لم تقتصر الضربات الجوية والصاروخية الأولى لتحالف مكافحة الإرهاب في سوريا على مواقع لـ«داعش»، بل شملت مواقع لجبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة وكذلك مجموعات متطرفة أخرى مثل خراسان التي تثير قلق السلطات الغربية أكثر من ذي قبل.
وقالت المصادر الأميركية إن الجيش الأميركي وسع الحرب على تنظيم داعش الذي يطلق على نفسه اسم الدولة الإسلامية بإرسال موجات من الطائرات الحربية وإطلاق صواريخ كروز من طراز توماهوك إلى داخل سوريا لمهاجمة عدد من الأهداف في عملية قوية وتحمل مخاطر وتمثل بداية لمرحلة جديدة في الصراع.
وقال السكرتير الصحافي للبنتاغون إن القادة العسكريين الأميركيين قد أرسلوا مزيجا من الطائرات المقاتلة والقاذفات وأطلقوا صواريخ توماهوك المتمركزة على السفن ضد أهداف لداعش في سوريا، وأضاف أن العمليات مستمرة، مشيرا إلى أنه لن يجري الكشف عن مزيد من التفاصيل لحين انتهائها. وقال المتحدث جون كيربي إن قوات من دول شريكة كانت مشاركة في الهجمات دون أن يحدد أسماء هذه الدول الأخرى.
وقالت واشنطن بوست إن الولايات المتحدة كانت تخطط لضرب حوالي 20 هدفا في العملية فيما قد يمثل أكبر عدد من الهجمات في يوم واحد منذ بدء ضرب داعش في العراق في الثامن من أغسطس (آب) الماضي، حسبما أفاد مسؤول عسكري أميركي رفض الكشف عن هويته لمناقشته تفاصيل عملية مقررة. وتشمل الأهداف المباني التي احتلتها قيادات داعش ومواقع التدريب وخطوط الإمدادات والترسانات.
من هي جماعة «خراسان»؟
وقال البيان الصادر عن القيادة المركزية الأميركية بشأن الضربات: وبشكل منفصل، تصرفت الولايات المتحدة لدرء مؤامرة هجوم وشيك على مصالح الولايات المتحدة والغرب من قبل مجموعة من مخضرمي «القاعدة» تعرف باسم جماعة خراسان اتخذت ملاذا آمنا في سوريا لترتيب هجمات خارجية وتجميع واختبار المتفجرات وتجنيد الغربيين للقيام بعمليات. وقامت الولايات المتحدة وحدها بتلك الهجمات.
وكان اسم هذه الجماعة تردد في الآونة الأخيرة في وسائل إعلام أميركية وغربية نقلت عن مسؤولين في أجهزة الأمن والاستخبارات أن خطرها على الدول الغربية يفوق خطر تنظيم الدولة. وحسب أحدث تقرير نشرته «الشرق الأوسط» الاثنين الماضي فإن تلك الجماعة تضم متطرفين من باكستان واليمن وأفغانستان، وتتبع زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، وتضيف أن تلك الجماعة لم تأت إلى سوريا للإطاحة ببشار الأسد، ولا يهمها الاستيلاء على أراض كما في حالة تنظيم الدولة، ويقود خراسان بحسب إسلاميين في لندن ومصادر أميركية ، الكويتي محسن الفضلي، أحد قياديي عمليات «القاعدة»، وفقا لوزارة الخارجية الأميركية، وقد كان مقربا من بن لادن لدرجة أنه كان من بين مجموعة صغيرة من الأشخاص الذين يعلمون بشأن هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) عام 2001 قبل وقوعها. وتتعقب أجهزة الاستخبارات الأميركية الفضلي (33 سنة) منذ 10 سنوات على الأقل. ووفقا لوزارة الخارجية، قبل أن يصل الفضلي إلى سوريا، كان يقيم بإيران كجزء من مجموعة صغيرة من عملاء «القاعدة» الذين هربوا إليها من أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر. وصرحت الحكومة الإيرانية بأن المجموعة كانت تحت الإقامة الجبرية، ولكن ظلت أوضاع عملاء «القاعدة» تحديدا محل تنازع لمدة سنوات، وفي النهاية غادر الكثير من أفراد التنظيم إيران متجهين إلى باكستان وسوريا وبلدان أخرى.
وفي عام 2012، ذكرت وزارة الخارجية الأميركية أن الفضلي هو قائد تنظيم القاعدة في إيران، حيث يوجه «حركة الأموال والعملاء في جميع أنحاء البلاد». وجرى عرض مكافأة قدرها 7 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى إلقاء القبض عليه. وذكر البيان ذاته، الصادر عن وزارة الخارجية، أنه كان يعمل مع «متبرعين جهاديين» أثرياء في الكويت، موطنه الأصلي، لجمع الأموال لصالح الثوار الموالين لـ«القاعدة» في سوريا. وتقول وكالة أسوشييتد برس.
إن الظواهري أرسل أحد نوابه، محسن الفضلي، إلى سوريا لتجنيد الأجانب الذين تفد أعداد كبيرة منهم إلى سوريا والعراق لتدريبهم وإعادتهم عبر تركيا إلى بلادهم ليقوموا بتنفيذ عمليات إرهابية فيها. وكشف أصوليون في لندن عن أن الكويتي محسن الفضلي، المتورط في الكثير من العمليات الإرهابية والمطلوب للسلطات الكويتية والسعودية والأميركية، هو الزعيم الفعلي لتنظيم القاعدة في سوريا والممثل الشخصي لزعيم التنظيم في العالم أيمن الظواهري، والاسم الكامل لمحسن الفضلي، هو «محسن فاضل إياد الفضلي»، ويرد على قوائم الإرهاب الأميركية باسم محسن الفاضلي، وأنه كان زعيم «القاعدة» في إيران بين عامي 2011 و2012.
أخطر من داعش
وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال الأسبوع الماضي أن المسؤولين الأميركيين اعترفوا للمرة الأولى بخطر جماعة خراسان، وقال مدير الاستخبارات الوطنية جيمس كلابر: «فيما يتعلق بالتهديد للأمن الوطني، فإن خراسان تشكل تهديدا أخطر من (داعش)». ووفقا لخبراء، فإن جماعة خراسان ما هي إلا واحدة من جماعات إرهاب عنقودية انتشرت في سوريا والعراق في الآونة الأخيرة بسبب الأوضاع الأمنية في البلدين.
أما تنظيم داعش الذي يعرف باسم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ويتبنى الفكر السلفي الجهادي فهو تنظيم مسلح يُوصف بالإرهاب ويهدف أعضاؤه - حسب اعتقادهم - إلى إعادة الخلافة وتطبيق الشريعة، ينتشر في العراق وسوريا وزعيم هذا التنظيم هو أبو بكر البغدادي.
وظهر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) للمرة الأولى في نيسان (أبريل) 2013، وقدم على أنه نتيجة اندماج بين تنظيمي دولة العراق الإسلامية التابع لـ«القاعدة» وجبهة النصرة السورية، إلا أن هذه الأخيرة رفضت الاندماج على الفور، ما تسبب في اندلاع معارك بين الطرفين في يناير (كانون الثاني) 2014 لا تزال مستمرة بتقطع حتى اليوم.
واعترض «داعش» علنا على سلطة زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري ورفض الاستجابة لدعوته إلى التركيز على العراق وترك سوريا لجبهة النصرة. وكان «داعش» يعمل في بداياته في العراق تحت اسم جماعة التوحيد والجهاد ثم تحول إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بعد تولي أبو مصعب الزرقاوي قيادته في 2004 ومبايعته زعيم «القاعدة» السابق أسامة بن لادن. واشتهر التنظيم الجديد ببث مقاطع فيديو على شبكة الإنترنت تظهر إعدامات وقطع رؤوس. وبعد مقتل الزرقاوي في يونيو (حزيران) 2006 على يد القوات الأميركية في العراق، انتخب التنظيم أبو حمزة المهاجر زعيما له. وبعد أشهر أعلن تشكيل دولة العراق الإسلامية بزعامة أبو عمر البغدادي. لكن القوات الأميركية تمكنت في أبريل (نيسان) 2010 من قتل البغدادي ومساعده أبو حمزة، فاختار التنظيم أبو بكر البغدادي خليفة له.
وفي تطور مفاجئ في العاشر من يونيو الماضي، شن داعش هجوما أدى إلى سيطرة سريعة على مدينة الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، بعد انسحاب القوات الحكومية العراقية منها. ووسع التنظيم سيطرته إلى محافظة صلاح الدين التي تربط وسط العراق بشماله وتضم مدينة بيجي، حيث أكبر مصافي النفط العراقية، وحاول الاقتراب من محافظة كركوك الغنية بالنفط والمتنازع عليها، إلا أن قوات البيشمركة الكردية سارعت إلى احتلال المحافظة بعد انسحاب الجيش العراقي.
جبهة النصرة
تم تشكيلها أواخر سنة 2011 خلال الأزمة السورية، وهي منظمة تنتمي للفكر السلفي الجهادي وعرفت بخبرة رجالها وتمرسهم على القتال. وسرعان ما نمت قدراتها وباتت في غضون أشهر من أبرز قوى الثورة وأقساها على جيش النظام في حلب ودمشق. ولا يعرف بالضبط ما أصل هذه المنظمة غير أن تقارير استخبارية أميركية ربطتها بتنظيم القاعدة في العراق. وتعد جبهة النصرة لأهل الشام من الجماعات السلفية الجهادية التي أسست أواخر عام 2011 في غمرة الانتفاضة الشعبية في سوريا ودعت الجبهة في بيانها الأول الذي أصدرته في 24 يناير (كانون الثاني) 2012 السوريين للجهاد وحمل السلاح في وجه النظام السوري. وتبنت هذه الجماعة منذ إنشائها عدة هجمات وتفجيرات في مدينة حلب، وحي الميدان بالعاصمة السورية في يناير 2012 وعلى منشآت أمنية في دمشق مطلع مايو (أيار) 2012. وجاء في بيان نُشر على موقع «شموخ الإسلام» الذي يستخدمه الإسلاميون تحت عنوان «القصف بالنسف» أن «جبهة النصرة تتبني عملية فرع الأمن الجوّي وإدارة الأمن الجنائي بدمشق».
لا يُعرف على وجه التحديد أصل جبهة النصرة، لكن يبدو أنها نشأت في مدينة حمص وسط سوريا. وأعلنت جبهة النصرة لأهل الشام عن تشكيل «كتائب أحرار الشام» وذلك في بيان بثته على موقع «يوتيوب» بالشبكة العنكبوتية يوم 23 يناير. كما أعلنت الجبهة في البيان نفسه مسؤوليتها عن الهجوم على مقر جهاز الأمن في إدلب.


