شليرماشير.. المصالحة بين الدين والحداثة

يعد أكبر مصلح ديني في ألمانيا بعد مارتن لوثر

شليرماشير.. المصالحة بين الدين والحداثة
TT

شليرماشير.. المصالحة بين الدين والحداثة

شليرماشير.. المصالحة بين الدين والحداثة

من سمع باسم هذا المفكر الألماني الكبير؟ ربما لا أحد، أو قل حفنة نادرة من الباحثين الاختصاصيين. ومع ذلك، فإن أهميته تقارن أحيانا بأهمية هيغل، أو على الأقل فيخته وشيلنغ وكبار ممثلي الفلسفة المثالية الألمانية. فمن هو هذا الفيلسوف يا ترى؟ هذا ما يجيبنا عنه البروفسور برنار ريمون أستاذ علم اللاهوت الديني في جامعة لوزان بسويسرا، وأحد المختصين المعدودين بفلسفة شليرماشير وتأثيرها الكبير على الفكر الديني والفلسفي المعاصر في أوروبا كلها، وليس فقط في العالم الجرماني.
ومنذ البداية، يقول لنا في كتابه «بحثا عن شليرماشير» إنه كان أحد كبار المصلحين الدينيين في ألمانيا في النصف الأول من القرن الـ19. وقد كان زميلا لهيغل في جامعة برلين، ويحظى باحترامه وتقديره رغم الاختلاف حول بعض المسائل الدينية أو الفلسفية، ثم يردف المؤلف قائلا:
ولد شليرماشير في مدينة بريسلو الألمانية عام 1768، ومات في برلين عام 1834. عن عمر يناهز السادسة والستين. وقد تربى تربية دينية تقية في البداية، وسوف يحمل في أعماقه الطابع الأخلاقي لهذه التربية طيلة حياته كلها. وبعد أن درس العلوم الدينية المسيحية في جامعة (لأهال) اشتغل مربيا للأطفال في إحدى العائلات الغنية الأرستقراطية. ومعلوم أن هذه العادة كانت سائدة في ألمانيا آنذاك. فهيغل نفسه اشتغل مربيا للأطفال في إحدى العائلات، لكي يكسب رزقه، ويستطيع إكمال دراساته الجامعية.
وكذلك فعل هولدرلين أيضا وآخرون كثيرون. وكانت تلك الوظيفة تمثل مرحلة إجبارية قبل الوصول إلى منصب جامعي، ومرتّب ثابت يضمن للمثقف عيشه.
وبعد ذلك، عُين شليرماشير أستاذا لعلم اللاهوت والفلسفة في جامعة «لاهال» التي تخرج فيها سابقا. ولكن غزو نابليون لألمانيا أجبره على العودة إلى برلين، حيث اشتغل مع الفيلسوف الكبير فيخته مساعدا له. وقد ساهم عندئذ مع هذا الفيلسوف في بلورة مبادئ القومية الألمانية، كرد فعل على القومية الفرنسية الغازية، لنتذكر كتاب فيخته الناري: «خطابات موجهة إلى الأمة الألمانية»! ومعلوم أنه ألهم قادة الفكر القومي العربي كزكي الأرسوزي وساطع الحصري وميشال عفلق.. وهزهم هزا. ولكن هل فهموه حقيقة؟ هذه مسألة أخرى.
ومعلوم أن فرنسا كانت قد أصبحت ذات رسالة كونية خالدة، بعد اندلاع الثورة الفرنسية. وقد أرادت تصدير هذه الثورة بكل مبادئها التنويرية إلى شتى أنحاء العالم حتى ولو بقوة السلاح، كما فعل نابليون بونابرت. ولكن ذلك أيقظ عند أبناء الشعوب الأخرى العاطفة القومية المضادة. فالألمان لا يقلون أهمية عن الفرنسيين، بل إنهم يتفوقون عليهم في مجالات كثيرة. وقد أخذوا يشعرون بأنهم أمة واحدة من حيث اللغة والتاريخ والجغرافيا والتراث المشترك. ولذلك راحوا يفكرون بتوحيد أنفسهم منذ ذلك الوقت. وعندما تأسست جامعة برلين عام 1810 عينوا شليرماشير أستاذا لعلم اللاهوت المسيحي. وقد ظل يشغل هذا المنصب حتى نهاية حياته عام 1834. وفي الوقت ذاته، راح يعطي دروسا حرة عن تاريخ الفلسفة. وهكذا جمع شليرماشير منذ البداية بين تعليم الدين وتعليم الفلسفة، وأصبح أكبر مصلح ديني في ألمانيا بعد مارتن لوثر.
ثم يقول لنا المؤلف ما فحواه: لقد ساهم هذا المفكر الكبير في مصالحة الدين المسيحي مع الحداثة، أي في انفتاح كليات الشريعة المسيحية على الفلسفة والعلم الحديث. ومعلوم أنها كانت منغلقة على كل ذلك من قبل. وكانت تدرس الدين على طريقة القرون الوسطى الأصولية الظلامية. وبالتالي، فإن العمل الذي قام به فريديريك شليرماشير كان مهما جدا. لقد ساهم في بلورة التفسير الليبرالي أو العقلاني للدين المسيحي، لكي يحل محل التفسير التقليدي المتحنط، أي التفسير الطائفي والمذهبي القديم. وهي المهمة الجليلة المطروحة بكل إلحاح على كبار المثقفين العرب والمسلمين اليوم.
ومعلوم أن ألمانيا كانت منقسمة آنذاك مذهبيا إلى قسمين كبيرين؛ كاثوليكي وبروتستانتي، مع بعض الغلبة العددية للبروتستانتيين. وهذا الانقسام أشعل الأحقاد الطائفية في ألمانيا، ومنعها من توحيد نفسها أو قل عرقل عملية التوحيد.
ولذلك نهض المفكرون التنويريون الألمان من أجل مكافحة التفسير الطائفي والمتعصب للدين وإحلال التفسير الليبرالي والعقلاني محله. وهو التفسير الوحيد القادر على محاربة الطائفية والانقسامات الداخلية، وبالتالي تسهيل تحقيق الوحدة القومية الألمانية. ومعلوم أن العرب أيضا لن يتوحدوا قبل إنجاز هذه المهمة الشائكة. ولذلك فشلت كل مشاريع الوحدة العربية سابقا، بل وحتى القطر الصغير الواحد أصبح مهددا بسبب هذه النعرات الطائفية والمذهبية التي تشتعل اشتعالا. ولكن ماذا يفعل المثقفون العرب؟ هل يقومون بواجبهم كما فعل فلاسفة ألمانيا سابقا؟ أبدا، لا. إنهم لا يعرفون كيفية طرح الإشكالية الطائفية، فما بالك بحلها؟ كارثة!
لكن لنواصل مع المؤلفة قصة هذا المفكر الألماني الذي جمع في شخصه بين أنوار الدين وأنوار الفلسفة، يقول: في عام 1811 فتحت أكاديمية العلوم في برلين أبوابها لهذا المفكر الفذ الذي ذاعت شهرته بفضل أبحاثه العلمية الجادة. وفي عام 1817 ترأس الاجتماع الكبير الهادف إلى تحقيق التقارب والمصالحة بين المذاهب المسيحية المتعادية، التي يكفر بعضها بعضا. ولم يكن الانقسام حاصلا بين البروتستانتيين والكاثوليكيين فقط، وإنما أيضا داخل المذهب البروتستانتي نفسه! فقد كان ينقسم إلى قسمين كبيرين؛ قسم تابع لكالفن، وقسم تابع للوثر. وقد حاول شليرماشير إقامة التقارب بينهما. ولكنه لاقى مقاومة عنيفة من طرف الرجعيين المتعصبين في كلتا الجهتين، كما يحصل عادة. فكل طرف أصولي يرى نفسه على حق والآخر على ضلال. والأصوليون المتطرفون لا يؤمنون بالحوار وإنما بالضرب والإكراه القسري فقط. الآية القرآنية الكريمة: «لا إكراه في الدين»، لم يسمعوا بها حتى الآن. وربما عدوها منسوخة! يضاف إلى ذلك أن السلطة البروسية وقفت ضده، لأنها رأت في أفكاره الليبرالية خطرا على وحدة العقيدة المقدسة للمذهب البروتستانتي. ولكنه رغم كل ذلك راح يمارس تأثيرا كبيرا على حركة الأفكار في عصره. وربما لم يكن يضاهيه في هذا المجال إلا هيغل.
ثم يردف المؤلف قائلا: إن شليرماشير يعترف بتأثير أفلاطون عليه، ويقول إنه المفكر الأكبر الذي حسم مساره الفكري والفلسفي. ولكنه يعترف أيضا بتأثره بأفكار سبينوزا، ولايبنتز، وكانط، وفيخته، وشيلنغ، إلخ.. لاحظوا.. رجل دين ولا همَّ له إلا التمعق في كتب الفلسفة! أما رجال الدين عندنا، ففي حياتهم كلها لم يفتحوا كتابا في الفلسفة. معاذ الله! كيف يمكن لهذه الأمة أن تنهض من كبوتها وتحتل مكانتها اللائقة بين الأمم؟ على أي حال، فقد كان أول كتاب نشره بعنوان: «عن الدين.. خطاب موجه إلى الأشخاص المثقفين من بين مزدريه أو اللامبالين به»، وهو أهم كتبه، بحسب رأي البعض، وفيه يعلن اتفاقه مع كانط الذي حاول المصالحة بين الفلسفة والإيمان في كتابه الشهير: «الدين ضمن حدود العقل فقط».
فقد رفض شليرماشير على أثر كانط أن تكون للعقائد الدينية أي يقينية علمية بالمعنى البرهاني التجريبي للكلمة. وكان يقصد بذلك أنها قائمة على الاعتقاد الإيماني الذاتي الحميمي بالدرجة الأولى. ولكنه كان يعتقد بأنه يوجد في أعماق الإنسان ميل عاطفي أو روحي لتحقيق وحدة الأنا مع اللانهائي أو لانصهار الأنا في اللانهائيات. فالإنسان مشكَّل من المعرفة والممارسة، ولكن توحيد كل فعالياته لا يجري إلا عن طريق العامل العاطفي الروحي الذي يشكل جوهر الدين.
ثم يردف البروفسور برنار ريمون قائلا: وبالتالي فإن شليرماشير كان يفرق بين جوهر الدين وقشوره، بين العمق والسطح، بين ما هو أساسي وما هو شكلاني خارجي تتعلق به العامة عادة، ثم يرى هذا الفيلسوف أن الإنسان الديني أو الروحاني غير مقطوع عن التعالي اللانهائي، على عكس الإنسان المادي أو الدنيوي المحض. وينتج عن ذلك أن الحداثة الحقيقية لا تعني القضاء على الدين، وإنما إعادة فهمه بشكل جديد. فالإنسان الديني بالمعنى العميق للكلمة، أي الروحاني، يشعر بشكل عفوي مباشر أن المحدود يعثر على مبرر وجوده في اللامحدود، أي في اللانهائي. وعلى هذا النحو يتعاطف مع الروح الكونية، أي مع الروح الإلهية. فالله وحده هو اللانهائي، وهو وحده المطلق اللامحدود، على عكس الإنسان. ويرى شليرماشير أن الدين مرتبط بالعلم والممارسة العملية، حتى وإن لم يكن متطابقا معهما. فالعلم يطوّر معرفتنا باللانهائي وبالتالي يفتح الأفق على الدين بالمعنى العميق والجوهري للكلمة. والممارسة الفنية والأخلاقية لا معنى لها إلا بالقياس إلى الفعالية الكونية التي تندرج فيها. والخلود الحقيقي للإنسان يكمن في شعوره بالانصهار داخل اللانهائي والأبدي في وحدة واحدة. ما عدا ذلك فلا يوجد أي خلود مضمون.
ثم يردف شليرماشير قائلا: وبالتالي فإن جميع الأديان المعروفة ليست إلا عبارة عن صيغ فردية أو تنويعات خصوصية عن صيغة الدين الكوني الشامل. وهي أشكال ضرورية، لأن الدين الطبيعي أو العقلاني للفلاسفة ليس إلا تصورا تجريديا لا يفهمه عامة الشعب. كل الأديان هي عبارة عن تجليات للروح، وإن بدرجات متفاوتة. إنها تربط بين الكائن الفردي من جهة، والكائن اللانهائي من جهة أخرى. بمعنى آخر فإنها تربط بين الإنسان والله. وهكذا لا يعود الإنسان يشعر بأنه وحيد في هذا العالم، ولا يعود الموت يرعبه، لأنه أصبح خالدا من خلال انصهاره بتاريخ البشرية كلها، وباللانهائيات التي لا حدود لها، وبمطلق الله في نهاية المطاف، ثم ألف شليرماشير كتابا آخر بعنوان: «مونولوجات: أي حوارات داخلية مع الذات». وقد استفاد فيه من كتاب فيخته: «غاية الإنسان»، أي مصيره ومقصده النهائي. ولكن فيخته اتهم بالإلحاد، على عكس شليرماشير الذي كان في أعماقه رجلا مؤمنا حقا. مهما يكن من أمر فإن الحوار بين الفلاسفة الدنيويين والفلاسفة المتدينين كان شيئا ضروريا ومهما وخصبا جدا. كان مفيدا لكلا الطرفين. وقد عبّر شليرماشير في هذا الكتاب عن الفكرة التالية: إن غاية كل إنسان هي أن يجسد البشرية كلها في شخصه. المقصود بذلك أن الإنسان يمثل الروح الكونية، وإن بطريقة خاصة تتناسب مع شخصيته وفرادته واختلافه عن غيره. وهذا يشبه ما قاله الشاعر العربي يوما ما:
وتزعم أنك جرم صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر
وبالتالي فالإنسان لا يموت ضمن مقياس أنه مخلَّد عن طريق استمرارية البشرية ذاتها، وعن طريق انصهاره بالروح الكونية للكون، عن طريق فنائه في مطلق الله الذي لا يحول ولا يزول.
ولكن فردية الإنسان أو تمايزه عن غيره لا ينبغي أن تقضي على فكرة التواصل والتضامن بين البشر. على العكس فإن الحب الذي يربط بين الكائنات هو الشرط الضروري لاكتمال شخصية الفرد، أي فرد كان. وبالتالي فالحب هو جوهر الدين. وإذا كان الأمر غير ذلك، فهذا يعني أن الناس فهموا الدين بشكل خاطئ، أو سطحي، خارجي، شكلاني، فارغ. وينتج عن ذلك أن المتدينين الذين يدعون للتعصب هم خونة لجوهر الدين ومبادئه الحقيقية. وينطبق ذلك على الأصوليين المسيحيين إبان محاكم التفتيش والحروب الصليبية، كما ينطبق على الأصوليين الإسلامويين اليوم.
فالأديان السماوية الكبرى دعتنا إلى محبة الآخر أو الجار والاهتمام به وبمصلحته مثلما نهتم بأنفسنا، كما دعتنا للرفق بالضعيف والفقير وابن السبيل والإحسان عليه. وبالتالي فأي شخص يفهم الدين على أساس أنه حقد على الآخرين أو تكفير لهم، ناهيك عن الدعوة إلى قتلهم وتصفيتهم جسديا، هو شخص ضال، مضلل، خارج على جوهر الدين ومبادئه السامية.
بهذا المعنى، فإن شليرماشير كان أحد كبار فلاسفة التنوير الأوروبي، أو أحد كبار رجال الدين المستنيرين. لقد ربط بين العقل والنقل، أو بين الدين والفلسفة، وجعل الإنسان يشعر بالطمأنينة والسكينة لأنه أنهى ذلك الصراع المدمر بين العلم والإيمان. لم يعد العلم في جهة والإيمان في جهة أخرى، وإنما أصبحا متكاملين رغم خصوصية كل منهما. أصبحا منصهرين مع بعضهما في بوتقة واحدة.
وعلى هذا النحو، تقدم العلم في أوروبا، وازدادت اكتشافاته، في الوقت الذي تقدم فيه الإيمان واستنار وأصبح عقلانيا، ليبراليا، متسامحا. وبالتالي فإن الحداثة لا تعني الكفر والإلحاد بالضرورة كما يتوهم بعضهم، وإنما تعني الفهم الجديد للدين، أي الفهم المستنير القائم على البصر والبصيرة لا على الجهل والتسليم والتواكل والتخلف.
هكذا انتقلت أوروبا من إيمان القرون الوسطى إلى إيمان العصور الحديثة، أي من الإيمان الطائفي والمذهبي الضيق إلى الإيمان المتسامح، الحر، الواسع الذي يشمل جميع خلق الله، ولا يستبعد أحدا من جنته، بشرط أن يكون إنسانا صالحا، مستقيما، نزيها، محبا للخير العام وكأنه خيره الشخصي. على هذا النحو استطاع فريديريك شيلرماشير أن يفتح للشعب الألماني آفاقا واسعة وينتقل به من حالة الاقتتال المذهبي والطائفي إلى حالة الوحدة القومية والروحية والفلسفية. وكفاه ذلك فخرا!



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».