صالات السينما لـ«ديزني» والبيوت لـ«نتفليكس»

توزيع مهام أم نهاية دور؟

لقطة من «توي ستوري}
لقطة من «توي ستوري}
TT

صالات السينما لـ«ديزني» والبيوت لـ«نتفليكس»

لقطة من «توي ستوري}
لقطة من «توي ستوري}

لمن يعرف لندن منذ عقود ويمر بها اليوم سائحاً، تستوقفه -إذا ما كان من رواد السينما وعشاق الأفلام- المحطات التي عنيت له أكثر من سواها.
أخذتُ الحافلة من ميدا ڤايل إلى البيكاديللي. مشيت في كوينزواي وأكسفورد ستريت وعرّجت على هاي ستريت كنسينغتون ومررت بماربل آرتش وادجوار رود. في كل زاوية توقفت عندها كانت هناك صالة سينما شاهدت فيها أفلاماً من كل نوع ومستوى. الآن هي إما تحولت إلى مطاعم وإما إلى محل ملابس وإما إلى مركز ألعاب وإما ما زالت مغلقة فقط.
في بيروت الوضع ذاته. ليس فقط لأن المولات خطفت الروّاد إلى مراكز تجارية توفر التجول بهواء المكيّفات المريح بين العديد من المحال الأخرى والمطاعم قبل دخول صالة السينما فيها، بل أيضاً لأن حب ارتياد صالات السينما في عاصمة كانت مثل «السينماتِيك فرنسيز» في باريس، انحسر عن الناس وسط ظروف البلد الاقتصادية البائسة.

مشكلات غير معهودة
في صوفيا، بلغاريا، حيث قضيت بضعة أسابيع قبل حين، لن تجد فيلماً بلغارياً في أيٍّ من صالاتها. كلها أفلام أميركية. هذا كان الحال نفسه قبل نحو عشرين سنة عندم جُلت في العاصمة الأوكرانية بحثاً عن فيلم أوكراني أو روسي أشاهده حتى ولو لم يكن مترجماً للإنجليزية (وهو لن يكون) فلم أجد إلا أحد أفلام رامبو والعديد من النسخ الشبيهة.
هناك، ليس بعيداً عن إحدى الصالات التي استفادت من الانفتاح الرأسمالي باستقبال الأفلام الترفيهية الخفيفة أتذكر امرأة عجوزاً افترشت طاولة صغيرة عليها نحو عشر حبّات بطاطا وحذاء قديم تعرضه للبيع.
قبل أكثر من مائة عام، تنبّأ لوي لوميير بأن «السينما اختراع بلا مستقبل».
وكم كان على خطأ. في السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر وُلد الفن السابع كفرجة للترفيه وإثارة التعجب وانتقل خلال سنوات قليلة إلى أفلام مشغولة بحب معرفة كيفية وضع صورة تلو أخرى لسرد حكاية أو لانعكاس موقف أو إيصال رسالة. في مطلع العقد الثاني من القرن العشرين اكتمل السعي لسرد سينمائي على النحو الذي ما زال معمولاً به اليوم: فن الصنعة مع فن الحكاية وصولاً لجمهور شاسع الرغبات ومستويات القبول.
وقبل 100 سنة تأكد للجميع أن السينما وُلدت لتبقى وأن المخرج أكثر من مجرد راوي قصة تُسند إليه مهمة تصويرها. أفلام تلك الفترة ضمت ارتقاءً على الناحيتين الفنية والترفيهية كما الحال في «حجرة دكتور كاليغاري» للألماني روبرت واينـ، و«أرملة بارسون» للدنماركي كارل تيودون دراير، و«الخارج عن القانون وزوجته» للسويدي فكتور سيوستروم، و«أتهم» للفرنسي آبل غانس، وكل ذلك على جانب أفلام عديدة لمخرجين أميركيين وضعوا نقاط الصنعة على حروف السينما مثل سيسيبل ب. دميل وديفيد وورك غريفيث وبستر كيتون وإنغرام ركس وأرنست لوبيتش.
الحال ماثل إلى اليوم: أفلام ترفيهية وأفلام فنية. الأولى تسود صالات السينما في كل مكان والأخرى تنتشر على شاشات المهرجانات السينمائية. الأولى تعيش من وراء إقبال الجمهور المحب للترفيه، والأخرى من وراء محبي ومتذوقي فن السينما.
لكن ما وراء هذه النظرة الخارجية هناك مشكلات لم تعهدها السينما من قبل. نعم واجهت تحديات متواصلة وقفزت فوقها واستمرت باندفاع متجاوزةً عراقيل مختلفة، لكن الوضع الحالي هو مفصلي أكثر من سواه.
السينما الجماهيرية اليوم تجد نفسها أمام اختيارين: واحد اسمه «ديزني» والآخر اسمه «نتفليكس». الأول فرش عباءته على كل المعمورة بأفلام مستنسخ بعضها من بعض تستطيع أن تنقل الحكاية في أحدها إلى فيلم آخر من دون الحاجة إلى أي تعديل فعلي. والاختيار الآخر هو أن تبقى في البيت تشاهد على مقعدك الوثير بينما تأكل من عنقود العنب أو ربما تمسك بفخذ الدجاجة وعيناك على الشاشة. أمر لو تخيّل إنغمار برغمن أو روبير بريسون أو مايكل أنغلو أنطونيوني أو أندريه تاركوفسكي احتمال حدوثه لأُصيبوا بصدمة منعتهم من صنع الأفلام.
«ديزني» جيّشت سيلاً من الأفلام واستحوذت على مليارات الدولارات وحجّمت من الشركات الأميركية الكبرى الأخرى. منذ نحو خمس سنوات وأفلامها هي التي تتصدر قوائم أفضل الإيرادات. وهذا العام نجد أن خمسة من أفلامها جمعت مليارات الدولارات وهي على التوالي:
1‪ - ‬ Avengers‪:‬ Endgame‪:‬ ‪$‬1‪,‬937‪,‬042‪,‬204
2‪ - ‬ The Lion King‪:‬ ‪$‬1‪,‬599‪,‬814‪,‬249
3‪ - ‬ Captain Marvel‪:‬ ‪$‬1‪,‬126‪,‬129‪,‬839
4‪ - Toy Story: ‪$‬1‪,‬053‪,‬387‪,‬196
5‪ - ‬ Aladdin‪:‬ ‪$‬1‪,‬037‪,‬340‪,‬115

أدوار مختلفة
وبينما الناس تتلهى بمشاهد المخاطر والبطولات الخرافية تُعزز من دون أن تدري سُلطة المؤسسة الواحدة التي تستطيع الاستمرار على هذا المنوال واستحواذ الهيمنة. الشركات الأخرى ما عليها سوى أن تبحث عن بديل أو تقلد. لكن المسألة لا تكمن فيما ستقوم به هذه الشركات الأخرى بقدر ما هي في الضحية الذي هو المشاهد ذاته الذي سيُقبل على الوليمة ذاتها طويلاً قبل أن يتساءل عن السبب في ذلك.
«ديزني» نجحت في تعليب المشاهدين وجعلهم روّاداً صاغرين لما تعرضه. كيف نفسر ما سبق وفوقه أنها في العام المنصرم استحوذت على المراتب العليا ذاتها بعشرة أفلام فقط، بينما كل شركة من الشركات المنافسة (وورنر، يونيفرسال، باراماونت، صوني، فوكس) أنتجت أكثر من هذا العدد ولم تسجل إلا نجاحات قليلة؟
في الصالات إذن لدينا شعار «ديزني» على الملصقات والإعلانات وعلى الشاشات. أما في البيوت فتملك ناصية الموقف شركة «نتفليكس» التي تعمل على منوال أن تنتقل السينما من مفهوم الشاشة العريضة والصالة التي يتشارك الجلوس فيها الناس إلى مفهوم البيت حيث يشاهد المرء ما يريد من دون الخروج من المنزل وقيادة السيارة إلى المركز التجاري وصعود سلالم والوقوف في الصفوف وشراء المثلجات و«البوب كورن» والجلوس فوق مقعد إذا غادره للحظة فاته المشهد برمته.
إنه الخيار الصعب، أن يجد الباحث عن أفلام جيدة نفسه كما لو كان ينتمي إلى مخلوقات نادرة ما زالت تعاين الحياة على الأرض للمرّة الأولى. شخصيات تدير ظهورها إلى حيث يقبل الناس فتبحث -فيما تبقّى من صالات الفن والتجربة وسينما البدائل- عن أعمال جديدة خرجت من المهرجانات الأخيرة بفوز أو من دونه.
لكن حتى هذه المهرجانات وأفلامها لا تقوم بأدوارها ذاتها السابقة. باتت بدورها تستند، ولو بحدود، إلى إسهامات سينما المنازل كما الحال مع «الآيرلندي» لمارتن سكورسيزي الذي سيفتتح مهرجان نيويورك، ومع «روما» الذي افتتح مهرجان فنيسيا في العام الماضي.
نعم هي تعرض المختلف عن السائد، لكن هذا المختلف عن السائد الذي ما زلنا نهلل له ليس بالقيمة الفنية ذاتها مع ما سبقه من النوع ذاته. القلة فقط من أفلام المهرجانات ترتقي إلى فن لا يمكن تجاهله. الغالبية هي شغل على الإعلام كسبيل (شبه وحيد) لإثارة تلك المخلوقات الأرضية التي ما زالت تبحث عن بديل.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز