أنقرة «تتفاهم» مع واشنطن شرق الفرات و«تختبر» موسكو في إدلب

«الشرق الأوسط» تنشر تفاصيل الترتيبات الأميركية ـ التركية حول «المنطقة الآمنة» شمال سوريا

دخان يتصاعد قرب رتل عسكري تركي بعد تعرضه للقصف في معرة النعمان في إدلب أمس  (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد قرب رتل عسكري تركي بعد تعرضه للقصف في معرة النعمان في إدلب أمس (أ.ف.ب)
TT

أنقرة «تتفاهم» مع واشنطن شرق الفرات و«تختبر» موسكو في إدلب

دخان يتصاعد قرب رتل عسكري تركي بعد تعرضه للقصف في معرة النعمان في إدلب أمس  (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد قرب رتل عسكري تركي بعد تعرضه للقصف في معرة النعمان في إدلب أمس (أ.ف.ب)

ظهرت شقوق في الاتفاق التركي - الروسي حول منطقة «خفض التصعيد» في شمال شرقي سوريا مع تقدم التفاهمات العسكرية التركية - الأميركية لإقامة «منطقة آمنة» شمال شرقي سوريا. وحصل ما كان يعتقد بوجود ترابط عضوي بين المنطقتين اللتين يخترقهما طريق «إم 4»، بحيث تعزز تحول الأراضي السورية مسرحاً لمقايضات استراتيجية بين واشنطن وموسكو وأنقرة تخص الشرق الأوسط و«حلف شمال الأطلسي» (ناتو).
وأكدت مصادر دبلوماسية غربية لـ«الشرق الأوسط» حصول «تفاهمات» بين الجانبين الأميركي والتركي إزاء شرق الفرات كانت بمثابة «ترتيبات عسكرية» لا تصل إلى حد الاتفاق على «منطقة آمنة» واضحة المعالم، لكن هذه «الآلية» مفتوحة لتصل إلى حدود الاتفاق الكامل مع توسع نطاقها بعد زوال الكثير من نقاط الغموض في الترتيبات والعلاقات الثنائية بين واشنطن وأنقرة.
الفجوة كانت واسعة بين الموقفين إزاء شمال شرقي سوريا من الاتصال الهاتفي بين الرئيسين دونالد ترمب ورجب طيب إردوغان: أنقرة أرادت «منطقة آمنة» تمتد نحو 460 كلم من جرابلس على نهر الفرات إلى فش خابور على نهر دجلة وبعمق وسطي قدره 32 كلم، بحيث تكون خالية من «وحدات حماية الشعب» الكردية وسلاحها الثقيل وتكون بحماية عسكرية تركية مع تشكيل مجالس محلية ما يسمح بعودة لاجئين سوريين. واشنطن، أبدت الاستعداد لإقامة منطقة بعمق 5 - 14 كلم تكون محصورة الانتشار بحيث لا تصل أكثر من مائة كلم، مع إبعاد «الوحدات» والسلاح الثقيل والبحث في موضوع المجالس المحلية، إضافة إلى أن تكون حماية المنطقة أميركية.

6 ترتيبات
وبحسب المصادر الدبلوماسية المطلعة على مضمون التفاهمات والخرائط، فإن محادثات الأسبوع الماضي التي استمرت ثلاثة أيام كانت على وشك الانهيار قبل تدخل وزيري الدفاع خلوصي أكار ومارك اسبر لإنقاذها والتوصل إلى تفاهمات تبدأ بتشكيل «مركز عمليات مشترك» جنوب تركيا.
وأوضحت المصادر، أن التفاهمات نصت على التالي: 1) إقامة ترتيبات عسكرية (تسمية أميركية جديدة للمنطقة الأمنة) بطول 70 - 80 كلم بين مدينتي رأس العين وتل أبيض في محاذاة الحدود السورية - التركية وبعمق بين 5 و14 كلم. 2) تسيير دوريات أميركية - عسكرية، وكي يتم ذلك لا بد من تشكيل مركز عمليات مشترك جنوب تركيا. 3) الترتيبات عسكرية بحتة لا تتضمن أي إطار له علاقة بالحكم المحلي ولا علاقة لها بالتحالف الدولي ضد «داعش». 4) سحب السلاح الثقيل و«وحدات حماية الشعب» الكردية من هذه المنطقة. 5) إبعاد السلاح الثقيل مسافة 20 كلم من حدود تركيا في هذه المنطقة. 6) تسيير طائرات استطلاع من دون طيار. للتحقق وتبادل المعلومات.
لم تحقق تركيا كل ما أرادته؛ لأنها طالبت بأن يكون عمق الترتيبات إلى «إم 4» شرق الفرات. ولا تزال هناك أمور «غير معروفة وغير متفق عليها» سيجري التفاوض في شأنها بعد إنجاز المرحلة الأولى. لكن الجانب الأميركي وضع «خطاً أحمر واضحاً، وهو حماية (قوات سوريا الديمقراطية)»، إضافة إلى تعهد واشنطن بالحصول على موافقتها على أي خطوة إضافية وإن كانت هذه التفاهمات شكلت «خيبة» لقائد «قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي الذي كان يريد منطقة بعمق 5 كلم فقط وربط ذلك بخروج تركيا من عفرين في شمال حلب. وأوضحت المصادر أن إردوغان «رفض ربط الملفين: شرق الفرات وعفرين».
ويعتقد المسؤولون الأميركيون أنه بهذه «التفاهمات» حققوا هدفهم العاجل المتمثل بتأجيل خطة إردوغان بدء عملية عسكرية مع فصائل سوريا في شرق الفرات بسبب قلق واشنطن من انعكاس ذلك على مصير «قوات سوريا الديمقراطية» والحرب ضد خلايا «داعش» والوضع الإنساني وبرامج الاستقرار شرق الفرات. عليه، فإن البرنامج الأميركي «يو إس ستارت» سيستمر لدعم الاستقرار وسط خطط لتوفير موازنة تزيد على 300 مليون دولار أميركي سنوياً. ولم يمانع الجانب الأميركي عودة طوعية للاجئين سوريين إلى مناطق في المنطقة الخاضعة للترتيبات العسكرية، لكن كان واضحاً رفض واشنطن الدخول في مفاوضات مع أنقرة حول موضوع الحكم المحلي والمجالس المدنية شرق الفرات، ذلك أن الجانب الأميركي يعتقد أن أوضاع المجلس المحلية تحسنت في مناطق شرق الفرات وصولاً إلى دير الزور وباتت «أكثر تمثيلاً للسكان».
ولوحظ أن التفاهمات بين وزيري الدفاع الأميركي والتركي، قوبلت بتحفظات من وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو الذي قال: «يجب أن يكون الأميركيون أولاً صادقين، ويجب أن يفهموا أن تركيا لن تتحمل أي أساليب تأخير». وقالت المصادر، إن تشاويش أوغلو قلق من تكرار واشنطن لسيناريو خطة منبج والبطء في تنفيذها لـ«شراء الوقت وتمييع البرنامج الزمني».
جاء ذلك مع اتخاذ خطوات ملموسة، بينها إقامة المركز المشترك بعد وصول وفد عسكري أميركي بقيادة الجنرال ستيفن تويتي نائب القيادة الأميركية الأوروبية إلى محافظة سانيلورفا جنوب شرقي البلاد، وتسيير طائرات استطلاع تركية كان بمثابة خطوات ملموسة. وقال خبير تركي: «هناك فرق بالمقاربتين: تركيا تريد حماية نفسها من الوحدات الكردية. أميركا تريد حماية الوحدات من تركيا. لذلك هناك صعوبة في تنفيذ التفاهمات».

شمال غرب
تبلغت موسكو أن المحادثات الأميركية - التركية لم تتضمن إقامة منطقة حظر جوي شمال شرقي سوريا، لكن الجانب الروسي حاول الإفادة من تلك التفاهمات عبر دعم فتح أقنية بين «وحدات حماية الشعب» الكردية ودمشق وتعزيز المخاوف الكردية من الأميركيين. كما سعى الجيش الروسي إلى دعم قوات الحكومة السورية في عملياتها العسكرية لقضم منطقة «خفض التصعيد» شمال غربي سوريا ما هدد اتفاق سوتشي بين الرئيسين فلاديمير بوتين وإردوغان.
كانت أنقرة وواشنطن تبلغتا من موسكو نيتها دعم «عملية محدودة» تتضمن «حماية» مناطق شمال حماة بينها محردة وقاعدة حميميم في ريف اللاذقية، إضافة إلى قضم «المنطقة العازلة» بعد رفض «هيئة تحرير الشام» الانسحاب الكامل من شريط «المنطقة العازلة» بعمق 20 كلم وإخلاء السلاح الثقيل، ثم العمل بتفاهمات مع أنقرة لفتح طريقي «إم 4» و«إم 5».
لكن التفاهمات الأميركية - التركية شمال شرقي سوريا قابلتها موسكو بتجاهل وقف النار وتشجيع دمشق على تحدي اتفاق بوتين - إردوغان وتقديم غطاء جوي وسلاح نوي لقوات الحكومة السورية؛ الأمر الذي أدى إلى توتر روسي - تركي في الغرف المغلقة وقبل القمة الروسية - التركية - الإيرانية في 11 الشهر المقبل. وقال خبير تركي، إن أنقرة «رسمت خطوطاً لموسكو وقالت إنها لن تسمح للنظام بعبورها، وأن خطوط اتفاق سوتشي هي آخر ما يمكن لإردوغان قبوله». وتمت ترجمة عملية ذلك عبر دعم عسكري للفصائل وتقديم ذخيرة وسلاح ومعلومات أمنية.
وكان يوم أمس تعبيراً ملموساً عن الوضع الجديد بين موسكو وأنقرة؛ إذ أرسل الجيش التركي رتلاً عسكرياً ضم قرابة 50 آلية من مصفّحات وناقلات جند وعربات لوجيستية، بالإضافة إلى خمس دبابات على الأقل. لكنه تعرض لقصف سوري أثناء وصوله إلى مدينة معرة النعمان الواقعة على بعد 15 كلم شمال خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي.
وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» عن استهداف طائرة شاحنة صغيرة تابعة للفصائل المعارضة كانت تستطلع الطريق أمام الرتل التركي عند الأطراف الشمالية لمعرة النعمان؛ ما تسبب بمقتل مقاتل من فصيل «فيلق الشام» السوري المدعوم من تركيا. ولدى وصوله إلى وسط معرة النعمان، نفّذت طائرات سورية وأخرى روسية ضربات على أطراف المدينة، «في محاولة لمنع الرتل من التقدّم».
ونقلت وكالة الأنباء الرسمية السورية (سانا) عن مصدر رسمي في وزارة الخارجية تنديده بدخول «آليات تركية محمّلة بالذخائر في طريقها إلى خان شيخون لنجدة الإرهابيين المهزومين من (جبهة النصرة)»، معتبراً هذا «السلوك العدواني (التركي) لن يؤثر بأي شكل على عزيمة وإصرار» الجيش على «مطاردة فلول الإرهابيين في خان شيخون».
من جهتها، قالت وزارة الدفاع التركية: «على الرغم من التحذيرات المتكررة التي وجهناها إلى سلطات روسيا الاتحادية، تستمر العمليات العسكرية التي تقوم بها قوات النظام في منطقة إدلب في انتهاك للمذكرات والاتفاقات القائمة مع روسيا». لكن موسكو اتهمت انقرة بخرق اتفاق سوتشي، مؤكدة انها لن تسمح ب
عليه، بدا واضحاً من التطورات الميدانية وجود «خلاف» بين عرابي اتفاق سوتشي مع اقتراب عرابي «المنطقة الأمنة» من التفاهم. وقال مصدر دبلوماسي، إن أنقرة تريد إرسال إشارة إلى الفصائل أنه «ليس هناك تفاهم روسي - تركي لتسليم إدلب للنظام كما حصل في جنوب سوريا وغوطة دمشق» وأن الجيش التركي ليس بصدد سحب نقاطه، بل عززه بالدبابات لتأكيد «عدم استعداد أنقرة لأن يتم تهديد أمن عسكرييها أو يصبح مصيرهم تحت رحمة النظام وروسيا».



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».