلية مرشّحة لأكثر من جائزة «أوسكار»

قرب مطلع الفيلم، تنتفض «نورا» (رينايت راينسڤ) خائفة. تُصاب، وهي على بُعد دقائق من الظهور أمام الجمهور، بما يُعرف بـ«الخوف من الخشبة». تحاول تمزيق ردائها الذي ستظهر به قبل أن يردعها المحيطون بها. تبدو كأنها استسلمت وبدأت تستعد لصعود المسرح، لكنها فجأة تركض بشكل هستيري نحو باب الخروج هاربة. يلحق بها الجميع ويدفعونها إلى المسرح قسراً. تترصَّدها الكاميرا لتسجِّل حالتها وقد أدركت أن عليها مواجهة الجمهور المنتظر. وما إن تفعل ذلك، حتى تستعيد ثباتها وتقدّم عرضاً ناجحاً، يكتفي المخرج يواكيم تراير بعرض نموذج قصير منه، يعقبه تصفيق حادٌّ من الجمهور.

إنها بداية موفّقة للتعريف بالممثلة داخل الفيلم، وكذلك بأسلوب المخرج تراير المتمكِّن في سرد الحكاية بالحيوية المطلوبة. لكن العلاقة بين هذه المقدِّمة وما يليها تبقى في حدود التعريف؛ إذ يتحوَّل المشهد إلى تمهيد للدخول في عالم فني متكامل تتطور حكايته مباشرة بعد ذلك.

«نورا» ممثلة ناجحة، لكن حياتها الخاصة مضطربة. لديها شقيقة أصغر (إنغا إبسدوتر) متزوجة، وعلاقة الشقيقتين بوالدهما «غوستاف» (ستيلان سكارسغارد) تبدو كوترٍ مشدود يكاد ينقطع. يتضح ذلك حين يصارح الأب «نورا» برغبته في أن تؤدي الدور الرئيسي في فيلمه المقبل: «كتبت السيناريو وأنت في البال». لكنها ترفض، مذكِّرة إياه بأنه لم يتابع مسيرتها المهنية، وأنه غاب طويلاً قبل أن يعود الآن بدافع حاجته إليها فقط. يؤكد لها أن الأمر ليس كذلك، لكنها تُصرُّ على الرفض، فيلجأ إلى ممثلة أخرى؛ مما يجعل علاقته بابنته أعلى حدَّة وتوتراً.

هذه هي عتبة الفيلم نحو وضع أعلى سخونة. فالفيلم الذي يود «غوستاف» العودة به إلى السينما بعد انقطاع طويل مبني على قصة حياته منذ شبابه، لا سيما حادثة انتحار والدته. وهذا ما يزيد التوتر؛ لأن الشقيقتين تريان عودتَه بعد غياب طويل عنهما نابعةً من مصلحة شخصية.

الحكاية ليست العنصر الجاذب الأول؛ فهي حبكة جيدة لكنها محدودة التأثير في حد ذاتها. يمنح الفيلم مشاهديه موقع المتابعة وليس المشاركة؛ لأن المسائل العاطفية المطروحة ليست جديدة ولا حاسمة تماماً. ما يمنح الفيلم قيمته الفعلية هو الأداء التمثيلي الجماعي، إضافة إلى قدرة المخرج على توظيف الكاميرا والصوت لالتقاط تفاصيل المشاهد بقوة.

WOLFRAM

★★★

إخراج:‫ وورويك ثورنتون‬

أستراليا (2026)

من أفلام «مسابقة برلين» وأحد الأعمال الجديرة بالاهتمام

هو نوع من أفلام الويسترن الأسترالي؛ نظراً إلى طبيعة المكان والأجواء، لكن مع رسالة واضحة وتنفيذ جيد إلى حدٍّ مقبول. تدور أحداثه في ثلاثينات القرن الماضي فوق أرض صحراوية قاحلة، مع ما يلزم من شخصيات طيبة وأخرى شريرة. خلال تلك الفترة شهدت المناطق الأسترالية البعيدة تنافساً على استخراج حجر التنغستن (الاسم الآخر: وولفرام)، الذي يُقال إنه نافس الذهب في قيمته. شريران يسعيان إلى اكتشافه طمعاً في ثروة كبيرة، لكن أسلوبهما يبدأ خشناً وينتهي عنيفاً، فيما يكون الضحايا غالباً من السكان الأصليين لأستراليا.

«وولفرام» (دارك ماتر دستربيوشن»)

في الوقت نفسه، تبحث أمٌّ من السكان الأصليين (ديبرا مايلمن) عن ولديها اللذين اختفيا، كما اختفى غيرهما من أطفال السكان الأصليين. فقد خُطِف هؤلاء لتشغيلهم في المناجم دون أجر، حيث تصبح حياتهم رهينة الاستغلال، ويمكن التخلّص منهم بالقتل في أي وقت. نتعرَّف إلى الولدين وهما يعملان في منجم يديره رجل قاسٍ. ومع وصول الشريرين إلى المكان، ينقلب حال صاحب المنجم بعدما يدرك أنه أمام منافسة شرسة.

غاية الفيلم نبيلة؛ إذ يسلِّط الضوء على معاناة السكان الأصليين في أستراليا واستغلالهم على يد البيض بوصفهم عبيداً قبل التخلّص منهم. وكان وورويك ثورنتون قد قدَّم قبل 8 سنوات فيلماً آخر عن هذا الشعب المقهور بعنوان «سويت كنتري (Sweet Country)»، في ما يبدو أنه الجزء الأول من ثلاثية قد تكتمل مستقبلاً بالانتقال إلى أربعينات أو خمسينات القرن الماضي.

جماليات الفيلم لافتة، وملتقطة بعناية، ويلعب المكان وألوان الطبيعة دوراً مهماً في ترسيخ القسوة التي يتحدث عنها العمل.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.