«السيادي» السوداني: لا ضمانات في قضية فض الاعتصام

البروفسور تاور أكد لـ «الشرق الأوسط» أن «العسكري» السابق وضع يده على أوكار السلاح والأموال المنهوبة

البروفيسور صديق تاور
البروفيسور صديق تاور
TT

«السيادي» السوداني: لا ضمانات في قضية فض الاعتصام

البروفيسور صديق تاور
البروفيسور صديق تاور

البروفسور صديق تاور (60 عاماً) نال درجة الدكتوراه في الفيزياء من جامعة الخرطوم، وهو عضو «معهد الفيزياء الدولي» ببريطانيا، وزميل مجموعة الفيزياء البيولوجية بجامعة «ليدن» الهولندية. يقول إنه درس الفيزياء في هولاندا «والهولنديون، يعتبرون الفيزيائي حلال مشاكل». ينتمي إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، وهو عضو قيادته القطرية. عمل بروفسور تاور في الجامعات السودانية والسعودية، وعد عشرات المواصفات القياسية لهيئة المواصفات السودانية.
ناشط في مجالات قضايا السلام والوحدة الوطنية والبيئة والتعليم العالي، إلى جانب التزامه بكتابات سياسية راتبة في كثير من الصحف المحلية والعالمية. نشرت له عدة دراسات سياسية، من بينها «الواقع والوقائع وتأثير التعدين على البيئات المحلية، حقوق المجتمعات المستضيفة للنشاط التعديني»، وشارك في تنظيم كثير من الأنشطة في مجالات وقف الحرب وإحلال السلام في جبال النوبة والنيل الأزرق.

أثار ترشيح واختيار أستاذ الفيزياء البروفسور صديق تاور كافي المتحدر من إقليم جنوب كردفان، عضواً في «مجلس السيادة»، الكثير من اللغط، الذي أخذ شكل حملة ذات طابع إقليمي وثقافي، تكمن في انتمائه لحزب البعث العربي الاشتراكي، رغم انتمائه لمجموعة غير عربية، بيد أن تاور اتهم «الدولة العميقة»، ومن أطلق عليهم «الانكفائيين» في الحركة الشعبية لتحرير السودان، الذين سرقوا لسان الحركة من خلف قيادتها، بتنظيم الحملة ضده.
يقول تاور إنه قَبِل المنصب ليحمل مع الثوار الهم الوطني، وليعمل معهم على إخراج البلاد من ظروفها الحالية، بدلاً عن اختيار الطريق السهل بالانزواء والانسحاب، وتعهد بعدم خذلان من رشحوه للإسهام في حلول أزمات البلاد.
ويرى تاور في حوار مع «الشرق الأوسط» أن وجوده في مجلس السيادة، لا يعني أنه يمثل الإقليم أو ينوب عنه، وأن حل مشكلة الحرب في جنوب كردفان قد يأتي من أي شخص في إقليم آخر، ويضيف: «مجلس السيادة والحكومة معاً، هما المعنيان في المقام الأول بحل المشكلة في الإقليم».
ويشير إلى أن ارتباطه الشخصي بالمنطقة يسهل له معرفة التفاصيل الدقيقة والمعاناة اليومية للحرب وإفرازاتها وانعكاساتها على المجتمع، ما يسهل حل الأزمة وإحلال السلام، ويقول: «هو جزء من الهم الشخصي والأخلاقي بالنسبة لي، وسأعمل ضمن منظومة السلطة الانتقالية من أجل تعزيز السلام وتوفير الآليات والأجواء، التي تكمن من استدامة السلام في كل مناطق الحروب والنزاعات في البلاد».
ويوضح تاور أنه أجرى اتصالات مباشرة مع قادة بارزين في الحركة الشعبية - الشمال بقيادة عبد العزيز الحلو، فأكدوا له عدم صدور أي موقف من الحركة ضد ترشيحه، وتابع: «في تقديري كان هناك سوء فهم، وتم تحميل الأمر أكثر مما يحتمل، فللحركة منابرها الرسمية التي يمكن أن تعبر فيها عن مواقفها الرسمية إذا أرادت ذلك»، وأردف: «لا يمكن لقائد في مقام عبد العزيز الحلو، اختزال أزمة السودان في إقليم جنوب كردفان في شخصي، لكن بعض الجهات حاولت عن قصد تحوير مفهوم الصراع، وإعطائه أبعاداً عنصرية وعرقية ومناطقية».
وأوضح صديق تاور أن الحركة الشعبية بزعامة «الحلو» ليست جزءاً من قوى إعلان الحرية والتغيير، ولم تجر اتصالات مع المجلس العسكري قبل حله، وفضلت انتظار تشكيل الحكومة الانتقالية لتتفاوض معها.
ويتابع: «حسب الاتفاق الموقع من اليوم الأول للحكومة الانتقالية ينبغي الشروع في ملف السلام، بحيث لا يتجاوز الستة أشهر لحسم هذا الملف، رغم عدم اكتمال تكوين الحكومة»، ويضيف: «أول اجتماع لمجلس السيادة بحضور رئيس الوزراء، جرى نقاش بشأن تسريع تكوين مفوضية السلام، لتبدأ مباشرة في إدارة ملف السلام، حتى لا يتعطل بإجراءات اختيار الوزراء في الحكومة الانتقالية، وتكملة الهياكل»، ويستطرد: «بمجرد حسم أمر المفوضية ستتولى وضع الخطط والاتصالات مع الحركات المسلحة، وأتوقع أن يفصل في الأمر خلال الأسبوع المقبل، باعتباره من الأجندة المهمة لمجلس السيادة».
ويقطع تاور بأن إقرار اتفاق سلام مستدام أمر يعني كل السودانيين، وأن ما يتم التوصل إليه من اتفاقيات مع حركتي (عبد العزيز الحلو وعبد الواحد النور) يجب أن يشارك فيه، ويضيف: «ما تخرج به المفاوضات يحتاج إلى تأمين من قبل المجلس التشريعي الذي يضم مكونات الثورة بما فيها الحركات المسلحة»، ويتابع: «إذا جرى التوقيع على اتفاقيات، وتطلب الأمر مراجعة هياكل الحكم، ومشاركتها المجلس السيادي أو مجلس الوزراء، يلتزم الجميع بما تم الاتفاق عليه»، ويؤكد: «إذا كانت المواقع مدخلاً للسلام، فنحن على استعداد لمغادرة مناصبنا».
وكشف تاور أن اجتماعات مجلس السيادة الأيام الماضية، رأت تأجيل تعيين رئيس القضاء والنائب العام، استجابة لطلب لجنة مشتركة بين العسكريين وقوى إعلان الحرية والتغيير، حتى لا يؤثر ذلك في تنفيذ المصفوفة الزمنية لتشكيل هياكل الحكم الانتقالي، وأضاف: «لن يتم أي إجراء دون توافق المجلس السيادي بالكامل، وسيتم اعتماد مرشحي قوى الحرية والتغيير، وفق الإجراءات المتبعة والصيغ التي يتم الاتفاق عليها».
وأبلغ تاور الصحيفة بأن المدنيين في مجلس السيادة سيتم توزيعهم على اللجان التي كانت تشرف على إدارة البلاد قبل حل المجلس العسكري، لحين اكتمال تشكيل الجهاز التنفيذي، «حتى لا يحدث تعطيل إدارة البلاد».
وبشأن انسجام العسكريين والمدنيين في العمل داخل مجلس السيادة، قال تاور: «هناك رغبة مشتركة من الجانبين لأن تمضي الأمور وفق ما هو متفق عليه في الفترة الانتقالية»، وأضاف: «العسكريون يعبرون عن رغبتهم في الإسراع بتشكيل الحكومة والهياكل لرفع العبء الذي كانوا يتحملونه عنهم».
وبشأن ما إذا كان تكوين لجنة التحقيق المستقلة في أحداث فض الاعتصام سيضع مطبات أمام الشراكة في ظل الاتهامات الموجهة لبعض العسكريين، يقول تاور: «نحن نبحث عن قضاء مستقل وعدالة، ولا حياد عن المعايير للأشخاص في اللجنة، نحن لا نبحث عن تجريم أو تبرئة أحد، لكن المهم اتباع الإجراءات العدلية التي توصل الناس للحقائق».
ونفى تاور وجود نية لتقديم تطمينات لأي مشتبه به، بقوله: «إذا قدمنا تطمينات لأحد نكون قطعنا الطريق أمام تحقيق العدالة»، ويضيف: «العسكريون لا يعترضون على إجراء تحقيق مستقل، ربما قد يتحفظون على الإدانة قبل ظهور نتائج التحقيق. لن نستبق الأمر قبل تكوين لجنة التحقيق المستقلة، وفقاً لمعايير العدالة المعروفة».
وأوضح تاور أن المكون العسكري في مجلس السيادة، ولمباشرته العمل التنفيذي المباشر خلال الأشهر الأربعة الماضية، وضع يده على كثير من الملفات الأمنية ومؤامرات الدولة العميقة، والثورة المضادة، والفساد والأموال والأصول والشركات وأوكار الأسلحة، لكنها لم تقدم لنا في تقرير رسمي، وأنهم بانتظار اكتمال الصيغ ليطلعونا على هذه الملفات.
وبشأن خطط مواجهة الانهيار الاقتصادي أكد تاور، تقيدها بالبرنامج الإسعافي لقوى إعلان الحرية والتغيير، ولجنة السياسات البديلة، وقال إنها ظلت طيلة الأشهر الماضية تعمل على إعداد خطط تفصيلية لمعالجة الاقتصاد والخدمات والسلام والعلاقات الخارجية، ويضيف: «تم وضع خطط متوسطة وطويلة المدى، والبرامج جاهزة في انتظار تشكيل السلطة التنفيذية».
ويتهم تاور «جيوب النظام السابق» بافتعال «أزمة الغلاء وندرة السلع، وأزمة الوقود والخبز، باعتبارها أول الملفات التي سينظرها مجلس السيادة»، ويتابع: «لا يزال الكثير منهم في السلطة، ويلعبون دوراً تخريبياً عن طريق صناعة الأزمات. معركة قوى الثورة مجتمعة على مواجهة الثورة المضادة التي تتلاعب بمعاش المواطنين».
وأشار عضو مجلس السيادة إلى أن أول الملفات القانونية التي سيولونها الاهتمام، تتمثل في قوانين إعادة هيكلة الأجهزة الحكومية المترهلة، بما في ذلك رئاسة الجمهورية، والكثير من الجهات المرتبطة بالنظام السابق، التي بها عمالة كبيرة تكلف أموالاً ضخمة، ويتابع: «هذه تحتاج إلى قوانين سريعة، وهذا لا يعتبر تجاوزاً أو تخطياً لعمل الأجهزة الانتقالية».
وبحسب تاور، فإن محاسبة رموز النظام السابق وتقديمهم للمحاكمات أمر متفق عليه بين العسكريين والمدنيين، لكن هناك خطوات إجرائية منصوص عليها بتشكيل المفوضيات المرتبطة بالإصلاح الإداري والقانوني والعدالة الانتقالية، والمجلس السيادي لا يستطيع أن يقرر في هذه القضية إلا بعد تكوين الحكومة».
وأوضح تاور أن اختياره لمجلس السيادة رغم كونه منتمياً لحزب البعث العربي الاشتراكي، خضع لمعايير الكفاءة الوطنية والمهنية والقدرة على أداء المهمة، بالإضافة إلى الأدوار التي قام ويقوم بها الشخص المرشح، وأضاف: «كنت ضمن عشرة مرشحين، ولم يدر أي حديث عن خلفيات سياسية، فتوافق الناس على أنني كفاءة وطنية، وإذا كان لدى الشخص خلفية فكرية وسياسية، فهذه ليست جريمة وإنما إضافة»، ويتابع: «طبيعة المهمة الوطنية، تفرض على الشخص التعامل وفق البعد الوطني، دون أن تملي عليه أي جهة أهدافاً ذاتية ضيقة».
وبشأن علاقة تخصص المهني في «الفيزياء» والوظيفة السياسية، يقول تاور إنه درس الفيزياء في هولندا، والهولنديون يعتبرون الفيزيائي «حلّال مشاكل»، وبالتالي يمكن أن ينافس في أي وظيفة، لأنه تركيبته الذهنية مبينة على البحث عن حلول لمشاكل، ويضيف: «بشكل عام المعرفة الأكاديمية إذا حبست في قاعات الدرس، تكون قد أفقدت دورها».



السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.