شليرماشير.. المصالحة بين الدين والحداثة

يعد أكبر مصلح ديني في ألمانيا بعد مارتن لوثر

شليرماشير.. المصالحة بين الدين والحداثة
TT

شليرماشير.. المصالحة بين الدين والحداثة

شليرماشير.. المصالحة بين الدين والحداثة

من سمع باسم هذا المفكر الألماني الكبير؟ ربما لا أحد، أو قل حفنة نادرة من الباحثين الاختصاصيين. ومع ذلك، فإن أهميته تقارن أحيانا بأهمية هيغل، أو على الأقل فيخته وشيلنغ وكبار ممثلي الفلسفة المثالية الألمانية. فمن هو هذا الفيلسوف يا ترى؟ هذا ما يجيبنا عنه البروفسور برنار ريمون أستاذ علم اللاهوت الديني في جامعة لوزان بسويسرا، وأحد المختصين المعدودين بفلسفة شليرماشير وتأثيرها الكبير على الفكر الديني والفلسفي المعاصر في أوروبا كلها، وليس فقط في العالم الجرماني.
ومنذ البداية، يقول لنا في كتابه «بحثا عن شليرماشير» إنه كان أحد كبار المصلحين الدينيين في ألمانيا في النصف الأول من القرن الـ19. وقد كان زميلا لهيغل في جامعة برلين، ويحظى باحترامه وتقديره رغم الاختلاف حول بعض المسائل الدينية أو الفلسفية، ثم يردف المؤلف قائلا:
ولد شليرماشير في مدينة بريسلو الألمانية عام 1768، ومات في برلين عام 1834. عن عمر يناهز السادسة والستين. وقد تربى تربية دينية تقية في البداية، وسوف يحمل في أعماقه الطابع الأخلاقي لهذه التربية طيلة حياته كلها. وبعد أن درس العلوم الدينية المسيحية في جامعة (لأهال) اشتغل مربيا للأطفال في إحدى العائلات الغنية الأرستقراطية. ومعلوم أن هذه العادة كانت سائدة في ألمانيا آنذاك. فهيغل نفسه اشتغل مربيا للأطفال في إحدى العائلات، لكي يكسب رزقه، ويستطيع إكمال دراساته الجامعية.
وكذلك فعل هولدرلين أيضا وآخرون كثيرون. وكانت تلك الوظيفة تمثل مرحلة إجبارية قبل الوصول إلى منصب جامعي، ومرتّب ثابت يضمن للمثقف عيشه.
وبعد ذلك، عُين شليرماشير أستاذا لعلم اللاهوت والفلسفة في جامعة «لاهال» التي تخرج فيها سابقا. ولكن غزو نابليون لألمانيا أجبره على العودة إلى برلين، حيث اشتغل مع الفيلسوف الكبير فيخته مساعدا له. وقد ساهم عندئذ مع هذا الفيلسوف في بلورة مبادئ القومية الألمانية، كرد فعل على القومية الفرنسية الغازية، لنتذكر كتاب فيخته الناري: «خطابات موجهة إلى الأمة الألمانية»! ومعلوم أنه ألهم قادة الفكر القومي العربي كزكي الأرسوزي وساطع الحصري وميشال عفلق.. وهزهم هزا. ولكن هل فهموه حقيقة؟ هذه مسألة أخرى.
ومعلوم أن فرنسا كانت قد أصبحت ذات رسالة كونية خالدة، بعد اندلاع الثورة الفرنسية. وقد أرادت تصدير هذه الثورة بكل مبادئها التنويرية إلى شتى أنحاء العالم حتى ولو بقوة السلاح، كما فعل نابليون بونابرت. ولكن ذلك أيقظ عند أبناء الشعوب الأخرى العاطفة القومية المضادة. فالألمان لا يقلون أهمية عن الفرنسيين، بل إنهم يتفوقون عليهم في مجالات كثيرة. وقد أخذوا يشعرون بأنهم أمة واحدة من حيث اللغة والتاريخ والجغرافيا والتراث المشترك. ولذلك راحوا يفكرون بتوحيد أنفسهم منذ ذلك الوقت. وعندما تأسست جامعة برلين عام 1810 عينوا شليرماشير أستاذا لعلم اللاهوت المسيحي. وقد ظل يشغل هذا المنصب حتى نهاية حياته عام 1834. وفي الوقت ذاته، راح يعطي دروسا حرة عن تاريخ الفلسفة. وهكذا جمع شليرماشير منذ البداية بين تعليم الدين وتعليم الفلسفة، وأصبح أكبر مصلح ديني في ألمانيا بعد مارتن لوثر.
ثم يقول لنا المؤلف ما فحواه: لقد ساهم هذا المفكر الكبير في مصالحة الدين المسيحي مع الحداثة، أي في انفتاح كليات الشريعة المسيحية على الفلسفة والعلم الحديث. ومعلوم أنها كانت منغلقة على كل ذلك من قبل. وكانت تدرس الدين على طريقة القرون الوسطى الأصولية الظلامية. وبالتالي، فإن العمل الذي قام به فريديريك شليرماشير كان مهما جدا. لقد ساهم في بلورة التفسير الليبرالي أو العقلاني للدين المسيحي، لكي يحل محل التفسير التقليدي المتحنط، أي التفسير الطائفي والمذهبي القديم. وهي المهمة الجليلة المطروحة بكل إلحاح على كبار المثقفين العرب والمسلمين اليوم.
ومعلوم أن ألمانيا كانت منقسمة آنذاك مذهبيا إلى قسمين كبيرين؛ كاثوليكي وبروتستانتي، مع بعض الغلبة العددية للبروتستانتيين. وهذا الانقسام أشعل الأحقاد الطائفية في ألمانيا، ومنعها من توحيد نفسها أو قل عرقل عملية التوحيد.
ولذلك نهض المفكرون التنويريون الألمان من أجل مكافحة التفسير الطائفي والمتعصب للدين وإحلال التفسير الليبرالي والعقلاني محله. وهو التفسير الوحيد القادر على محاربة الطائفية والانقسامات الداخلية، وبالتالي تسهيل تحقيق الوحدة القومية الألمانية. ومعلوم أن العرب أيضا لن يتوحدوا قبل إنجاز هذه المهمة الشائكة. ولذلك فشلت كل مشاريع الوحدة العربية سابقا، بل وحتى القطر الصغير الواحد أصبح مهددا بسبب هذه النعرات الطائفية والمذهبية التي تشتعل اشتعالا. ولكن ماذا يفعل المثقفون العرب؟ هل يقومون بواجبهم كما فعل فلاسفة ألمانيا سابقا؟ أبدا، لا. إنهم لا يعرفون كيفية طرح الإشكالية الطائفية، فما بالك بحلها؟ كارثة!
لكن لنواصل مع المؤلفة قصة هذا المفكر الألماني الذي جمع في شخصه بين أنوار الدين وأنوار الفلسفة، يقول: في عام 1811 فتحت أكاديمية العلوم في برلين أبوابها لهذا المفكر الفذ الذي ذاعت شهرته بفضل أبحاثه العلمية الجادة. وفي عام 1817 ترأس الاجتماع الكبير الهادف إلى تحقيق التقارب والمصالحة بين المذاهب المسيحية المتعادية، التي يكفر بعضها بعضا. ولم يكن الانقسام حاصلا بين البروتستانتيين والكاثوليكيين فقط، وإنما أيضا داخل المذهب البروتستانتي نفسه! فقد كان ينقسم إلى قسمين كبيرين؛ قسم تابع لكالفن، وقسم تابع للوثر. وقد حاول شليرماشير إقامة التقارب بينهما. ولكنه لاقى مقاومة عنيفة من طرف الرجعيين المتعصبين في كلتا الجهتين، كما يحصل عادة. فكل طرف أصولي يرى نفسه على حق والآخر على ضلال. والأصوليون المتطرفون لا يؤمنون بالحوار وإنما بالضرب والإكراه القسري فقط. الآية القرآنية الكريمة: «لا إكراه في الدين»، لم يسمعوا بها حتى الآن. وربما عدوها منسوخة! يضاف إلى ذلك أن السلطة البروسية وقفت ضده، لأنها رأت في أفكاره الليبرالية خطرا على وحدة العقيدة المقدسة للمذهب البروتستانتي. ولكنه رغم كل ذلك راح يمارس تأثيرا كبيرا على حركة الأفكار في عصره. وربما لم يكن يضاهيه في هذا المجال إلا هيغل.
ثم يردف المؤلف قائلا: إن شليرماشير يعترف بتأثير أفلاطون عليه، ويقول إنه المفكر الأكبر الذي حسم مساره الفكري والفلسفي. ولكنه يعترف أيضا بتأثره بأفكار سبينوزا، ولايبنتز، وكانط، وفيخته، وشيلنغ، إلخ.. لاحظوا.. رجل دين ولا همَّ له إلا التمعق في كتب الفلسفة! أما رجال الدين عندنا، ففي حياتهم كلها لم يفتحوا كتابا في الفلسفة. معاذ الله! كيف يمكن لهذه الأمة أن تنهض من كبوتها وتحتل مكانتها اللائقة بين الأمم؟ على أي حال، فقد كان أول كتاب نشره بعنوان: «عن الدين.. خطاب موجه إلى الأشخاص المثقفين من بين مزدريه أو اللامبالين به»، وهو أهم كتبه، بحسب رأي البعض، وفيه يعلن اتفاقه مع كانط الذي حاول المصالحة بين الفلسفة والإيمان في كتابه الشهير: «الدين ضمن حدود العقل فقط».
فقد رفض شليرماشير على أثر كانط أن تكون للعقائد الدينية أي يقينية علمية بالمعنى البرهاني التجريبي للكلمة. وكان يقصد بذلك أنها قائمة على الاعتقاد الإيماني الذاتي الحميمي بالدرجة الأولى. ولكنه كان يعتقد بأنه يوجد في أعماق الإنسان ميل عاطفي أو روحي لتحقيق وحدة الأنا مع اللانهائي أو لانصهار الأنا في اللانهائيات. فالإنسان مشكَّل من المعرفة والممارسة، ولكن توحيد كل فعالياته لا يجري إلا عن طريق العامل العاطفي الروحي الذي يشكل جوهر الدين.
ثم يردف البروفسور برنار ريمون قائلا: وبالتالي فإن شليرماشير كان يفرق بين جوهر الدين وقشوره، بين العمق والسطح، بين ما هو أساسي وما هو شكلاني خارجي تتعلق به العامة عادة، ثم يرى هذا الفيلسوف أن الإنسان الديني أو الروحاني غير مقطوع عن التعالي اللانهائي، على عكس الإنسان المادي أو الدنيوي المحض. وينتج عن ذلك أن الحداثة الحقيقية لا تعني القضاء على الدين، وإنما إعادة فهمه بشكل جديد. فالإنسان الديني بالمعنى العميق للكلمة، أي الروحاني، يشعر بشكل عفوي مباشر أن المحدود يعثر على مبرر وجوده في اللامحدود، أي في اللانهائي. وعلى هذا النحو يتعاطف مع الروح الكونية، أي مع الروح الإلهية. فالله وحده هو اللانهائي، وهو وحده المطلق اللامحدود، على عكس الإنسان. ويرى شليرماشير أن الدين مرتبط بالعلم والممارسة العملية، حتى وإن لم يكن متطابقا معهما. فالعلم يطوّر معرفتنا باللانهائي وبالتالي يفتح الأفق على الدين بالمعنى العميق والجوهري للكلمة. والممارسة الفنية والأخلاقية لا معنى لها إلا بالقياس إلى الفعالية الكونية التي تندرج فيها. والخلود الحقيقي للإنسان يكمن في شعوره بالانصهار داخل اللانهائي والأبدي في وحدة واحدة. ما عدا ذلك فلا يوجد أي خلود مضمون.
ثم يردف شليرماشير قائلا: وبالتالي فإن جميع الأديان المعروفة ليست إلا عبارة عن صيغ فردية أو تنويعات خصوصية عن صيغة الدين الكوني الشامل. وهي أشكال ضرورية، لأن الدين الطبيعي أو العقلاني للفلاسفة ليس إلا تصورا تجريديا لا يفهمه عامة الشعب. كل الأديان هي عبارة عن تجليات للروح، وإن بدرجات متفاوتة. إنها تربط بين الكائن الفردي من جهة، والكائن اللانهائي من جهة أخرى. بمعنى آخر فإنها تربط بين الإنسان والله. وهكذا لا يعود الإنسان يشعر بأنه وحيد في هذا العالم، ولا يعود الموت يرعبه، لأنه أصبح خالدا من خلال انصهاره بتاريخ البشرية كلها، وباللانهائيات التي لا حدود لها، وبمطلق الله في نهاية المطاف، ثم ألف شليرماشير كتابا آخر بعنوان: «مونولوجات: أي حوارات داخلية مع الذات». وقد استفاد فيه من كتاب فيخته: «غاية الإنسان»، أي مصيره ومقصده النهائي. ولكن فيخته اتهم بالإلحاد، على عكس شليرماشير الذي كان في أعماقه رجلا مؤمنا حقا. مهما يكن من أمر فإن الحوار بين الفلاسفة الدنيويين والفلاسفة المتدينين كان شيئا ضروريا ومهما وخصبا جدا. كان مفيدا لكلا الطرفين. وقد عبّر شليرماشير في هذا الكتاب عن الفكرة التالية: إن غاية كل إنسان هي أن يجسد البشرية كلها في شخصه. المقصود بذلك أن الإنسان يمثل الروح الكونية، وإن بطريقة خاصة تتناسب مع شخصيته وفرادته واختلافه عن غيره. وهذا يشبه ما قاله الشاعر العربي يوما ما:
وتزعم أنك جرم صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر
وبالتالي فالإنسان لا يموت ضمن مقياس أنه مخلَّد عن طريق استمرارية البشرية ذاتها، وعن طريق انصهاره بالروح الكونية للكون، عن طريق فنائه في مطلق الله الذي لا يحول ولا يزول.
ولكن فردية الإنسان أو تمايزه عن غيره لا ينبغي أن تقضي على فكرة التواصل والتضامن بين البشر. على العكس فإن الحب الذي يربط بين الكائنات هو الشرط الضروري لاكتمال شخصية الفرد، أي فرد كان. وبالتالي فالحب هو جوهر الدين. وإذا كان الأمر غير ذلك، فهذا يعني أن الناس فهموا الدين بشكل خاطئ، أو سطحي، خارجي، شكلاني، فارغ. وينتج عن ذلك أن المتدينين الذين يدعون للتعصب هم خونة لجوهر الدين ومبادئه الحقيقية. وينطبق ذلك على الأصوليين المسيحيين إبان محاكم التفتيش والحروب الصليبية، كما ينطبق على الأصوليين الإسلامويين اليوم.
فالأديان السماوية الكبرى دعتنا إلى محبة الآخر أو الجار والاهتمام به وبمصلحته مثلما نهتم بأنفسنا، كما دعتنا للرفق بالضعيف والفقير وابن السبيل والإحسان عليه. وبالتالي فأي شخص يفهم الدين على أساس أنه حقد على الآخرين أو تكفير لهم، ناهيك عن الدعوة إلى قتلهم وتصفيتهم جسديا، هو شخص ضال، مضلل، خارج على جوهر الدين ومبادئه السامية.
بهذا المعنى، فإن شليرماشير كان أحد كبار فلاسفة التنوير الأوروبي، أو أحد كبار رجال الدين المستنيرين. لقد ربط بين العقل والنقل، أو بين الدين والفلسفة، وجعل الإنسان يشعر بالطمأنينة والسكينة لأنه أنهى ذلك الصراع المدمر بين العلم والإيمان. لم يعد العلم في جهة والإيمان في جهة أخرى، وإنما أصبحا متكاملين رغم خصوصية كل منهما. أصبحا منصهرين مع بعضهما في بوتقة واحدة.
وعلى هذا النحو، تقدم العلم في أوروبا، وازدادت اكتشافاته، في الوقت الذي تقدم فيه الإيمان واستنار وأصبح عقلانيا، ليبراليا، متسامحا. وبالتالي فإن الحداثة لا تعني الكفر والإلحاد بالضرورة كما يتوهم بعضهم، وإنما تعني الفهم الجديد للدين، أي الفهم المستنير القائم على البصر والبصيرة لا على الجهل والتسليم والتواكل والتخلف.
هكذا انتقلت أوروبا من إيمان القرون الوسطى إلى إيمان العصور الحديثة، أي من الإيمان الطائفي والمذهبي الضيق إلى الإيمان المتسامح، الحر، الواسع الذي يشمل جميع خلق الله، ولا يستبعد أحدا من جنته، بشرط أن يكون إنسانا صالحا، مستقيما، نزيها، محبا للخير العام وكأنه خيره الشخصي. على هذا النحو استطاع فريديريك شيلرماشير أن يفتح للشعب الألماني آفاقا واسعة وينتقل به من حالة الاقتتال المذهبي والطائفي إلى حالة الوحدة القومية والروحية والفلسفية. وكفاه ذلك فخرا!



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».