الحلقة (7) : الملازم أول معمر شكل «تنظيما عسكريا للثورة» ثم أزاح رفاقه عن الحكم بقسوة

أحمد قذاف الدم يروي لـ {الشرق الأوسط} مسيرة نصف قرن مع القذافي (7 من 10)

القذافي في السنوات الأولى لحكمه مع عدد من مساعديه
القذافي في السنوات الأولى لحكمه مع عدد من مساعديه
TT

الحلقة (7) : الملازم أول معمر شكل «تنظيما عسكريا للثورة» ثم أزاح رفاقه عن الحكم بقسوة

القذافي في السنوات الأولى لحكمه مع عدد من مساعديه
القذافي في السنوات الأولى لحكمه مع عدد من مساعديه

انتقل الطالب معمر القذافي مطرودا من ولاية فزان إلى ولاية طرابلس ليستكمل دراسته الثانوية في مدينة مصراتة. وبعد أن تخرج في الكلية الحربية في بنغازي، أصبح ضابطا يقتني سيارة «فولكس فاغن» ذات لون سماوي، استخدمها في تنقلاته لزيادة عدد «الخلايا المدنية»، بعد أن قام وهو في الكلية الحربية بدخول مرحلة تشكيل «الخلايا العسكرية»، التي ساعدته في الإطاحة بالنظام القديم، لكن زملاءه الضباط الذين قاموا معه بـ«الثورة» كانت لديهم طموحاتهم في الحكم أيضا، فقرر التخلص منهم، من خلال إعادتهم إلى معسكراتهم أو الزج بهم في السجون، أو كما يقول قذاف الدم «كان قاسيا معهم»، لأنه كان يقول لزملائه الضباط إنهم «لم يقوموا بانقلاب لكي يحكموا ليبيا، ولكن ثورة ومهمة، وأن المهمة انتهت».
لكن كيف انتقل معمر من سبها حيث الحر والتراب، إلى مصراتة حيث الأمطار والخضرة. حتى نهاية الخمسينات كان ما زال هناك.. الراديو الخشبي الموجود في ركن الصالة في بيت الضابط قذاف الدم، والد أحمد، في سبها، كان يبث أخبارا عن قيام فرنسا التي كانت تحتل الجزائر بتفجيرات ذرية تجريبية في منطقة برقان بصحراء الجزائر عام 1960. وكان الطالب معمر يجلس في الركن المقابل يستمع إلى الخطب التي تندد بقسوة القوات الفرنسية مع الجزائريين. وفي اليوم التالي، وبعد توجهه إلى المدرسة، حيث تبدو معسكرات الفرنسيين مخيفة وغامضة، خلف قلعة سبها، بدأ في تحريض التلاميذ على الخروج في مظاهرة.
وعقب انتهاء اليوم الدراسي انتقلت مجموعات من هؤلاء الأولاد عبر الشوارع الترابية التي تصطف على جانبيها دكاكين من الصفيح والخشب، يبثون نبأ تنظيم مظاهرة مؤيدة للثورة الجزائرية. وكانت هذه هي المظاهرة قبل الأخيرة التي ينظمها معمر في ولاية فزان، قبل أن يتقرر طرده منها.
كانت إذاعة «صوت العرب» تبث أغنية حماسية تقول «قد عقدنا العزم على أن تحيا الجزائر»، حين جاء رجلان من شرطة الولاية، واقتادا معمر، والبالطو يتطاير حول قدميه، إلى داخل مكتب التحقيقات في المبنى المكتوب على واجهته «المملكة الليبية المتحدة - ولاية فزان - قوة بوليس فزان». وقال له المحقق: «أنت كنت تقود المظاهرة، والمحضر يثبت هذا.. ومصيرك السجن. قل لي ماذا تريد من هذه الأعمال التي تقوم بها. المفيد لك هو أن تذاكر دروسك». لكن الولاية فوجئت بعد ذلك بـ«تورط» الطالب نفسه في التحريض على مظاهرة أكبر من الأولى، في صورة جنازة رمزية للمناضل الأفريقي باتريس لومومبا (كان أول رئيس وزراء منتخب للكونغو أثناء الاحتلال البلجيكي لبلاده) والذي قتل عام 1961.
وبعد أيام مثل معمر أمام المجلس التنفيذي لولاية فزان. وقال له رئيس المجلس: «أنت طالب قادم إلى هنا لكي تتعلم، فما هي علاقتك بالسياسة.. تتزعم المظاهرات وتحرض الطلاب». وتقرر منعه من الدراسة أو الإقامة في فزان. وفي يوم خروج إحدى الشاحنات القليلة في الولاية للسفر إلى الشمال، كان معمر قد ركب في صندوقها مع المسافرين. ومن بعيد كان أقرباؤه وجيرانه وزملاؤه في المدرسة يلوحون له مودعين، بينما الشاحنة تعبر على المدق الترابي وسط النخيل، إلى أن اختفت وراء سحب التراب.
ويقول قذاف الدم إن الطالب معمر التحق بعد ذلك بمدرسة مصراتة الثانوية، التي كانت تتبع ولاية طرابلس. وهناك بدأ يتعرف أكثر على ليبيا وعلى ما يجري فيها، وشاهد هيمنة الطليان على البلاد والمزارع وقسوتهم على الناس، وبدأ يتردد أيضا على طرابلس، ويكتشف القواعد الأجنبية الموجودة في ليبيا، ويشكل «الخلايا المدنية» من مجموعات من الطلاب، فأصبح لديه مجموعات في سبها وأخرى في مصراتة، ثم طرابلس، وغيرها من الضواحي والقرى، بما فيها سرت، مسقط رأسه، بطبيعة الحال. لكنه بدأ يفكر في تشكيل «خلايا عسكرية» أو «تنظيم عسكري»، وهو يتأهب للانتهاء من دراسته الثانوية والالتحاق بالكلية الحربية في بنغازي.
ويضيف: «في السنة الثالثة في الثانوية، اقترح على زملائه أن ينضم كل من لديه القدرة على ذلك للكلية الحربية، وبالفعل دخل هو ومجموعة من أقرانه الكلية في بنغازي، وأصبح هو وزملاؤه نواة لحركة الضباط الأحرار التي ستظهر على سطح الأحداث بداية من الأول من سبتمبر (أيلول) عام 1969. ولم يلتحق بالكلية الحربية طلاب من دفعته الثانوية فقط، بل التحق بها أيضا معظم دفعات الطلاب الذين جاءوا بعده من أولئك الذين كانوا قد انضموا مبكرا للتنظيم المدني».
ويقول قذاف الدم إن أخبار وتحركات معمر لم تنقطع عنه وهو في سبها؛ إذ كان منخرطا في المجموعات المدنية في الجنوب، إضافة للعلاقة العائلية.. «كنا على تواصل بطبيعة الحال. نلتقي إذا ما جئت أنا إلى بنغازي أو إذا جاء هو إلى فزان، وكان إذا ما أتى إلى فزان، يحرضنا على اكتشاف الطلاب النشطين الذين لديهم ميول تحررية ووطنية، بمن فيهم المجموعات الناصرية.. وأحيانا كنا نلتقي في طرابلس في مناسبات تخص الاحتفالات الوطنية (أيام الحكم الملكي).. مثلا في التاسع من أغسطس (آب) بمناسبة تأسيس الجيش، حيث يجري استعراض للقوات المسلحة في طرابلس».
ويواصل قائلا إن معمر حين تخرج في الكلية الحربية (عام 1965) وأصبحت لديه سيارته الفولكس تلك.. «بدأ ينشط أكثر، ويتنقل بها في كل مكان تقريبا، والتحق بجامعة بنغازي لدراسة التاريخ أيضا، واستمر كذلك في متابعة التنظيمين المدني والعسكري. وبدأ التحضير للثورة.. كنا نحن في إقليم فزان قد بدأنا في تشكيل خلايا مدنية كظهير وكخط ثان إذا ما فشلت هذه الثورة، أو انكسرت، أو دخل من يقودونها السجن. بحيث يستمر التواصل لإخراج ليبيا من الوضع البائس الذي كانت فيه».
وجاءت هزيمة 1967 واحتلال إسرائيل لسيناء بمثابة اللكمة التي زلزلت عقول هؤلاء الطلاب والضباط الليبيين المتحمسين لعبد الناصر وقضايا التحرير. ويقول قذاف الدم: «التداعيات التي وقعت في مصر بسبب حرب 1967 أثرت كثيرا في القذافي وفي كل جيلنا، والهزيمة جرحتنا جميعا».
وفي ذلك اليوم، كان قذاف الدم في فزان ومعمر في بنغازي. ويتذكر قذاف الدم قائلا: «سمعت خبر الهزيمة من الراديو. كانت صدمة.. كان الأمر يشبه انكسار الحلم. المفارقة أن ما حدث من يوم 5 حتى يوم 8 يونيو (حزيران) 1967 كان يشبه عملية بسترة في رأسي تجاه عبد الناصر.. سقط من عيوننا فجأة.. وتبدد حلمنا بوحدة الأمة وتحرير فلسطين.. شعرنا بصدمة قد تكون تأثيراتها مستمرة معنا حتى هذه اللحظة، لكن حين خرج عبد الناصر في يوم 9 يونيو، وأعلن تحمله مسؤولية الهزيمة، ورغبته في التنحي، أعاد لنا الثقة فيه بطريقة لا يمكن تخيلها، خرجنا في مظاهرات، لأننا رأينا فيه الرمز الذي يرفض الهزيمة.. أما بالنسبة لمعمر وباقي الضباط الأحرار الذين معه، فبدأوا في التعديل من نشاطهم داخل ليبيا، ويقولون إن مصر حين تعرضت للضرب في عامي 1956 و1967، كان بمساهمة من القواعد الأجنبية في ليبيا التي استخدمت أيضا لدعم العدو الصهيوني.. لذلك أصبح يتولد لدينا شعور بالذنب ونرى أن ليبيا وبدلا من أن تكون رافدا لهذه الأمة تستخدم كقاعدة لتدميرها». ومع تزايد نشاط الضباط وتحركات الفولكس ذات اللون السماوي، قام رئيس شعبة الاستخبارات، فرع بنغازي، باستدعاء معمر لمساءلته عن تحركاته المريبة وفقا لما هو مدون في ملفه العسكري. وبحلول عام 1969 بدأ يشعر بأنه لا بد من القيام بتحرك قبل انكشاف أمره.
ويقول قذاف الدم: «كان موعد (الثورة) قد تحدد بيوم 12 مارس (آذار) 1969، لكنه تأجل لأن جميع رجال الدولة، بمن فيهم الضباط الكبار في الجيش، كانوا في حفل أم كلثوم الذي أقيم في مسرح بنغازي»، وهي المدينة التي ستعلن فيها حركة الضباط الأحرار عن نفسها بعد أقل من خمسة أشهر من الآن. ويضيف أن «الضباط الأحرار لو كانوا قد تحركوا وقاموا بالثورة في تلك الليلة لوقعت مذبحة». وكانت أم كلثوم تشدو بأغنية «الأطلال» التي تقول في ختامها: ربما تجمعنا أقدارنا ذات يوم.. بعد ما عز اللقاء.
وبدت تصرفات الضابط معمر أكثر جرأة من السابق، وحين جاء حفل تخريج دفعة جديدة من ضباط الجيش في بنغازي يوم 9 أغسطس (آب) 1969، كانت السلطات الأمنية والمخابرات العسكرية تستشعر أن هناك أمرا ما سيحدث وأن القذافي الذي يبدو أمام الجميع أنه يقف وحده، لديه ما يعطيه القدرة على التحدي سواء داخل الوحدات أو خارجها. وفي كل يوم كانت تتزايد فيه تحركات السيارة الـ«فولكس فاغن»، كان يتأكد للأمن الحربي أن هناك مشكلة كبيرة قادمة في الطريق. ولهذا صدر أمر باعتقاله، وجرى تكليف مجموعة من الضباط بالقبض عليه أثناء وجوده في فندق الريفييرا في بنغازي يوم 31 أغسطس 1969 ليلا. وفي هذه الأثناء كان القذافي قد أصدر أوامره للوحدات العسكرية التابعة له بالتحرك.
وكان قذاف الدم في سبها بولاية فزان يترقب لحظة الإعلان عن سقوط النظام وصعود نظام جديد.. «كان لدينا علم بساعة الصفر، لأنه عندما قرر الأخ معمر أن يكون يوم الاثنين، الفاتح من سبتمبر، هو يوم التحرك، كان أخي سيد معه، وذلك في آخر اجتماع عقد في طرابلس من أجل انطلاق الثورة. أعتقد أن الاجتماع كان يوم 28 أو 29 أغسطس. كنا على أعصابنا ننتظر ساعة الصفر.. كنت أنا ومعي طلاب ممن كانوا معنا في التنظيم المدني، على أساس نخرج في اليوم التالي في مظاهرات لتأييد الثورة في حال نجاحها، أو الانضمام إلى القوات المسلحة إذا ما حدثت مواجهات.
وفي فزان بدأت التحركات في الحامية العسكرية عن طريق الضباط الأحرار الموجودين في تلك المنطقة.. «طبعا مرت لحظات رهيبة في الانتظار، لأننا كنا نخشى القواعد (العسكرية الأجنبية) التي قمنا بمحاصرتها، لكن لم يقاوم أحد ولم يمت أحد.. كانت ثورة بيضاء». وخرج قذاف الدم يوم الأول من سبتمبر 1969، مع الجماهير في الشارع، ويوضح قائلا: «أما في اليوم الثاني، فدخلنا واقتحمنا المعسكرات، حيث كنت مدربا على السلاح بحكم أن والدي ضابط قوات مسلحة أساسا.. وبعد ذلك توجهت إلى طرابلس والتحقت بمعسكر القيادة التابع للجيش في باب العزيزية، وبسبب انشغال الضباط في الثورة لم تنتظم الدراسة في الكلية الحربية الليبية في العمل إلا بعد سنتين أو ثلاث، ولذلك التحقت بالكلية الحربية في مصر، وكنت ضمن أول دفعة عسكرية ليبية بعد الثورة في 1969». ولم تكن السنوات الأولى من حكم معمر تسير على ما يرام، لأن الخلافات بدأت تدب في أوساط «الضباط الأحرار». ويوضح قذاف الدم هذا الأمر قائلا: «أولا كان هناك فارق كبير بين معمر ومن معه من الضباط. معمر كان لديه حلم، وأنه لم يقم بانقلاب لكي يحكم لا هو ولا زملاؤه.. كانت لديهم مهمة وانتهت هذه المهمة.. وبالتالي لم يكن داخل أول حكومة تشكلت وقتها أي من الضباط الأحرار أو من مجلس قيادة الثورة.. كانت الحكومة حكومة تكنوقراط. وهنا بدأ بعض من الضباط يشعرون أنهم قاموا بعمل جبار دون أن يحصلوا على المكافأة التي يستحقونها».
ويتابع قائلا: كان معمر قاسيا مع هؤلاء الضباط، وتركهم في معسكراتهم.. وكان يعاقبهم عقوبات عسكرية ويضع بعضهم في السجون.. المهم أنه أعاد جميع الضباط الأحرار إلى معسكراتهم، واستعان لفترات معينة، في البداية، ببعض زملائه في وظائف مدنية، مثل عبد السلام جلود، وعبد المنعم الهوني، أما الباقون فبقوا في القوات المسلحة.. حتى مصطفى الخروبي والخويلدي الحميدي بقيا قيادات في القوات المسلحة، ولم تكن لهم علاقة بالعمل المدني. ولا شك أن بعض الأعضاء والضباط كانوا يتطلعون إلى السلطة وحاولوا أن يديروا الكفة وبعضهم كان يرى أن معمر قسا عليهم وأنه كان ينبغي أن يحظوا ببعض الميزات مثل أن يغيروا مساكنهم ويغيروا وضعهم، ورواتبهم. معمر كان قاسيا في هذا الجانب، وبالتالي حاولوا الانقلاب في منتصف السبعينات وفشلوا.
وماذا بالنسبة للقذافي نفسه الذي ظل على رأس السلطة منذ ذلك الوقت. هل كان يطلق عليه الرئيس أم قائد الثورة أم ماذا؟ يقول قذاف الدم: «هو قائد الثورة وهو الذي صنعها، وهو الذي اختار مجلس قيادة الثورة من الضباط الأحرار.. وهو الذي أسس هذا العمل منذ أن كان شابا مدنيا إلى أن وصل إلى هذه النقطة. ثم إن الكثير من الضباط لم يكونوا يعرفون بعضهم بعضا قبل الثورة.. كان القذافي قد شكل التنظيم بطريقة تشبه الخلايا العنقودية، ولا أحد يعرف الآخر. كان هو الوحيد الذي يعرف الضباط الأحرار».
كان البعض من المقربين من القذافي يشعر بالقلق من الهزة التي تشهدها «الثورة» والدولة الليبية في ثوبها الجديد. وكان ذلك في أواخر عام 1972 وبدايات عام 1973. وبينما الوضع كذلك في الداخل الليبي، كانت منطقة الشرق الأوسط تبدو محتقنة بالأحداث الكبرى، وفي القلب منها خطابات السادات التي يعلن فيها عن قرب معركة تحرير سيناء ثم يؤجلها، وكان القذافي كحاكم جديد في طرابلس يعلو بشعارات القومية والتحرر على نهج عبد الناصر، ويؤيد تحركات السادات لشن حرب ضد «العدو الصهيوني».
ويتذكر قذاف الدم تلك الفترة الصعبة قائلا: «حين شعر معمر أن الضباط بدأوا في التفكير في الانقلاب والسيطرة على البلد، ذهب إلى مدينة زوارة (كان ذلك في ربيع 1973) وألقى خطاب زوارة الشهير، وحرض الناس على تسلم السلطة، وقيام المؤتمرات الشعبية، وذلك من أجل قطع الطريق أمام أي محاولة انقلابية على الثورة». ويضيف أن القذافي قال موجها كلامه للجماهير من زوارة: نحن خرجنا من معسكراتنا، ويجب أن نعود إليها جنودا محترفين.. أما مهمتنا فكانت صرخة حرية لهذا الوطن، وأن يحكم الشعب، لذلك خرجنا من فزان، وشكلنا الخلايا المدنية، والعسكرية، والآن على الليبيين أن يتحملوا مسؤوليتهم في الحكم.
وعلى هذا، كما يقول قذاف الدم، بدأت موجة من الاختيار الشعبي المباشر للمسؤولين التنفيذيين. سكان كل منطقة يرشحون رئيس الحي ومدير المستشفى وعميد البلدية والوزير. ويشير إلى أن.. «هذا الأمر زاد من استفزاز بعض الضباط، وعجلوا بنشاطهم المحموم تجاه إسقاط معمر القذافي، لأن السلطة بدأت تفلت من أيديهم، بعد أن قطع عليهم الطريق. وأوقف كل الأحزاب السياسية والبعض دخل السجن والبعض هرب إلى الخارج دون أي سابق إنذار خوفا من بطش الجماهير لأن الناس بدأت تخرج، وكذا خوفا من أن تفلت الأمور وينقض عليهم الناس».
وأمام القرارات التي كانت توصف بأنها «قرارات شعبية» في ذلك الوقت، تراجعت أحلام قادة الأحزاب الشيوعية والليبرالية وجماعة الإخوان والحركات الطلابية. ويقول قذاف الدم: «بعض التنظيمات الشيوعية تحديدا في ذلك الوقت كانت نشطة، وقامت ببعض المظاهرات في الجامعات وبعض المواقع ضد سلطة الشعب، ولكنها كانت ضعيفة ولم يكن لها من مكان بعد أن اكتسب معمر القذافي شعبية قوية.. كما أن القذافي واصل نشاط معسكرات الشباب ومخيماتهم، وكان يأكل معهم ويحاضر فيهم ويبيت معهم عند الخروج للصحراء.. كان مستمرا في توسيع دائرة الخلايا التي سبق وشكلها منذ البداية.. وفي ذلك الوقت، أي قبيل سنة 1975 بقليل بدأ التفكير في الاعتماد على تجربة حركة اللجان الثورية، لتكون الحامي لسلطة الشعب على أن تقوم أيضا بتحريض الجماهير للحكم.. كانت اللجان الثورية مجرد بدايات حينها، إلى أن وضعها القذافي في المحك، وأخذ قرارا بإعلانها مع إعلان «سلطة الشعب» عام 1977.
وماذا عن موضوع «إعدامات الطلاب» في ذلك الوقت؟ يجيب قذاف الدم قائلا: عندما قامت الثورة الشعبية في 1976-1977 وسيطرت اللجان الشعبية على الجامعات، كان هناك طلاب، أعتقد أنهم كانوا شيوعيين أو قوى أخرى، واستهدفهم الطلاب المنخرطون في الثورة الشعبية.. حدثت مواجهات بين الطلاب المناصرين لثورة الفاتح والطلاب المعادين لهم.. وعملوا محاكمات.. كان ذلك قبيل تأسيس اللجان الثورية بالشكل الذي أصبحت عليه فيما بعد.. كان صراعا بين الطلاب، لكن بالتأكيد كانت هناك حالات ظلم، وكانت هناك عمليات مستهجنة من البعض، كما أنه كان هناك من غادر ليبيا خوفا من أن يستهدف، خاصة ممن كانوا ينتمون لبعض الأحزاب السياسية، منها على ما أعتقد جماعة الإخوان المسلمين وبعض البعثيين والشيوعيين.. «هؤلاء رأوا أنه لم يعد لهم مكان، لكن أعدادهم كانت محدودة، لأن ليبيا تربة ليست مناسبة للحزبية بالمعنى الحرفي للكلمة، وها أنت تشاهد اليوم (بعد 2011) التخبط في أوساط هذه الأحزاب الوليدة، لأن ليبيا مجتمع قبلي وأناس بسطاء ولا يؤمنون بهذا الشكل الديمقراطي الغربي».
لكن متى بدأ قذاف الدم يدرك أن القذافي يتبع طريقة معينة في حكم البلاد. هل منذ الأيام الأولى للحكم أم فيما بعد؟ يقول ردا على هذا السؤال إن معمر، منذ أن بدأ «كان توجهه قوميا إسلاميا، ويختلف إلى حد ما عن عبد الناصر في الجانب الإسلامي. معمر كان أقرب إلى السلفية.. كان متعصبا للإسلام، وتطبيق الشريعة، وقد تندرت السيدة جيهان السادات على ما كان يقوم به القذافي بخصوص المرأة وخروجها، وعملها وتدخينها للتبغ.. كان القذافي لديه تحفظات كبيرة في هذا الشأن، في ذلك الوقت، بالإضافة إلى أنه كان قد فرض الصلاة في المقار الحكومية وإيقاف العمل أثناء وقت الصلاة، وقرر وقف كل القوانين التي تخالف الشريعة الإسلامية، وقطع شوطا كبيرا في هذا الاتجاه».
ويضيف: «كما أن القذافي كان متأثرا أيضا، وبشكل كبير، بالأفكار الخاصة بنظم الحكم في اليونان القديمة، وما ذكره الفلاسفة عن حكم الشعب، وأن يكون كل سكان المدينة أعضاء في برلمان المدينة، وغيره مما جاء في أفكار أرسطو وسقراط، بالإضافة إلى تأثره الكبير بنظام الشورى في الإسلام، وأن هذا النظام لا يعني أن يكون هناك برلمان يمثل الناس، وأن التمثيل غير ممكن لأنه لا أحد يستطيع أن يحلم نيابة عن الآخر أو يأكل أو يموت نيابة عنه، وبالتالي، وبدلا من أن يكون لدينا برلمان واحد في العاصمة، يكون لدينا في كل قرية برلمان يعرض عليه نفس ما يعرض على البرلمان من مواضيع من الخبز إلى الحرب، ويصبح هؤلاء كلهم شركاء ونشاورهم في الأمر ونجمع قراراتهم في ملتقى واحد يسمى ملتقى اللجان الشعبية، ومؤتمر الشعب العام، الذي يكون في العاصمة غالبا، ليس لاتخاذ قرارات، وإنما لصياغة قرارات الناس.. وهذه الصيغة هي التي استمر بها».
وتغيرت نظرة القذافي لواحدة من أهم أدوات الحكم، وهي الجيش النظامي. ويقول قذاف الدم: كان القذافي يقول إن مسألة أن يذهب أحد للجيش ويموت دفاعا عن الوطن، بينما الآخر يقيم عمارات ويجني الثروات، أمر لا يليق.. وبالتالي يكون على كل الشعب، كبارا وصغارا، رجالا ونساء، التدرب على السلاح في معسكرات بمناطقهم، وحينما تحين ساعة القتال الكل يشارك، ويعبئ مئات الآلاف من المقاتلين للدفاع عن الوطن، بمعنى أنه كان يرى أن الجيش النظامي بالمعنى التقليدي، انتهى، وأصبح هناك الجيش الشعبي الذي لا يهزم، ولا يهاجم الآخرين. ويصبح للجيش الشعبي معسكرات موجودة وسلاح ومدربون في كل حي وفي كل قرية.. الأسلحة موجودة والكوادر موجودة. وما حدث في فبراير (شباط) 2011، هو أن الناس هجموا على المعسكرات دون أن يعترض طريقهم أحد، لأنها معسكراتهم، وأخذوا أسلحتهم التي تدربوا عليها سلفا، ويعرفونها ويعرفون مخازنها في المعسكرات جيدا».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.