«ميسيكا».. قصة تدور حول الماس وعلاقة حب بين أب وابنته

فاليري ميسيكا: لا يكمن جماله في حجمه الكبير أو صفائه اللامتناهي فحسب فحتى الصغير منه له دور مؤثر

خاتم «أرتيمس»  -  خاتم «كوينV»  -  عقد تتوسطه ماسة صفراء  -  سوار «سكيني» تطلب عاما كاملا لتنفيذه بالشكل الذي تصورته على شكل وشم أو ثعبان يحيط بالمعصم
خاتم «أرتيمس» - خاتم «كوينV» - عقد تتوسطه ماسة صفراء - سوار «سكيني» تطلب عاما كاملا لتنفيذه بالشكل الذي تصورته على شكل وشم أو ثعبان يحيط بالمعصم
TT

«ميسيكا».. قصة تدور حول الماس وعلاقة حب بين أب وابنته

خاتم «أرتيمس»  -  خاتم «كوينV»  -  عقد تتوسطه ماسة صفراء  -  سوار «سكيني» تطلب عاما كاملا لتنفيذه بالشكل الذي تصورته على شكل وشم أو ثعبان يحيط بالمعصم
خاتم «أرتيمس» - خاتم «كوينV» - عقد تتوسطه ماسة صفراء - سوار «سكيني» تطلب عاما كاملا لتنفيذه بالشكل الذي تصورته على شكل وشم أو ثعبان يحيط بالمعصم

«كل فتاة بأبيها معجبة»، مقولة تؤكدها حالة فاليري ميسيكا، التي دخلت عالم المجوهرات من باب إعجابها بأبيها تاجر الماس، آندريه ميسيكا، بيد أن هذا لم يكن الدافع الوحيد، بقدر ما كان رغبة محمومة تسكنها منذ الصغر لكي تنال رضاه وإعجابه، والأهم أن تثبت له أنها سند لا يستهان به، وحسب المثل الشعبي، تثبت له «أنها أخت رجال». ثقافة أسرة ميسيكا، كما تشرح في لقاء خاص جرى في محلها الواقع بشارع سانت هونوريه في باريس، شرقية؛ من حيث إن الولد ينال اهتمام الأسرة أكثر من الأنثى، فهو من سيمشي على خطى الأب ويرث مهنته على أمل أن يكتب فصلا جديدا يكون امتدادا له. لكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، فالولد الذي رزق به آندريه ميسيكا، كان من ذوي الاحتياجات الخاصة، ورغم أن الأب يؤكد أنه تقبل الأمر منذ البداية على أنه قدره ونصيبه، فإن الوضع تسبب في حصول شرخ بينه وبين زوجته انتهى بالطلاق، وعمر فاليري آنذاك لا يتعدى الـ7 سنوات.
تشرح هذه الأخيرة: «كما ترين، أنا لم أدخل المجال من باب الجاه أو لملء الفراغ مثل بعض فتيات المجتمع اللاتي أصبحن مصممات، بل كان الدافع الأول هو التقرب من والدي وتوطيد علاقتي به، بأن أنصهر في عالمه. فهمت منذ الصغر أن مفهوم الابن مهم بالنسبة له، لأن المفترض أنه هو الذي يرث مهنته، ولأن أخي من ذوي الاحتياجات الخاصة، شعرت بأن هذا الأمر أثر على والدي، فحاولت جهدي أن أعوضه عن الابن بأن آخذ مكانه».
كانت تريد بكل جوارحها أن تدخل عالم والدها وتثبت نفسها فيه. والحقيقة، أنه مجال يثير حلم أي فتاة صغيرة تسمع قصصا تلهب الخيال عن مغامرات البحث عن الماس في أماكن بعيدة وطرق تقطيعه على يد خبراء متمرسين قبل أن يصل إلى المرأة. كان هناك شيء بداخلها يقول لها إن هذا الحجر سيكون قدرها، بشكل أو بآخر، بحكم أن والدها عمل فيه منذ عام 1972؛ حيث كان يجوب العالم بحثا عن أجود أنواعه ليوفرها للصاغة المعروفين في باريس، وكان أحيانا يأخذ صغيرته معه في جولاته على هؤلاء الصاغة، يشرح لها أسراره وخباياه من دون ملل أو كلل، ويستمتع وهو يجيبها عن أسئلتها الفضولية.
ومع الوقت أصبحت تدور في فلك هذا الحجر الثمين، وتسبح في ضوئه وصفائه. عندما كبرت لم تشعر بذاتها إلا بعد أن حققت حلمها بتصميم جواهر تفرض نفسها من خلالها، وتعبر بها عن حبها لوالدها في محاولة لنيل فخره وإدخال السعادة على نفسه. «ميسيكا»، هو اسم الماركة، كما تقول: «وهو أيضا اسم والدي، الذي أتمنى أن أجعله يستمر ويأخذ حقه في عالم المنتجات المترفة».
يزيد الحديث مع فاليري متعة، ومع كل دقيقة تمر، تشعر بأن قصة ميسيكا لا تدور حول الماس فحسب، بل هي أولا وأخيرا قصة أب وابنته، وتلك العلاقة المعقدة التي تربط بينهما، من الناحية الاجتماعية والسيكولوجية. لا تنسى فاليري كيف كان يأتي في آخر النهار ويفرش أمامها منديلا يضع فوقه مجموعة من الأحجار، ويختبرها بأن يطلب منها أن تختار منها ما يعجبها، وعندما تفعل، يسألها عن السبب الذي دعاها لاختيار حجر دون سواه. هذه الدروس علمتها أن «الجمال لا يكمن في الحجم الكبير أو في الصفاء اللامتناهي فحسب، بل يكمن أحيانا في شيء غير مكتمل أو غير تقليدي، فحتى الأحجام الصغيرة جدا منه، أجد لها دورا في عالمي، بل يمكن أن يكون لها تأثير درامي في حالة رصها بأسلوب يعكس الضوء».
وتتابع: «عندما كنت أراقب والدي، كنت أندهش كيف أنه يتعامل مع كل قطعة من الماس كما لو أنها نوع من أنواع البشر، لها عدة وجوه وشخصيات عليه أن يفهمها ويغوص فيها لكي يستطيع أن يتعامل معها بالشكل المناسب. كانت تبهرني قدرته على التمييز بينها. على العكس منه، فإن الماس لا يكتسب حيويته وقيمته وبريقه، بالنسبة لي، إلا بعد أن أضعه في إطار معين، أو بالأحرى في تصميم معين، فقط عندما تجرى صياغته وتلبسه المرأة، يتحول إلى قطعة فنية وحية في عيني».
لا تدعي فاليري أنها درست التصميم، لكنها كأي امرأة شابة، تحب الموضة، وتعشق الماس، وتريد أن تتزين به في كل المناسبات، وليس في المناسبات الكبيرة فقط. لاحظت أن هناك ثغرة كبيرة في السوق، تتمثل في عدم توافر جواهر أنيقة وعصرية بأسعار معقولة يمكن للمرأة أن تتعامل معها بوصفها إكسسوارات يومية وفي الوقت نفسه تتزين بها في أفخم المناسبات، فأغلب ما كان متوافرا كان إما رخيصا، أو يخاطب المناسبات الكبيرة فقط، بتصاميم جد كلاسيكية لا تخاطب بنات جيلها. كانت تدرك أن مهنة والدها صعبة وتتطلب خبرة لم تكن مؤهلة أو مستعدة لها، كما تقول: «فتجارة الماس تحتاج إلى خبرات مختلفة تماما، كما أنها عالم ذكوري مائة في المائة. كان أقرب طريق إلى عالم والدي هو تصميم الجواهر».
لم يرحب السيد آندريه ميسيكا بالفكرة في البداية، إلا أنه خضع للأمر بعد أن لمس إصرارها، واضعا شروطا قاسية لا تزال ترن في أذنيها إلى الآن، وهي: «ألا استعمل أي أحجار أخرى سوى الماس، وألا أقلد تصميم أي بيت من بيوت الجواهر، خصوصا تلك التي يتعامل معها، بل منعني حتى من مجرد الاستلهام من هذه التصاميم لكي لا تفسر بأنها تقليد أو استنساخ. كانت شروطا قاسية، وشبه تعجيزية، لكنها حفزتني أكثر وخلقت بداخلي تحديات كبيرة، لم يكن لدي أرشيف أعود إليه، ولا نقطة انطلاق، وبالتالي كان علي أن أبدأ من الصفر، معتمدة على خيالي من جهة، وقراءة ما تريده بنات جيلي من جهة ثانية. حرصت على أن تكون نقطة الانطلاق هي امرأة عصرية إلى جانب أعمال النحات ألكسندر كالدر، فقد انبهرت بأعمال هذا الفنان، لا سيما طريقته في تعليق الأشكال في الهواء». وهو ما ترجمته في تقنيات جديدة تجعل كل قطعة مرنة ومطاطة أحيانا، بمزجها التقنيات الحديثة بأشكال مبتكرة وناعمة ومواد مترفة، وليس أدل على هذا من سوار «سكيني» أو عقد «سيلك». سوار «سكيني» مثلا، تطلب عاما كاملا لتنفيذه بالشكل الذي تصورته على شكل وشم يحيط بالمعصم.
الآن، وبعد 10 سنوات في السوق تقريبا، أصبح لاسم «ميسيكا» رنة قوية في عالم الجواهر. فتصاميمها عصرية ومبتكرة، كما أنها تنمو بشكل عضوي، وتوجد في أكثر من 40 دولة، منها منطقة الشرق الأوسط؛ حيث تشهد نجاحا كبيرا. بعد كل هذه السنوات، تفخر فاليري بأنها لا تزال ماركة عائلية، «لكل فرد فيها تخصصه ومهماته»، كما تقول.. «وهو ما يفسر نجاحنا لأننا يكمل بعضنا بعضا. والدي وقريبي، مثلا، مسؤولان عن توفير الماس، وأخي الأصغر، من أم ثانية، يتدرب على كيفية التعامل مع الماس غير المصقول، بينما زوجي يعمل في قسم التوزيع»، هذه التخصصات، أو الأدوار، المختلفة وصفة ناجحة بالنسبة للمصممة الشابة، التي تتمنى ظهور مزيد من الماركات العائلية الناجحة بصفتها وسيلة «لخنق المجموعات الكبيرة وقطع الطريق عليها. فالمسألة ليست مجرد استثمار مالي، كما يتصور البعض، بل هي أيضا استثمار عاطفي تصب فيه كل جهدك، والكثير من الحب على كل قطعة تصممها. كل يوم أستيقظ وأنا سعيدة لأني سأبدأ يوما جديدا من الإبداع، ولا شك أن هذا ينعكس على العمل، مما يجعل الزبون يشعر بالفرق، فالعائلة قوة لا يستهان بها، وليس أدل على هذا من دار «شانيل»، التي لا تزال ملكا عائليا، وتتنقل من نجاح إلى آخر».
وتستطرد ضاحكة: «هذا لا يعني أننا نعيش كل ثانية بعضنا مع بعض، فربما لم أكن أستطيع العمل والإبداع لو كان والدي يعمل معي 24 ساعة في اليوم.. سيكون الأمر خانقا، لا محالة، لكنه لحسن الحظ يعمل في مكتب آخر؛ بحيث يكون الرابط بيننا في أغلب الأحيان هو الهاتف». وتضيف بشبه تساؤل: «يحتاج المصمم إلى مساحة من الحرية لكي يبدع كأي فنان، أليس كذلك؟».
ثم تجيب عن تساؤلها بسرعة وبتواضع شديد، وكأنها تنفي تهمة عن نفسها: «هذا لا يعني أني أرى نفسي فنانة، بل أنا مصممة تركز على ما يروق للمرأة بابتكار تصاميم عملية تخدمها في كل المناسبات. وبصراحة، أعتقد أن الماس وحده، حتى قبل صقله وتقطيعه، تحفة فنية طبيعية. ما أقوم به هو وضعه في إطار معين يبرز جماله أكثر ويجعله قابلا للاستعمال».
رغم تواضعها، فإنه لا يمكن تجاهل حقيقة أن تصاميمها أصبحت تُقلد، كما يزيد الإقبال عليها من قبل زبونات يعشقن كل ما هو مبتكر وعملي ومترف، بأسعار معقولة. منذ 10 سنوات، وعندما أطلقت ماركتها لم تكن تتوقع بأن تكتسب الطبقات المتوسطة قوة شرائية مؤثرة بقدر ما تفاعلت مع هذه الطبقة، وشعرت بحسها الأنثوي أنها متجاهلة، فمعظم المصممين ركزوا على الطبقات الثرية من خلال منتجات فخمة بأسعار بعيدة المنال، تحت شعار التميز والتفرد، مما خلف ثغرة مهمة في السوق.. تقول فاليري: «بعد دراسة للسوق، لاحظت أن هناك منتجات غالية جدا وأخرى رخيصة، وليس هناك حل وسط. أثار انتباهي أيضا أن المرأة باتت تقبل على شراء حقائب وأحذية وإكسسوارات أخرى تقدر بآلاف الدولارات، لهذا فكرت في أن أقدم لها قطعا مرصعة بالماس بالأسعار نفسها تقريبا، وتبقى معها للأبد، لأنها من الماس، فالأسعار تبدأ من 500 يورو إلى مليون يورو حسب إمكانات كل واحدة، وأكثر ما يسعدني أن هذه الأسعار تشجع المرأة على استعمالها في كل المناسبات والأوقات، ولا تكتفي بها في المناسبات الكبيرة فقط؛ أي إنها بمثابة إكسسوارات يسهل عليها اقتناؤها والتعامل معها في الوقت ذاته، تماما مثل حقيبة يد من جلد طبيعي أو من جلد التمساح».
أسألها: هل نجحت الطفلة الصغيرة في نيل رضا الوالد وفخره؟ فترد بابتسامة عريضة والسعادة تقفز من عينيها: «نعم، بلا شك، فقد بدأ يحلم منذ الآن بالحملة الدعائية المقبلة التي سيظهر فيها اسم (ميسيكا) بالبنط العريض. في السابق عندما كان يسأله معارفه من تكون ميسيكا التي يرون دعاياتها في شوارع باريس، كان يرد بكل فخر: (إنها ابنتي»).



كريستينا ليون... بعد المتحف المصري الكبير عيناها نحو العُلا

لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)
لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)
TT

كريستينا ليون... بعد المتحف المصري الكبير عيناها نحو العُلا

لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)
لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)

في شهر يونيو (حزيران) الماضي وصل فريق «غالا دو دانزا» Gala De Danza إلى القاهرة، في زيارة تُمهد لحفلها المرتقب في المتحف المصري الكبير، والمقرر إقامته في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

تقول كريستينا ليون، مؤسسة مشروع «غالا دو دانزا» لـ«الشرق الأوسط» إنها في «غاية السعادة، لأن المتحف المصري الكبير -بكل ما يحمله من ثقل ومكانة- سيتحول إلى مسرح لرقص الباليه في أول حضور للمشروع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».

لقطة تجمع مجموعة من الراقصين المشاركين في المتحف المصري الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

وسيُقدِم الحفل برنامجاً يمزج بين الباليه الكلاسيكي، والرقص المعاصر، والموسيقى، والفنون، في عرض يراهن على خصوصية المكان، وأهميته التاريخية. ويشارك في هذه الفعالية أكثر من 150 فناناً، من بينهم نجوم دوليون، ومؤدون مصريون شباب اختيروا من بين مئات المتقدمين. فمع وصول فريق «غالا دو دانزا» في شهر يونيو الماضي، فُتحت اختبارات أداء أمام المواهب المصرية من مختلف الأعمار، ومن أكاديميات، ومدارس باليه محلية. وتقول كريستينا إن أكثر من 500 موهبة تقدمت للاختبارات، بينما سيحظى 50 منهم فقط بمشاركة راقصين من فرق عالمية، مثل «رويال باليه»، و«داتش ناشيونال باليه»، وفرق ومؤسسات فنية أخرى.

سيلفي وين سيندلار وتدريبات تستبق الحفل الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

وبما أنه سيكون للموسيقى نصيب في هذا الحفل، فإن من بين المشاركين ستكون سوسن البهيتي، أول مغنية أوبرا سعودية.

لكن ما يبدو للوهلة الأولى حفلاً عالمياً ذا طابع ترفيهي، هو بالنسبة لكريستينا ليون أبعد من ذلك بكثير، لما يحمله من جانب إنساني يطمح لمنح فنان مغمور -لم تسعفه الجغرافيا والظروف للوصول إلى المنصات العالمة- فرصة التحول إلى نجم ساطع.

فإتاحة الفرص أمام المواهب الجديدة ليست تفصيلاً عابراً في مشروعها، بل إنها جوهر تجربتها الشخصية، والمهنية، بوصفها راقصة باليه سابقة، عرفت عن قرب معنى أن تصنع الموهبة طريقها إلى الضوء. ولفهم هذه الرؤية، لا بد أن نعود إلى البداية.

من هي كريستينا ليون؟

كريستينا ليون مؤسسة «غالا دو دانزا» (تصوير: فريدي كوه)

بدأت الرقص في الثانية عشرة من عمرها بعد أن كانت تمارس التزلج على المنحدرات. في الثالثة عشرة لفتت أنظار صوفيا غولوفكينا، مديرة أكاديمية البولشوي المعروفة، خلال ورشة أقيمت في الولايات المتحدة. سافرت بعدها إلى موسكو لتتدرَب، وتكون من أوائل الفتيات الأميركيات اللواتي تلقَين التدريب في الأكاديمية الروسية.

وفي السادسة عشرة من عمرها، انضمت إلى «مسرح الباليه الأميركي». هنا عاشت حلم كل راقصة باليه: عروض، وسفر حول العالم، واحتكاك بأسماء كبيرة، مثل الراحلة جاكلين كينيدي أوناسيس، التي كانت حينها رئيس مجلس إدارة المسرح.

تأثرها بجاكلين كينيدي

تروي ليون أنها تعرَفت عليها عن قُرب، وتعاملت معها بشكل مباشر. فمنها تعلَمت أصول إنتاج الحفلات، والتعامل مع الرعاة، والعمل الخيري. والأهم من ذلك كله، كيف يمكن أن تُحوِل أمسية فنية إلى حوار بين الفنان والجمهور. تعترف بأن هذه الدروس كانت مختلفة تماماً عما تعلَمته في مدارس الباليه. ففي حين ينصب تركيز الراقص على إتقان الحركة فوق الخشبة، يتسع تفكير منتج العروض ليشمل الخشبة، والجمهور، والتمويل، والمكان، وكل ما يحدث قبل العرض، وبعده.

لوقا عبد النور المصري المولد من فرقة «Dutch National Ballet» سيشارك في هذا المشروع الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

ومع الوقت، أصبحت هذه المعرفة الأداة التي ساهمت في ولادة «غالا دو دانزا». مشروع فني بنكهة إنسانية أطلقته في عام 2013 في المكسيك، بعد لقاء عابر بفتاة تُدعى ماريانا كاريلو في مدرسة محلية للرقص في لوس كابوس المسكيكية. كانت الفتاة موهوبة لحد أدهش ليون، لا سيما أنها لم تكن قد احتكت بشكل مباشر بعالم الفنون الأدائية الحية. من هنا بدأ سؤال كريستينا: كيف يمكن إحضار الفرصة إلى حيث توجد موهبة لا تملك طريقاً إلى المنصات العالمية؟

من هذه الفكرة ولد المشروع كما نعرفه اليوم: «لم يكن الهدف منه إنشاء فرقة باليه أخرى، أو مهرجان تقليدي له موسم ثابت، وبرنامج مألوف، وإنما جمع أسماء عالمية تمتلك خبرة طويلة مع مواهب شابة، حتى يتمكن جمهور جاء من أجل نجم معروف من اكتشاف اسم جديد»، وفق تعبيرها.

الراقص سيزار كوراليس يتدرب بين جدران المتحف المصري الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

تستشهد هنا بقصة الراقص أندريس زونيغا الذي حضر إحدى حفلاتها في المكسيك، وأصر على لقائها في الكواليس بعد الحفل ليُعبِر لها عن أمنيته أن يرقص يوماً ما في حفل مماثل. كان عمره لا يتعدى الثالثة عشرة، لكن إصراره أثار فضولها، فطلبت منه الحضور في اليوم التالي لاختباره. وهنا اكتشفت موهبة لافتة جعلتها لا تتردد في الاتصال بجهات لكي يحصل على منحة تساعده على تحقيق حلمه.

من مكسيكو إلى لندن

ظلت ليون تطور مشروعها في المكسيك منذ عام 2013، وفقط في 2025 قررت أن تخرج به إلى العالم.

كانت لندن أول اختبار حقيقي للمشروع خارج المكسيك. ولم تكن اختياراً اعتباطياً. كانت المحطة الأولى، فمنذ أن زارتها كراقصة وهي في الخامسة عشرة من عمرها وهي تتطلع للعيش فيها. وبعد عقد عادت إليها ليست كراقصة تبحث عن مستقبلها، وإنما كصاحبة مشروع له مكانة دولية، واستقطب راقصين من مؤسسات عالمية كان لديهم استعداد لدعم مواهب شابة. ففي عروضها اجتمعت أسماء من «رويال باليه» و«باريس أوبرا باليه» و«نيويورك سيتي باليه» مع موسيقيين، ومغنين، وراقصين معاصرين، جمعتهم أماكن ثقافية وفنية مهمة.

من لندن إلى القاهرة

سيلفي وين سيندلار وتدريبات تستبق الحفل الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

لكن رحلة «غالا دو دانزا» خارج المكسيك لم تتوقف عند لندن. ففي نوفمبر المقبل ستنتقل التجربة إلى القاهرة، حيث تضع ليون مشروعها للمرة الأولى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أمام أحد أكثر الأماكن رمزية في المنطقة: المتحف المصري الكبير.

لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)

تقول ليون إنها لا ترى المتحف المصري الكبير بوصفه مجرد مبنى يمكن استئجاره لإقامة حفل عالمي، بل إنه مؤسسة تختزن آلاف السنين من التاريخ، ولذلك يخلق وضع راقصين معاصرين في هذا المعلمة نوعاً من الحوار بين زمنين: حضارة تركت آثاراً صامدة، وفن يعتمد على الحركة، ليتغير المفهوم التقليدي لأي عرض يتم تقديمه. فهو يتحوَل إلى جزء من التجربة التاريخية نفسها، وذلك بتماهيه مع المكان.

سيلفي وين سيندلار واحدة من الراقصات اللواتي سيشاركن في الحفل الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

هل ستكتفي كريستينا بالقاهرة بعد تجربة المتحف المصري الكبير؟ وهل العُلا السعودية يمكن أن تكون محطة أخرى؟ تردَ بحماس: «كأنك قرأت أفكاري، ففكرة التوسع حول العالم جزء من طبيعة المشروع، وإحضار (غالا دو دانزا) إلى العُلا حلم شخصي يراودني منذ فترة، لا سيما أن السعودية أصبحت تغلي بالحراك الثقافي، والفني». وتُضيف أن العُلا، إلى جانب كونها موقعاً استثنائياً لإقامة حفل من أي نوع، تتيح فرصة للوصول إلى جيل جديد، وتعريفه بمختلف أشكال الفنون، من خلال تجربة فنية مباشرة، وغامرة، «فأنا أعرف من خلال تجاربي كيف يمكن لفرصة واحدة، أو صُدفة، أن تُغير مسيرة فنان».

الراقص المصري لوقا عبد النور وتدريبات استباقية (تصوير ميلودي باتونتييه)

ثم تضحك، وتتابع: «في نوفمبر سنضع أقدامنا للمرة الأولى في المتحف المصري الكبير، وهذه خطوة عظيمة. أما العُلا فهي الآن حلم نأمل أن يتحقق قريباً».


لماذا أُلغي معرضه في متحف الميتروبوليتان؟

ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)
ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)
TT

لماذا أُلغي معرضه في متحف الميتروبوليتان؟

ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)
ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)

كان من المفترض أن معرض الميتروبوليتان السنوي لعام 2027 لحظة تتويج لجون غاليانو، تضيف فيها آنا وينتور، عرابة الموضة، فصلاً لواحدة من أكثر القصص نجاحاً في تاريخ الموضة المعاصرة. لكن فجأة انهار كل شيء. ما كان مقرراً أن يكون احتفاءً بأحد أهم مصممي جيله، تطوّر إلى أزمة تمس متحف الميتروبوليتان، ومعهد الأزياء وحفل الميت. والأهم صورة مصمم لا يرحمه ماضيه، ومكانة امرأة ارتبط اسمها بهذه المنظومة وكانت إلى الأمس القريب تُلقب بالمرأة الحديدية وأحياناً الجليدية: آنا وينتور.

جون غاليانو عام 1997 محاطاً بمجموعة من العارضات السوبر (غيتي)

في 31 يوليو (تموز) الماضي، أعلن متحف الميتروبوليتان أن غاليانو سيكون محور معرض بعنوان «John Galliano: Horizons» المرتقب في مايو (أيار) 2027. وفي 31 أغسطس (آب)، أعلن أن المعرض لن يمضي قُدماً.

اصطدام الموهبة بالذاكرة

فاجأ الخبر أوساط الموضة لأنه جاء بعد شهر فقط من الإعلان عن المشروع، وبعد أن اعتقد الجميع أن الاعتراضات الواسعة، التي شنّها البعض عليه خفّت نوعاً ما. لكن برهن منتقدوه أنهم أكثر قوة وتأثيراً من آنا وينتور، داعمته الأولى. هؤلاء لم ينسوا تصريحات المصمم المعادية للسامية في تلك الليلة المشؤومة من عام 2011، التي أدّت إلى إقالته من منصبه في دار «ديور» وإدانته قضائياً في فرنسا.

لم يشفع له اعتذاره لكل المجتمعات المعنية، ودخوله مصحة للتعافي من الإدمان. بقيت تلك الواقعة جزءاً لا يمكن فصله من إرثه.

وفي بيان أصدره المتحف، قال ماكس هولين، المدير التنفيذي للمتحف: «بعد نقاشات متأنية مع جون غاليانو، قررنا معاً عدم المضي قدماً في إقامة المعرض».

المصمم جون غاليانو في إحدى الفعاليات التي تثبت أنه لا يزال حاضراً في وجدان الموضة رغم حملات إلغائه (أ.ف.ب)

كما نشر المصمم بياناً، قال فيه: «بعد كثير من التفكير والنقاش مع متحف متروبوليتان وجميع الأطراف المعنية، قررت، بحزن شديد، أنه من الأفضل ألا يقام المعرض في الوقت الحالي. لا أزال أتحمل المسؤولية الكاملة عن الألم الذي سببته كلماتي في الماضي، ولا سيما الأذى الذي ألحقته بالمجتمعين اليهودي والآسيوي، وأنا أكرر أسفي العميق لذلك».

المتحف كان يدرك حساسية المسألة وحاول استيعاب تبعاتها، حيث أجرى، بحسب التقارير، مشاورات مع شخصيات وحاخامات من المجتمع اليهودي، لتمهيد الطريق للمعرض. بل تم الاتفاق أن تناول مسيرته وعبقريته الفنية لن يتجاهل ماضيه، أو بالأحرى تلك النقطة السوداء التي أثارت غضبهم عليه.

تصميم من إبداعه معروض في متحف اللوفر بباريس (رويترز)

لكن بموازاة جمعيات رأت أنه يستحق العودة بعد أن اعترف بأخطائه، انتقدت شخصيات سياسية ومجتمعية أخرى في نيويورك، مثل رئيسة مجلس المدينة جولي مينين، ومانحون وشخصيات من المجتمع اليهودي قرار تكريمه بهذا الحجم. ومما زاد من حساسية الأمر وجعل القرار أكثر إيلاماً واستفزازاً لهذه الفئة، توقيت المناسبة. فموعد الحفل المقرر في 3 مايو 2027 يتزامن مع بداية ذكرى المحرقة، وفي وقت تشهد فيه قضية معاداة السامية نقاشات كثيرة هذا العام. ومن هناك تحولت القضية من نقاش حول مصمم إلى اختبار لمؤسسة ثقافية تحتاج إلى ممولين ورعاة، وليست لديها الإمكانات الكافية لتجاهل تأثيرهم.

تأثير آنا وينتور تحت المجهر

ما يُحسب لغاليانو أنه لم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه. أقرّ في بيانه بمسؤوليته عن الألم الذي سبّبته كلماته، قائلاً إنه لا يريد للجدل المحيط به أن يضع المتحف في موقف صعب، أو أن يصرف الانتباه عن عمل معهد الأزياء والجهود التي يقوم بها.

أما آنا وينتور، فبقيت إلى النهاية في صفّه. وصفت انسحابه بأنه قرار شجاع، وأكدت دعمها له وللمتحف، مشيدة بموهبته الاستثنائية وحرفيته وتأثيره الممتد على أجيال من المصممين.

أحد تصاميمه في مجموعته لخريف 2024 (ميزون مارجيلا)

حتى الآن لم يتم الإعلان عن تفاصيل معرض الربيع المقبل، ومن سيحل محل جون غاليانو. لكن هناك إجماعاً أن ملء الفراغ سيكون معقداً وصعباً، لأن المعرض لم يكن مجرد حدث عادي، بل هو مشروع كبير لمعهد الأزياء، كما كان سيمنح حفل الميت قصة واضحة ومحوراً ثقافياً يلتف حوله عالم الموضة. الآن على المتحف أن يجد معرضاً بديلاً بفكرة قوية تُساعده على تجاوز الأزمة في وقت قصير نسبياً.

ويبقى سؤال مُلحّ، لكن لا يُعبر عنه بصوت عالٍ؛ هل ما زالت آنا وينتور قادرة على فرض القرارات الصعبة، أم أن العالم الذي بنته بدأ يتغيَر؟!


«الإسكافي»... علامة مصرية ترد الاعتبار لحرفة تقليدية

تمر عملية التصنيع بعدة مراحل قبل شحنها أو عرضها للبيع
تمر عملية التصنيع بعدة مراحل قبل شحنها أو عرضها للبيع
TT

«الإسكافي»... علامة مصرية ترد الاعتبار لحرفة تقليدية

تمر عملية التصنيع بعدة مراحل قبل شحنها أو عرضها للبيع
تمر عملية التصنيع بعدة مراحل قبل شحنها أو عرضها للبيع

يعد الحذاء الجلد بتصميمه الكلاسيكي قطعة لا غنى عنها في خزانة كل رجل أنيق؛ فهو ليس مجرد «تفصيلة» بقدر ما هو قطعة أساسية تعكس ذوقه، وشخصيته، ومدى اهتمامه بجودة ما يرتديه.

وبينما تفرض الموضة إيقاعها المتسارع على ألوان الحذاء، وخاماته، وأشكاله، تظل الأحذية الجلدية المصنوعة يدوياً محتفظة بمكانتها، بوصفها رمزاً للحرفية الراقية، والفخامة الهادئة. فهي تكون أكثر متانة، وتبقى مدة أطول مع صاحبها، لا سيما إذا جمعت بين الكلاسيكية والأناقة المعاصرة.

التوأم زياد ونادين فتح الله (الشرق الأوسط)

إيماناً بهذه المفاهيم، وأهمية الحرف اليدوية، أطلق التوأم المصري زياد ونادين فتح الله في عام 2017 علامتهما المتخصصة في هذا النوع من الأحذية تحت اسم «الإسكافي». انطلقا من فكرة واضحة تستهدف إحياء مهنة «صانع الأحذية الشعبية» التي كانت على وشك الاندثار بسبب وسائل التصنيع الحديثة التي تعتمد على الآلات، شأنها شأن كثير من الحرف اليدوية المصرية.

تحافظ على تقاليد صناعة الأحذية اليدوية الراقية (الشرق الأوسط)

دخول نادين وزياد هذا المجال بالتحديد لم يأتِ من فراغ. ففي بعض الحكايات لا تبدأ المهنة باختيار، أو صدفة، وهذا ما يمكن قوله عليهما. فهذا الإرث تسلل إلى وجدانهما منذ الطفولة عندما كان جدهما ووالدهما يصطحبانهما إلى الورش الحرفية لتصنيع احتياجات الأسرة. هناك اكتشفا هذا العالم، وكيف تتحول الخامات البسيطة إلى قطع تحمل بصمة صانعها.

الصنعة وراثة

يقول زياد فتح الله لـ«الشرق الأوسط»: إن «الشغف بكل ما هو مصنوع يدوياً انتقل إلينا كإرث عائلي؛ فترسخت لدينا قناعة بأن الحرفة مهارة، وثقافة، وهوية تستحق الحفاظ عليها، وتطويرها».

حذاء أكسفورد المدبب كما تصوره الثنائي ونفذه الحرفيون (الشرق الأوسط)

لم تكن بداية الثنائي فتح الله في مجال الإكسسوارات، بل في تصنيع الملابس، وتطور الأمر إلى تصنيع الأحذية. فكرة أن تتخصص في تصنيع أحذية كلاسيكية يدوية فاخرة ربما تبدو غريبة وجريئة في مصر، وأن تتحول إليها من قطاع الملابس، فإن ذلك يعني الخروج من «منطقة الأمان» إلى حد كبير، لكنهما قررا خوض المغامرة، والعودة بالرجل المصري إلى أناقة أيام زمان بإحياء فكرة الإسكافي، على أن تكون هذه المرة في معرض فاخر، أو متجر إلكتروني بدلاً من الدكاكين العتيقة في الحارات الشعبية المصرية.

تعتمد العلامة على مجموعة من أمهر الحرفيين (الشرق الأوسط)

تقول نادين: «قبل أن تتحول صناعة الأحذية إلى خطوط إنتاج ضخمة تعتمد على السرعة، والكميات الكبيرة، كان الإسكافي يمثل أحد أبرز رموز الحرفة اليدوية. يعتمد على مهارته، وخبرته، من دون الاستعانة بالآلات الحديثة؛ ولذلك كان الإسكافي في الأحياء والأسواق التقليدية مقصداً لمن يرغب في ترميم حذائه المفضل، أو اقتناء تصميم ينفذ خصيصاً وفق احتياجاته».

من الدكاكين إلى المعارض

في المرحلة الأولى كان التصنيع لدى حرفيين في ورشهم، ثم افتتحا استوديو خاصاً متخصصاً بالكامل في صناعة الأحذية حسب الطلب في حي روكسي بالقاهرة. وسرعان ما توسَّع نشاطهما، فتم إنشاء مصنع بمنطقة العباسية. في هذه المرحلة زادت خبرتهما، وقناعتهما بأن الجودة تعني التفاني، والدقة. فصنع حذاء واحد قد يستغرق عدة أسابيع، حيث يخضع فيها لخطوات تصنيعية متنوعة يقوم بها عدة حرفيين ماهرين، وكل منهم خبير في مجاله قبل اكتمال القطعة، ثم وصولها إلى صاحبها.

العراقة والحداثة تجتمعان في حذاء من الجلد الطبيعي (الشرق الأوسط)

أكثر ما شجعهما في مسيرتهما أن هيمنة صناعة الأحذية آلياً لم تمنع شريحة من الرجال الشغوفين بالجودة والتفرد من البحث عن الحذاء اليدوي المصنوع من الجلد الطبيعي الخالص الذي كان يقدمه الإسكافي قبل سنوات. هذه الشريحة هي التي يستهدفانها بتصاميم مستوحاة من أحذية أكسفورد، وديربي، ولوفر، مع إعادة تقديمها بروح معاصرة من خلال لمسات خفيفة، وألوان تتناغم مع اتجاهات الموضة في كل موسم. ويضيف زياد موضحاً: «أن نجاح العلامة يقوم أيضاً على خبرات الحرفيين الذين يشكلون قلبها النابض، فهم فريق متكامل من الصناع، وينتمي بعضهم إلى أجيال تجاوزت الستين والثمانين عاماً، ورثوا المهنة، وينتمي بعضهم إلى جيل جديد من الشباب جرى تدريبهم، لضمان انتقال الخبرة، واستمرارها».

تصميم على المقاس

ويؤكد المؤسسان أن الأحذية المصنوعة يدوياً لا تنافس المنتجات الجاهزة من حيث الشكل فحسب، بل تقدم حلولاً عملية يصعب أن توفرها الصناعة التجارية؛ فالتفصيل حسب الطلب يلبي احتياجات أشخاص يعانون من مقاسات غير متوفرة في الأسواق، سواء كانت كبيرة جداً، مثل المقاسات التي تتجاوز 46، وتتجاوز الـ49، أو صغيرة بالنسبة للأحذية الرجالية، مثل 36 أو 38، وهي فئات كثيراً ما تواجه صعوبة في العثور على حذاء مناسب، بل يشعر بعض أصحابها بالحرج من تجربة الشراء التقليدية.

يحرص المؤسسان على أن يكون حتى الرباط من الجلد الطبيعي (الشرق الأوسط)

ولا تقتصر الخدمة على اختلاف المقاسات؛ إذ تستقبل الورشة أيضاً عملاء يعانون مشكلات في القدم، مثل القدم المسطحة، أو ارتفاع مشط القدم، أو اختلاف قياس القدمين. ويجري تصميم كل حذاء وفق القياسات الدقيقة لكل عميل؛ بما يحقق الراحة والدعم اللازمين، ويحول الحذاء إلى قطعة مصممة خصيصاً لصاحبها، وفق زياد فتح الله.

أما عشاق الأناقة الكلاسيكية، فإنهم يجدون في الأحذية اليدوية فرصة لامتلاك تصميمات تحمل بصمتهم الشخصية، من خلال اختيار نوع الجلد، ولونه، وطريقة الخياطة، والتفاصيل الدقيقة، ليكتسب الحذاء في آخر مرحلة تفرده، عكس الإنتاج المتشابه الذي تفرضه المصانع الكبرى.

لكل المناسبات بما فيها المساء والسهرة (الشرق الأوسط)

نقل الحرفة للمستقبل

وعن سر الحفاظ على مستوى الجودة، يؤكد التوأم أن تطوير الحرفة لم يعتمد على الدراسة الأكاديمية وحدها، بل جاء من سنوات طويلة من الممارسة اليومية، والاطلاع المستمر على أحدث تقنيات الصناعة في هذا المجال، وذلك عبر السفر، ومتابعة المدارس الأوروبية الرائدة -ولا سيما في إيطاليا، وبريطانيا، وإسبانيا- التي لا تزال تحافظ على تقاليد صناعة الأحذية اليدوية الراقية، إلى جانب الكتب المتخصصة، والدورات التدريبية.

حذاء ذا سولاس من الإسكافي بلمسة حديثة (الشرق الأوسط)

كما أطلقا أخيراً خطاً جديداً من الأحذية اليومية (Active)، حيث لا يندرج ضمن الأحذية الرياضية التقليدية، بل يعتمد على الجلد الطبيعي بالكامل مع نعل مسطح، وخفيف الوزن، ليمنح مرتديه راحة طوال اليوم، فيما يناسب شكله الملابس الكاجوال.

ويكشف التوأم أن موسم خريف وشتاء 2026 سيشهد إطلاق أول مجموعة نسائية متكاملة، وبالمواصفات التي تميز العلامة، وتُلبِي طموح التوأم. فحلمهما لن يكتمل إلا بإنشاء أكاديمية مصرية متخصصة لتعليم صناعة الأحذية اليدوية وفق تصريحهما، حيث تعيد الاعتبار لحرفة الإسكافي، وتُغري شريحة شابة من الحرفيين بحملها إلى المستقبل.