ترقب لطبيعة رد «حزب الله» على العملية الإسرائيلية

جهود لكشف مكان انطلاق الطائرتين المسيّرتين... و«شخصية قيادية» ربما كانت هدف الضربة

قريبات لعنصري «حزب الله» اللذين قُتلا بغارة إسرائيلية على بلدة عقربا السورية... خلال مراسم تشييعهما في الغبيري بالضاحية الجنوبية لبيروت أمس (أ.ف.ب)
قريبات لعنصري «حزب الله» اللذين قُتلا بغارة إسرائيلية على بلدة عقربا السورية... خلال مراسم تشييعهما في الغبيري بالضاحية الجنوبية لبيروت أمس (أ.ف.ب)
TT

ترقب لطبيعة رد «حزب الله» على العملية الإسرائيلية

قريبات لعنصري «حزب الله» اللذين قُتلا بغارة إسرائيلية على بلدة عقربا السورية... خلال مراسم تشييعهما في الغبيري بالضاحية الجنوبية لبيروت أمس (أ.ف.ب)
قريبات لعنصري «حزب الله» اللذين قُتلا بغارة إسرائيلية على بلدة عقربا السورية... خلال مراسم تشييعهما في الغبيري بالضاحية الجنوبية لبيروت أمس (أ.ف.ب)

قال مصدر وزاري واسع الاطلاع إن لبنان يقترب من الدخول في خضم مرحلة أمنية غير مسبوقة في ضوء تأكيد «حزب الله»، بلسان أمينه العام حسن نصر الله، أنه سيرد على قيام إسرائيل بخرق قواعد الاشتباك التي أرساها القرار الدولي الرقم 1701 من خلال محاولتها الفاشلة التي أرادت منها استهداف الحزب بعملية أمنية نوعية لم تُعرف حتى الآن طبيعتها، وتعمل أجهزته المختصة على تحديد الهدف الذي كانت تخطط لضربه ومكان انطلاق الطائرتين المسيّرتين، خصوصاً أنهما لا تستطيعان أن تقطعا سوى مسافة قصيرة تبقى بحدود 4 كيلومترات.
ولفت المصدر الوزاري لـ«الشرق الأوسط» إلى أن السباق قائم على أشده بين الجهود الدبلوماسية التي يقودها شخصياً رئيس الحكومة سعد الحريري، لإعادة الاعتبار لاحترام قواعد الاشتباك من قبل إسرائيل وبين التزام نصر الله بالرد على الخرق الإسرائيلي الذي استهدف منطقة تقع في عمق الشعاع الأمني لـ«حزب الله» مع أن الطائرتين المسيّرتين أُسقطتا -أو سقطتا- قبل بلوغهما بنك الأهداف المنويّ ضربه بعملية انتحارية باعتبار أن هاتين الطائرتين أُعدّتا، كما يبدو، لتنفيذ المهمة الموكلة إليهما دون العودة إلى المكان الذي سُيّرتا منه. وأكد المصدر نفسه أن «حزب الله» من خلال كشفه عن طائرة الاستطلاع التي سقطت من دون أن تنفجر والأخرى المزوّدة بعبوة ناسفة وانفجرت في مكان غير مأهول بالسكان وتطايرت شظاياها وعمل الحزب على تجميعها، يحاول تحديد الآلية التي اتبعتها تل أبيب لتطييرهما فوق منطقة حي معوّض في الضاحية الجنوبية.
وقال إن هناك عدة احتمالات لجأت إليها تل أبيب لتطييرهما أبرزها أن طائرة عسكرية تولّت إسقاطهما من الجو وقامت غرفة العمليات الخارجية في الجيش الإسرائيلي بتسييرهما، خصوصاً أنه تردد أن هاتين الطائرتين موصولتان عبر الأقمار الصناعية بهذه الغرفة أو أن طائرة استطلاع من الحجم الكبير تولت هذه المهمة من دون استبعاد احتمالات أخرى منها أن خلايا نائمة تتعامل مع إسرائيل وموجودة على مقربة من حي معوّض أخذت على عاتقها تسييرهما أو أنهما أُطلقتا من قطعة حربية إسرائيلية تجاوزت المياه الإقليمية وقامت بتسييرهما من دون أن تلتقطهما أجهزة الرادار.
ورأى المصدر الوزاري نقلاً عن قطب نيابي بارز، أن الأخير يستبعد أن يكون مقر العلاقات الإعلامية التابع لـ«حزب الله» من ضمن بنك الأهداف الذي خططت إسرائيل لضربه بعملية نوعية، وعزا السبب إلى أنها لا تغامر بتنفيذ عملية من هذا النوع في منطقة مكتظة بالسكان، باعتبار أن هذا المقر قد لا يكون في عداد الصيد الثمين من وجهة نظرها لاستهدافه، خصوصاً أن تسيير هاتين الطائرتين تلازم مع الضربة التي وجهتها إسرائيل إلى بلدة عقربا السورية الواقعة في نواحي دمشق.
واعتبر المصدر أن الحكومة اللبنانية تحركت فور وقوع العدوان الإسرائيلي على خطين، الأول في اتجاه الأمم المتحدة بالطلب من مندوبة لبنان السفيرة آمال مدللي، التقدّم بشكوى عاجلة ضد إسرائيل في مجلس الأمن الدولي، والآخر نحو المجتمع الدولي بتوجيه رسائل لبنانية تدعو الدول الفاعلة إلى التحرّك للجْم هذا العدوان ووقف الخروق الإسرائيلية للسيادة اللبنانية.
وقال إن الحريري الذي بقي على تشاور مفتوح مع رئيسي الجمهورية ميشال عون، والمجلس النيابي نبيه بري، طلب من وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الضغط على إسرائيل لوقف عدوانها، وأكد أن لدى واشنطن القدرة في الضغط عليها لمنع لبنان والمنطقة من الانجرار إلى تأزّم مصدره العدوان الإسرائيلي الذي شكّل خرقاً لقواعد الاشتباك التي أوجدها القرار 1701 الذي يلتزم به لبنان ويصر على تطبيقه.
واستغرب المصدر الوزاري ما أُشيع من أن إسرائيل خططت لتوجيه ضربة انتحارية إلى «حزب الله» لقطع الطريق على احتمال التوصّل إلى تفاهم بين واشنطن وطهران من شأنه أن يؤدي إلى معاودة المفاوضات حول الملف النووي على خلفية دعوة باريس وزير خارجية طهران محمد جواد ظريف للتوجّه إلى حيث تُعقد قمة الدول السبع. ورأى أن مثل هذه التوقعات ليست في الحسبان.
وأكد المصدر الوزاري أن الحروب سواء أكانت مباشرة أو بالوكالة، أخذت تتصاعد بين واشنطن وتل أبيب من جهة وبين طهران ومعها «حزب الله» و«الحشد الشعبي» في العراق من جهة أخرى، وقال إن إسرائيل تريد أن تقول من خلال عملياتها العسكرية المتنقلة ما بين سوريا والعراق ولبنان إنها وحدها تمسك بزمام المبادرة، وهذا ما يعزز الاعتقاد بأن زعيم «حزب الله» ملتزم بوعده في الرد على الخروق الإسرائيلية للسيادة اللبنانية. وشيع «حزب الله» أمس عنصرين من عناصره سقطا في الغارة الجوية الاسرائيلية على ريف دمشق ليلة السبت - الأحد. وأفادت وسائل اعلام قريبة من الحزب ان التشييع للشابين حسن زبيب وياسر ضاهر «كان مهيباً» وشارك فيه المئات بضاحية بيروت الجنوبية.
في غضون ذلك، اعتبر المصدر الوزاري اللبناني أن رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، في حاجة الآن إلى تمرير رسالة إلى الداخل في تل أبيب مع اقتراب موعد إجراء الانتخابات النيابية في دورتها الثانية في 19 سبتمبر (أيلول) المقبل بأنه الأقدر على توفير الحماية لإسرائيل من «محور الممانعة» بقيادة إيران، وقال إنه يطمح إلى تحقيق فوز يعيده إلى رئاسة الحكومة، لأن رسوبه سيعرّضه للملاحقة في ضوء ارتفاع منسوب التهم الموجهة إليه بالفساد.
ومع أن المصدر الوزاري توقف أمام دعوة نصر الله للذين لا يريدون مشكلات، إلى أن يتصلوا بواشنطن للضغط على إسرائيل من أجل منعها من التمادي في الاعتداء على لبنان بغية توصلها إلى فرض واقع سياسي وأمني يتيح لها تغيير قواعد الاشتباك، رأى أنه يوجّه كلامه بطريقة غير مباشرة إلى رئيس الحكومة على خلفية الموقف الذي أصدره بعد اتصاله بوزير الخارجية الأميركي.
لكن موقف نصر الله لجهة دعوته واشنطن للضغط على إسرائيل لا يعفيه من التزامه بالرد على العدوان الإسرائيلي في ضوء التعهد الذي قطعه على نفسه في هذا الخصوص الذي جاء مقروناً بأن يكون هذا الرد من لبنان وليس من مزارع شبعا المحتلة. ويقصد نصر الله من خلال التزامه بالرد توجيه رسالة لا إلى إسرائيل فحسب وإنما إلى المجتمع الدولي بأن لديه القدرة على تغيير قواعد الاشتباك.
ويبقى السؤال: متى يقرر «حزب الله» الرد؟ وهل يلتزم بتعهد نصر الله بأن يكون من لبنان؟ وكيف سيتصرف نتنياهو حيال هذا الرد، وهل يدخل في مواجهة مع الحزب لا تخضع للتقديرات التقليدية؟ أم أنه سيقرر أن يبلع الرد الذي سيبادر إليه الحزب مع احتفاظه بالتوقيت المناسب الذي سيختاره؟
وعليه لا بد من السؤال عما إذا كان نتنياهو سيقرر الرد حتى لو أقحم نفسه في مغامرة عسكرية غير محسوبة النتائج، ويمكن أن تنعكس سلباً على مجريات الانتخابات في إسرائيل، أم أن الرد سيكون كافياً لتحقيق حالة من توازن الرعب على قاعدة أن التعادل في توجيه الضربات سيفتح الباب حتماً أمام إعادة الاعتبار لقواعد الاشتباك والتقيّد بها؟
لذلك يقف لبنان الآن أمام مرحلة أمنية بامتياز انطلاقاً من تقدير المصدر الوزاري أنْ لا خيار أمام «حزب الله» سوى الرد الذي سيقود حتماً إلى السؤال عن موقف الحكومة والمكونات المشاركة فيها التي أجمعت على إدانتها للعدوان، وإنما من موقع الاختلاف حول دور الدولة في اتخاذها قرار السلم والحرب.
وإلى أن يختار «حزب الله» توقيته للرد على العدوان الإسرائيلي، فهل تتسارع الاتصالات من أجل تغليب الرد الدبلوماسي على العسكري على قاعدة إلزام إسرائيل باحترام قواعد الاشتباك؟ وكيف سيتصرف الحزب بعد أن التزم أمينه العام بالرد، خصوصاً أن هذا العدوان تزامن مع التفات الدولة بكل أركانها ومكوناتها إلى توفير الحلول للأزمة الاقتصادية والمالية، مستفيدةً من فترة السماح التي أُعطيت لها من خلال التصنيف الائتماني للبنان الذي جاء سلبياً وإنما نسخة طبق الأصل من التصنيف السابق؟
ولا يستبعد المصدر الوزاري أن يكون الهدف من العملية الإسرائيلية في الضاحية اغتيال شخصية حزبية بارزة، وهذا ما يدفع الحزب إلى عدم السكوت والإصرار على الرد لأنه لن يسمح لإسرائيل بأن تتعامل معه بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع «الحشد الشعبي» في العراق.



الصواريخ الحوثية المرتدّة تهدد مناطق سيطرة الجماعة

جانب من دمار بمنازل في شمال إبّ جراء سقوط صاروخ حوثي (فيسبوك)
جانب من دمار بمنازل في شمال إبّ جراء سقوط صاروخ حوثي (فيسبوك)
TT

الصواريخ الحوثية المرتدّة تهدد مناطق سيطرة الجماعة

جانب من دمار بمنازل في شمال إبّ جراء سقوط صاروخ حوثي (فيسبوك)
جانب من دمار بمنازل في شمال إبّ جراء سقوط صاروخ حوثي (فيسبوك)

أفادت مصادر يمنية مطلعة بسقوط عدد من الصواريخ الباليستية في مناطق متفرقة خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، عقب فشل عمليات إطلاقها أو انحرافها عن مساراتها، ما تسبب، وفق المصادر، في سقوط ضحايا مدنيين وأضرار طالت منازل وممتلكات ومنشآت.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن العديد من الصواريخ فشلت عملية إطلاقها وسقطت داخل مناطق مأهولة أو بالقرب منها، متسببة في أضرار مادية وحالة من الهلع بين السكان. كما تحدثت مصادر محلية وتقارير متداولة عن سقوط قتلى وجرحى مدنيين في بعض تلك الحوادث.

وتعيد هذه الوقائع تسليط الضوء على المخاطر التي يتعرض لها سكان المناطق الخاضعة للحوثيين جراء إطلاق الصواريخ الباليستية من مناطق مأهولة؛ إذ يمكن أن تتحول عمليات الإطلاق الفاشلة إلى تهديد مباشر للسكان والمنشآت والأراضي الزراعية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وكان أحدث هذه الحوادث سقوط صاروخ باليستي حوثي في قرية «العيانة» بمديرية خمر في محافظة عمران. وبحسب المعلومات المتداولة، تسبب سقوط الصاروخ في أضرار وخسائر بالمنطقة، وسط حديث عن وقوع ضحايا مدنيين.

سقوط صاروخ حوثي على إحدى القرى الريفية في محافظة عمران (فيسبوك)

وقبل حادثة خمر بأيام سقط صاروخ حوثي في منتصف الشهر الحالي بالقرب من مزارع في قرية «بيت شلوان» بمديرية بني صريم في محافظة عمران، ما أسفر، وفق مصادر محلية، عن مقتل مزارع وإصابة آخرين، إلى جانب أضرار لحقت بأراضٍ ومعدات زراعية تعود لمواطنين.

وقال سكان في المنطقة إن عناصر أمنية تابعة للحوثيين سارعت عقب الحادثة إلى تطويق موقع سقوط الصاروخ، في محاولة، بحسب روايات الأهالي، لمنع الوصول إلى الموقع والحد من تداول تفاصيل الحادثة.

حوادث متتابعة

توالت حوادث سقوط الصواريخ داخل مناطق سيطرة الجماعة مع فشل إطلاق صاروخين باليستيين في حادثتين منفصلتين وقعتا مطلع الشهر الحالي في محافظتَي إبّ والحديدة، وتسببتا، وفق المصادر، في أضرار ودمار طال منازل مدنيين. ففي محافظة إبّ، سقط صاروخ حوثي في منطقة «المجمعة» شمال غربي مدينة إبّ إثر فشل عملية إطلاقه، ما أدى إلى تدمير أكثر من خمسة منازل وإصابة عدد من السكان، بينهم نساء وأطفال.

أضرار ودمار في منازل نتيجة استخدام الحوثيين الصواريخ الباليستية (فيسبوك)

وفي حادثة أخرى، سقط صاروخ في قرية «محوى طلحة» شرق مدينة زبيد بمحافظة الحديدة، عقب فشل عملية إطلاقه، متسبباً في تدمير وإلحاق أضرار بعدد من منازل المدنيين.

وسبق الحادثتين بأيام سقوط صاروخ ثالث أطلقته الجماعة ليلاً في أرض زراعية بالقرب من قريتَي «شبل» و«النوبي» بمديرية جبلة جنوب غربي إبّ، بعد فشل عملية إطلاقه من منصة متحركة باتجاه مدينة المخا على الساحل الغربي، ما أثار حالة من الذعر بين السكان.

سبعة صواريخ

بحسب منصة «يمن ديلي» اليمنية، فشلت الجماعة الحوثية في إطلاق سبعة صواريخ باليستية خلال الفترة الممتدة من 7 إلى 27 أغسطس (آب) الماضي، انتهى بها المطاف إلى السقوط داخل مناطق خاضعة لسيطرتها.

ويربط الخبراء هذه الإخفاقات بعدة عوامل محتملة، في مقدمها فقدان جزء من الكوادر الأجنبية ذات الخبرة، ولا سيما الإيرانية واللبنانية، التي كانت تضطلع بمهام فنية وتدريبية متخصصة في تشغيل هذا النوع من الأسلحة.

وبحسب تقديراتهم، أدى ذلك إلى إسناد جانب من تلك المهام إلى عناصر حوثية محلية تفتقر إلى الخبرة والكفاءة الفنية اللازمة لتشغيل المنظومات الصاروخية بكفاءة.

قرى سكنية ومزارع ومرتفعات حوّلها الحوثيون إلى منصات صاروخية (إعلام محلي)

ويتزامن تكرار هذه الحوادث مع استمرار الجماعة في استخدام القرى السكنية والمزارع والمناطق الجبلية في عدد من مناطق سيطرتها مواقع لإطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية لهذه المناطق، وفق مصادر محلية ومراقبين.

ويرى مراقبون أن إطلاق الصواريخ من مناطق مأهولة لا يضاعف فقط المخاطر التي يتعرض لها المدنيون في المناطق المستهدفة، وإنما يضع أيضاً سكان مناطق الإطلاق أنفسهم في دائرة الخطر، خصوصاً عندما تفشل عمليات الإطلاق، أو تنحرف الصواريخ عن مساراتها.


من الشارع إلى الهاتف… الحوثيون يحاصرون ذكرى الثورة اليمنية

من الاحتفالات اليمنية بذكرى الثورة العام الماضي (إعلام محلي)
من الاحتفالات اليمنية بذكرى الثورة العام الماضي (إعلام محلي)
TT

من الشارع إلى الهاتف… الحوثيون يحاصرون ذكرى الثورة اليمنية

من الاحتفالات اليمنية بذكرى الثورة العام الماضي (إعلام محلي)
من الاحتفالات اليمنية بذكرى الثورة العام الماضي (إعلام محلي)

في عشية الذكرى الـ64 لثورة 26 سبتمبر (أيلول) تعيش العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية حالة توتر أمني واستخباراتي وإجراءات تقييد ورقابة مشددتين لمنع الاحتفالات الشعبية، وامتدت آثارها إلى منصات التواصل الاجتماعي، في حين اعتقلت الجماعة أكثر من 30 شخصاً في محافظة ذمار بسبب تحديث صورهم الشخصية على تطبيق «واتساب» بشعار ذكرى الثورة، وهو ما فجّر موجة غضب عارمة على منصات التواصل الاجتماعي.

وتقول مصادر محلية في ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) لـ«الشرق الأوسط» إن نقاط التفتيش الحوثية في المحافظة بدأت عقب ذلك بتفتيش هواتف سائقي وركاب السيارات بحثاً عن شعارات أو صور وعبارات احتفالية بذكرى الثورة، متسببة في حالة من القلق في أوساط السكان، الذين لجأ غالبيتهم إلى إخفاء هذه المظاهر من هواتفهم أو عدم التنقل بها في الشوارع خشية الاعتقال.

وشهدت صنعاء وعدد من المدن الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية إجراءات مشددة للتضييق على السكان ومنع أي مظاهر للاحتفال بذكرى الثورة التي أطاحت بحكم أسلاف زعيم الجماعة في 1962.

أجهزة الأمن الحوثية تشدد قبضتها لملاحقة المحتفلين بذكرى الثورة اليمنية (إ.ب.أ)

ولم تقتصر الإجراءات الأمنية الاستباقية على التحركات الميدانية واعتقال عشرات الناشطين والسكان بسبب مظاهر الاحتفال بهذه الذكرى، بل طالت مواقع التواصل الاجتماعي التي تشهد جدلاً بين من يتمسكون بهوية الثورة، وموالين للجماعة التي تخشى تحول المناسبة إلى انتفاضة شعبية.

خوف من الشارع

في ظل ذلك، كشفت مصادر أخرى في صنعاء عن أن الجماعة ألزمت مسؤولي الأحياء المعروفين بـ«عقال الحارات»، وهي مناصب شبه رسمية، بتحديث بيانات السكان وإبلاغ أقسام الشرطة والجهات الأمنية عن السكان الجدد، وإجبار ملاك العقارات على تسليم بيانات كاملة عن كل العائلات التي تستأجر منازل لديهم.

ووفقاً لما نقلته المصادر لـ«الشرق الأوسط»؛ تشمل طلبات الجماعة الإفصاح عن كل ما يتعلق بالمستأجرين الجدد وأنشطتهم وتحركاتهم خلال الأسابيع الأخيرة، وأرقام هواتفهم وحساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

قلعة القاهرة في تعز تتزين بالأضواء احتفالاً بذكرى الثورة اليمنية (إكس)

وحسب المصادر فإن الجماعة تشدد الرقابة على كل فرد لا يملك حساباً باسمه على مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب شكوكها في امتلاكه حسابات بأسماء مستعارة هرباً من الرقابة.

ويرى محمود عبد الدائم، وهو اسم مستعار لباحث أكاديمي متخصص في السياسة والإعلام في جامعة صنعاء، أن الجماعة تمكنت خلال السنوات الأخيرة، بفعل ممارساتها القمعية وإجراءات التضييق على الحريات، من الحدّ من المظاهر الاحتفالية بذكرى الثورة اليمنية، إلا أن الممارسات نفسها والإجراءات ضاعفت من إيمان اليمنيين بهذه الثورة.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة، وحسب نقاشات داخلية اطلع عليها من خلال زملاء له ينتمون إلى الجماعة، وقفت أمام خيارين، إما السماح للسكان بممارسة الاحتفالات لتفريغ احتقاناتهم من تردي الأوضاع المعيشية وسوء الخدمات، وإما منعها بكل أدوات القوة الممكنة وتشديد الخناق عليها.

ويشير إلى أن الخيار الأول كان مرتبطاً باحتمالية اكتفاء السكان بالاحتفالات كتنفيس عن الغضب الجماعي المكبوت خصوصاً إذا أسهمت الجماعة في هذه الاحتفالات وتكفلت برعايتها، إلا أن الخيار الثاني انتصر بفعل الذهنية الأمنية والقمعية للجماعة التي ترى أن السماح بالتعبير عن الغضب الشعبي يفتح الباب أمام إمكانية تحوله إلى انتفاضة عارمة يصعب السيطرة عليها.

ذكرى الثورة اليمنية هذا العام تتزامن مع تصعيد عسكري حوثي وحملات تجنيد (أ.ب)

وكانت مصادر مطلعة قد كشفت لـ«الشرق الأوسط» عن أن الحملات الأمنية للتضييق على الاحتفالات بذكرى «ثورة 26 سبتمبر» بدأت بالتنافس بين أجنحة داخل الجماعة لتوريط بعضها بعضاً في أزمات تتسبب في تراجع نفوذها.

وطبقاً للمصادر، فإن عدداً من قادة الجماعة المستائين من تمكين علي حسين الحوثي، وهو نجل مؤسس الجماعة، من قيادة جهاز استخباراتي مستحدث باسم «جهاز استخبارات الشرطة ومكافحة الإرهاب»، أوصوا بتنفيذ كبرى هذه الحملات مباشرة عقب إنشاء الجهاز قبل عامين، وهو ما نتج عنه اعتقال آلاف السكان خلال فترة زمنية قياسية.

انتفاضة الصور

بدلاً من أن تتسبب هذه الحملة الحوثية باستياء داخل الجماعة، وتؤدي إلى تقليص نفوذ علي حسين الحوثي، بسبب المخاوف من ردود الفعل المجتمعية والتأثير على سمعة الجماعة، حدث العكس، ولقيت ممارساته استحساناً لدى عمه عبد الملك الحوثي، زعيم الجماعة، والبيئة المحيطة به.

ورغم أن إجراءات الجماعة حدّت، وبشكل لافت من انتشار مظاهر الاحتفال الشعبي بذكرى الثورة اليمنية فإن مواقع التواصل الاجتماعي لا تزال تشهد توسعاً في المظاهر الاحتفالية، حيث تحوّلت الصفحات الشخصية إلى جداريات بألوان علم البلاد، الأحمر والأبيض والأسود، ونظم مئات الآلاف حملة لتغيير صورهم الشخصية وتركيب إطارات مخصصة للذكرى بوصفه نوعاً من التحدي السلمي.

احتفالات بذكرى الثورة في مدينة المخا العام الماضي قبل سقوطها مؤخراً في يد الحوثيين (إكس)

وتجاوز النقاش البعد التاريخي ليرتبط بالواقع المعيشي المتدهور؛ إذ ركزت المنشورات على مقارنات حادة بين عهد ما قبل الانقلاب الحوثي والوضع الراهن، وركز المستخدمون على التغيرات التي تشهدها البلاد منذ سيطرة الجماعة مثل انقطاع رواتب الموظفين العموميين وتوقف بناء المدارس وتعطيل خدمة الكهرباء وخصخصتها وزيادة فرض الجبايات ونهب الممتلكات العامة والخاصة.

وفي المقابل، تحركت الحسابات الموالية للجماعة لشيطنة هذا الحراك الافتراضي، متهمة المشاركين فيه بأنهم «خونة ومرتزقة» ينفذون أجندات خارجية لإثارة الفوضى.

وخلال السنوات الماضية تحولت ذكرى ثورة «26 سبتمبر» إلى رمز سياسي ووطني لرفض حكم الحوثيين، حيث يعوّض اليمنيون بالاحتفالات عبر العالم الافتراضي ما حُرموا من التعبير عنه في شوارع المدن وميادينها العامة.


الجيش اليمني يُحبط محاولة حوثية لعزل تعز عن عدن

معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الهجمات الحوثية في جبهات تعز (إعلام عسكري)
معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الهجمات الحوثية في جبهات تعز (إعلام عسكري)
TT

الجيش اليمني يُحبط محاولة حوثية لعزل تعز عن عدن

معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الهجمات الحوثية في جبهات تعز (إعلام عسكري)
معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الهجمات الحوثية في جبهات تعز (إعلام عسكري)

أحبطت القوات الحكومية اليمنية محاولات حوثية في جبهتَي حيفان والمقاطرة، استهدفت الاقتراب من طريق هيجة العبد، وكانت تهدف لعزل محافظة تعز عن المناطق الجنوبية وصولاً إلى عدن.

وأعلنت القوات الحكومية تأمين الطريق الحيوي، وعودة حركة المواطنين والمسافرين. وقال المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية العقيد الركن ماجد النزيلي إن وحدات من محور تعز ومحور طور الباحة وألوية «العمالقة»، بمساندة المقاومة الشعبية، تصدّت لمحاولات التسلل، وأجبرت العناصر المهاجمة على التراجع، مشيراً إلى تكبدها خسائر بشرية ومادية.

وفي مديرية حيفان، تصدت القوات لهجوم حوثي على عزلة الأحكوم، في حين شهدت منطقة الأشبوط وهيجة العبد في المقاطرة اشتباكات مع عناصر حاولت الاقتراب من الطريق والتمركز في مواقع قريبة منه.

وبدورها، أحبطت قوات «تحالف دعم الشرعية» في اليمن ودمرت، أمس (الخميس)، ستة صواريخ باليستية أطلقتها الميليشيات الحوثية باتجاه السعودية، في محاولة لاستهداف مدينتَي الطائف وينبع. وتوعّد المتحدث باسم التحالف اللواء الركن تركي المالكي الحوثيين، مؤكداً أن تصعيد عملياتهم الإرهابية «سيتم التعامل معه بحزم».

وتزامن هذا الاستهداف مع إطلاق الدفاع المدني السعودي صافرات الإنذار المبكر في مكة المكرمة وجدة والطائف وينبع وتبوك، قبل إعلان زوال الخطر عن المدن الخمس.