باعة جوالون يخترقون شوارع دمشق بأصواتهم القوية وعرباتهم

باعة جوالون يخترقون شوارع دمشق بأصواتهم القوية وعرباتهم

زاد عددهم بسبب الحرب والبطالة والفقر
الأربعاء - 20 ذو الحجة 1440 هـ - 21 أغسطس 2019 مـ رقم العدد [ 14876]
دمشق: «الشرق الأوسط»
مع استمرار الحرب في سوريا منذ منتصف مارس (آذار) 2011. وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية، ووصول حالات الفقر إلى نسب عالية، تزايدت ظاهرة الباعة الجوّالين في طرقات أحياء العاصمة دمشق لتأمين معيشتهم في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار.
عبارات «مقطوفة يا ملوخية. ثلاثة بألف يا بامية. بمية يا خيار. حورانية راين. عسل يا تين. مزاوية الصبارة. مكسر وحلاوة البطيخ»، باتت تلازم سكان الأحياء الدمشقية طوال النهار وحتى منتصف الليل، وتصدح بها بصوت عال مكبرات صوت مثبتة على شاحنات صغيرة وعربات من ثلاث أو أربع عجلات ودراجات هوائية تجوب شوارع العاصمة، بهدف الترويج للبضائع وجذب الزبائن.
«أنيس» شاب لم يتجاوز العقد الثاني من العمر، كان يسير ببطء خلف سيارة شاحنة صغيرة مملوءمة بأكياس «الملوخية»، بينما كان شريكه «أحمد» يقود السيارة بسرعة خفيفة للغاية، بالترافق مع عبارة «بلدية الملوخية» المسجلة على شريط كاسيت والتي كانت تصدر بصوت جذاب كل 30 ثانية من مكبر صوت مثبت فوق السيارة.
السيارة كانت تتوقف كل 25 إلى 30 مترا في الشارع، للسماح للأهالي الذين يتجمعون على الشرفات بتفحص «الملوخية» ولو عن بعد، بينما يبادر العديد منهم للنزول إلى الشارع وشراء الكميات التي يحتاجونها، على حين يقوم البعض منهم بجدال قصير مع «أنيس» و«أحمد» في محاولة لتخفيض ثمن الكيلو غرام الواحد من «الملوخية» البالغ 400 ليرة سورية.
الشابان، يوضحان لـ«الشرق الأوسط»، أنهم كانا يعملان معا قبل أكثر من عشر سنوات في إحدى ورشات الخياطة في غوطة دمشق الشرقية، إلا أن الدمار الذي طال معظم مدن وبلدات وقرى الغوطة في السنوات الأولى للحرب أتى على الورشة وتوقف عملهما، وأمضيا بعدها سنتين وهما عاطلان عن العمل إلى أن تدبرا أمرهما واستدانا مبلغ مليوني ليرة سورية واشتريا هذه السيارة للعمل كباعة جوالين.
«أنيس» ومن خلال هذه المهنة يعيل أمه وأربعة إخوة له بعد أن أخذت الحرب والده ودمرت منزلهم، ويصف مردودها الشهري بـ«الجيد مقارنة بمهن أخرى»، ويضيف: «أهم شيء أننا نعمل فكثير من الشباب بلا شغل... أهم شيء أننا مستورون ونكفي أنفسنا في ظل الوضع (المعيشي) الصعب».
وظاهرة الباعة الجوّالين كانت موجودة في عموم المحافظات السورية منذ زمن بعيد، ومع التطور الاقتصادي الذي شهدته البلاد في بداية القرن الواحد والعشرين تراجعت إلى حد كبير، لكن هذه الظاهرة ومع تواصل الحرب التي تشهدها البلاد منذ أكثر من ثماني سنوات عادت للظهور وبكثافة حيث يشهد أي طريق في الأحياء الدمشقية مرور عشرات الباعة الجوالين يوميا.
ووفق منظمة العمل الدولية اعتلت سوريا المرتبة الأولى عالمياً بمعدلات البطالة، فقد وصلت نسبة العاطلين عن العمل فيها 50 في المائة، ذلك بسبب استمرار الحرب فيها وتدمير آلاف المنشآت الاقتصادية والاجتماعية، وهدم البيوت والمؤسسات وتشريد ملايين السوريين.
لكن خبراء اقتصاديين يشيرون في تصريحات نشرت مؤخرا إلى أنه ورغم عدم وجود إحصائية دقيقة حول نسبة البطالة في سوريا، إلا أن التوقعات تقول أن النسبة تفوق 80 في المائة، إثر تهديم القطاعات التي تستوعب العمالة في سوريا، وذلك بعد أن كانت نسبة البطالة رسمياً في سوريا لا تتجاوز 8.8 في المائة عام 2010.
وإذا كان «أنيس» و«أحمد» تيسر أمرهما بشراء سيارة شاحنة للعمل كباعة جوالين، إلا أن مروان البالغ من العمر 28 عاما إمكانياته المادية لم تسمح له سوى باقتناء عربة ذات ثلاث عجلات يقوم بالتجول بها في الطرقات وبيع أنواع عديدة من الخضار من قبيل «البندورة» و«الخيار» وضمات «البقدونس» و«النعناع» و«الكزبرة» و«البصل».
«مروان» يلفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه لجأ للعمل بمهنة البائع الجوال في ساعات النهار، لأن مرتبه الذي يتقاضاه من عمله الليلي كـ«حارس» لدى إحدى الشركات الخاصة لا يكفي عائلته «سوى عشرة أيام من الشهر»، ويقول: «هكذا أفضل من سؤال الناس».
لكن «مروان» يشتكي من تعب كبير يصاب به خلال العمل من جراء دفع العربة في الطرقات، الأمر الذي يدفعه إلى ركنها إلى جانب الطريق بين الحين والآخر والاستراحة على عتبات أحد المنازل.
ولعدم توفر مكبر صوت لـمروان، يقوم بإطلاق عبارات الترويج لبضاعته بصوته الطبيعي الذي ربما لا يسمعه من يقطنون في الطوابق العليا، على حين يعرب بعض عن انزعاجه من أصوات الباعة الجوالين، خصوصا عند ساعات الصباح بحسب مروان، الذي يوضح أن انزعاج البعض مرده أن هذه الأصوات «تعكر نومهم».
وخلال سنوات الحرب، انخفضت الليرة السورية من نحو 50 ليرة إلى أكثر 610 ليرات حاليا في مقابل الدولار الأميركي حالياً، مع ارتفاع جنوني في أسعار السلع توازى مع قيمة الدولار مقابل الليرة.
هذا الوضع خلف عواقب كارثية على التكاليف المعيشية للمواطنين، مع مراوحة متوسط الراتب الشهري لموظف حكومي بين 30 و40 ألف ليرة سورية، في حين لا يتعدى متوسط راتب موظفي القطاع الخاص 65 ألف ليرة سورية، ما أدى إلى اتساع شريحة الفقراء في البلاد، وبات بحسب بحث أجراه «المركز السوري لبحوث السياسات» بالتعاون مع الجامعة الأميركية في بيروت مؤخراً، أكثر من 93 في المائة من السوريين يعيشون في حالة «فقر وحرمان» بينهم نحو 60 في المائة يعيشون في «حالة فقر مدقع».
ولم تقتصر وسائل الباعة الجوالين لمزاولة المهنة على سيارات وعربات، فقد لوحظ لجوء البعض إلى استخدام الدراجات الهوائية لبيع مأكولات شعبية مثل «الترمس» و«الشعيبيات» و«السكاكر» وألعاب الأطفال مثل «البالونات» و«الدمى» الصغيرة، في الطرقات، بيدا أن هؤلاء أكثر ما ينتشرون لتسويق بضائعهم في الحدائق العامة والشوارع الرئيسية المزدحمة بالمارة.
ولا تختلف أسعار الخضار والفاكهة التي يعرضها الباعة الجوالين عما هي عليه في الأسواق العامة، بينما يفضل الكثير من الأهالي الشراء منهم لاكتفاء عناء الذهاب إلى الأسواق.
وإضافة إلى تزايد انتشار ظاهرة الباعة الجوالين، اللافت للانتباه في شوارع دمشق عودة انتشار أشخاص يقودون سيارات شاحنة صغيرة تجوب الشوارع ويعرضون من خلال مكبرات الصوت على الأهالي شراء ما يرغبون في بيعه من أدوات منزلية مستعملة مثل «البرادات، الغسالات، التلفزيونات وأثاث منازل من غرف نوم وطاولات سفرة...»، إضافة إلى عرضهم شراء مواد غذائية من قبيل «البرغل، العدس، الرز والفاصولية والزيت».
وغالبا ما يدفع هؤلاء ثمنا بخسا للغاية للأهالي مقابل تلك الأدوات المنزلية والمواد غذائية، على حين يمتنع العديد من الأهالي عن بيع حاجياتهم بتلك الأسعار.
سوريا الحرب في سوريا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة