«الجلطة القلبية»... معاناة جديدة للسوريين جراء «ضغوط» الحرب

1700 عملية جراحية و8 آلاف قسطرة في 2017

رجل ينظر إلى حطام مبنى دمرته غارات النظام السوري في إدلب (أ.ف.ب)
رجل ينظر إلى حطام مبنى دمرته غارات النظام السوري في إدلب (أ.ف.ب)
TT

«الجلطة القلبية»... معاناة جديدة للسوريين جراء «ضغوط» الحرب

رجل ينظر إلى حطام مبنى دمرته غارات النظام السوري في إدلب (أ.ف.ب)
رجل ينظر إلى حطام مبنى دمرته غارات النظام السوري في إدلب (أ.ف.ب)

لم تعد ذخائر الأسلحة وصواريخ الطائرات و«البراميل» المستخدمة في الحرب وحدها من يقتل السوريين، فتفاقم الآثار النفسية والضغوط التي خلّفتها هذه الحرب باتت أيضاً تتسبب بقتل كثير منهم، بمن فيهم الشباب.
أبو أدهم رجل في العقد السابع من العمر، ويعيش مع زوجته وحدهما في أحد الأحياء الدمشقية، أصابته حالة من الرعب بسبب دقات قوية ومتتالية على باب شقته بعد منتصف الليل، وسماعه أصوات صراخ وبكاء أمام الباب.
الرجل الذي يمتلك سيارة خاصة، عندما فتح الباب وجد زوجة جاره في الطابق العلوي تبكي بشدة، وترجوه الإسراع لإسعاف زوجها الذي بات فجأة يشكو من ألم قوي في صدره. الأمر الذي بادر إلى فعله بأقصى سرعة ممكنة. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «وصلنا بسرعة إلى المستشفى، فالطرقات كانت شبه خالية، كون الوقت متأخراً، ولكنني صدمت كثيراً عندما ذكر الأطباء أن الفحوصات الأولية تشير إلى أن زهير مصاب بجلطة قلبية، ويجب تحويله إلى قسم العناية القلبية».
بلهجة شابها كثير من الانزعاج والأسف لما أصاب جاره، يضيف أبو أدهم لدى عودته إلى المنزل مع زوجة زهير، وقد تجمع كثير من الجيران: «شاب في الثلاثين من العمر، ما زال في بداية حياته، كيف أصابته جلطة؟!»، مشيراً إلى أنه «منذ أن وعينا على هذه الدنيا نعرف أن (الجلطة) تصيب كبار السن. لا حول ولا قوة إلا بالله».
زوجة زهير التي بدت مرهقة للغاية، وبعدما طال صمتها ردّت على استفسارات الجيران عن حالة زوجها، وقالت والدموع لا تفارقها: «الحمد لله على كل حال. لكن ما حصل مصيبة كبيرة»، وتوضح أن تزايد الضغوط الاجتماعية والمالية هي السبب الرئيسي في الجلطة التي أصابت زوجها، وتضيف: «بعد عودته من عمله لا يفارق المنزل، ويقضي معظم الوقت في التفكير، لدرجة أنه لا ينام في كثير من الأيام. يفكر فيما آل إليه وضع العائلة بعد دمار المنزل في داريا. يفكر بأولاد أخيه، يتامى الأب والأم. يفكر بكيفية تدبير إيجار المنزل ومصروف الشهر».
وأفادت «الهيئة العامة للطب الشرعي» في مناطق سيطرة الحكومة، العام الماضي، بارتفاع نسبة الوفيات الطبيعية عبر الجلطات القلبية أو الدماغية إلى نحو 70 في المائة من مجمل الوفيات بالبلاد، بعدما كانت لا تتجاوز 40 في المائة قبل الحرب.
وبيّنت إحصائيات صحية، بحسب تقارير، أن عدد المصابين بالأمراض القلبية في سوريا، بلغ نحو مليون مصاب، معظمهم تراوحت أعمارهم ما بين 28 إلى 60 عاماً، مؤكدة أن عدد المصابين بالأمراض القلبية الذين تجاوزت أعمارهم 28 سنة بلغ نحو 250 ألف مصاب. وأشارت إلى أن عدد المصابات من النساء وصل إلى 150 ألفاً، معظمهن تجاوزن سن اليأس.
وذكرت دراسات علمية، أن 80 في المائة من المصابين بأمراض قلبية هم من المدخنين، والبقية وراثة، ويلعب تعاطي المخدرات دوراً مهماً في حدوث النوبات القلبية، بينما نقلت تقارير عن طبيب إخصائي في أمراض القلب يعمل في مناطق سيطرة الحكومة، أن الجلطة القلبية التي تصيب الشباب بعمر الثلاثين والأربعين تعود لأسباب كثيرة كالتدخين وارتفاع كوليسترول الدم وارتفاع الضغط الشرياني وداء السكري وغياب النشاط البدني والسمنة والتعرض للضغوط النفسية.
وإن كانت العناية الإلهية لطفت بزهير، وتم إسعافه، وبقي على قيد الحياة، فإن شاباً لم يتجاوز العشرين من العمر، سقط فجأة على الأرض عندما كان يتجول في أحد شوارع دمشق، وفق شهود عيان لـ«الشرق الأوسط». لفتوا إلى أن الشاب رغم إسعافه مباشرة، تبين أنه توفي منذ لحظة سقوطه بسبب جلطة قلبية، على ما ذكر الأطباء.
كثير من الأطباء العاملين في المشافي الحكومية، وعاملون، يؤكدون لـ«الشرق الأوسط»، تضاعف عدد الذين يتم إسعافهم إليها، ويتضح أنهم مصابون بجلطات قلبية؛ حيث يجري القيام بإجراءات إسعافية سريعة لمن هو على قيد الحياة، ويتم إنقاذ كثير منهم، على حين يصل البعض وقد توفي.
ريم طالبة جامعية، وهي تتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن ويلات ومآسي ما سببته الحرب لعائلتها من تشرد وإفلاس وضغوط «تعجز الكلمات عن وصفها». توضح أنه بعدما سوّى القصف عمارتهم في غوطة دمشق الشرقية بالأرض، وكذلك مشغل خياطة يمتلكونه هناك، وأتى على أرضهم الزراعية التي كان فيها شجر من معظم أنواع الفاكهة، لم يتحمل والدها الذي كان يبلغ من العمر 41 عاماً ما آل إليه الوضع، «فبعد أشهر قليلة (من ذلك) أصابته جلطة مفاجئة أدت إلى وفاته مباشرة».
أما سوسن، وهي أم لـ3 شباب وفتاة، وتبلغ من العمر 45 عاماً، فقد أصيبت بجلطة قلبية إثر مقتل اثنين من أولادها في الحرب، بعد اعتقال الثالث منذ السنة الأولى للحرب، وفق ما تحدثت ابنتها لـ«الشرق الأوسط»، وتقول: «لم تستوعب نبأ استشهادهما، فحدث ما حدث بعد أيام، وما زاد من قهرها عدم معرفة مصير محمد (ابنها الثالث) إن كان على قيد الحياة أم لا». الفتاة توضح أنه عندما أصيبت والدتها بالجلطة أجمع الأطباء على أنها تحتاج إلى «عملية قسطرة» وتركيب «شبكة دورانية» لكي تشفى. «وهذا الأمر مكلف للغاية، لكن أقاربنا المغتربين أرسلوا المبلغ، وهو نحو 300 ألف ليرة، وتم تركيب الشبكة».
وبحسب ما نقلت وسائل إعلام محلية، منتصف العام الماضي، عن المدير العام للهيئة العامة لمشفى الباسل لأمراض وجراحة القلب في دمشق، الطبيب دياب الفاعوري، تم في العام 2017 إجراء أكثر من 1700 عملية جراحة قلب مفتوح، و8 آلاف قسطرة قلبية، بعد أن كانت في بدء الأزمة 4700 عملية قسطرة. وأشار الفاعوري إلى أن «معظم الخدمات التي نقدمها مجانية 100 في المائة، أما المأجور منها فلا يشكل أكثر من 25 في المائة من نسبة الخدمات، وهذا لا يقارن في الدول الأخرى، حتى التي تتفاخر أنها تقدم خدماتها بأسعار منخفضة، لأن إجراء أي قسطرة مأجورة لدينا لا يتجاوز 35 ألف ليرة، في وقت تصل إلى أكثر من 3 ملايين ليرة في أي دولة مجاورة، وأما عمليات القلب المفتوح فلا تتجاوز لدينا 350 ألف ليرة، في حين تصل لدى دول الجوار إلى 10 ملايين ليرة»، موضحاً أنه «في القطاع الخاص في سوريا تصل تكاليف القسطرة والقلب المفتوح إلى 4 أضعاف الأسعار الموجودة في مشفى الباسل».
وأدت الحرب المستمرة في سوريا منذ أكثر من 8 سنوات إلى مقتل نحو نصف مليون شخص، بحسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، وتهجير ونزوح ما يقارب نصف سكان البلاد البالغ أكثر من 23 مليون نسمة، بينما اعتلت سوريا وفق منظمة العمل الدولية المرتبة الأولى عالمياً بمعدلات البطالة، إذ وصلت نسبة العاطلين عن العمل فيها 50 في المائة، ذلك بسبب استمرار الحرب فيها وتدمير آلاف المنشآت الاقتصادية والاجتماعية، وهدم البيوت والمؤسسات وتشريد ملايين السوريين.
لكن خبراء اقتصاديين يشيرون في تصريحات نشرت مؤخراً إلى أنه رغم عدم وجود إحصائية دقيقة حول نسبة البطالة في سوريا، فإن التوقعات تقول إن النسبة تفوق 80 في المائة، إثر تهديم القطاعات التي تستوعب العمالة في سوريا، وذلك بعد أن كانت نسبة البطالة رسمياً في سوريا لا تتجاوز 8.8 في المائة عام 2010.
كما انخفضت الليرة السورية من نحو 50 ليرة قبل الحرب إلى نحو 650 ليرة في مقابل الدولار الأميركي حالياً، مع «ارتفاع جنوني» في أسعار السلع، توازى مع قيمة الدولار مقابل الليرة، ما خلّف عواقب كارثية على التكاليف المعيشية للمواطنين، مع مراوحة متوسط الراتب الشهري لموظف حكومي بين 30 و40 ألف ليرة سورية، ما أدى إلى اتساع شريحة الفقراء في البلاد، وبات بحسب بحث أجراه «المركز السوري لبحوث السياسات» بالتعاون مع الجامعة الأميركية في بيروت مؤخراً، أكثر من 93 في المائة من السوريين يعيشون في حالة «فقر وحرمان»، بينهم نحو 60 في المائة يعيشون في «حالة فقر مدقع».



مصر وسوريا لتعزيز الترابط بترتيبات لعودة «الرحلات الجوية»

وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)
وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)
TT

مصر وسوريا لتعزيز الترابط بترتيبات لعودة «الرحلات الجوية»

وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)
وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)

في خطوة جديدة للتقارب بين مصر وسوريا، بحث وفدٌ من سلطة الطيران المدني المصري إجراءات استئناف الرحلات الجوية من القاهرة لدمشق.

وتدعم عملية استئناف الرحلات الجوية بين القاهرة ودمشق تحقيق مزيد من التقارب بين البلدين، وفق دبلوماسيين ومراقبين مصريين أشاروا إلى أن «النقل الجوي سيسهل التعاون المشترك في مجالات عدة خصوصاً التبادل التجاري، وحركة الأفراد».

وأجرى وفد من سلطة الطيران المدني المصري، ترأسه رئيس الإدارة المركزية لأمن الطيران ياسر محمد عبد الحليم، جولة ميدانية، الاثنين، في مطار دمشق، وفق إفادة الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي السورية.

وحسب البيان، استهدفت الجولة «الاطلاع على الإجراءات والتدابير المتّبعة في مطار دمشق الدولي، تمهيداً لاستئناف تشغيل الرحلات الجوية المباشرة بين مصر وسوريا وعودة الربط الجوي بين البلدين».

وتوقفت الرحلات الجوية بين القاهرة ودمشق منذ عام 2011، على خلفية الأوضاع الأمنية هناك.

تنشيط الحركة

وستساعد عودة رحلات الطيران بين القاهرة ودمشق في «تنشيط حركة النقل الجوي، وتسهيل حركة المسافرين، وتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين»، حسب هيئة الطيران المدني السوري.

وسبقت جولة الوفد المصري بمطار دمشق، محادثات مع رئيس الهيئة العامة للطيران المدني السوري، الأحد، وحسب إفادة من الهيئة، ناقش الجانبان «سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال الطيران المدني، بما في ذلك استئناف تشغيل الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين».

ولم تعلن سلطة الطيران المدني المصري، حتى الآن، عن عودة رحلات الطيران الجوي إلى دمشق.

وتشكل ترتيبات الرحلات الجوية بين القاهرة ودمشق، «خطوة إيجابية على صعيد تفعيل العلاقات الثنائية بين البلدين»، وفق مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير يوسف الشرقاوي، وقال إن «هذه الخطوة ستدعم حركة التبادل التجاري، وتعزز من التعاون في مجال الخدمات والسياحة ونقل الأفراد».

ويرى الشرقاوي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «القاهرة تتعامل في تطوير علاقاتها مع الجانب السوري، بمنهج قائم على الانفتاح الاقتصادي بما يعزز من الترابط السياسي»، منوهاً بأن «القاهرة تعول على زيادة الاستثمارات المشتركة، للمساهمة في عملية إعادة إعمار سوريا».

مصر وسوريا لمزيد من التقارب عبر تدابير لاستئناف الرحلات الجوية المباشرة (هيئة الطيران المدني السوري)

وبينما يتسم مسار التعاون السياسي المصري مع سوريا بالحذر منذ تولي الرئيس السوري أحمد الشرع الحكم، يتخذ البلدان عدة خطوات للتعاون والتقارب على الصعيد الاقتصادي والتجاري، حيث استضافت العاصمة السورية دمشق، مطلع العام الحالي، «الملتقى الاقتصادي السوري - المصري» الأول، بمشاركة مسؤولين سوريين وقيادات من قطاع الأعمال في البلدين، بهدف تعزيز التعاون التجاري والاستثماري بين البلدين.

تعزيز التقارب

ويرى مستشار وزير السياحة المصري، وليد البطوطي، في ترتيبات عودة رحلات الطيران مع سوريا، «خطوة تحقق إضافة في مستوى التعاون والترابط بين البلدين»، وقال إنها «تعكس تطور العلاقات بين البلدين، وأن هناك فرصة مشتركة يمكن التعويل عليها لتحقيق مزيد من التقارب».

وتتعدد أهمية استئناف النقل الجوي بين القاهرة ودمشق، وفق البطوطي، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «رحلات الطيران ستسهل إجراءات نقل الرعايا بين البلدين، خصوصاً وأن هناك جالية سورية كبيرة في مصر»، إلى جانب «تسهيل حركة السياحة، وعملية التبادل التجاري».

وهناك نحو مليون ونصف المليون سوري يقيمون في مصر، بينهم أكثر من 15 ألف منتسب لاتحاد الغرف المصرية، باستثمارات تقارب مليار دولار، وفق اتحاد الغرف التجارية المصري.

Your Premium trial has ended


هل تنجح «التدابير المشتركة» بين القاهرة وأبوظبي في احتواء أزمة «بنك مصر؟»

مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)
مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)
TT

هل تنجح «التدابير المشتركة» بين القاهرة وأبوظبي في احتواء أزمة «بنك مصر؟»

مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)
مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)

شرعت مصر والإمارات في اتخاذ «إجراءات وتدابير» وصفت بـ«اللازمة»، للتعامل مع تداعيات أزمة «التعاملات البنكية الإيرانية»، التي شملت الاتهامات فيها فرع «بنك مصر» بالإمارات، في خطوة يتوقع مراقبون أنها «ستفضي إلى حل الأزمة»، وسط تلويح أميركي بفرض عقوبات جديدة ضد أي مؤسسات متورطة في تحويلات مشبوهة لصالح إيران.

ورجح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لـ«رويترز»، أن تكشف وزارة الخزانة عن عقوبات ثانوية جديدة أسبوعية تهدف إلى زيادة الضغط الاقتصادي على إيران، مع التركيز في البداية على البنوك.

وزير الخزانة سكوت بيسنت (أ.ب)

وبعد فرض إجراءات وتدابير خاصة، يوم الجمعة الماضي، على فرع لـ«بنك مصر» في الإمارات بسبب ما تردد عن صلات مالية ‌بإيران، قال بيسنت ‌في مقابلة، مساء الأحد، إن «الخطوة التالية ‌قد ⁠تتمثل في عزل ⁠مؤسسة ما تماماً عن النظام المالي القائم على الدولار»، وأضاف قبل انعقاد اجتماع وزراء مالية «مجموعة العشرين»: «سترون مزيداً من هذه الإجراءات كل أسبوع... نبدأ بالبنوك، ونخبر البنوك بأنه من ⁠غير المقبول أن تحتفظ بأموال إيرانية ‌أو أن ‌تساعد النظام (الإيراني)».

وكان «مصرف الإمارات المركزي» و«البنك المركزي المصري»، أكدا في بيان مشترك، مساء الأحد، التعاون والتنسيق التام والدائم بينهما فيما يتعلق بالتعامل مع تداعيات أزمة «بنك مصر» في الإمارات، وشددا على «اتخاذ كل الإجراءات والتدابير اللازمة».

عملية ضغط

ويرى الأكاديمي الاقتصادي المصري كريم العمدة أن «البنك المركزي المصري ونظيره الإماراتي لديهما القدرة على تدارك الأزمة... المركزي المصري والإماراتي لا يسمحان بحدوث أي مخالفات، وهو ما سيعمل البنكان على إثباته للسلطات الأميركية، ومن ثم حل الأزمة نهائياً».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «ما يحدث ليس مستهدفاً به بنك مصر ولا القطاع المصرفي الإماراتي أو المصري، بل هو عملية ضغط على إيران، وحينما تحقق واشنطن أهدافها فإن هذا الضغط سيخفف ولن تكون هناك أزمة، خصوصاً أن هناك بنوكاً كثيرة حول العالم تتعامل مع إيران في التجارة وبعلم الولايات المتحدة والهدف من ذلك تلبية الاحتياجات الأساسية للشعب الإيراني».

وأعلن «مصرف الإمارات المركزي» السبت إجراء تفتيش خاص وعاجل على فروع «بنك مصر» العاملة في البلاد، يتضمن «مراجعة متعمقة للتعاملات المصرفية للشركات الواردة في بيان السلطات الأميركية»، على خلفية مقترح لاتخاذ تدبير خاص يتعلق بفروع البنك في الإمارات بوصفها مؤسسة مالية تعمل خارج الولايات المتحدة ذات مخاوف رئيسية تتعلق بغسل الأموال.

تحقيق شفاف

ويرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن «المصرفين المركزي الإماراتي والمصري يعملان حالياً على إجراء تحقيق شفاف ومتكامل حول ما أثارته وزارة الخزانة الأميركية تجاه فرع بنك مصر لتوضيح كل الملابسات، وإثبات أن البنك المعني لم يتورط في أي أنشطة مخالفة، سواء فيما يتعلق بإيران أو غيرها».

وأوضح لـ«الشرق الأوسط»: «التحقيق قد يشمل معاملات معينة أو فترة معينة تغطي كل ما أثارته السلطات الأميركية، وبالتالي حين إثبات عدم صحة كل ما أثير ستنتهي الأزمة ولن يصل الأمر لحظر أو عقوبات مباشرة على البنك، خصوصاً أن القطاع المصرفي الإماراتي وأيضاً المصري يتعاملان بجدية وشفافية كاملة مع أي مخالفات، لكن ستستمر عملية قيود وزارة الخزانة الأميركية على خدمة المراسل بالدولار التي تقدمها لبنك مصر في الإمارات أو غيره من البنوك الأخرى من أجل تشديد الضغط على إيران».

تجدر الإشارة إلى أن بيسنت قال الأحد إنه يعتزم نقل ‌الرسالة بوضوح لوزراء مالية «مجموعة العشرين» ‌ومحافظي البنوك المركزية لقطع العلاقات الاقتصادية مع إيران، وإلا فسوف يواجهون عقوبات ثانوية.

وأطلقت وزارة الخزانة الأميركية هذه المبادرة، التي أطلق عليها اسم «عملية ‌الإقصاء الاقتصادي»، الأسبوع الماضي.

فرص الاحتواء

فيما يرى مدير الاستثمار والمحلل المالي المقيم في الإمارات حسام الحسيني أن «فرص احتواء أزمة بنك مصر ما زالت مرتفعة، خصوصاً أن الإجراء الأميركي الحالي يخص فروع بنك مصر في الإمارات، ولا يمتد إلى البنك الأم في مصر، كما أنه ما زال في مسار تنظيمي وليس عقوبة نهائية شاملة، والأهم هنا هو سرعة استجابة السلطات الإماراتية؛ فمصرف الإمارات المركزي بدأ فحصاً عاجلاً ومراجعة متعمقة للمعاملات محل الملاحظات الأميركية، بالتنسيق مع البنك المركزي المصري وبنك مصر. هذه الاستجابة المؤسسية السريعة تعزز فرص معالجة أي ثغرات امتثال قبل تحول الملف إلى مستوى أكثر تشدداً».

وأوضح الحسيني لـ«الشرق الأوسط» أن «تصريحات وزير الخزانة الأميركي تعني أن واشنطن ستواصل تشديد الضغط على المؤسسات المرتبطة بالمعاملات الإيرانية، لذلك سيعتمد احتواء الأزمة على نتائج الفحص الإماراتي، وشفافية الإجراءات التصحيحية، ومدى اقتناع الجانب الأميركي بأن المخاطر عولجت بالكامل. وحتى الآن، لا أرى ما يبرر الحديث عن عقوبات مباشرة على بنك مصر ككل أو عن أزمة أوسع في القطاع المصرفي المصري».


الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
TT

الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)

بعد أسابيع من التصعيد الحوثي متعدد المسارات، بدت خطوط المواجهة أكثر هدوءاً خلال اليومين الأخيرين، وسط مخاوف الجماعة المدعومة من إيران من عملية برية متزامنة تحضر لها القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها.

وشهد أغسطس (آب) تصعيداً حوثياً واسعاً امتد من جبهات مأرب، وشبوة، وحضرموت، وتعز، والضالع، إلى الساحل الغربي، وباب المندب، واستخدمت خلاله الجماعة الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، في واحدة من أكثر موجات التصعيد اتساعاً منذ 2022.

وفي المقابل، ردت القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها بعمليات عسكرية، وضربات بالطيران المسيّر، إلى جانب التصدي للهجمات الحوثية على خطوط التماس، وإسقاط أعداد من الطائرات المسيّرة، في حين أظهرت التطورات الميدانية أن الجماعة لم تتمكن من تحويل تصعيدها إلى تغيير واضح في موازين السيطرة على الأرض.

عضو مجلس القيادة اليمني عبد الرحمن المحرّمي يجتمع عبر الفيديو مع قادة عسكريين (إكس)

وتتزايد، وفق مصادر عسكرية، مخاوف الحوثيين من أن يكون رفع الجاهزية الحكومية جزءاً من استعداد لعملية برية مباغتة، خصوصاً في ظل تعزيز التنسيق بين الوحدات المنتشرة في قطاعات المواجهة، ورفع مستوى الرصد، والمتابعة.

وفي أحدث مؤشر على ذلك، بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الرحمن المحرّمي، مع قيادة محور المشاة والإسناد الثاني مستوى الجاهزية، والاستعداد في مختلف قطاعات المحور، والتطورات في جبهات المسيمير، وكرش، وحيفان، إلى جانب إجراءات تأمين باب المندب.

شهر من التصعيد والردود

لم يكن التصعيد الحوثي خلال أغسطس محصوراً في جبهة واحدة. فقد امتدت الهجمات من مناطق التماس في مأرب، وشبوة، وحضرموت، إلى الساحل الغربي، بينما تحولت مدينة المخا وميناؤها إلى أحد أبرز مسارح المواجهة، مع إطلاق الجماعة صواريخ باليستية، وطائرات مسيّرة باتجاه المدينة، والمنشآت الساحلية.

وفي إحدى أبرز الهجمات، تعرضت المخا لقصف صاروخي ومسيّر أدى إلى سقوط قتلى، وجرحى، وأضرار في الميناء، والمنشآت، كما امتدت المواجهات خلال الشهر إلى جبهات أخرى، بينها مأرب، وشبوة، وحضرموت، والضالع، وتعز.

طائرة مسيرة يستخدمها الجيش اليمني في الرد على تصعيد الحوثيين (إكس)

وبينما واصلت الجماعة تحركاتها على خطوط التماس، ومحاولاتها استخدام مناطق مدنية وريفية قريبة من الجبهات لإطلاق الصواريخ، والطائرات المسيّرة، ردت القوات الحكومية على هذا التصعيد بعمليات وضربات استهدفت قدرات حوثية، ومواقع إطلاق، إلى جانب التصدي للهجمات على الأرض.

كما اتخذت المواجهة بعداً بحرياً خلال الشهر، مع استهداف الحوثيين سفناً تجارية في منطقة باب المندب، وجنوب البحر الأحمر، الأمر الذي أعاد المخاوف الدولية من التهديد الذي تشكله الجماعة لحركة التجارة والملاحة العالمية.

وفي تطور متصل، أعلنت القوات البحرية التابعة للمقاومة الوطنية ضبط شحنة معدات عسكرية في البحر الأحمر كانت في طريقها إلى الحوثيين، وقالت إن العملية جاءت بعد رصد استخباراتي لنشاط شبكات تهريب مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

وضمت الشحنة أنظمة توجيه وتحكم للطائرات المسيّرة، ومعدات لبث ومعالجة الفيديو، وهوائيات اتصال، ومكونات إلكترونية، إضافة إلى أجزاء لأنظمة حقن الوقود، وأجهزة اتصال لا سلكية مخصصة للطائرات المسيّرة.

تذكير بالدعم الإيراني

بالتوازي مع التحركات العسكرية، تكثف القيادة السياسية اليمنية رسائلها إلى المجتمع الدولي بشأن طبيعة التهديد الحوثي، خصوصاً مع ارتباط التصعيد الداخلي بأمن البحر الأحمر.

وفي هذا السياق التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي عثمان مجلي السفيرة الفرنسية لدى اليمن كاترين قرم كمون بمناسبة انتهاء فترة عملها، مشيداً بالدعم السياسي والدبلوماسي الفرنسي للحكومة اليمنية، وموقف باريس الرافض للجماعة الحوثية.

عضو مجلس القيادة اليمني عثمان مجلي مع السفيرة الفرنسية (سبأ)

وربط مجلي بين القدرات العسكرية الحوثية والدعم الإيراني، مشيراً إلى ضبط أسلحة، ومعدات، وخبراء إيرانيين، ومعتبراً أن استمرار هذا الدعم يمثل عاملاً أساسياً في قدرة الجماعة على مواصلة نشاطها العسكري.

كما أكد أهمية الدعم السعودي لليمن، وحكومته، وربط استعادة الاستقرار اليمني بحماية أمن المنطقة، وحرية الملاحة في البحر الأحمر، ومضيق هرمز.