غذاء المستقبل.. في ظروف الاحتباس الحراري

اختبارات علمية تؤكد تناقص إنتاجية بعض المحاصيل وفقدان عناصرها المفيدة

غذاء المستقبل.. في ظروف الاحتباس الحراري
TT

غذاء المستقبل.. في ظروف الاحتباس الحراري

غذاء المستقبل.. في ظروف الاحتباس الحراري

من بعيد، يبدو الشبان الثلاثة الذين يتجولون داخل حقل الذرة مثل أطفال المزارع من الغرب الأوسط الذين يتفحصون محاصيلهم. وإنه لمحصول جيد على ما يبدو، مع ثمار الذرة المتدلية على سيقانها الخضراء النابضة بالحياة. ولكنهم، كلما توغلوا بعيدا داخل الحقل، فإن هؤلاء الرجال - وفي واقع الأمر هم 3 من العلماء الشبان، وليسوا مزارعين - يشيرون بأيديهم إلى أوراق مصفرة ومجزعة على بعض نباتات الذرة. ويقول أحدهم وهو تياغو توماز، عالم في الكيمياء الحيوية من أستراليا: «إنك بالتأكيد ترى بعض التلف».
وتبعث الأوراق التالفة بإشارة خطر على المحصول بالكامل، الواقع على امتداد أميال قليلة من الحرم الجامعي الرئيس لجامعة إلينوي. ووفقا للمشروع هذا، فقد انصب هدف العلماء على دراسة نوع التلف الذي يمكن أن يشكل عراقيل خطيرة على الإمدادات الغذائية، في كوكب حار مثل الأرض.

* محاصيل «تالفة»
تعد الحقول هنا من بين عدد قليل من الأماكن في العالم حيث يحاول الباحثون فيها محاكاة ظروف النمو المتوقع أن تتجسد في الواقع خلال عقود في المستقبل حيث يمتلئ الهواء بالغازات المسببة للاحتباس الحراري وغير ذلك من الملوثات الناتجة عن النشاط البشري.
تقوم شبكة من الأنابيب برش المزيد من ثاني أكسيد الكربون والملوثات المسببة للتآكل، وغاز الأوزون، في الهواء. والمصابيح وغيرها من المعدات الأخرى تحاكي الجفاف المستقبلي وموجات الحرارة المتوقعة.
وكان العمل يجري في صورة ما لفترة تقرب من عقد من الزمن، وجاءت الإجابات حتى الآن مثيرة للقلق، ففي وقت مبكر من هذا العام، على سبيل المثال، جمّع العلماء من جامعة هارفارد ومن غيرها من الجامعات البيانات من مشروع إلينوي مع نتائج العلماء من 3 دول أخرى. وفي ورقة بحثية رفيعة المستوى، أفاد الخبراء بأن المحاصيل النامية في البيئات المصممة لمحاكاة الظروف المستقبلية، رصدت فيها أوجه قصور خطيرة من بعض العناصر الغذائية، عند مقارنتها بمحاصيل اليوم.
ويحاول الباحثون في إلينوي تخطي مجرد توثيق المشكلات المحتملة، وإن وقعت. والسؤال الكبير هنا: ما الذي يمكن فعله لجعل المحاصيل أكثر قدرة ومرونة؟
تحول ذلك في الآونة الأخيرة إلى أحد المواضيع العاجلة. وعلى مدى عقود، كان الكثير من خبراء المناخ يتمتعون بقدر من الأمل حيال تلك القضية، ويفكرون أن ازدياد الحرارة في البلدان الشمالية المتجمدة سوف يكون ذا فائدة للمحاصيل، مما يساعد على تعويض خسائر الإنتاج المحتملة في المناطق المدارية. علاوة على ذلك، أشارت بعض الأبحاث إلى مكاسب ضخمة من المحاصيل لنوع من المنافع المتوقعة المخالفة للمنطق: الزيادة المطردة في ثاني أكسيد الكربون التي تسبب ارتفاع حرارة الكوكب.

* نقص الحبوب
تسحب النباتات ثاني أكسيد الكربون من الهواء وتستخدم ضوء الشمس لتحويله إلى سكريات غنية بالطاقة، وأشارت الأبحاث التي جرت في عقد الثمانينات والتسعينات أن ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون في المستقبل من شأنه أن يعطي دفعة قوية للمحاصيل. غير أن ذلك العمل جرى في ظل ظروف اصطناعية، مثل البيوت الزجاجية الزراعية.
ورصد الباحثون من مختلف الأماكن، بما في ذلك جامعة إلينوي، الحاجة إلى الاختبارات في ظل ظروف تماثل العالم الحقيقي. ويقول العالم أندرو دي بي ليكي، وهو أحد علماء جامعة إلينوي الذين يقودون ذلك العمل «إننا نعلم أنها ليست محاكاة كاملة للمستقبل، ولكننا نعتقد أنها توفر لنا الفرصة للبدء في التوصل إلى حلول».
وقد أكدت الاختبارات حتى الآن التأثير المفيد للسماد المعتمد على ثاني أكسيد الكربون، كما هو معروف. ولكن في ظروف الحقل، لم تكن الفائدة العائدة على المحاصيل كما هو الحال في التجارب السابقة للبيوت الزجاجية الزراعية، وربما ليست كافية لتتناسب مع الحرارة وغير ذلك من الضغوطات لكوكب الأرض الحار.
وأشار بحث آخر أجري في السنوات الأخيرة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة في بعض أكثر المناطق نموا على مستوى العالم قد قطع الطريق على الإنتاج المحتمل في الحبوب، مقارنة بما يمكن أن تأتي به المحاصيل في حالة غياب ظاهرة الاحتباس الحراري. وربما ساهمت تلك المشكلة بصورة جيدة في النمو المتزايد في أسعار الحبوب قبل بضع سنوات والتي أدت إلى أعمال شغب وزعزعة للاستقرار في حكومات بعض البلدان الفقيرة. وشكلت الأدلة المتراكمة تحذيرا حادا في وقت سابق من جانب الفريق الحكومي الدولي المعني بالتغيرات المناخية، وهي هيئة تابعة للأمم المتحدة، والتي أفادت بأن الإمدادات الغذائية الموثوقة ليست من الأمور المسلم بها على كوكبنا الحار. وأفادت الهيئة المذكورة في تقرير صادر عنها في شهر أبريل (نيسان) في برلين «لقد كانت الآثار السلبية للاتجاهات المناخية أكثر شيوعا من الآثار الإيجابية».
وفي ذات الوقت، أشارت الهيئة إلى الإمكانات الهائلة للزراعة لتتكيف مع التغيرات المناخية، مع التحولات في الممارسات الزراعية ومع تحسين أصناف المحاصيل. ويهدف علماء جامعة إلينوي إلى اختبار تلك الإمكانية.

* اختبارات ميدانية
وتحت قيادة العالم ليكي والسيدة إليزابيث إيه اينورث، وهي عالمة لدى وزارة الزراعة الأميركية، نجح الباحثون في تكوين مزيج غير اعتيادي من علم المناخ، والزراعة، وعلم الوراثة الحديث من أجل دراسة الطرق الممكنة للإمدادات الغذائية الأكثر مرونة.
في أحد الأيام أخيرا، وفي الوقت الذي مالت فيه شمس الصيف المحرقة، قاد العالم ليكي جولة خلال 80 فدانا من الذرة، وفول الصويا، والذرة البيضاء، حيث تنتشر الأنابيب والخراطيم والكابلات عبر الحقول، وتهمهم أصوات المعدات التكنولوجية الحديثة من داخل حظائر الحدائق.
كانت الخراطيم تضخ الغازات في الهواء - غاز ثاني أكسيد الكربون على فول الصويا، للوقوف على مدى استجابة المحصول للتركيزات المتوقعة في المستقبل، وغاز الأوزون على بعض حقول الذرة.
تحمي طبقة الأوزون، عاليا في الغلاف الجوي، الأرض من بعض إشعاعات الشمس الضارة. ولكن على مستوى كوكب الأرض يعد غاز الأوزون من الملوثات، وهو يتشكل من التفاعلات الكيميائية التي تنطوي على بعض الانبعاثات من السيارات ومحطات الطاقة. وهو نوع تآكلي من الأكسجين يهاجم كلا من النباتات ورئات البشر، ويخشى الكثير من الخبراء من تزايد مستويات الأوزون الأرضي مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية وزيادة مستويات التلوث.
في السنوات الأخيرة، دعا كبار العلماء للمزيد من التركيز المكثف على غاز الأوزون، مشيرين إلى أنه يؤدي إلى خفض الإنتاجية العالمية من الغذاء مقارنة مع ما يمكن أن يكون الأمر بخلافه. وعلاوة على ذلك، قد يكون من الملوثات السهلة التي يمكن السيطرة عليها من ثاني أكسيد الكربون. تقول دينيس إل. موزيرال، وهي باحثة لدى جامعة برينستون تعمل على دراسة تلك المسألة: «يمكننا بالفعل زيادة الإمدادات الغذائية بشكل كبير جدا إذا أولينا المزيد من الاهتمام لذلك». ومع ذلك، فإن تخفيض غاز الأوزون ليس الاستراتيجية الممكنة الوحيدة لمساعدة المحاصيل. لأن تطوير النباتات التي تستطيع مقاومة آثاره هو من المسارات الأخرى للمواجهة، ويعد ذلك هو التركيز الرئيس في جامعة إلينوي.

* إنتاج زراعي متفاوت
كان العلماء الشبان الثلاثة الذين يتجولون في حقول الذرة أخيرا هناك لتتبع أثر غاز الأوزون المرتفع على النباتات. وأطلق السيد غوركا اريس، عالم الأحياء النباتية من منطقة الباسك في إسبانيا، ماكينة تكلفت 75 ألف دولار كان يحملها على ظهره وبدأ في تسجيل القياسات حول سرعة حدوث التركيب الضوئي في أوراق الذرة.
وتبعه اثنان من زملائه - كريس مونتيس، وهو أميركي، وتوماز الأسترالي. وقاموا بأخذ شرائح دائرية محكمة من الأوراق وقام اريس بقيإسها، ثم ألقوا بعضا منها في أسطوانة من النيتروجين السائل، لتجميد الأوراق عند درجة 340 فهرنهايت لأجل التحليل الجزيئي لاحقا في المختبر.
لن يجري معرفة النتائج الكاملة لأعمال ذلك الصيف قبل عدة أشهر. ولكن بالفعل، من الواضح للعلماء أن بعض أصناف الذرة تقاوم غاز الأوزون بشكل أفضل من غيرها.
وبصورة مماثلة، وجد العلماء أصنافا من فول الصويا تنمو بشكل جيد في مستويات ثاني أكسيد الكربون المرتفعة. وبدأوا في طرح أسئلة مماثلة حول النباتات مثل الطماطم والبازلاء والفراولة التي تستهلك بصورة مباشرة (غالبية محاصيل الذرة وفول الصويا تصبح طعاما لحيوانات المزرعة).
وتشير النتائج الأولية إلى استراتيجية لتأمين الإمدادات الغذائية. وإذا تمكن الباحثون من معرفة الأسباب الوراثية الأساسية وراء تفاعل النباتات بصورة أفضل من غيرها في الظروف الصعبة، يمكن لمثل تلك الأفكار الحاسمة لمربي النباتات. تقول السيدة إينورث «إنتاج النباتات هو فن انتقاء الفائزين وتجنب الخاسرين، لذا يتعين عليك معرفة ما تبحث عنه».
يكمن الأمل الأكبر في تطوير أصناف المحاصيل القادرة على مقاومة كافة ضغوط الاحتباس الحراري العالمي. وبالنظر إلى المشكلات التي تحدث بالفعل في النظام الغذائي العالمي بسبب التقلبات المناخية، تضيف السيدة إينورث «إن بناء المرونة في الزراعة من المواضيع التي تشغل بال الجميع».
* خدمة «نيويورك تايمز»



بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.


أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.