الوكالة الدولية تطالب إيران بـ«التعاون التام» في عمليات التفتيش

فرنسا تؤكد أن «قنوات الحوار لا تزال مفتوحة» وطهران تتهم الثلاثي الأوروبي بـ«التخلي» عن التزاماته

القائم بأعمال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية كورنيل فيروتا يجري مباحثات مع وزير الخارجية الإيراني في طهران أمس (رويترز)
القائم بأعمال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية كورنيل فيروتا يجري مباحثات مع وزير الخارجية الإيراني في طهران أمس (رويترز)
TT

الوكالة الدولية تطالب إيران بـ«التعاون التام» في عمليات التفتيش

القائم بأعمال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية كورنيل فيروتا يجري مباحثات مع وزير الخارجية الإيراني في طهران أمس (رويترز)
القائم بأعمال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية كورنيل فيروتا يجري مباحثات مع وزير الخارجية الإيراني في طهران أمس (رويترز)

شدد القائم بأعمال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ كورنيل فيروتا، على المسؤولين الإيرانيين، ضرورة «التعاون التام» في تمكين فريق مفتشي الوكالة للتحقق من أنشطة طهران النووية «في الوقت الملائم»، فيما شنّ رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية الأحد، هجوماً على القوى الأوروبية، قائلاً إنه «لم يكن أمام إيران خيار آخر سوى تقليص التزاماتها في الاتفاق النووي» بسبب «الوعود التي لم يفوا بها». وذلك بعد يوم من إعلان طهران تشغيل أجهزة طرد مركزي متطورة، في أحدث خطوة لتقليص التزامها بالاتفاق.
وعقد فيروتا في طهران أمس، محادثات عالية المستوى مع مسؤولين إيرانيين، والتقى مدير المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية علي أكبر صالحي قبل أن يلتقي وزير الخارجية محمد جواد ظريف، وذلك غداة إعلان طهران بدء تشغيل أجهزة طرد مركزي متطورة من شأنها زيادة مخزونها من اليورانيوم المخصّب، في ثالث خطوة من مسار خفض الالتزامات النووية.
واطلع فيروتا على إجراءات بدأت إيران تنفيذها من الجمعة، بعدما أعلنت طهران التخلي عن قيود في مجال الأبحاث والتطوير المرتبط بتخصيب اليورانيوم قبل أن تؤكد المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية أول من أمس، ضخ الغاز بأجهزة طرد مركزية متطورة في خطوة متقدمة من انتهاك التزاماتها النووية. وفي تصعيد لمواجهتها مع واشنطن قالت إنها قادرة الآن على تخصيب اليورانيوم بنسبة نقاء تتجاوز 20 في المائة.
وبدأت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية الجمعة، تشغيل سلسلة عشرينية من أجهزة الطرد المركزي من الجيل الرابع (آي آر - 4)، إضافة إلى سلسلة عشرينية من الجيل السادس (آي آر - 6) المتطور، في حين أن اتفاق فيينا يسمح بتخصيب اليورانيوم باستخدام أجهزة طرد مركزي من الجيل الأول (آي آر - 1) بنسبة 3.67 في المائة.
وتخطت إيران الحد المسموح به لتخصيب اليورانيوم في الاتفاق وهو 3.7 في المائة ومناسب لتوليد الطاقة لأغراض مدنية ووصل إلى 4.5 في المائة. ويسمح الاتفاق لإيران في العام الـ11 من تنفيذه بعمليات بحث وتطوير محدودة على أجهزة الطرد المركزي المتقدمة التي تسرع وتيرة إنتاج المواد الانشطارية التي يمكن إذا وصلت نسبة تخصيبها إلى 90 في المائة أن تستخدم لصنع قنبلة نووية.
وذكر بيان الوكالة الدولية، أمس، أن فيروتا شدد على أن التواصل مع طهران «يتطلب تعاوناً كاملاً وفي الوقت الملائم»، دون أن يوضح ما إذا كان هناك قصور في إطار هذا التعاون، أم لا. ونسبت الخارجية الإيرانية إلى فيروتا تأكيده أن أنشطة التحقق من البرنامج النووي الإيراني ستكون «مهنية وحيادية»، في إشارة إلى جهود تبذلها الوكالة لـ«بناء الثقة» بين الجانبين. وتمحورت مباحثات المسؤول الدولي على تنفيذ تفاهمات بما تنص عليها تفاهمات الطرفين والبروتوكول الإضافي.
والسبت، قال فريدريك دال المتحدث باسم فيروتا، إن الزيارة مرتبطة جزئياً بمهمة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مشدداً على أن أنشطتها «تتم بشكل محايد ومستقل وموضوعي وبما يتسق مع المعايير المتبعة». وأفاد بأنّ «الزيارة تندرج في إطار التواصل القائم»، مضيفاً أنّ هذا الأمر يشمل عمليّة «التحقّق والمراقبة» بموجب اتفاق فيينا بشأن البرنامج النووي الإيراني. ويتيح الاتفاق للوكالة إمكانية التفتيش على المنشآت الإيرانية. وهذه هي المرة الأولى منذ نحو عامين التي يزور فيها مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إيران، على أن يطلع فيروتا اليوم مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في اجتماعه ربع السنوي في فيينا على نتائج مباحثاته في إيران.
وأفادت وكالة «إيرنا» الرسمية بأن وزير الخارجية محمد جواد ظريف شدد على أهمية أن تحافظ الوكالة على «ضرورة احترامها المبادئ المهنية والحفاظ على السرية وتنفيذ واجباتها بحيادية». ونوه بأن خفض الالتزامات «يندرج في إطار الفقرة 36 من الاتفاق النووي ورداً على عدم تنفيذ الالتزامات من قبل الأطراف الأوروبية».
وتنص الفقرة 36 من الاتفاق النووي على آلية فض النزاعات قبل نقل ملف الاتفاق النووي إلى مجلس الأمن، لكن الدول الأوروبية تحاول حل الخلافات عبر الطرق الدبلوماسية قبل تفعيل آلية فض النزاعات من الفقرة 36 التي قد تؤدي إلى نقل ملف الاتفاق النووي إلى مجلس الأمن.
وقال مسؤولون إيرانيون إن ذلك البند «يسمح لأي طرف من أطراف الاتفاق بتقليص التزاماته إذا لم ينفذ الآخرون التزاماتهم». وتقول إيران إن من الممكن العدول عن تقليص الالتزامات ببنود الاتفاق إذا تمكنت الدول الأوروبية الموقعة عليه من إعادتها لسوق التجارة العالمية.
من جهته، قال رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي في مؤتمر صحافي مع فيروتا، إن الأطراف الأوروبية «أخفقت في الوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاق».
وحاولت فرنسا وألمانيا وبريطانيا إطلاق آلية «اينستكس» لمقايضة تجارية مع إيران وحمايتها من العقوبات الأميركية، لكنها تواجه صعوبات شديدة في تطبيقها. ومنحت إيران الأربعاء، القوى الأوروبية 60 يوماً للقيام بتحرك فعال لإنقاذ الاتفاق.
وقال صالحي: «كان من المفترض أن يكون الاتحاد الأوروبي بديلاً عن الولايات المتحدة، لكن لسوء الحظ فشلوا في الوفاء بوعودهم». ونقلت «رويترز» عن المسؤول الإيراني قوله إن «الاتفاق ليس طريقاً من اتجاه واحد وإيران ستتصرف بناء على هذا مثلما فعلنا حتى الآن بتقليص التزاماتنا تدريجياً». وأضاف: «ستواصل إيران تقليص التزاماتها النووية ما دامت الأطراف الأخرى تتقاعس عن الوفاء بالتزاماتها». وتابع: «سمعنا المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي يقول إنهم ملتزمون بالاتفاق ما دامت إيران ملتزمة به». وتابع متهكماً: «أنا أتساءل: هل هم ملتزمون عدم الالتزام؟ هل هم ملتزمون عدم الوفاء بالوعود؟». ووصف الاتفاق بأنه بات «طريقاً باتجاه واحد». وقال إنّ «الطريق كانت من المفترض أن تكون باتجاهين. إذا كانت ستصبح اتجاهاً واحداً، ستتخذ طهران القرارات الصحيحة في الوقت الصحيح مثلما فعلت في هذه الخطوات الثلاث».
وكانت الوكالة الدولية في آخر تقرير أصدرته في 30 أغسطس (آب)، ذكرت أنها تواصل التحقق من مدى امتثال إيران لنصوص الاتفاق من خلال الكاميرات وعمليات التفتيش التي تجريها. لكنها لمحت إلى قلقها حيال قدرتها على مواصلة عمليات التفتيش، قائلة إن «التواصل المستمر (...) يحتاج إلى تعاون كامل وفي الوقت المناسب من قبل إيران».
وقال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان أمس: «الإجراءات التي اتخذوها سلبية، لكنها ليست نهائية. يمكنهم التراجع وطريق الحوار لا تزال مفتوحة». وفي حديث لبرنامج «لو غران راندي فو» السياسي قال إن «قنوات الحوار لا تزال مفتوحة حتى اليوم»، لكن «على إيران التخلي عن هذا النوع من الأعمال». واتهم واشنطن بـ«تقويض الاتفاق في البداية». وأضاف أن واشنطن اتبعت ذلك بفرض مزيد من العقوبات القاسية على إيران، لدرجة لم تعد طهران ترى فائدة من امتثالها للاتفاق. وأكد أن النتيجة لم تكن في مصلحة أي طرف، إلا أن إيران «ردت بشكل سيئ على قرار سيئ اتّخذه الأميركيون»، وهو ما أدى بدوره إلى التصعيد، وفق ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
وكتب مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون أول من أمس عبر «تويتر»: «ننضم إلى الدول الأخرى الأعضاء في مجلس الوكالة الدولية للطاقة الذرية الراغبة في تلقي تقرير كامل في أقرب وقت».
والجمعة، اعتبر وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، أن قرار إيران خفض التزاماتها الواردة في الاتفاق النووي في شكل أكبر هو أمر «مرفوض»، مطالباً الأوروبيين بـ«إنهاء الابتزاز» الإيراني في وقت أبدى فيه «ثقته» بإمكان التوصل إلى حل دبلوماسي، مكرراً تنديده بـ«حملات الإرهاب» التي تقوم بها إيران في العالم، وببرنامجها «المرفوض» للصواريخ الباليستية... وغرد أيضاً عبر «تويتر» أن «احتفاظ إيران بقدرة كبيرة على تخصيب اليورانيوم يؤكد ضعفاً بنيوياً في الاتفاق الإيراني». وأضاف: «نحن واثقون أن المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، وهي أمم متحضرة، ستتخذ إجراءات حاسمة لوضع حد للابتزاز النووي الذي تمارسه إيران».



الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)

دعا الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ محامي رئيس الوزراء والادعاء العام إلى اجتماع في مقر إقامته، بحسب ما أعلن مكتبه الثلاثاء، في وقت يدرس طلب عفو في إطار محاكمات الفساد الجارية بحق بنيامين نتنياهو.

ويواجه نتنياهو اتهامات في قضيتين بمحاولة الحصول على تغطية إعلامية إيجابية من وسائل إعلام إسرائيلية، إضافة إلى قضية ثالثة يُتّهم فيها بتلقي أكثر من 260 ألف دولار في شكل هدايا فاخرة من مليارديرات مقابل خدمات سياسية. وقد أُسقطت عنه تهمة رابعة بالفساد.

وقالت المستشارة القانونية للرئيس ميخال تسوك-شافير في رسالة إلى الأطراف إن هرتسوغ «يرى أنه قبل ممارسة صلاحياته في ما يتعلق بالطلب المقدّم بشأن رئيس الوزراء، ينبغي بذل كل جهد لعقد محادثات بين الأطراف للتوصل إلى تفاهمات».

ووجّهت الرسالة إلى محامي نتنياهو عميت حداد، والمدعية العامة غالي بهاراف-ميارا، والمدعي العام للدولة عميت آيسمان، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

ويعدّ نتنياهو الذي نفي مرارا ارتكاب أي مخالفات، أول رئيس وزراء إسرائيلي في منصبه يمثل أمام القضاء بتهم فساد. ولطالما وصف الإجراءات القضائية التي بدأت عام 2019 بأنها «محاكمة سياسية».

وأوضح مكتب هرتسوغ أن هذه المحادثات تشكّل «مجرد خطوة تمهيدية قبل أن ينظر الرئيس في استخدام صلاحية العفو».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد تطرق إلى القضية مباشرة في خطاب أمام الكنيست في أكتوبر (تشرين الأول)، داعيا هرتسوغ إلى منحه العفو. وأرسل لاحقا رسالة رسمية يطلب فيها العفو عن نتنياهو، أعقبها طلب رسمي من محامي الأخير.

واستؤنفت محاكمة نتنياهو قبل أسبوعين بعد رفع القيود الطارئة التي فُرضت خلال الحرب مع إيران.


«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)

بعد شهرين من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تعد إيران تملك حاكماً واحداً غير منازع في قمة السلطة، في قطيعة مفاجئة عن إرث الماضي قد تدفع طهران إلى مزيد من التصلب، بينما تدرس استئناف المحادثات مع واشنطن.

منذ تأسيسها عام 1979، دارت المؤسسة الحاكمة في فلك مرشد يملك السلطة النهائية في كل القضايا الرئيسية للدولة، لكن مقتل المرشد علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب، وصعود نجله الجريح مجتبى، أدخلا البلاد في نظام مختلف يهيمن عليه قادة «الحرس الثوري»، ويتسم بغياب مرجعية حاسمة وذات سلطة نافذة لاتخاذ القرار، حسب تحليل لوكالة «رويترز».

ولا يزال مجتبى خامنئي في قمة النظام، لكن 3 مصادر مطلعة على المداولات الداخلية قالت إن دوره يقتصر إلى حد كبير على إضفاء الشرعية على القرارات التي يتخذها جنرالاته، لا إصدار التوجيهات بنفسه.

ويقول مسؤولون ومحللون إيرانيون إن ضغوط الحرب أدت إلى تركيز السلطة في دائرة داخلية أضيق من المحافظين المتشددين، متجذرة في المجلس الأعلى للأمن القومي، ومكتب المرشد، و«الحرس الثوري»، الذي بات يهيمن على الاستراتيجية العسكرية والقرارات السياسية الرئيسية.

وقال مسؤول حكومي باكستاني كبير أُطلع على محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة التي تتوسط فيها إسلام آباد: «الإيرانيون بطيئون بشكل مؤلم في ردودهم». وأضاف: «يبدو أنه لا توجد هيكل قيادي واحدة لاتخاذ القرار. أحياناً يستغرق الأمر يومين أو 3 أيام كي يردوا».

عراقجي يستقبل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران الأسبوع الماضي

وقال محللون إن العقبة أمام التوصل إلى اتفاق ليست الصراعات الداخلية في طهران، بل الفجوة بين ما تستعد واشنطن لتقديمه، وما كان «الحرس الثوري» المتشدد مستعداً لقبوله.

وكان وزير الخارجية عباس عراقجي الوجه الدبلوماسي لإيران في المحادثات مع الولايات المتحدة، وانضم إليه أخيراً رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو قيادي في «الحرس الثوري» ورئيس بلدية طهران سابقاً ومرشح رئاسي، وقد برز خلال الحرب بوصفه قناة رئيسية بين النخب السياسية والأمنية والدينية في إيران.

لكن على الأرض، كان المحاور المركزي هو قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي، وفق مصدر باكستاني ومصدرين إيرانيين، الشخصية المحورية في إيران، بما في ذلك في الليلة التي أُعلن فيها وقف إطلاق النار.

ولم يظهر مجتبى علناً حتى الآن. وقال مصدران مقربان منه إنه يتواصل من خلال مساعديه بـ«الحرس الثوري» أو عبر اتصالات صوتية محدودة بسبب قيود أمنية، وأصيب مجتبى بجروح بالغة في ساقه خلال الموجة الأولى من الغارات الإسرائيلية والأميركية على إيران، والتي قُتل فيها والده وعدد من أقاربه.

ولم ترد وزارة الخارجية الإيرانية بعد على طلب للتعليق على ما أثاره هذا المقال. ونفى مسؤولون إيرانيون في السابق وجود أي انقسامات بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة.

في قبضة قادة عسكريين

قدّمت إيران، الاثنين، مقترحاً جديداً إلى واشنطن، ويقول مسؤولون إيرانيون كبار إنه يتصور محادثات مرحلية، مع تنحية الملف النووي جانباً في البداية إلى أن تنتهي الحرب، وتُحل الخلافات بشأن الملاحة في الخليج العربي. وتصر واشنطن على ضرورة معالجة الملف النووي منذ البداية.

وقال آلان آير، الخبير في الشؤون الإيرانية والدبلوماسي الأميركي السابق، إن «أياً من الطرفين لا يريد التفاوض»، مضيفاً أن كلاً منهما يعتقد أن الوقت كفيل بإضعاف الطرف الآخر؛ إيران عبر ورقة الضغط في هرمز، وواشنطن عبر الضغط الاقتصادي والحصار.

وقال آير إن أياً من الطرفين لا يستطيع، في الوقت الراهن، أن يبدي مرونة؛ فـ«الحرس الثوري» حذر من الظهور بمظهر الضعف أمام واشنطن، بينما يواجه الرئيس دونالد ترمب ضغوط انتخابات التجديد النصفي، ولا يملك هامشاً كبيراً للمرونة من دون تكلفة سياسية.

وأضاف آير الذي شارك بالمفاوضات النووية خلال إدارة باراك أوباما من كثب: «بالنسبة إلى الطرفين، ستُفسر المرونة على أنها ضعف».

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

ولا يعكس هذا الحذر ضغوط اللحظة الراهنة فقط، بل الطريقة التي تمارس بها السلطة الآن داخل إيران. ورغم أن مجتبى هو رسمياً صاحب السلطة النهائية في إيران، فإنه، بحسب مطلعين، شخصية تصادق أكثر مما تقود؛ فهو يقر نتائج صيغت عبر توافق مؤسسي، ولا يفرض سلطته. ويقول هؤلاء إن السلطة الفعلية انتقلت إلى قيادة حرب موحدة تتمحور حول المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورفعت شخصيات متشددة، مثل المفاوض النووي السابق سعيد جليلي ومجموعة من النواب الراديكاليين، حضورها عبر خطاب حاد خلال الحرب، لكنها تفتقر إلى النفوذ المؤسسي اللازم لتعطيل القرارات أو تشكيل النتائج.

ويدين مجتبى بصعوده إلى «الحرس الثوري»، الذي همّش البراغماتيين ودعمه بوصفه حارساً موثوقاً به لأجندته المتشددة. وتقول مصادر مطلعة على دوائر صنع القرار الداخلية في البلاد لـ«رويترز» إن ازدياد هيمنة «الحرس الثوري»، الذي تعزز أصلاً بفعل الحرب، يشير إلى سياسة خارجية أكثر عدوانية وقمع داخلي أشد.

ويرى «الحرس الثوري» مدفوعاً بالتوجه الآيديولوجي الثوري ورؤية أمنية في المقام الأول، أن مهمته تتمثل في الحفاظ على الجمهورية الإسلامية في الداخل مع إظهار الردع في الخارج.

وهذه الرؤية، التي غالباً ما يتقاسمها متشددون في القضاء والمؤسسة الحاكمة، تعطي الأولوية لسيطرة مركزية صارمة ومقاومة الضغوط الغربية، خصوصاً في السياسة النووية ونفوذ إيران الإقليمي.

السلطة بيد القطاع الأمني

وقالت المصادر المقربة من دائرة الحكم أن آيديولوجيا «الحرس الثوري» تشكل في الواقع الاستراتيجية الرئيسية؛ إذ تبقى عملية صنع القرار راسخة في يده. وأضافت المصادر أنه مع دخول البلاد في حالة حرب ورحيل خامنئي، لا يملك أي طرف داخل النظام القوة أو النطاق لمقاومة ما يراه «الحرس الثوري»، حتى لو أراد ذلك.

ولم يعد الخيار أمام القيادة الإيرانية بين سياسة معتدلة وأخرى متشددة، بل بين التشدد وما هو أشد تشدداً. وقال مصدران إيرانيان قريبان من دوائر السلطة إن فصيلاً صغيراً قد يدفع باتجاه الذهاب أبعد، لكن «الحرس الثوري» أبقى هذا الاندفاع حتى الآن تحت السيطرة.

ويمثل هذا التحول إعادة ترتيب حاسمة للسلطة، من أولوية رجال الدين إلى هيمنة القطاع الأمني. وقال آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأميركي السابق: «انتقلنا من سلطة رجال الدين إلى السلطة العسكرية... إلى نفوذ (الحرس الثوري). هكذا تحكم إيران».

إيرانية تسير بجانب نموذج رمزي لصاروخ «خيبر شكن» الباليستي في طهران الاثنين (رويترز)

وقال أليكس فاتانكا، الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط، إن اختلافات في الرأي موجودة، لكن صنع القرار تركز حول المؤسسات الأمنية، مع قيام مجتبى بدور شخصية جامعة مركزية، لا صاحب قرار منفرد.

ورغم الضغط العسكري والاقتصادي المستمر من الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تُظهر إيران أي مؤشرات إلى التصدع أو الاستسلام بعد نحو 9 أسابيع من الحرب

وأشار ميلر أيضاً إلى أنه لا توجد أدلة على وجود انقسامات جوهرية داخل النظام أو معارضة ذات مغزى في الشوارع.

ويشير هذا التماسك إلى أن القيادة باتت في يد «الحرس الثوري» والأجهزة الأمنية، التي تبدو كأنها تقود الحرب بدلاً من مجرد تنفيذ عمليات قتالية. وقال ميلر إن توافقاً استراتيجياً برز داخل النظام: تجنب العودة إلى حرب شاملة، والحفاظ على أوراق الضغط، خصوصاً في مضيق هرمز، والخروج من الصراع أقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.


جولة موسعة لوزير الخارجية الفرنسي إلى منطقة الخليج

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يلقي كلمة بلاده في الأمم المتحدة بمناسبة الجلسة المخصصة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يلقي كلمة بلاده في الأمم المتحدة بمناسبة الجلسة المخصصة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (أ.ف.ب)
TT

جولة موسعة لوزير الخارجية الفرنسي إلى منطقة الخليج

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يلقي كلمة بلاده في الأمم المتحدة بمناسبة الجلسة المخصصة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يلقي كلمة بلاده في الأمم المتحدة بمناسبة الجلسة المخصصة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (أ.ف.ب)

يقوم جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي، بدءاً من بعد ظهر الأربعاء، بجولة خليجية تقوده تباعاً إلى المملكة السعودية وقطر والإمارات وعمان. وتأتي هذه الجولة في إطار التواصل الأوروبي مع القادة الخليجيين وعقب تلك التي قام بها، تباعاً، رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ورئيسة الوزراء الإيطالية جيورجينا ميلوني. وستوفر الجولة الفرصة لبارو للقاء نظرائه في العواصم الأربع.

وتعكس هذه الزيارات المتلاحقة اهتماماً أوروبياً واضحاً بتتمات الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران وبانعكاساتها محلياً وإقليمياً ودولياً، ورغبة في التواصل مع الدول الخليجية المعنية بشكل رئيسي بما هو حاصل في محيطها.

ووصفت مصادر دبلوماسية فرنسية السياق الذي تحصل فيه جولة بارو بأنه «خاص»، إذ تأتي بعد ستة أسابيع من الحرب، وفي سياق وقف لإطلاق النار لا تعرف مدته، وفي إطار مفاوضات متأرجحة بين معاودة الانطلاق والوصول إلى طريق مسدود وعودة الحرب، بالإضافة إلى إغلاق مضيق هرمز ونتائجه الكارثية على سلاسل إمداد الطاقة والأزمات الاقتصادية.

وذكرت باريس أن الجولة تشمل دولاً ترتبط معها فرنسا باتفاقيات دفاعية وكان لها دور في الدفاع عنها ضد الصواريخ والمسيرات الإيرانية، منوهة بأن ما قامت به فرنسا يفوق بأضعاف ما قامت به دول أوروبية أخرى. وبخصوص المفاوضات، ترى باريس أن أحد أسباب التعثر يكمن في أن كل طرف (إيران والولايات المتحدة) يعتبر أن ميزان القوى يميل لصالحه، وبالتالي لا يرى أن عليه تقديم تنازلات كبيرة؛ الأمر الذي يُصعّب عملية الخروج من الأزمة.

أهداف جولة بارو

تسعى باريس من خلال الجولة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، أولها تعزيز المقاربة الفرنسية - الخليجية، والأوروبية - الخليجية، إزاء مجموعة من الملفات أبرزها كيفية التعامل مع التحدي الذي تمثله برامج إيران النووية والباليستية والمسيرات، والدور الإقليمي الذي تلعبه طهران، وكيفية بلوغ الحلول المستدامة والمبادرات التي يمكن أن يقوم بها الطرفان (الفرنسي والخليجي) معاً.

وفي هذا السياق، فإن باريس ترى أن التركيز سيكون على كيفية إعادة حرية الملاحة إلى مضيق هرمز. ولا شك أن الوزير بارو سيعرض على نظرائه المراحل التي قطعتها المبادرة الفرنسية - البريطانية لضمان أمن الملاحة، من خلال إطلاق «مهمة» أو «بعثة» لمواكبة السفن والناقلات التي تعبر المضيق.

لكن أمراً كهذا لن ينطلق قبل أن تنتهي الحرب، علماً بأن باريس ولندن حرصتا على تجنب الخلط بين ما تقوم به القوات البحرية الأميركية وبين مهمات البعثة الموعودة. وترى باريس أنه يجب للطرف الخليجي أن يلعب دوراً، وأن لا شيء يمكن أن يتم من غير ضم الخليجيين إليه.

الملف اللبناني و«حزب الله»

لا ترى باريس أن جولة كهذه يمكن أن تتم من غير أن تتناول الملف اللبناني، خصوصاً مع المملكة السعودية، حيث للبلدين مقاربة متماثلة لجهة الأهداف التي يرغب الطرفان بأن تتحقق عملهما من أجل المحافظة على السيادة اللبنانية، وتفهم توازنات البلد الداخلية والتمسك باستقراره.

وإذا كانت باريس التي استقبلت مؤخراً رئيس مجلس الوزراء نواف سلام ورحبت بوقف إطلاق النار الذي تم تمديده لثلاثة أسابيع، إلا أنها، بالمقابل، شعرت بالقلق إزاء انتهاكاته وإزاء استفحال الأزمة الإنسانية وإزاء الانقسامات العميقة التي يعيشها لبنان بصدد «حزب الله»، والدور الذي لعبه بجر لبنان إلى حرب لا يريدها وربطه بأزمات إقليمية.

وأشارت المصادر الدبلوماسية الفرنسية إلى «عدوانية» «حزب الله» في الداخل، والتي برزت أيضاً مع مقتل عنصرين من قوات «اليونيفيل» الدولية، حيث تحمّل باريس المسؤولية لعناصر من الحزب المذكور. وثمة مصدر قلق ثان لفرنسا عنوانه احتلال إسرائيل لمناطق في جنوب لبنان، التي من شأنها دعم «سردية» «حزب الله» ووضع العراقيل بوجه السلطات اللبنانية في سعيها لوضع حد لهذه الحرب عن طريق المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.

ما قبل الحرب وما بعدها

ثمة محور ثان ستدور حوله جولة بارو، عنوانه الأول تعزيز المقاربة الفرنسية - الخليجية بصدد الحلول المستدامة للأزمة ولما بعدها. وترى باريس أن الدول الخليجية لن تكون بعد الحرب كما كانت قبلها، ولذا فإن أحد الأهداف يكمن في تعزيز الشراكات بين الجانبين.

وتقول المصادر الدبلوماسية إن فرنسا كانت في المقام الأول تسعى لمساعدة شريكاتها في عملية الدفاع، وهي جاهزة لأن تكون مجدداً إلى جانبهم في حال استؤنفت الحرب. لكنها ترى أنه يتعين في المقدمة الحاجة إلى تعميق الشراكة في المجال الأمني والدفاعي والذهاب إلى شراكات متجددة؛ لأن الحرب وأساليبها تتطور وتتغير ويجب مواكبة التطورات. وفي المقام الثاني، وبالنظر لما يجري في مضيق هرمز، فإن باريس ترى الحاجة لتطوير طرق بديلة للمحافظة على إمدادات الطاقة حتى لا يقع العالم بأزمات مشابهة للأزمة الراهنة، والطريق إلى ذلك يمر عبر الربط الإقليمي بين الوسائل المتوافرة، أو تلك التي يتعين إيجادها، خصوصاً أنها تتجه كلها من الشرق إلى الغرب؛ أي باتجاه المتوسط، حيث يمكن لسوريا وللبنان أن يكونا جزءاً منها.

وباختصار، تعتبر باريس أن الهدف من الزيارة التقريب بين فرنسا وشريكاتها في الخليج في مقاربة الأزمات، وفي توفير السبل لمواجهة التحديات التي تتسبب بها.