كتابة السيرة الذاتية... صراع الممنوع والمرغوب

مبدعون مصريون يختلفون حولها ويؤكدون: تمنحنا مساحة رحبة من الحرية

إبراهيم عبد المجيد  -  أماني فؤاد  -  منى الشيمي  -  سيد الوكيل
إبراهيم عبد المجيد - أماني فؤاد - منى الشيمي - سيد الوكيل
TT

كتابة السيرة الذاتية... صراع الممنوع والمرغوب

إبراهيم عبد المجيد  -  أماني فؤاد  -  منى الشيمي  -  سيد الوكيل
إبراهيم عبد المجيد - أماني فؤاد - منى الشيمي - سيد الوكيل

لا تزال كتابة السيرة الذاتية في الخطاب الثقافي العربي تراوح ما بين المرغوب والممنوع، وذلك تحت وطأة الأعراف والتقاليد التي يفرضها الإرث الاجتماعي والديني والسياسي، ما جعل هذا النوع الأدبي يتعثر تحت مظلة الرقابة المجتمعية، والمحاسبة التي قد تصل إلى ساحة القضاء وأسوار السجن.
في هذا التحقيق آراء لروائيين ونقاد وقفوا على عتبة السيرة الذاتية في كتاباتهم؛ لكنهم يختلفون ربما شكلياً حول توصيف هذه الكتابة، ومع ذلك يتفقون على أنها توفر للمبدع مساحة أرحب من الحرية والابتكار.
- رواية الذات
في البداية يقول القاص الروائي سيد الوكيل: «من المهم أن ندرك الفارق بين كتابة السيرة الذاتية ذات الطابع التوثيقي، ورواية السيرة الذاتية». ويُعرف الاثنين قائلاً: «الأولى مهما سربت بين صفحاتها من حكايات، فستظل في سياق الحقائق، أما الثانية، فهي ذات طبيعة تخيلية مراوغة ومخاتلة؛ بحيث تباغت الكاتب نفسه بما لا يعرفه، مهما أشار إلى حقائق أو وقائع وشخصيات معروفة. ذلك لأنها تكتب الذات فعلاً وليس الشخصية، بمعنى أنها تنظر إلى ما وراء المرئي في حياتنا».
ويعتقد الوكيل أن «كتابة الذات تحتاج إلى قدرة خارقة، وأنه ليس بوسع أي كاتب أن يكتب رواية سيرة ذاتية، ما لم تكن حياته الشخصية ذات طبيعة درامية. لهذا فالكاتب يغوص إلى البعد الدرامي في حياته. إنه الجانب غير المرئي من جبل الجليد حقاً، ولا سبيل إلى رؤيته بغير الكتابة الأدبية؛ حيث لا انشغال بشيء آخر غير الإمساك بالذات، لا قضايا عامة ولا وقائع موثقة ولا آراء شخصية. فقط الذات التي لا يتحقق وجودها إلا بإزاحة شخصيتك لهامش الوجود، فالشخصية مجرد قناع اجتماعي، وإزاحتها يحتاج لشجاعة نادرة، وقدرة خارقة على أن تكون أنت ذاتك».
كتب سيد الوكيل روايتين، هما «فوق الحياة قليلاً» 1997، و«الحالة دايت» 2011. ويرى أن الواقع النقدي لم يكن مؤهلاً بعد لاستيعاب هذا النوع من الكتابة: «لقد راحوا يفتشون عن الحقائق، وما إذا كانت الوقائع حدثت بالفعل أم لا، ولكن ما يهمني أن هذا النوع من الكتابة، منحني مساحة واسعة من الحرية، ليست حرية الحكي فحسب؛ بل حرية التعبير، لتتطرق لغتي إلى مناطق مجهولة في حياتنا اليومية، وتلم بأفكار تبدو متناقضة، وأبنية سردية غير مسبوقة. لهذا فإن النقاد ولجان التحكيم لم يستوعبوا هذا التشكيل المركب، واعتبروه خارج التصنيف؛ لكني واثق بأن رواية (الحالة دايت) بالتحديد، ستظل عالقة بالذاكرة الأدبية لوقت طويل؛ لأن أحداً لا يستطيع فض لغزها. إنهم يعتبرونها من الروايات المهمة والنادرة في الأدب العربي، ولكنهم لا يعرفون لماذا!».
يتابع الوكيل: «كتبت بعد ذلك مجموعتي القصصية (لمح البصر)، مستفيداً من آليات إنتاج الحلم. إنها المرحلة الأعمق في كتابة الذات التي لا تظهر لنا إلا في لحظات انفلات الوعي والخدر والأحلام. وبالوعي المضمحل نفسه اعتبرها البعض مجرد تسجيل لأحلامي. الأحلام حالة من الغوص العميق في الداخل، بحثاً عن الصندوق الأسود الذي بداخل كل منا. لهذا فكتابة الأحلام ليست سهلة أبداً؛ بل مؤلمة، ويكفي أن أحداً لم يكتبها من قبل سوى نجيب محفوظ، وهو يعاني هسهسات فترة النقاهة إثر محاولة اغتياله». ويختتم بالقول: «يستطيع أي كاتب أن يقول لك: أنا أكتب ذاتي؛ لكنه لم يلتق بذاته يوماً، ولا يعرف ما الذات. هنا تكمن المشكلة».
- مجرد تحايل
من ناحيته، يرفض الروائي إبراهيم عبد المجيد، مصطلح السيرة الروائية، ويقول: «كتابة ما تسمى السيرة الروائية، هو مجرد تحايل على كتابة السيرة الذاتية في شكل فني، لا يضع الكاتب في مواجهة المجتمع مباشرة. ذلك لأن كتابة السيرة الذاتية عملية صعبة في ظل رقابة المجتمع التي حولت كتب السيرة إلى كتب أشبه بالتربية الوطنية، بدلاً من الوضوح والصدق والصراحة وتعرية الذات».
ورغم أن عدداً كبيراً من روايات عبد المجيد، يضم أجزاء من سيرته الذاتية، مثل: «أداجيو»، و«هنا القاهرة»، و«البلدة الأخرى»، فإنه لا يطلق عليها روايات سيرة ذاتية؛ بل يعتبرها روايات محملة بتجاربه، وخبراته الشخصية في الحياة، ويقول: «كل رواية كتبتها محملة بجزء من حياتي، سواء كان جزءاً صغيراً أو كبيراً، ولكن هذا لا يعني أنها سيرة روائية، إنما هي روايات أدبية، أما تصنيف النقاد فهم أحرار فيه».
كما يعترض صاحب «لا أحد ينام الإسكندرية»، على ما يتردد من أن اعتماد المبدع على تجاربه في كتابة الروايات هو فقر خيال، قائلاً: «إذا لم يعتمد الكاتب على خبراته، وخبرات أصدقائه ودائرة معارفه، والناس على المقاهي، والبيئة المحيطة به، فمن أين يكتسب أفكاره للكتابة؟ الكاتب في أحيان كثيرة يكون غير مدرك لما يكتبه بصورة واضحة، ولذا كثيراً ما نجده يأخذ من واقعه ومن حياته، ثم يضيف إليها أحداثاً وشخصيات، وتصورات أخرى تختلف عن الواقع». ويستدرك عبد المجيد بقوله: «هذا الفعل عكس فعل كتابة السيرة الذاتية التي تطلب من المبدع أن يكون على وعي تام بما يكتبه؛ لأنه سوف يحسب عليه، ولذلك فهو ينتقي ما يبوح به، وما يخفيه خوفاً من الرقيب المجتمعي الذي يقف له بالمرصاد، ولهذا السبب لن تصبح لدينا سيرة ذاتية حقيقية، نظراً لتخلف المجتمعات العربية عن تقبل فكرة أن المبدع هو إنسان يخطئ ويصيب، باستثناء بعض الكتابات الحرة والجريئة، مثل السيرة الذاتية للكاتب لويس عوض».
- شكل مناسب
الروائية منى الشيمي ترى أن الحياة تحدث في صورة رواية طويلة لها عدة نهايات، أو مجموعة قصص كل واحدة مستقلة أو متشابكة بالقصص الأخرى، وتقول: «يهتدي كاتب السيرة بنفسه إلى أن الشكل الروائي هو أنسب الأشكال لكتابة السيرة، ربما لأن ما قرأناه من سير كان على شكل رواية، ولا أظن أن أحداً لم يقرأ (الأيام) لطه حسين، أو (الخبز الحافي) لمحمد شكري، أو (باولا) لإيزابيل الليندي، التي تقاطعت روايتي (بحجم حبة عنب) معها».
تضيف الشيمي: «إن رغبة الآخرين في تتبع حياتنا قد تدفع بعض الكُتاب إلى اللجوء لكتابة السيرة الروائية»، وتشدد على أن «فعل تلصص الآخرين وحده يجعل الحراشف والأشواك تنمو على الجسم مقاومة. وأعترف أنني تلقيت رسائل سباب على (الإيميل) من بعض من رأوا أنفسهم في شخصيات روايتي (بحجم حبة عنب)، أو حتى خمنوا أنني كتبت عنهم؛ بل إن زملاء العمل - وعلاقتهم بالقراءة تكاد تكون قاصرة على قراءة (النتيجة) لمعرفة موعد صرف الراتب - هؤلاء غامروا واشتروا روايتي لمجرد معرفتهم بأن بعضها من سيرتي الذاتية».
وترجع منى الشيمي اتجاه معظم كُتاب السيرة الذاتية إلى اختيار ما يريدون إبرازه، أو إخفاءه، قائلة: «الكاتب يضع رؤية أو إطاراً لكتابة خبرته منذ البداية. ما يختاره يقيم من قبل القارئ؛ هل وفق في اختيار تلك المرحلة من حياته لإبراز الرؤية أم لا؟ هذا أهم مما لو كتب مجمل حياته أو تجربته. كما أنه من الصعب كتابة حياة كاملة في رواية أو كتاب! نحن لسنا بحاجة ليد بحجم الأرض لقياس محيط الأرض. وبخصوص الصدق، بالطبع من الصعب الكتابة بصدق متناهٍ، في مجتمع تحاول الجارة فيه تخمين نوعية طبيخ جارتها من الرائحة المنبعثة في المنور».
وتختتم الشيمي حديثها قائلة: «ببساطة، ستتسم السير الذاتية بالصدق إذا تمتع المجتمع نفسه بالصدق».
- نظرة نقدية
ومن زاوية نقدية، تُفرق الناقدة الأدبية أماني فؤاد، بين أسباب المرأة لكتابة رواية السيرة الذاتية، وبين أسباب الرجل. وتشير إلى أسباب الأولى قائلة: «تلجأ المرأة إلى كتابة السيرة الروائية بديلاً عن السيرة الذاتية تلافياً لوضعهن كفريسة للسياق العام للمجتمع، وتلصص القراء على حياتهن على وجه التحديد، كما رأينا في (نساء في بيتي)، للكاتبة هالة البدري، التي صنعت ما يشبه السيرة الروائية؛ حيث استقدمت مجموعة من الكاتبات من التاريخ، وأجرت معهن حواراً وجدلاً حول كتابة النساء في مجتمع ذكوري، سواء في مجتمع شرقي أو غربي».
وأما عن الرجل، فتقول: «يمكن اعتبار السيرة الروائية للرجال (نصاً بينياً)، أي كتابة بينية، بين السيرة الذاتية والروائية، مثل (خارج المكان) لإدوارد سعيد، التي كتب فيها عن نفسه وذاته، وعن تاريخ القضية الفلسطينية، و(الاستغراب والاستشراق)، وكذلك (المفتون) لفؤاد قنديل، الذي مزج فيها سيرته الخاصة، مع مراحل متعددة من عمر الوطن، فحكى فيها عن شبابه وخروجه من القرية، وتطلعات مصر في ثورة يوليو (تموز)، وشغفه بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وتهاوي الأحلام بعد النكسة، ومعاهدة كامب ديفيد».
وتعتقد أماني فؤاد أن كتابة السيرة الروائية هي نوع من التحايل على الواقع: «المجتمعات تفرض تابوهات (الجنس، والدين، والسياسة) على الإبداع؛ بل تعاقب الكاتب على كتابته إذا كانت محملة بنوع من البوح الصريح والجريء، وكأن الجرأة نقطة سوداء في حياة الكاتب، وهذه المحاذير المجتمعية تجعل هناك علاقة مشوهة بين الصدق وكتابة السيرة الذاتية، ولذلك يلجأ الكاتب لكتابة سيرته الذاتية في شكل روائي، خوفاً من الرقيب المجتمعي».
وترى أماني فؤاد أن المجتمعات العربية لن تعرف السيرة الذاتية بصدق إلا إذا تحررت سياسياً واقتصادياً وفكرياً وإبداعياً: «فبقدر ما نتحرر من التابوهات التي يعاني منها المجتمع، بقدر ما ستكون الكتابة بشكل عام، والسيرة الذاتية بشكل خاص، أكثر توهجاً، كونها تلمس المناطق الإنسانية في نفوسنا».
- أسباب مغرضة
ويرجع الناقد الأدبي ممدوح فراج النابي، اتجاه الكُتاب إلى كتابة رواية السيرة الذاتية، إلى الكذب، فيقول: «الكذب وعوامل أخرى كالنسيان، والبحث عن مساحة للبوح، جميعها كانت الدافع من وراء لجوء الكتّاب إلى رواية السيرة الذاتية».
ويتابع: «رواية السيرة الذاتية، باعتبار أنها تُسقط الغاية أو العهد الذي يقر به كاتبها من التزامه الصدق؛ أتاحت للكتّاب الفرصة للهروب من هذا العقد، والكتابة بكل تحرر دون أن يُتهم بأنه يكذب، فالتخييل الذي تستعيره (رواية السيرة الذاتية) من جنس (الرواية)، أتاح له قول الحقيقة وغير الحقيقة، فجميعه يندرج تحت إهاب التخييل، ومن ثم لا يُحاسب بمقاييس الصدق والكذب، أو السعي لتجميل ذاته، وإخفاء ما بها من قصور، وهنات».
ويرى النابي أن كاتب رواية السيرة الذاتية ليس مُلزماً بالاعتراف بكل تفاصيل حياته، وما بها من نتوءات أو أخطاء: «فالكاتب ليس ملزماً بالاعتراف بأن الأصداء السيريّة التي ترددت داخل العمل تعود على شخصيته الحقيقية، أي تطابق الهويات الثلاث (المؤلف – الراوي - الشخصية) على عكس السيرة الذاتية التي تشترط تطابق الهُويات الثلاث وفق ميثاق الفرنسي فيليب لوجون؛ خصوصاً لو أن هذه الأصداء اصطدمت بما يتنافى مع قيم المجتمع التي يُشهرها حُراس الفضيلة، فيكون سهلاً للكاتب التخفي خلف قناع (رواية السيرة الذاتية) لتمرير ما يحتاج إلى تمرير، وهو ما يتيح له أن يحلق بعيداً عن دائرة التابوهات أو خرقها، أو أن يقع في دائرة المحظور أو المنهِي عنه».
ويشير النابي إلى نقطة رواية السيرة الذاتية؛ خصوصاً التي تكتبها المرأة، كقناع تستطيع أن تمرر منه كثيراً عن ذاتها، باستعارتها ذاتاً بديلة أو شخصية متخيلة. ويرى أنه في الغرب وصف هذا العصر بعصر الاعترافات، وفي عالمنا العربي ثمة تطور ملحوظ، فبعد نفي الكتاب أن أعمالهم الروائية تحمل ترددات وأصداء من سيرهم الشخصية، صار الأمر مباحاً بالجهر؛ حيث يكتب على كثير من الأغلفة الخارجية للنصوص: «سيرة روائية»، وهو ما يعادل «رواية السيرة الذاتية» لدى بعض النقاد.



نجم عملاق يقترب من نهايته... هل نشهد انفجاراً كونياً وشيكاً؟

تحوّل في اللون... وربما في المصير (المرصد الوطني لأثينا)
تحوّل في اللون... وربما في المصير (المرصد الوطني لأثينا)
TT

نجم عملاق يقترب من نهايته... هل نشهد انفجاراً كونياً وشيكاً؟

تحوّل في اللون... وربما في المصير (المرصد الوطني لأثينا)
تحوّل في اللون... وربما في المصير (المرصد الوطني لأثينا)

أظهرت دراسة حديثة أنَّ أحد أضخم النجوم المعروفة على مستوى الكون مرَّ بتحولات دراماتيكية عام 2014، وربما يتهيَّأ للانفجار.

وكشفت الدراسة، التي أجراها غونزالو مونزو سانشيز من المرصد الوطني بأثينا، ونقلتها «الإندبندنت» عن دورية «نيتشر أسترونومي»، أنّ النجم العملاق «WOH G64» تحوَّل من عملاق أحمر إلى عملاق أصفر أكبر، الأمر الذي قد يكون مؤشّراً على انفجار مستعر أعظم وشيك.

وتوحي الأدلة المتاحة بأننا ربما نعاين، في الوقت الحقيقي، نجماً ضخماً يفقد طبقاته الخارجية، ويتقلَّص حجمه مع ارتفاع درجة حرارته، ويقترب من نهاية عمره القصير.

نجم فريد من نوعه

رصد العلماء «WOH G64» للمرة الأولى في سبعينات القرن الماضي، وبدا حينها نجماً مثيراً للاهتمام داخل «سحابة ماجلان الكبرى»؛ مجرّة قزمة تدور حول مجرّتنا «درب التبانة».

ومع الوقت، اتّضح أنّ هذا النجم لم يكن شديد اللمعان فحسب، وإنما كان أيضاً من أكبر النجوم التي اكتُشفت على الإطلاق، إذ يزيد نصف قطره على 1.500 ضعف نصف قطر الشمس.

عام 2024، أصبح «WOH G64» أول نجم خارج مجرّتنا يُصوَّر بتفاصيل دقيقة، بفضل مقياس التداخل التابع للتلسكوب العملاق جداً. وأظهرت الصورة غلافاً غبارياً واضحاً يحيط بالنجم العملاق المركزي، ممّا أكَّد أنه يفقد كتلته مع تقدّمه في العمر.

من العملاق الفائق إلى العملاق الهائل... يبقى الحجم ضخماً

يُعدُّ «WOH G64» نجماً فتياً في الكون الفسيح، ويُقدَّر عمره بأقل من 5 ملايين سنة. وعلى عكس شمسنا (البالغ عمرها حالياً نحو 4.6 مليار سنة)، فإنّ «WOH G64» مُقدَّر له أن يعيش حياةً قصيرةً ويموت في ريعان شبابه.

كأنَّ الكون يبدّل جلده (غيتي)

يُذكر أنّ «WOH G64» وُلد ضخماً، وتشكَّل من سحابة هائلة من الغاز والغبار انهارت حتى تسبب الضغط الهائل في اشتعالها. ومثل شمسنا، كان من المفترض أن يحرق الهيدروجين في نواته من خلال الاندماج النووي.

وفي وقت لاحق، يتمدَّد ويحرق الهيليوم، ليُصبح ما يُسمى بالعملاق الأحمر الفائق.

يُذكر أنه ليست جميع النجوم العملاقة الفائقة تتحوَّل بالطريقة نفسها. وقد طُرحت نظرية مفادها أنَّ هذه النجوم تتشكَّل عندما تحترق النجوم الضخمة بسرعة وتتطوَّر من حرق الهيدروجين إلى حرق الهيليوم.

وخلال هذا التحوُّل، تبدأ النجوم في فقدان طبقاتها الخارجية، في حين تنكمش نواتها نحو الداخل. وبمجرَّد أن يُصبح النجم عملاقاً فائقاً، فإنه يكون مُقدَّراً له أن يموت سريعاً في انفجار مستعر أعظم.

ما الذي يتسبَّب بهذا التغيير الملحوظ في «WOH G64»؟

إذن، ماذا حدث لـ«WOH G64» خلال عام 2014؟ تقترح الدراسة الجديدة أنّ جزءاً كبيراً من سطح النجم العملاق الأصلي قد قُذف بعيداً عنه. وقد يكون ذلك نتيجة تفاعلات مع نجم مرافق، وهو ما دعمه الباحثون من خلال دراسة طيف الضوء الصادر عن «WOH G64».

وثمة نظرية أخرى في هذا الصدد تفيد بأنَّ النجم على وشك الانفجار. نعلم أنَّ النجوم بهذا الحجم ستنفجر حتماً، لكن من الصعب تحديد موعد حدوث ذلك بدقة مسبقاً.

ويتمثَّل أحد السيناريوهات المُحتملة في أنَّ التحوُّل الذي نشهده ناتج عن مرحلة «الرياح العملاقة» التي تسبق انفجار المستعر الأعظم. ويُفترض أنَّ هذه المرحلة تحدث بسبب نبضات داخلية قوية مع استهلاك الوقود في النواة بسرعة.

وحده الزمن كفيل بالإجابة

تعيش معظم النجوم لعشرات الملايين أو حتى لعشرات المليارات من السنوات. ولم يكن من المُسلَّم به قط أن نشهد هذا الكم الهائل من التحوّلات في نجم ونوثّقه، فضلاً عن نجم خارج مجرّتنا.

الزمن وحده كفيل بتقديم الإجابة. وإذا حالفنا الحظ، فقد نشهد موت «WOH G64» في حياتنا، وهو ما سيوفِّر مشهداً مدهشاً بين المجرات، وسيساعد العلماء أيضاً على إكمال لغز هذا النجم الفريد.


«ميمو» يسبح مطمئناً في فنيسيا... وعلى البشر الحذر!

يسبح حيث تكثر المراوح كأنَّ الطمأنينة خيارٌ شخصي (رويترز)
يسبح حيث تكثر المراوح كأنَّ الطمأنينة خيارٌ شخصي (رويترز)
TT

«ميمو» يسبح مطمئناً في فنيسيا... وعلى البشر الحذر!

يسبح حيث تكثر المراوح كأنَّ الطمأنينة خيارٌ شخصي (رويترز)
يسبح حيث تكثر المراوح كأنَّ الطمأنينة خيارٌ شخصي (رويترز)

أفاد باحثون بأنّ دولفين الأنف الزجاجي، الذي يعيش عادةً في عزلة، قد تأقلم جيداً مع الحياة في مياه المدينة. ومع ذلك، تبقى هناك حاجة إلى إقرار ضوابط أشدّ صرامة على حركة القوارب وسلوك البشر.

ووفق «الغارديان»، أكد علماء إيطاليون يتولّون مراقبة تحركات دولفين داخل بحيرة فنيسيا أنّ البشر هم مَن يحتاجون إلى الإدارة، وليس الحياة البرّية.

وشوهد دولفين الأنف الزجاجي، المعروف باسم «ميمو»، في مناسبات عدّة منذ ظهوره الأول في يونيو (حزيران) الماضي، ممّا دفع فريقاً بحثياً من جامعة بادوفا إلى التحرُّك.

وفي الوقت الذي نجح الحيوان في بثّ السعادة في نفوس السياح والسكان بقفزاته البهلوانية، أطلق نشطاء حقوق الحيوان والبيئة حملة «أنقذوا ميمو»، وسط مخاوف من تعرُّضه للدهس بمراوح القوارب التي تعبر البحيرة المزدحمة ذهاباً وإياباً.

اليوم، نشر العلماء دراسة في دورية «فرونتيرز إن إيثولوجي»، توضح تفاصيل أنشطة المراقبة التي اضطلعوا بها وتحرّكات الدولفين على مدى أشهر.

من جهته، قال كبير مؤلفي الدراسة، غيدو بيترولونغو، وهو طبيب بيطري متخصّص في علم الأمراض البيئية في قسم الطب الحيوي المقارن وعلوم الأغذية بجامعة بادوفا: «نقدّم هنا حالة أحد أكثر الحيوانات جاذبية في إحدى أكثر المدن شهرة: دولفين وحيد في فنيسيا».

في بحيرة مزدحمة بالحركة... يسبح «ميمو» كأنه خارج الإيقاع (أ.ب)

وأضاف أنّ الملاحظات التي دوّنها الفريق وثَّقت «تكيُّف الحيوان المذهل مع بيئة غير مألوفة»، مع الإضاءة على «ضرورة إدارة سلوك الإنسان لضمان سلامته».

يُذكر أنّ الدلافين القارورية الأنف تُعدّ أكثر أنواع الدلافين شيوعاً في المياه الإيطالية. ورغم أنها عادةً ما تتنقل في مجموعات، سُجِّلت حالات عدّة في السنوات الأخيرة لدلافين وحيدة في البحر الأدرياتيكي تغادر مجموعاتها وتتّجه نحو المناطق الساحلية أو الحضرية.

من جهته، رصد سائق تاكسي مائي يُدعى مانويل تيفي «ميمو» للمرة الأولى في 23 يونيو (حزيران) 2025. وصرَّح لصحيفة «كورييري ديلا سيرا» بأنّ الدلفين كان يسبح «مباشرةً أمام مقدّمة القارب»، مضيفاً أنّ سائقي التاكسي المائي يُبلغون عن مشاهدات الدلفين لتحذير الناس وتنبيههم إلى ضرورة الحذر، «لكن يبدو أنّ الحيوان لا يشعر بالخوف»، وفق قوله.

منذ رصد تيفي للدلفين، يعكف العلماء على مراقبته من القوارب أسبوعياً، بدعم من سلطات المدينة والمواطنين، ولاحظوا تنقّله من الطرف الجنوبي لبحيرة فنيسيا إلى الطرف الشمالي، حيث لا يزال موجوداً اليوم.

وقال بيترولونغو: «رصد الدلافين القارورية الأنف في المناطق الحضرية ليس بالأمر المفاجئ، فهي ثدييات بحريّة شديدة التكيُّف وانتهازية»، مضيفاً أن «(ميمو) يبدو بصحة جيدة ويُشاهد بانتظام وهو يتغذَّى على أسماك البوري».

تاريخياً، لطالما استوطنت الدلافين بحيرة فنيسيا وتكيَّفت مع الحياة فيها.

ورغم أنّ سلوك «ميمو» منذ وصوله كان «نموذجياً بالنسبة إلى هذا النوع»، فإنّ البشر يمثّلون مشكلة، وفق العلماء، إذ يكمن الخطر الأكبر في تصرّفاتهم غير اللائقة تجاه الحيوان، خصوصاً من خلال القيادة المتهوِّرة للقوارب.

وأكد العلماء ضرورة اتخاذ تدابير للتحكُّم في السرعة والحفاظ على مسافة آمنة بين القوارب.

وفي هذا السياق، قال جيوفاني بيرزي الذي يدرس دلافين البحر الأدرياتيكي منذ 4 عقود: «الأمر غير المألوف حقاً ليس وجود الدلفين، وإنما الصعوبة المستمرّة التي يبدو أنّ البشر يواجهونها فيما يتعلّق باحترام هذه الحيوانات اليوم».

وأضاف: «علينا أن نُقدّر فرص التعايش مع الحياة البرّية والاستمتاع بها. تُظهر الوثائق التاريخية والمعاصرة بوضوح أنّ الدلافين رافقت الأنشطة البحريّة البشرية لآلاف السنوات، ومع ذلك لا نزال نُكافح من أجل التعايش معها بشكل لائق».


أم وابنتها تكتشفان أكبر مستعمرة مرجانية في العالم

صوفي كالكوفسكي بوب ووالدتها جان بوب تغوصان لاستكشاف المستعمرة (منظمة «مواطنو الشعاب المرجانية»)
صوفي كالكوفسكي بوب ووالدتها جان بوب تغوصان لاستكشاف المستعمرة (منظمة «مواطنو الشعاب المرجانية»)
TT

أم وابنتها تكتشفان أكبر مستعمرة مرجانية في العالم

صوفي كالكوفسكي بوب ووالدتها جان بوب تغوصان لاستكشاف المستعمرة (منظمة «مواطنو الشعاب المرجانية»)
صوفي كالكوفسكي بوب ووالدتها جان بوب تغوصان لاستكشاف المستعمرة (منظمة «مواطنو الشعاب المرجانية»)

اكتشف فريق بحث علمي، مؤلف من أم وابنتها، أكبر مستعمرة مرجانية معروفة في العالم، التي تقع في الحاجز المرجاني العظيم قبالة سواحل أستراليا.

وتمتد هذه المستعمرة على مسافة 111 متراً تقريباً، أي ما يعادل طول ملعب كرة قدم تقريباً، وتغطي مساحة تقارب 4 آلاف متر مربع، وفقاً لبيان صادر عن منظمة «مواطنو الشعاب المرجانية» المعنية بالحفاظ على البيئة.

وتعني هذه الأرقام أن هذه المستعمرة «من بين أهم التكوينات المرجانية التي سُجّلت على الإطلاق في الحاجز المرجاني العظيم»، و«أكبر مستعمرة مرجانية موثقة في العالم»، حسب المنظمة.

وقد عُثر على المستعمرة المرجانية في أواخر العام الماضي، بواسطة كل من صوفي كالكوفسكي بوب، منسقة العمليات البحرية في المنظمة، ووالدتها جان بوب، وهي غواصة متمرسة ومصورة تحت الماء، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

صوفي كالكوفسكي بوب ووالدتها جان بوب (منظمة «مواطنو الشعاب المرجانية»)

وكانت الأم قد غاصت في الموقع قبل أسبوع، وأدركت أنها رأت شيئاً مميزاً. لذا، عاد الثنائي بمعدات القياس. وقالت الابنة: «عندما قفزنا في الماء، أدركت على الفور أهمية ما كنا نراه». وصورتا معاً فيديو وهما تسبحان عبر امتداد الشعاب المرجانية. وأضافت الابنة: «استغرقني تصوير الفيديو ثلاث دقائق للسباحة من جانب إلى آخر».

وتم التحقق من حجم المستعمرة المرجانية باستخدام قياسات يدوية تحت الماء وصور عالية الدقة مُلتقطة من منصات على سطح الماء.