قال الملك حسين لصدام: العالم كله ضدك وسيخرجك من الكويت بالقوة

مذكرات الأمير زيد بن شاكر كما ترويها أرملته - تمسك الرئيس العراقي برفض الانسحاب وقال {صحيح أن العالم ضدي لكن الله معي... وسأنتصر}

الملك حسين لدى استقباله صدام حسين عشية حرب الخليج (غيتي)
الملك حسين لدى استقباله صدام حسين عشية حرب الخليج (غيتي)
TT

قال الملك حسين لصدام: العالم كله ضدك وسيخرجك من الكويت بالقوة

الملك حسين لدى استقباله صدام حسين عشية حرب الخليج (غيتي)
الملك حسين لدى استقباله صدام حسين عشية حرب الخليج (غيتي)

تنهي «الشرق الأوسط» اليوم نشر سلسلة حلقات مختارة من مذكرات الأمير زيد بن شاكر «من السلاح إلى الانفتاح» التي كتبتها أرملته السيدة نوزاد الساطي، والتي ستصدر الشهر المقبل عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت - عمان.
وتتطرق حلقة اليوم إلى حرب الخليج الثانية بعد اجتياح الجيش العراقي دولة الكويت، وإصرار الرئيس العراقي السابق صدام حسين على موقفه من الحرب في مواجهة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من مساعي الملك حسين لاقناع صدام بالانسحاب لان العالم ضده, تمسك الرئيس العراقي بموقفه ووقعت الحرب. وفيما يلي نص الحلقة الأخيرة.

بينما كنا منهمكين بأوضاعنا الداخلية، كانت المنطقة العربية تدخل حقبة ستغير أحداثها مصير بلدانها وأجيالها لزمن طويل. كانت علاقة الحسين بالرئيس العراقي صدام حسين قد توطدت في السنوات الأخيرة. كما أن حكومة مضر بدران نسجت علاقات قوية مع بغداد، استندت إلى حزمة من المصالح الاقتصادية المتبادلة. وكانت زيارات الحسين وزيد ورئيس الوزراء بدران لبغداد حدثاً روتينياً.
بعد كل زيارة، كان الحسين يزداد إعجاباً بالتجربة العراقية وبشخصية صدام حسين ومواقفه العروبية. وقد شاطر زيد وشخصيات كثيرة في الدولة الحسين تقييمه لشخصية صدام حسين.
كانت بين العراق والكويت خلافات حول مناطق حدودية تضم حقلاً للنفط. إضافة إلى ذلك، كانت الكويت تطالب العراق بدفع مبالغ مالية ضخمة منحتها لبغداد إبان حربها مع إيران، في حين بغداد كانت تطالب الكويت بدفع مبلغ مليارين ونصف المليار دولار تعويضاً عن حصة العراق في نفط حقل الرميلة المتنازع عليه.
القيادة العراقية من جهتها كانت تتهم الكويت أيضاً بالتلاعب بأسعار النفط؛ ما كان يؤثر على عائدات العراق منه، في وقت كان في أمس الحاجة إلى الأموال لاستكمال عملية إعادة البناء بعد الحرب مع إيران.
في الآن نفسه، كان صدام حسين يواصل تهديداته الكلامية لإسرائيل.
وفي مطلع أبريل (نيسان) 1990، ألقى صدام حسين خطاباً قال فيه: سنحرق إسرائيل إذا حاولت القيام بعمل ضدنا. رد إسحق رابين على الخطاب، وكان رئيس لجنة الخارجية والدفاع في الكنيست بعد توليه إلى ما قبل أسابيع من ذلك منصب وزير الدفاع الإسرائيلي، بالقول: إننا نملك القدرة عشرة أضعاف ما يملك صدام للرد على تهديداته.
بعد أيام على خطاب صدام، اصطف الحسين إلى جانب صدام حسين، وصرح بالقول إن «خطاب صدام حسين يجب النظر إليه باعتباره موقفاً عربياً يقوم على حق مشروع لهذه الأمة في الرد على أي عدوان تتعرض له».
عندما بدأت نذر الأزمة تتصاعد بين العراق والكويت، دخل الحسين بقوة على خط الجهود الدبلوماسية لاحتوائها وتسويتها بشكل ودي. فقام بسلسلة من الزيارات إلى كل من بغداد والكويت، كان زيد يرافقه في معظمها.
الرئيس المصري حسني مبارك كان منخرطاً أيضاً في جهود احتواء الأزمة. وقبل غزو العراق للكويت بستة أيام، وتحديداً في 26 يوليو (تموز) 1990، أعلن مبارك احتواء الخلاف الكويتي - العراقي، وأكد أن «الرئيس العراقي ليست لديه النية للهجوم على الكويت». لم يكن أحد منا يتوقع أن صدام حسين سيقدِم فعلاً على تنفيذ تهديداته بغزو الكويت. لكن صباح يوم الثاني من أغسطس (آب) حمل أخباراً أخرى؛ إذ قامت القوات العراقية باجتياح الكويت واحتلالها في غضون ساعات.
كان رأي الحسين أن حدثاً كهذا إذا لم يعالج في الإطار العربي، فإن مصير الأمة كلها سيكون في مهب الريح.
خاض الحسين حرباً دبلوماسية شرسة لمنع التدخل الأجنبي في الأزمة، وأكد في الوقت نفسه، شخصياً كما على لسان رئيس الحكومة مضر بدران، رفضه القاطع لمبدأ احتلال أراضي الغير بالقوة، ودعوته صدام إلى سحب قواته من الكويت على الفور.
سارت الأحداث بشكل مغاير، وتبنت قمة عربية طارئة في القاهرة قرارات أدانت الغزو العراقي، وشرعت الأبواب لتدخل أجنبي في المنطقة. امتنع الأردن، إلى جانب اليمن والجزائر وليبيا ومنظمة التحرير الفلسطينية، عن التصويت على هذه القرارات. وكان ذلك بداية انقسام عربي عميق أصاب العالم العربي بالشلل لزمن طويل.
ورغم موقف الحسين الرافض غزو الكويت وتأكيده على الحل العربي، فإن المواقف التي اتخذها في القمة وما تلاها، وضعت الأردن في خندق صدام حسين، من وجهة نظر الدول الخليجية والولايات المتحدة الأميركية. وكانت لهذا الموقف عواقب اقتصادية وسياسية وخيمة على الأردن.
كانت الحكومة، ممثلة برئيسها مضر بدران، تؤكد على الحل العربي للصراع. وكان البرلمان (بمجلسيه الأعيان والنواب) بأغلبيته الساحقة يدعم الحكومة في مواقفها.
كانت أبواب واشنطن لا تزال مفتوحة أمام الحسين ولم تصل العلاقة بعد إلى مرحلة القطيعة، وحاول استغلال النافذة الصغيرة المفتوحة لإقناع الإدارة الأميركية بالحل الدبلوماسي للأزمة، لكن من دون جدوى. كانت نصيحة الحسين للغرب آنذاك: أن يبقوا لصدام حسين مخرجاً يسمح له بالتراجع عن غزو الكويت، بدل محاصرته بما يعني التصعيد. وقد واصل الحسين زياراته لبغداد حتى وقت متأخر في محاولة لمنع نشوب حرب في المنطقة.
لم يكن صدام حسين عابئاً بالتهديدات الأميركية، وواصل تحديه الجميع. ففي الثاني والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول)، ألقى خطاباً قال فيه: «بوش يتحدانا، ونحن عازمون على تكسير أسنان قواته». وفي التاسع والعشرين من الشهر ذاته، ألقى خطاباً ثانياً قال فيه: «بعض المسؤولين الأميركان متأثرون بأفلام رامبو. وأفلام رامبو تظهر في السينما، لكنها لا تنطبق على الأرض العراقية».
وفي الرابع عشر من يناير (كانون الثاني) 1991، قال في خطاب جماهيري ببغداد: «إذا وقعت الحرب سنسير على جثثهم وندوس على رؤوسهم».
بعد فترة من الوقت، انتاب الحسين وزيد قلق على مستقبل العراق، بعدما تأكدت لهما جدية واشنطن في تهديداتها. كان زيد يدرك منذ البداية، بحكم خبرته العسكرية ومعرفته بمدى تطور الأسلحة المستخدمة من قبل الجيش الأميركي، أن العراق لا يملك أي فرصة للصمود في الحرب.
لم يتوانَ زيد عن التصريح بوجهة نظره هذه لكل من كان يلتقيهم من القيادات العراقية في عمان أو بغداد. وكان يحثهم على قول الحقيقة لصدام حسين. لكنهم جميعاً ما كانوا ليجرؤوا على التفوه بكلمة أمام صدام حسين تخالف قناعاته. وفي مناسبات كثيرة كانوا يرجون زيد مصارحة صدام بآرائه.
كان صدام حسين يكنّ احتراماً خاصاً لزيد. وقد عبّر عن ذلك في أكثر من لقاء جمعهما، وبحضور الحسين أيضاً. وقال له زيد قبيل الحرب: «لو كنت أنا ضابطاً أميركياً وكلفت باختيار المواقع التي يجب أن ينتشر فيها الجيش العراقي، لما اخترت أحسن من هذا المكان الذي أنتم فيه حالياً؛ لأن هذا يعطي ميزة للأميركيين والدول الغربية بأن يستخدموا سلاحهم الجوي استخداماً فعالاً سيؤذي العراق».
في آخر زيارة لزيد إلى بغداد بمعية الحسين قبل بدء الهجوم الأميركي، قال الحسين لصدام: «يا أخي أبو عدي، العالم كله تكتل ضدك، ولا بد من الخروج من الكويت. فأنا رأيي ومشورتي لك كأخ، لصيانة المكاسب التي حققتموها في العراق وما طورتموه لبلدكم، أن تتخذ قراراً بالانسحاب من الكويت؛ لأنك إذا لم تنسحب، العالم كله ضدك وسيخرجك بالقوة».
فكان جواب صدام: «صحيح أن العالم ضدي، لكن الله معي وسأنتصر». فقال له الحسين: «إذا كانت هذه وجهة نظرك فلم يعد ضرورة لأن آتي مرة أخرى». منذ ذلك اليوم أدرك زيد أن العراق ماض إلى مواجهة محتومة، لن يكون بمقدور أحد منعها.
كان الأردن يعتقد أن الضغوط الدولية على العراق من أجل تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي بالانسحاب من الكويت، هي فرصة لممارسة ضغط موازٍ على إسرائيل للرضوخ لقرارات مماثلة من مجلس الأمن للانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. تبنى الحسين هذه المقاربة في خطابه السياسي طوال أشهر الأزمة، فبعد لقاء متوتر جمعه برئيسة الوزراء البريطانية مارغريت ثاتشر في لندن، 1 سبتمبر (أيلول) 1990، قال الحسين للصحافيين بعد اللقاء: «نريد تطبيق جميع قرارات مجلس الأمن أسوة بقرار انسحاب القوات العراقية من الكويت». وكرر الحسين موقفه هذا بعد لقاء في عمان جمعه بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، يوم 16 ديسمبر (كانون الأول) 1990، محذراً من «الموافقة على أي حل دولي لأزمة الكويت من دون ربطه بحل الصراع العربي - الإسرائيلي». الولايات المتحدة وبريطانيا، ومعهما دول الخليج، كانت تفسر موقف الحسين هذا على أنه دعم مباشر لصدام حسين، وتشجيع له على عدم الانسحاب من الكويت، إذا لم يترافق هذا مع انسحاب إسرائيلي من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
في الحادي عشر من يناير 1991، قال صدام أمام حشد من المؤيدين في المؤتمر الشعبي الإسلامي ببغداد: «لتطمئن قلوبكم بالنصر. سنواجههم بمليون جندي (غاطسين) في الأرض». وأكثر من ذلك قال صدام: «الطائرات العراقية تستطيع قتالهم في الليل والنهار من دون الحاجة للاتصال بمقر القيادة!».
صبيحة يوم الهجوم الأميركي على القوات العراقية في الكويت في 17 يناير 1991، ترأس الحسين اجتماعاً لكبار المسؤولين في الدولة، أكد خلاله أن أزمة الخليج كانت قابلة للحل السياسي في الأيام الأولى لو قدر لها أن تبقى في إطارها العربي، إلا أن تدويلها ومواقف التهديد والحصار بددا الفرصة.
كانت وعود صدام حسين بالنصر على أميركا، والصواريخ التي أطلقها باتجاه إسرائيل وتهديداته بمحوها من الوجود، قد ألهبت مشاعر الجماهير في الأردن وكثير جداً من بلدان العالم العربي. ولم يكن أحد ليشك للحظة بقدرة جيش صدام حسين على هزيمة القوات الأميركية. وهو ما يمكن تفسيره بانعدام الشفافية لدى الأنظمة.
لقد بدا رهان الجماهير العاطفي شبيها بما كان عليه أيام الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر. ومثلما كانت هزيمة 1967 حدثاً صادماً وكارثياً بالنسبة إلى الشعوب العربية التواقة للنصر، كانت هزيمة القوات العراقية، وفي وقت قياسي، بمثابة خيبة أمل كبيرة.
كان زيد يعرف نتيجة الحرب قبل أن تبدأ، ولم يكن مفاجئاً بالنسبة إليه ما حصل لقوات صدام حسين.
خرج الأردن من تلك المواجهة معزولاً سياسياً بشكل شبه كامل، ويعاني من حصار اقتصادي فُرض على ميناء العقبة، وانقطاعاً كاملاً للمساعدات الأميركية والخليجية.
أزمة صهري صدام

صادف حلول ذكرى عيد الجلوس الملكي في 11 أغسطس 1996 عطلة نهاية أسبوع. كان زيد مرهقاً من العمل، وأخبرني بأنه يود أخذ إجازة لمدة ثلاثة أيام نقضيها في جزيرة سردينيا.
سافرنا يوم 11 من الشهر. وخلال الرحلة، أخبرني زيد بأن صهري صدام حسين وزوجتيهما قدموا إلى الأردن طالبين اللجوء السياسي. وطلب مني عدم إبلاغ أحد بالأمر؛ كون الخبر لم يعلن بعد. وأضاف قائلاً: «نريد أن نخطط لكيفية استثمار الحدث، وكيف نتعامل معهم». وأكمل بعبارة مقتضبة: «أنا قلق للغاية». في اليوم التالي وبينما كنت أتابع محطة «سي إن إن» وزيد في الغرفة المجاورة، أذيع الخبر.
في طريق عودتنا إلى عمان، في 14 أغسطس، قال لي زيد إن صهري صدام سيعقدان اليوم مؤتمراً صحافياً في موقع إحدى الكتائب العسكرية، مضيفاً ما قاله من قبل: «نود أن نختبر نواياهما لمعرفة هدفهما من اللجوء إلى الأردن».
في تمام الساعة السادسة مساءً، وكان يزورنا في البيت، قادماً من لبنان، صديق العائلة غسان شاكر، ظهر صهرا صدام في حديقة قصر الندوة خلف منصة تحمل شعار القصر الملكي، وهما يستعدان لعقد المؤتمر الصحافي.
كنت أعلم ما يريده زيد، وفهمت أن ما جرى كان بخلاف رأيه. فالتفت إلى غسان شاكر وقلت له: «تذكر كلامي، هذا أول خلاف بين سيدنا وزيد».
في واقع الأمر، كان الحسين يريد أن يعطي الحدث أهمية سياسية وإعلامية، بينما رغب زيد في إبقائه في نطاق ضيق، وعدم ظهور الأردن بمظهر الداعم لخطوة اللجوء أو تبنيها رسمياً. ولا يشك الفريق حسين المجالي الذي كان المرافق العسكري للحسين في ذلك الوقت، بصحة تقديره بأن زيد كان متحفظاً على استضافة صهري صدام حسين ومنحهما هذا الاهتمام الإعلامي.
كان زيد يريد على الدوام علاقات متوازنة مع العراق. ففي المرحلة التي شهدت تقارباً كبيراً بين الحسين وصدام، كان زيد ينصح بتخفيف الاندفاعة نحو صدام، وعدم الانجراف وراء مخططاته، والاحتفاظ بمسافة معقولة بين سياسة البلدين. وفي الوقت الذي بدأ فيه الحسين تغيير الاتجاه مع العراق، رأى زيد أن من غير المناسب الذهاب بعيداً في سياسة القطيعة، والإبقاء على خطوط العلاقة مفتوحة مع نظام صدام حسين؛ نظراً إلى حجم المصالح الاقتصادية التي تربط الأردن بالعراق، ومن ذلك خصوصاً أسعار النفط العراقي التفضيلية.
كان الحسين قد اختار مساراً مختلفاً، وقرر أن يعيد ترميم جسور العلاقة مع واشنطن حتى لو كان ذلك على حساب علاقته مع نظام صدام حسين. «لقد نجح الملك في تسويق ورقة انشقاق حسين كامل، صهر صدام الأبرز ومسؤول ملف التصنيع العسكري، على أميركا، وأثبت لهم أن الأردن غيّر بالفعل موقفه من نظام صدام».
حاول صدام حسين استعادة الصهرين الهاربين وعائلتيهما، وأوفد لهذه الغاية نجله البكر عدي إلى عمان، حيث التقى الحسين. وقد حمل حديثه نبرة تهديد، لكن الحسين استوعبه واعتذر عن عدم تلبية طلبه، معتبراً استقباله للشقيقين كامل في عمان واجباً تقتضيه العادات العربية الأصيلة، ولا يمكنه أن يخل بهذا الواجب، أو أن يقبل تسليمهما مع عائلتيهما.
كان حسين كامل صاحب مزاج حاد ومتقلب. ومع مرور الوقت على وجوده في الأردن، بدأ يشعر بعدم الاكتراث. في الأثناء، فتح نظام صدام حسين خطوط الاتصال معه عبر تاجر عراقي كان يتردد كثيراً على عمان، تولى فيما بعد ترتيب لقاء لحسين كامل مع السفير العراقي في عمان صباح ياسين. وتمكن الاثنان من إقناع حسين كامل بالعودة إلى العراق، وأكدا له أن الرئيس العراقي سيصفح عنه، ويرد له الاعتبار.
في تلك الفترة كان حسين كامل قد أجرى مقابلة مع صحيفة أسبوعية، شنّ فيها هجوماً عنيفاً على الرئيس العراقي. وعندما اختمرت فكرة العودة في رأسه، طلب من الصحافي الذي أجرى معه المقابلة عدم نشرها. لكن الأخير رفض الطلب، فبادره حسين كامل بوابل من الشتائم؛ ما دفع الصحافي إلى تقديم شكوى قضائية بحقه.
اعتقد حسين كامل أن جهات رسمية تقف وراء تحريك الشكوى ضده. وقد زاره في مقر إقامته حينها الأمير طلال بن محمد، والمسؤول في المخابرات العامة، سميح البطيخي، وأكدا له عدم صحة اعتقاده، ونصحاه بالمثول أمام القضاء لتسوية الشكوى بالطرق القانونية. لكن حسين كامل صمم على موقفه، وجاءت الشكوى بمثابة حافز إضافي لخيار العودة إلى العراق.
حاول بعض المسؤولين الأردنيين ثنيه عن فكرة العودة وحذروه من مصير أسود. وكان شقيقه الأصغر صدام كامل يرفض مجاراة شقيقه بفكرة العودة إلى بغداد. إلا أنه تحت تهديد السلاح من طرف شقيقه حسين، رضخ لإرادته.
بالنسبة إلى فريق من محققي وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه) اجتمع مع حسين كامل مرات عدة في عمان، لم يكن قرار الأخير بالعودة إلى حضن صدام حسين مفاجئاً، فقد أبلغ أعضاء الفريق مسؤولين أردنيين أنهم حققوا من قبل مع عشرة منشقين من الاتحاد السوفياتي، سبعة منهم عادوا بعد ذلك إلى ديارهم وأعدموا هناك. وقالوا إن العوارض النفسية التي لاحظوها على شخصية حسين كامل مشابهة تماماً لتلك التي ظهرت في شخصيات المنشقين السوفيات. وبالفعل، استقل حسين كامل وشقيقه مع عائلتيهما السيارة، وتوجها إلى بغداد ليلقيا المصير الذي حذرهما منه الأردن.
الخروج طوى للأردن صفحة صهري صدام، لكنها أعطت الدليل على أننا أمام عملية تغيير اتجاه واسعة في الدولة، تطلبت وجود فريق سياسي مختلف تماماً عن الفريق الحالي في الحكومة والديوان الملكي ودائرة المخابرات العامة.



عيدروس الزبيدي يواجه تحقيقات فساد ونهب عقارات

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
TT

عيدروس الزبيدي يواجه تحقيقات فساد ونهب عقارات

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)

قرَّر القاضي قاهر مصطفى، النائب العام اليمني، السبت، تكليف لجنة قضائية بالتحقيق في وقائع الفساد والإثراء غير المشروع وجميع الجرائم المنسوبة إلى المتهم عيدروس الزبيدي، والتصرف وفقاً للقانون.

وستُحقِّق اللجنة في أعمال الفساد واستغلال السلطة ونهب الأراضي وتجارة النفط والشركات التجارية من قِبل الزبيدي، التي أسهمت تداعياتها الخطيرة، وفق مراقبين، في خلق حالة من الانقسام السياسي والشعبي في المحافظات الجنوبية اليمنية نتيجة الفساد المالي والإداري والمظالم.

استغلال الصلاحيات

يرى الدكتور فارس البيل، رئيس مركز المستقبل اليمني للدراسات، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «عيدروس الزبيدي شخصية ليست صاحبة رصيد سياسي ولا نضالي ولا خبرة إدارية مطلقاً، لكن الصدفة والدور الخارجي دفعا به إلى أعلى المناصب في سلطة يمنية تعيش أسوأ الظروف الاقتصادية والسياسية، ومع ذلك استغل مناصبه وصلاحياته للاستحواذ على المال العام، وإفساد الوظيفة العامة والتآمر مع طرف خارجي ضد الوطن».

وثيقة الاستحواذ على حوش النقل البري

وأشار البيل إلى فساد كبير مارسه الزبيدي، مستغلاً الصلاحيات الممنوحة له إبان رئاسته لجنة الموارد السيادية، وهي أعلى سلطة تدير المال العام في اليمن، وقال إنه «استحوذ باسم (المجلس الانتقالي) على ميزانيات ضخمة خارج القانون لصالح المجلس وأفراده تُقدّر بـ10 مليارات ريال شهرياً. كما سخّر كثيراً من الموارد لصالحه مثل إيرادات المواني (عدن)، والجمارك، والضرائب، دون توريدها إلى البنك المركزي»، وقام بـ«توظيف هذه الإيرادات في تمويل تشكيلات عسكرية وأمنية خارج إطار الدولة».

وأضاف البيل أن عيدروس «فرض رسوماً غير قانونية على التجار والمواطنين، وخلق تعدد نقاط الجباية التابعة لتشكيلات مختلفة محسوبة على (الانتقالي)»، ناقلاً أمثلة لفساده أوردتها تقارير، منها «الاستحواذ على نحو 6 مليارات ريال شهرياً ضرائب على القات لا تُورّد إلى الخزينة العامة، وما يقارب 9 مليارات ريال شهرياً ضرائب على الوقود، وكذلك جبايات على الأسمنت والنقل، والمشاريع السياحية والنقاط الأمنية بموارد ضخمة، وكذلك الاستثمارات الخاصة والشركات وغيرها».

وتمثّل الفساد الإداري والمؤسسي للزبيدي، وفق البيل، في «تفكيك مؤسسات الدولة وإحلال كوادر موالية له بدلاً من الكفاءات، وكذلك تعطيل مؤسسات خدمية (الكهرباء، والمياه، والقضاء) لصالح إدارته الموازية، وخلق أزمات خدمية لابتزاز الحكومة وإثارة سخط المواطنين، فضلاً عن خلق أجهزة أمنية متعددة بمرجعيات مختلفة لا تتبع الدولة، مما أنتج فوضى إدارية وانعداماً للمساءلة»، وانتهاكه لحقوق الإنسان «عبر إنشائه السجون السرية وما شملته من انتهاكات واتهامات موثّقة بالتعذيب، والإخفاء القسري، والاعتقالات خارج القانون بحق معارضين وصحافيين».

وثيقة تملك عيدروس لأحد مباني الدولة في التواهي

احتكار سياسي

من الناحية السياسية فيقول رئيس «مركز المستقبل»، إن الزبيدي «اختزل (القضية الجنوبية) في شخصه وطموحه وحوّلها إلى أداة احتكار سياسي ومكاسب نخب محدودة، ومارس باسمها ابتزازاً للدولة والمجتمع الدولي»، منوهاً إلى تورطه بـ«تهمة العمالة وخيانة الوطن» التي «تكاد تكون الجريمة الأكثر فظاعة في الدستور والقانون»، وهي «جزء من قائمة اتهامات طويلة ارتكبها عيدروس بحق الوطن والدولة والمواطن اليمني».

من جانبه، عدَّ إبراهيم جلال، الباحث والاستشاري في الأمن وتحليل النزاعات والاقتصاد السياسي، خلال حديث لـ«الشرق الأوسط»، الفساد الذي مارسه الزبيدي انعكاساً لمنطق الغلبة وأنماط الاستئثار بالثروة والسلطة، بما في ذلك على نحو غير قانوني، وعلى حساب معاناة الناس ومصالحهم المعيشية.

بدوره، رأى عادل شمسان، الباحث الاقتصادي اليمني، أن بدء الإجراءات القضائية من النائب العام بالتحقيق فيما نُسب إلى عيدروس الزبيدي بالفساد والإثراء غير المشروع ومخالفة القانون وقضايا تمسّ سيادة الدولة بمثابة خطوة تحمل دلالات قانونية وسياسية مهمة. ونوَّه شمسان بأن «الإسراع في فتح التحقيق يعكس توجيهاً لتعزيز مبدأ المساءلة وسيادة القانون، واحتواء تداعيات القضية قبل اتساعها سياسياً»، لافتاً إلى أنه «سيُسهم في إعادة ضبط المشهد وتخفيف حدة الاستقطاب وإثارة التوتر الذي يسعى له عيدروس وأطراف داعمة من خلال إجراءات شفافة ومستقلة».

ومن الناحية الاقتصادية، يقول الباحث شمسان إن «هذا التحرك السريع يبعث برسالة طمأنة إلى الأسواق والمانحين حول جدية المؤسسات، بما يدعم الاستقرار المالي، ويحدّ من المخاطر المرتبطة التي يشوبها عدم اليقين».

وثيقة تملك عيدروس لأحد مباني الدولة في التواهي

أراضٍ وعقارات

وحسب وثائق اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، استحوذ الزبيدي على مساحة شاسعة من أراضي المنطقة الحرة في عدن والمخصصة بوصفها مخازن ومستودعات للميناء، حيث تم توثيق الأرض الممتدة من جولة كالتكس في المنصورة إلى محطة الحسوة بمدينة الشعب، وتوثيق الأرض باسم صهره جهاد الشوذبي.

وكشفت الوثائق عن استحواذ الزبيدي أيضاً على مساحة أرض في جزيرة العمال مطلة على البحر مباشرة وتتبع هيئة مواني عدن، وتم تسجيل الأرض باسم الشوذبي، بحيث يقسمها إلى مجموعة أراضٍ، وتُوزع على عيدروس ومجموعة من المقربين منه.

ووفقاً لمراقبين، استحوذ الزبيدي على نحو 100 فدان في بئر فضر بعدن، تابعة لشخص من أبناء المحافظات الشمالية يُدعى (الدفيف)، وتجري مساومته وابتزازه للتنازل عنها أو الدخول معه في شراكة من قِبل الشوذبي لعمل مدينة سكنية أو بيع هذه المساحة بوصفها أراضي نقداً.

وأشارت الوثائق إلى استحواذ عيدروس على 4 آلاف فدان بمنطقة راس عمران في عدن وتوثيقها باسم محمد قاسم الزبيدي، وكذلك على حوش النقل البري بمنطقة الدرين في الشيخ عثمان بعقد إيجار ومبلغ زهيد جداً يتم دفعه إلى الدولة، والمستفيد من هذه العملية عماد أبو الرجال مدير مكتب عيدروس، بالإضافة إلى حوش تابع لشركة النفط اليمنية في خور مكسر بتوجيهات من عيدروس، وعلى نحو 1000 فدان في محافظة لحج وتوثيقها باسم وسيط لمصلحة عيدروس، والمعهد الهندسي في التواهي المخصص لتأهيل الطلبة والمهندسين، وقطع أراضٍ بالقرب منه في جبل هيل.

وثيقة تأجير منتجع خليج الفيل لأحد أقارب عيدروس الزبيدي

النفط والشركات التجارية

أفاد مراقبون بأنه تم الضغط على شركة النفط اليمنية، ومديرها طارق الوليدي، بمنع استيراد البترول إلا عبر شركة تتبع الشوذبي ووزير النقل عبد السلام حميد، مشيرين إلى أنه منذ نحو عامَين، والأول هو من يورّد فقط بفوائد كبيرة تذهب إلى خزينة عيدروس. كما تم من وقت إلى آخر خلال الفترة ذاتها توريد شحنات نفطية إلى ميناء قنا بمحافظة شبوة لمصلحة الزبيدي والشوذبي، إلى جانب كميتين من النفط كان معهما فيها محمد الغيثي.

وأشار مراقبون إلى رصد قضايا فساد أيضاً على الشركة الأهلية للصرافة والتحويلات، والشركة العربية «إيكا» للأثاث، ومقرهما الرئيسي عدن، وتتبعان للشوذبي، بدعم من عيدروس.


«درع الوطن» تعزّز وجودها على الشريط الحدودي شرق اليمن

وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
TT

«درع الوطن» تعزّز وجودها على الشريط الحدودي شرق اليمن

وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)

عزّزت قوات درع الوطن اليمنية انتشارها العسكري، والأمني في الشريط الحدودي لمحافظة المهرة مع سلطنة عُمان، بالتوازي مع استعادة كميات من الأسلحة التي كانت قد نُهبت من مخازن عسكرية خلال عملية إخراج قوات المجلس الانتقالي المنحل من المحافظة، في إطار حملة أمنية متواصلة تشمل أيضاً محافظة حضرموت.

ووفق بلاغ عسكري حديث، نفذت وحدات من قوات «درع الوطن» في محافظة المهرة مهام تأمين استراتيجية في مديرية شحن، والمنفذ الحدودي الدولي مع سلطنة عُمان، ضمن خطة تهدف إلى تعزيز التنسيق الأمني، وحماية المواقع الحيوية، والمرافق السيادية، وضمان استقرار الحدود الشرقية للبلاد.

وشاركت في تنفيذ هذه المهام وحدات من اللواء الرابع – الفرقة الثانية بقيادة عبد الكريم الدكام، واللواء الخامس – الفرقة الأولى بقيادة منصور التركي، وذلك في سياق جهود توحيد العمل بين التشكيلات العسكرية، ورفع مستوى الجاهزية، والانضباط الأمني، بما يعكس توجه القيادة العسكرية نحو تعزيز حضور الدولة، وبسط سلطتها في المناطق المحررة.

وأكدت القيادات العسكرية أن هذه الخطوة تمثل صمام أمان لحماية المقدرات الاقتصادية، والاستراتيجية، وتؤكد التزام قوات درع الوطن بمسؤولياتها الوطنية في حفظ الأمن، والاستقرار، وبالتنسيق الكامل مع مجلس القيادة الرئاسي، والحكومة اليمنية، وبدعم وإسناد من المملكة العربية السعودية، في إطار مساعٍ إقليمية ودولية لتعزيز الاستقرار، وترسيخ مؤسسات الدولة في المحافظات المحررة من سيطرة جماعة الحوثي.

ضبط أسلحة في المهرة

ضمن حملتها لجمع السلاح، واستعادة ما نُهب من المعسكرات، تمكنت قوات «درع الوطن» اليمنية من ضبط كمية من الأسلحة، والذخائر في منطقة نشطون بمحافظة المهرة، في إطار جهودها الأمنية الرامية إلى مكافحة تهريب السلاح، ومنع انتشاره.

وأفادت السلطات المحلية في المحافظة بأن عملية الضبط جرت أثناء إجراءات تفتيش روتينية في النقطة الأمنية، حيث تم الاشتباه بإحدى المركبات، ليُعثر بداخلها على أسلحة وذخائر، جرى التحفظ عليها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المتورطين، وفقاً للقوانين النافذة.

وأكدت قيادة قوات «درع الوطن» في المهرة أن هذه الجهود تأتي ضمن مهامها الأساسية لحفظ الأمن، وحماية المواطنين، ومنع تسرب السلاح، مشددة على استمرارها في أداء واجبها الوطني بكل حزم، ومسؤولية، وبالتنسيق مع الجهات الأمنية والعسكرية ذات العلاقة، بما يسهم في تعزيز حالة الأمن والاستقرار في المحافظة الحدودية.

استعادة بعض الأسلحة التي نُهبت من مخازن قوات «الانتقالي» المنحل (إعلام حكومي)

من جهتها، أشادت قيادة السلطة المحلية في المهرة بأداء قوات «درع الوطن» العاملة في ميناء نشطون، مثمنة جهود قائد أمن الميناء ملازم أول عبد القادر السليمي، وقائد نقطة التفتيش محفوظ علي بن جعرة، ودورهما في تثبيت الأمن، والاستقرار، وحماية المنفذ البحري من أي أنشطة غير مشروعة.

وفي موازاة ذلك، أكد مواطنون في المحافظة أن ما تحقق مؤخراً في المحافظات المحررة يمثل فرصة تاريخية ينبغي الحفاظ عليها، وتعزيزها، عبر اتخاذ قرارات شجاعة تعيد الثقة بمؤسسات الدولة، والاستفادة الجادة من أخطاء المرحلة السابقة، والاعتراف بها، وضمان عدم تكرارها.

وشدد المواطنون على أهمية استكمال دمج جميع التشكيلات العسكرية تحت قيادة وطنية واحدة تخضع لسلطة القائد الأعلى للقوات المسلحة، ووزارتي الدفاع، والداخلية، باعتبار ذلك ضرورة وجودية لبناء دولة قوية، ومستقرة.

كما طالبوا، في الوقت ذاته، بتشكيل حكومة قائمة على الكفاءات، بعيداً عن المحاصصة السياسية، ومنح السلطات المحلية صلاحيات كاملة لإدارة شؤون محافظاتها، مع تكثيف جهود مكافحة الفساد.

نفي مهاجمة المحتجين

في سياق متصل بتطبيع الأوضاع الأمنية في محافظات شرق وجنوب اليمن، نفت قيادة الفرقة الثانية من قوات «العمالقة»، بقيادة العميد حمدي شكري، نفياً قاطعاً صحة بيان متداول تضمّن اتهامات باستهداف مشاركين في مظاهرة نظمها أنصار المجلس الانتقالي المنحل، مؤكدة أن البيان مفبرك ومحرّف.

وأوضح المركز الإعلامي لقوات «درع الوطن» أن الفرقة الثانية عمالقة لم تستهدف أي متظاهرين، ولم تستخدم السلاح ضد المدنيين، وأن مهامها في النقاط الأمنية تقتصر على تنظيم الحركة، وتأمين الطرق، ومنع أي اختلالات أمنية قد تهدد سلامة المواطنين. وأكد أن الادعاءات حول سقوط قتلى أو جرحى نتيجة أعمال منسوبة للقوات عارية تماماً عن الصحة.

«درع الوطن» تواصل حملة جمع الأسلحة في حضرموت (إعلام محلي)

وحملت قيادة الفرقة مروّجي هذه الادعاءات المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن نشر معلومات مضللة، والتحريض على العنف، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في ملاحقة كل من يقف خلف فبركة البيانات، أو الترويج لها، باعتبار ذلك تهديداً للسلم الاجتماعي، ومحاولة لخلط الأوراق، واستهداف المؤسسة العسكرية.

وجددت قيادة الفرقة التزامها بحماية المواطنين، واحترام النظام والقانون، وتنفيذ مهامها وفق التعليمات العسكرية، وبما يخدم الأمن والاستقرار في المحافظات المحررة.


حزمة إضافية من العقوبات الأميركية تحاصر اقتصاد الحوثيين وتسليحهم

الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
TT

حزمة إضافية من العقوبات الأميركية تحاصر اقتصاد الحوثيين وتسليحهم

الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)

في موجة جديدة من العقوبات الأميركية منذ إدراج الحوثيين في اليمن على لوائح الإرهاب، فرضت وزارة الخزانة الأميركية، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية حزمة عقوبات جديدة استهدفت البنية الاقتصادية الخفية للجماعة، من النفط والسلاح، إلى الطيران والتهريب البحري.

القرار، الذي شمل 21 فرداً وكياناً وسفينة واحدة، لا يكتفي بتجفيف الموارد، بل يسعى إلى خنق شبكات التمويل العابرة للحدود التي تربط الحوثيين بإيران، مروراً بالإمارات وسلطنة عمان، وصولاً إلى مواني البحر الأحمر.

وتقول واشنطن إن هذه الإجراءات تأتي في سياق استراتيجية أوسع لحرمان الحوثيين من القدرة على تمويل أنشطتهم العسكرية، وهجماتهم على الملاحة الدولية، واستخدام الاقتصاد سلاحاً ضد اليمنيين أنفسهم.

وعلى الرغم من مرور سنوات من الضغوط الدولية، فإن وزارة الخزانة الأميركية تكشف عن أن الحوثيين ما زالوا يجنون أكثر من مليارَي دولار سنوياً من مبيعات نفطية غير مشروعة. هذه الإيرادات لا تُستخدَم لتحسين الأوضاع المعيشية، بل تُحوَّل مباشرة إلى خزائن الحرب، بينما يُفرض على اليمنيين شراء الوقود بأسعار باهظة.

تمثال للسيناتور السابق ألبرت غاليتين أمام وزارة الخزانة في واشنطن (رويترز)

العقوبات الجديدة استهدفت شبكة شركات واجهة لعبت دور الوسيط بين النفط الإيراني والحوثيين، أبرزها شركات مقرها الإمارات العربية المتحدة، مثل «الشرفي لخدمات النفط»، و«أديما للنفط»، و«أركان مارس للبترول».

وتقول واشنطن إن هذه الشركات تلقت دعماً مباشراً من الحكومة الإيرانية، وسهّلت شحنات نفط شهرية، بينها شحنات مجانية، مخصصة لتعزيز القدرات المالية للحوثيين.

كما برزت شركات صرافة وبورصات مالية في صنعاء ودبي بوصفها حلقة وصل لتحويل الأموال، من بينها «جنات الأنهار للتجارة العامة»، التي أُعيدت تسميتها بعد إدراجها سابقاً تحت اسم آخر، في محاولة للالتفاف على العقوبات.

وتشير «الخزانة» إلى أن هذه الشبكات لم تكن تجارية بحتة، بل كانت جزءاً من منظومة سياسية - عسكرية هدفها إبقاء الجماعة قادرة على تمويل التصعيد، داخلياً وإقليمياً.

تهريب الأسلحة

الضربة الأميركية لم تقتصر على النفط، بل طالت شبكات تهريب الأسلحة التي تعتمد على شركات لوجيستية وهمية، ومستودعات، ومسارات معقّدة عبر البر والبحر.

ومن بين أخطر القضايا التي كشفتها «الخزانة»، محاولة تهريب 52 صاروخ «كورنيت» مضاداً للدبابات داخل مولدات كهربائية مزيفة، عبر سلطنة عمان إلى صنعاء، قبل أن تتم مصادرتها.

كما أُدرجت شركات صرافة حوثية، أبرزها شركة «الرضوان للصرافة والتحويل»، التي وُصفت بأنها «الخزنة المالية» لعمليات شراء السلاح، حيث استُخدمت أموال المودعين لتمويل شبكات التهريب، ودفع أثمان مكونات صواريخ وأنظمة عسكرية متقدمة.

الجماعة الحوثية تستغل العقوبات داخلياً لقمع السكان وإجبارهم على مناصرتها (أ.ب)

وفي تطور لافت، كشفت العقوبات عن محاولة الحوثيين دخول مجال الطيران التجاري ليس لأغراض مدنية، بل كأداة مزدوجة لتهريب البضائع وتوليد الإيرادات. فقد تعاونت قيادات حوثية مع رجال أعمال موالين للجماعة لتأسيس شركتَي «براش للطيران» و«سما للطيران» في صنعاء، مع مساعٍ لشراء طائرات تجارية، بعضها بالتواصل مع تاجر أسلحة دولي مدان.

وترى واشنطن أن هذا التوجه يكشف عن انتقال الحوثيين من اقتصاد حرب محلي إلى اقتصاد تهريب إقليمي، يستخدم واجهات مدنية لتغطية أنشطة عسكرية.

الشحن البحري

كان البحر الأحمر، الذي تحوّل خلال الأشهر الماضية إلى بؤرة توتر دولي، حاضراً بقوة في لائحة العقوبات الأميركية الجديدة، فبعد انتهاء التراخيص الإنسانية التي سمحت بتفريغ شحنات نفطية لفترة محدودة، واصلت بعض السفن نقل الوقود إلى موانٍ يسيطر عليها الحوثيون، في خرق صريح للقيود الأميركية.

العقوبات طالت شركة «البراق للشحن»، وسفينتها «ALBARRAQ Z»، إضافة إلى عدد من قباطنة السفن الذين أشرفوا على تفريغ شحنات نفطية في ميناء رأس عيسى. وتؤكد «الخزانة» أن هذه العمليات وفَّرت دعماً اقتصادياً مباشراً للحوثيين، بعد تصنيفهم «منظمةً إرهابيةً أجنبيةً».

هجمات الحوثيين البحرية أدت إلى غرق 4 سفن شحن وقرصنة خامسة خلال عامين (أ.ف.ب)

الأخطر، وفق واشنطن، هو التحذير من العقوبات الثانوية، التي قد تطال مؤسسات مالية أجنبية تُسهّل «عن علم» معاملات كبيرة لصالح أشخاص أو كيانات مدرجة. فمكتب «OFAC» يملك صلاحية حظر أو تقييد الحسابات المراسلة داخل الولايات المتحدة، ما يعني عملياً عزل أي بنك مخالف عن النظام المالي العالمي.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية أدرجت الحوثيين «منظمةً إرهابيةً عالميةً مصنفةً تصنيفاً خاصاً»، بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224، بصيغته المعدلة، اعتباراً من 16 فبراير (شباط) 2024، ثم صنّفتها لاحقاً أيضاً «منظمةً إرهابيةً أجنبيةً» بموجب المادة 2019 من قانون الهجرة والجنسية في 5 مارس (آذار) 2025.