رحلة شاقة عبر خط التماس بين البيشمركة و«داعش» قرب كركوك

معبر «مكتب خالد» يشهد عبور الآلاف يوميا في كلا الاتجاهين.. ولكل عابر قصة

عراقيون ينتظرون عبور معبر «مكتب خالد» على خط التماس بين قوات البيشمركة ومسلحي «داعش» إلى الغرب من كركوك (نيويورك تايمز)
عراقيون ينتظرون عبور معبر «مكتب خالد» على خط التماس بين قوات البيشمركة ومسلحي «داعش» إلى الغرب من كركوك (نيويورك تايمز)
TT

رحلة شاقة عبر خط التماس بين البيشمركة و«داعش» قرب كركوك

عراقيون ينتظرون عبور معبر «مكتب خالد» على خط التماس بين قوات البيشمركة ومسلحي «داعش» إلى الغرب من كركوك (نيويورك تايمز)
عراقيون ينتظرون عبور معبر «مكتب خالد» على خط التماس بين قوات البيشمركة ومسلحي «داعش» إلى الغرب من كركوك (نيويورك تايمز)

في نحو الساعة السادسة صباح كل يوم، بالإضافة إلى ما يمثله شروق الشمس من تهديد، يعيد أحد الضباط عند نقطة تفتيش أمنية في شمال العراق السلك الشائك المطوي إلى الوراء بما يكفي ليسمح للمسافرين بالمرور فردا فردا.
على مدار اليوم، يمر الآلاف عبر هذه البوابة، وهي واحدة من المعابر الرسمية المعدودة عبر الحدود التي يمتد طولها إلى 650 ميلا (نحو ألف كيلومتر) تفصل بين مساحتين من الأراضي: إقليم كردستان والأراضي الخاضعة لسيطرة مقاتلي تنظيم داعش المتطرف.
تأتي معظم حركة المرور في اتجاه واحد: رجال ونساء وعائلات كاملة - ترتسم على وجوههم ملامح الإجهاد والشك، يحملون معهم حقائب ممتلئة، إذ يلجأون إلى العيش بين الأكراد.
لكن ينتقل آخرون كثيرون ما بين المنطقتين، فيعبرون من جانب إلى آخر في الصباح للعمل أو قضاء بعض المهام، ثم يعودون في نهاية اليوم. وربما يعبر سكان المناطق التي يسيطر عليها «داعش» إلى مدينة كركوك لشراء الاحتياجات أو زيارة الطبيب أو حضور اختبار في الجامعة، بينما قد يتجه بعض سكان الجانب الكردي إلى الطرف الآخر لزيارة الأقارب.
وأثار استخدام «داعش» للعنف، حيث تردد أنباء عن حالات اغتصاب وإعدام علني، الذعر مع تقدم التنظيم. ويؤكد المسافرون عند المعبر أن الحياة أصبحت أكثر صعوبة في ظل حكم المتطرفين.
لكن بالنسبة لكثيرين، لا ترجع الصعوبات إلى الترهيب وأعمال العنف أو عدم قدرتهم على التحكم في مسار حياتهم اليومية، بل إلى انقطاع إمدادات الغذاء والطاقة والوقود، والبطالة. وقال عابرون إن الحظر الكردي على تجارة بعض المنتجات مثل وقود الطهي والقمح والشعير عبر الحدود له تأثير كبير.
وقال البعض إن أكبر مخاوفهم من العيش في أراض يسيطر عليها المسلحون لا تتعلق بالدخول في صراع مع المتطرفين، ولكن بإمكانية تسبب هجوم الحكومة العراقية في دخول الميليشيات الشيعية التي ينتشر الخوف منها بين السكان السنة، بالإضافة إلى القصف العشوائي من دون تمييز الذي أسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين في الأسابيع الأخيرة.
يقول ثامر حسن (35 سنة)، الذي ينتقل من منزله بالقرب من بلدة الحويجة، التي يسيطر عليها المسلحون، إلى كلية التربية في جامعة كركوك حيث يعمل أستاذا للغة العربية، وكان يرتدي قميصا ويحمل حقيبة جلدية: «لقد سئمنا». إذ أصبحت الرحلة التي كانت تستغرق 15 دقيقة بسيارته تمتد من ساعتين إلى 5 ساعات يجب فيها أن يركب عدة سيارات أجرة لمسافات قصيرة والانتظار لفترات طويلة عند نقاط تفتيش مختلفة على جانبي الحدود.
وضاعف نقص الغذاء والوقود من حجم الصعوبات، على حد قول حسن، بالإضافة إلى انتشار الذعر. وأضاف حسن أنه فكر في الانتقال مع زوجته وأبنائه الـ5 إلى كركوك، لكن هناك أزمة سكن وبلغت الإيجارات مستويات عالية للغاية. أما عن «داعش»، فقال حسن: «يجب أن نكون صادقين: حتى الآن لم نتعرض لأذى من جهتهم، لكن الناس يخشون المستقبل».
قبل يونيو (حزيران) الماضي، كان الطريق مفتوحا، تتجه فيه حركة السير من كركوك التي تبعد مسافة 9 أميال شرقا إلى مدن وقرى شمال العراق ووسطه، ولكن بعد أن دفع تقدم «داعش» قوات الأمن الوطني العراقي إلى الانسحاب، سيطرت قوات البيشمركة الكردية على كركوك والمنطقة المحيطة - التي طال النزاع حول السيطرة عليها - وبدأت في تعزيز الحدود التي أعيد رسمها لإقليم كردستان الذي يخضع للحكم الذاتي، وأقيمت نقطة تفتيش «مكتب خالد».
وبالإمكان رؤية رايتين لتنظيم داعش من على بعد نصف ميل، كما يظهر ظل مقاتلي التنظيم من خلف تحصينات من أكياس الرمال. وتقع نقطة تفتيش التنظيم خلف ذلك مباشرة. ويقول النقيب دلير جعبري (34 سنة) وهو أحد ضباط البيشمركة الذين يشرفون على المعبر الحدودي: «لو صدرت لي أوامر، فسأذهب لإزالة تلك النقطة الليلة. ليس من الجيد أن يكون العدو هناك».
يملك الطرفان كثيرا من الأسلحة التي يمكنها أن تسبب أضرارا على نطاق واسع، ولكن يسود هدوء لفترة رغم قيام مقاتلي «داعش» بشن عدة هجمات.
وخلال الزيارة إلى المعبر الحدودي، بدا التأمين الكردي للمعبر غير محكم؛ حيث يخضع الرجال إلى تفتيش متعجل حول الخصر، ولا تخضع بعض الحقائب للتفتيش. وكان المشهد أقرب إلى الفوضى غير المنظمة بدرجة بدا فيها أن رجال الأمن غير قادرين على السيطرة. وفي صباح أحد الأيام، قام ضابط أمن عراقي، يساعد الأكراد، بضرب المسافرين المكتظين بهراوة، ومن وقت لآخر يطلق الجنود طلقات تحذيرية بمسدساتهم في محاولة لفرض النظام.
وبالنسبة لمن يصلون من الجانب الذي يسيطر عليه «داعش»، يعد عبور السلك الشائك مجرد بداية المعبر. ومن هناك يجب أن يمروا عبر مساحة تتناثر فيها الأنقاض والحواجز الخرسانية، والسواتر الترابية وأبراج المراقبة، تليها مسافة للسير لمدة 20 دقيقة - أو يمكن استقلال سيارة أجرة أو حافلة - عبر طريق يمر بمساحة مقفرة حتى الوصول إلى ساحة انتظار. هناك يمكنك الحصول على وسيلة توصيل أخرى إلى نقطة تفتيش رئيسة خارج كركوك، حيث يفحص الحراس وثائق الهوية، وإما يسمحون للمسافرين بالتقدم إلى داخل كردستان أو يردونهم إلى حيث أتوا.
قال إسماعيل حسين علي الذي يبلغ من العمر 74 سنة: «نحن الاثنان مريضان».. وهو يشير إلى سبب توجهه مع زوجته (65 سنة) إلى دهوك في شمال كردستان. كان علي، العميد المتقاعد الذي خدم في الجيش العراقي في عهد صدام حسين، يسير ببطء متعكزا على عصا من الخيزران وهو يتحسس طريقه عبر كومة من الحصى والقمامة. كان ابن الزوجين، هيثم، يسير في المقدمة وهو يدفع والدته الجالسة على مقعد متحرك عبر الأرض غير الممهدة التي كانت توشك أن توقعها أرضا.
أخذ بعض الصبيان ذوي الأقدام المتسخة في نقل 5 حقائب للعائلة على عربة يدوية. كان الوقت مبكرا، ولكن كانت درجات الحرارة تقترب من 100 (درجة فهرنهايت، نحو 38 درجة مئوية).
أجبرت أعمال العنف الزوجين على الخروج من منزلهما في سنجار، في محافظة نينوى، إلى الموصل. لكنهما قررا الانتقال مرة أخرى بسبب نقص الغذاء والوقود الذي جعل الحياة شديدة الصعوبة، ولأنهما أيضا كانا في حاجة إلى رعاية صحية ضرورية غير متوفرة على الجانب الآخر. يقول علي عن مغادرته لسنجار: «كنت أبكي عندما غادرنا. وما زلت أبكي».
اكتظ عشرات الناس من حولهم في كلا الاتجاهين: مسافرون يحملون الحقائب، وعمال العربات اليدوية يبحثون عن زبائن، وشباب يحملون أنابيب غاز للطهي فارغة باتجاه كركوك ويحضرون أخرى ممتلئة في الاتجاه الآخر، ومزارعون من أراضي «داعش» يبيعون لبنا رائبا إلى بقالي كركوك الذين يقابلونهم في منتصف الطريق، وسائقو سيارات الأجرة الذين يعرضون توصيل المسافرين إلى المرحلة التالية من المعبر.
ورغم وصول عائلة علي إلى هذه المرحلة، فإن الاختبار الأصعب لم يأت بعد.
منذ وصول تنظيم داعش، ازداد ارتياب الأكراد تجاه الغرباء بدرجة كبيرة، ويتعرض العرب على وجه الخصوص لتفتيش استثنائي عند الحدود ونقاط التفتيش في جميع أنحاء المنطقة، حتى إن كثيرين يعودون أدراجهم.
عندما استقلت الأسرة سيارة أجرة، التفت علي إلى المراسل وقال بوجه يشوبه التعب: «إذا سمحت لي، علي أن أبدأ المعركة». (ذكر الابن في وقت لاحق أن الأسرة أجبرت على قضاء الليلة عند نقطة التفتيش المؤدية إلى كركوك، حيث ناموا على مقاعد سيارة أجرة أخرى قبل أن يُسمح لهم بالمرور).
بعد أن كان الجزء الأكبر من حركة السير في الصباح يتجه إلى كركوك وما بعدها، تحول إلى الاتجاه الآخر في فترة بعد الظهيرة، حيث يعود سكان الأراضي التي يسيطر عليها «داعش» إلى منازلهم بعد قضاء أعمالهم اليومية.
* خدمة «نيويورك تايمز»



تأكيد مصري - إماراتي على مواصلة التنسيق لتجنب التصعيد بالمنطقة

محادثات مصرية - إماراتية الأحد تناولت المستجدات الإقليمية (الرئاسة المصرية)
محادثات مصرية - إماراتية الأحد تناولت المستجدات الإقليمية (الرئاسة المصرية)
TT

تأكيد مصري - إماراتي على مواصلة التنسيق لتجنب التصعيد بالمنطقة

محادثات مصرية - إماراتية الأحد تناولت المستجدات الإقليمية (الرئاسة المصرية)
محادثات مصرية - إماراتية الأحد تناولت المستجدات الإقليمية (الرئاسة المصرية)

أكدت مصر والإمارات على «ضرورة التنسيق المشترك لتجنب المزيد من التصعيد في المنطقة»، وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد، على ضرورة «مواصلة التشاور بشأن مختلف القضايا».

واستقبل السيسي، نظيره الإماراتي، الأحد، في مدينة العلمين الجديدة بالساحل الشمالي. وحسب إفادة الرئاسة المصرية «تناولت محادثات الرئيسين العلاقات الثنائية»، إلى جانب «المستجدات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، والجهود المبذولة لتجنب المزيد من التصعيد».

وأكد الرئيسان على «ضرورة مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك، بشأن مختلف القضايا في ظل التحديات القائمة التي تشهدها المنطقة».

وتدين مصر بشكل متكرر الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج. ودانت الأحد الاعتداءات التي استهدفت الإمارات وقطر والكويت والبحرين والأردن وسلطنة عمان، وقالت في بيان لوزارة الخارجية إن «هذه الهجمات تشكل انتهاكاً صارخاً لسيادة الدول العربية، وتصعيداً خطيراً يهدد أمن واستقرار المنطقة». ودعت إلى «الوقف الفوري لكافة الأعمال العسكرية، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية».

وشدد السيسي خلال اللقاء على أن «الشيخ محمد بن زايد ودولة الإمارات يحظيان بمكانة خاصة لدى مصر وشعبها، في ضوء العلاقات التاريخية والمتشعبة بين البلدين». فيما أعرب الرئيس الإماراتي عن «امتنانه وتقديره الكبير لحفاوة الاستقبال»، وأكد على متانة «ما يجمع قيادتي وشعبي البلدين من علاقات وروابط أخوية وتاريخية».

وتأتي «محادثات العلمين» بين رئيسي مصر والإمارات في وقت تشهد المنطقة حالةً من عدم الاستقرار، وفق عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير يوسف الشرقاوي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «استمرارية التنسيق والتشاور بين القاهرة وأبوظبي، إحدى أهم القنوات المهمة للتهدئة في الإقليم، ومواجهة تحديات الأمن القومي العربي».

ويرى الشرقاوي أن استمرار استهداف دول الخليج «يستدعي استمرار التشاور والتنسيق المتواصل لتثبيت وقف إطلاق النار، والوصول لاتفاق نهائي لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران».

ويشير إلى أن «من بين الجهود التي تستهدفها مصر، استكمال استحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية للفلسطينيين في القطاع».

إلى جانب الأوضاع الإقليمية، تأتي «قمة العلمين» لدعم التعاون الثنائي بين مصر والإمارات، حسب الشرقاوي، الذي أشار إلى أن «هناك استثمارات مشتركة بين القاهرة وأبو ظبي، خصوصاً في منطقة الساحل الشمالي، ومن بينها مشروع رأس الحكمة»، ويلفت إلى أن «مصر تعوّل على تعزيز هذه الاستثمارات».

وارتفعت قيمة الاستثمارات الإماراتية في مصر لتسجل 38.9 مليار دولار خلال 2023 - 2024 مقابل 3 مليارات دولار خلال 2022 - 2023، وفقاً لإحصاءات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» في مصر.

ووقعت مصر اتفاقاً لتطوير وتنمية مدينة «رأس الحكمة» على ساحل البحر المتوسط بشراكة إماراتية في فبراير (شباط) 2024، بـ«استثمارات قُدرت بنحو 150 مليار دولار خلال مدة المشروع».


مصر تدعم وحدة الصومال بتحالفات أفريقية ومساعدات لوجستية وعسكرية

الرئيس المصري مع نظيره الصومالي خلال لقاء سابق في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مع نظيره الصومالي خلال لقاء سابق في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تدعم وحدة الصومال بتحالفات أفريقية ومساعدات لوجستية وعسكرية

الرئيس المصري مع نظيره الصومالي خلال لقاء سابق في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مع نظيره الصومالي خلال لقاء سابق في القاهرة (الرئاسة المصرية)

في الوقت الذي جددت مصر «رفضها الكامل لأي محاولات من شأنها المساس بوحدة الأراضي الصومالية، بما في ذلك أي اعتراف بما يسمى بإقليم (أرض الصومال)»، أكد متخصصون أن القاهرة تواصل اتخاذ خطوات عملية للحفاظ على وحدة الصومال أهمها تقديم المساعدات اللوجستية لتطوير القدرات وتشكيل تحالفات أفريقية إلى جانب الدعم العسكري.

وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في اتصال هاتفي مع نظيره الصومالي عبد السلام عبدي علي، السبت، دعم مصر الكامل لجمهورية الصومال الفيدرالية ومؤسساتها الوطنية، مشدداً على «الحرص على أمن واستقرار الصومال»، وجدد موقف بلاده الثابت الداعم لوحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه.

وليست هذه المرة الأولى التي ترفض فيها مصر أي محاولات انفصالية في الأراضي الصومالية، فمنذ أعلنت إسرائيل «الاعتراف بإقليم صومالي لاند»، في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تتوالى التحركات والاتصالات المصرية الرافضة للخطوة الإسرائيلية.

رئيس «وحدة أبحاث شؤون أفريقيا» التابعة لمجلس الوزراء المصري، الدكتور رأفت محمود، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «مصر اتخذت مسارات مختلفة للحفاظ على وحدة الصومال ومنع انفصال إقليم أرض الصومال، تمثل المسار الأول في دعم قدرات الحكومة الفيدرالية، حيث قدمت دعماً فنياً تمثل في تدريب الكوادر الصومالية بمصر في قطاعات الصحة والكهرباء والقضاء وغيرها».

وعلى المستوى الأمني، وقعت مصر مع الصومال «بروتوكول التعاون العسكري والأمني» في أغسطس (آب) 2024، من أجل دعم قدرات الكوادر الصومالية، «وتعزيز دور المؤسسات الوطنية في حفظ الأمن والاستقرار، ومكافحة التنظيمات الإرهابية والمتطرفة، وتمكين الدولة الصومالية من بسط سيادتها وسيطرتها على كامل التراب الوطني»، وفقاً لمحمود.

وأضاف أنه «في يناير (كانون الثاني) 2025 تم التوقيع على «الإعلان السياسي المشترك لترفيع العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، إضافة إلى عدد من مذكرات التفاهم... كما قامت مصر بإهداء شحنات عسكرية للجيش الصومالي».

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد وجه في مناسبات مختلفة رسائل تحذيرية متكررة بشأن الصومال وأمن البحر الأحمر، وذلك بعد اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي والمساعي لوضع قدم بمدخل البحر الأحمر.

وزاد التقارب بين مصر والصومال تحديداً في عام 2024 على خلفية توقيع إثيوبيا اتفاقاً أولياً مع إقليم (أرض الصومال) الانفصالي تحصل بموجبه أديس أبابا على حق انتفاع بأراضٍ ساحلية في ميناء بربرة مقابل الاعتراف المحتمل باستقلاله عن الصومال، ووصفت حكومة مقديشو الاتفاق بأنه اعتداء على سيادتها، وقالت آنذاك إنها ستعرقله بكل الوسائل الضرورية.

وفي أغسطس من عام 2024 وصلت طائرتان عسكريتان مصريتان محملتان بالأسلحة والمعدات العسكرية إلى الأراضي الصومالية، مما دفع إثيوبيا وقتها إلى إصدار بيان حاد اللهجة، يتهم جارتها مقديشو «بزعزعة الاستقرار في المنطقة».

وفي الشهر ذاته وقعت مصر ونيجيريا مذكرة تفاهم لتعميق التعاون في مجال الصناعات الدفاعية، وهو ما فسره مراقبون بأنه يأتي ضمن تحركات مصرية لاستعادة دورها في القارة السمراء.

مصر تشارك بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال (أ.ف.ب)

ويشير رأفت محمود إلى مسار آخر تمثل في التعاون مع حلفاء بمنطقة القرن الأفريقي يتضررون كذلك من انفصال (أرض الصومال) والتدخلات الإثيوبية الإسرائيلية في الشأن الصومالي، قائلاً: «تعاونت مصر مع إريتريا وجيبوتي وترسخ ذلك في قمة أسمرة التي انعقدت في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2024 ونتج عنها نقلة نوعية في العلاقات والتنسيق بين الدول الثلاث».

وأرجع مثل هذه التحالفات إلى «التأثيرات السلبية للاعتراف الإسرائيلي بالإقليم الانفصالي سوف تنعكس على دول القرن الأفريقي، حيث تترتب على الخطوة الإسرائيلية، زيادة الأطماع الإقليمية نحو ساحل أرض الصومال المطل على البحر الأحمر مما يزيد من حدة التنافس الدولي والإقليمي على القرن الأفريقي ذي الأهمية الاستراتيجية لمصر والدول التي تتحالف معها».

الباحث المتخصص في شؤون منطقة القرن الأفريقي محمد تورشين، قال إنه «مع الرفض المتكرر والمباشر من جانب القاهرة لفكرة انفصال (صومالي لاند) فإن مصر قامت بخطوات على أرض الواقع تعزز من وحدة الصومال، منها تعزيز العلاقات الثنائية مع حكومة مقديشو المركزية، فضلاً عن تعزيز الشراكات العسكرية والاقتصادية سواء مع الصومال أو دول أفريقية أخرى».

وأوضح تورشين لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر تظل الداعم الأهم والرئيسي للحكومة الصومالية في المحافل الدولية والإقليمية، وهذا ما يدفع الكثير من الدول إلى دعم موقف مقديشو وفقاً لمقتضيات القانون الدولي، فضلاً عن المشاركة المستمرة والمهمة من جانب مصر بقوات وعتاد في بعثة الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام بالصومال».

وفي نهاية ديسمبر 2024 أعلنت مصر أنها ستساهم بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة لـ«الاتحاد الأفريقي» في الصومال. وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وقتها، إن هذه الخطوة تأتي «بناء على طلب الحكومة الصومالية، وبناء أيضاً على ترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي».


الحكومة اليمنية تتمسك بسيادتها وترفض فرض رحلات إيرانية

وفد حوثي نقلته طائرة إيرانية من صنعاء إلى طهران دون إذن الشرعية اليمنية (إكس)
وفد حوثي نقلته طائرة إيرانية من صنعاء إلى طهران دون إذن الشرعية اليمنية (إكس)
TT

الحكومة اليمنية تتمسك بسيادتها وترفض فرض رحلات إيرانية

وفد حوثي نقلته طائرة إيرانية من صنعاء إلى طهران دون إذن الشرعية اليمنية (إكس)
وفد حوثي نقلته طائرة إيرانية من صنعاء إلى طهران دون إذن الشرعية اليمنية (إكس)

جددت الحكومة اليمنية موقفها الرافض أي محاولات لتشغيل رحلات جوية إيرانية إلى مطار صنعاء خارج الأطر القانونية والسيادية، مؤكدة أن إدارة الحركة الجوية يجب أن تكون عبر المؤسسات الرسمية المعترف بها دولياً، وفي إطار القوانين الوطنية والاتفاقيات المنظمة للطيران المدني، وذلك بالتزامن مع كشفها عن خطة كانت قد أعدتها لاستئناف وتوسيع الرحلات التجارية عبر الناقل الوطني قبل أن تُفاجأ بمحاولات فرض واقع جديد يخالف تلك الترتيبات.

وأكدت وزارة النقل، في بيان، أن تشغيل أي رحلات دولية من وإلى مطار صنعاء ينبغي أن يكون حصراً عبر الجهات المختصة في الدولة، وبما يتوافق مع قواعد «منظمة الطيران المدني الدولي»، عادّةً أن أي ترتيبات خارج هذا الإطار تمثل انتهاكاً للسيادة اليمنية ومخالفة صريحة للقوانين والاتفاقيات الدولية.

وقالت الوزارة إن القيادة السياسية، ممثلة في مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، وبدعم من السعودية، تواصل جهودها لضمان استمرار الرحلات الجوية عبر مطار صنعاء لخدمة جميع اليمنيين، والعمل على إزالة العراقيل التي تعترض حركة الطيران المدني، متهمة الحوثيين بفرض قيود عطلت هذا المسار.

طائرة يمنية في مطار عدن حاول الحوثيون تدميرها لاستهداف أعضاء الحكومة اليمنية (إعلام حكومي)

ورأت الوزارة أن الإجراءات التي اتخذتها الجماعة خلال السنوات الماضية لم تستهدف فقط حرية تنقل المواطنين، بل طالت أيضاً شركة «الخطوط الجوية اليمنية» بصفتها الناقل الوطني، عبر سلسلة من الإجراءات التي عطلت نشاطها وأضعفت قدراتها التشغيلية؛ الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على المرضى والطلاب والمسافرين.

وكشفت وزارة النقل اليمنية عن أنها كانت قد استكملت، قبل أيام من إعلان الحوثيين عن ترتيبات لتشغيل رحلات إيرانية، إعداد خطة متكاملة لاستئناف الرحلات بين صنعاء والعاصمة الأردنية عمّان، إلى جانب التوسع نحو وجهات أخرى بعد استكمال التصاريح اللازمة.

وعدّت أن هذه الخطة كانت تستهدف توسيع خيارات السفر أمام المواطنين وفق الأطر القانونية، إلا إنها اصطدمت بمحاولات وصفتها بـ«فرض واقع يخالف القانون الدولي ويقوض الجهود الرامية إلى استعادة انتظام حركة الطيران المدني».

تعسف حوثي

واستعرضت وزارة النقل اليمنية ما قالت إنها سلسلة من الإجراءات التي تعرض لها الناقل الوطني منذ إعادة تشغيل مطار صنعاء عقب الهدنة الأممية عام 2022، مشيرة إلى تجميد أرصدة الشركة دون مبررات قانونية، واحتجاز 4 من طائراتها، بينها طائرة من طراز «إيرباصA330» و3 طائرات من طراز «إيرباصA320»، قبل أن تتعرض 4 طائرات أخرى للتدمير خلال قصف إسرائيل مطار صنعاء.

وحملت وزارة النقل اليمنية الحوثيين المسؤولية الكاملة عن الخسائر التي تكبدتها الشركة الوطنية، وما ترتب عليها من أضرار لحقت بالمسافرين وبقطاع النقل الجوي في البلاد.

طائرة إيرانية في مطار صنعاء (متداولة - إكس)

وفي ختام بيانها، دعت وزارة النقل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المختصة بالطيران المدني إلى تحمل مسؤولياتها، والضغط من أجل حماية الناقل الوطني اليمني، وضمان إدارة مطار صنعاء وفق القوانين الدولية، مؤكدة أن الحكومة ستواصل دعم شركة «الخطوط الجوية اليمنية» والعمل على توسيع شبكة رحلاتها، وأنها لن تسمح بتحويل الطيران المدني وسيلةً للابتزاز السياسي أو الإضرار بمصالح المواطنين.

مشروع عسكري

في السياق نفسه، قال وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، إن رفض الحوثيين تشغيل رحلات «الخطوط الجوية اليمنية»، وتمسكهم بإحلال شركة «ماهان» الإيرانية، يكشف عن أن «هدف الجماعة لا يرتبط بتخفيف معاناة المسافرين، وإنما بإعادة فتح الجسر الجوي مع إيران لخدمة مشروعها العسكري».

وأوضح الإرياني أن الحكومة قدمت جميع التسهيلات الكفيلة باستمرار الرحلات الإنسانية عبر الناقل الوطني، بما يحفظ حق اليمنيين في السفر والعلاج، مع الالتزام الكامل بإجراءات السلامة والأنظمة الدولية، «إلا إن الحوثيين رفضوا هذه الخيارات وأصروا على تشغيل الطيران الإيراني».

إسرائيل دمرت آخر طائرة مدنية يشغلها الحوثيون من مطار صنعاء (أ.ب)

وأضاف أن هذا الموقف يؤكد، وفق تعبيره، أن «الاعتبارات الإنسانية ليست الدافع الحقيقي للجماعة، وإنما السعي إلى إعادة تشغيل خطوط جوية تخدم أهدافاً عسكرية وأمنية».

وأشار الوزير إلى أن التجربة السابقة عقب سيطرة الحوثيين على صنعاء لا تزال حاضرة، «عندما أُعلن عن تشغيل 14 رحلة أسبوعياً بين صنعاء وطهران، رغم غياب المبررات المدنية أو التجارية التي تستدعي هذا العدد من الرحلات».

وقال إن ذلك أثار منذ البداية تساؤلات بشأن طبيعة الاستخدام الحقيقي لتلك الرحلات، قبل أن تتحدث تقارير لاحقة عن استخدامها في نقل مستشارين وخبراء عسكريين ومعدات مرتبطة بتطوير القدرات العسكرية للحوثيين.

تحذير من إعادة السيناريو

واتهم الإرياني الحوثيين بمحاولة إعادة السيناريو ذاته، عادّاً أن رفضهم تشغيل رحلات «الخطوط الجوية اليمنية» يعود إلى «التزام الشركة إجراءات التفتيش وقوائم المسافرين ومتطلبات الأمن والسلامة المعمول بها دولياً، وهي إجراءات تمنع استخدام الطيران المدني في أنشطة غير مشروعة»، وفق قوله.

كما أشار إلى أن شركة «ماهان» الإيرانية تخضع لعقوبات أميركية ودولية بسبب اتهامات تتعلق بدعم «فيلق القدس» ونقل معدات ومقاتلين إلى مناطق نزاع، عادّاً أن الإصرار على تشغيلها يثير مخاوف بشأن طبيعة الأهداف التي تقف وراء هذه الخطوة.

وأضاف أن الحوثيين يواصلون، في الوقت ذاته، «الترويج لوجود حصار على مطار صنعاء، بينما يرفضون البدائل التي تتيح للمواطنين السفر عبر الناقل الوطني»، وهو ما عدّه دليلاً على أن «أولويتهم ليست تسهيل حركة المدنيين، وإنما استعادة مسار الدعم الإيراني».

وجدد الوزير دعوته المجتمع الدولي إلى التعامل مع الوقائع على الأرض، وعدم الاكتفاء بالشعارات، مشدداً على أن «تمسك الحوثيين بطيران خاضع للعقوبات، مقابل رفض تشغيل (الخطوط الجوية اليمنية)، يعكس استمرار ارتباط الجماعة بالمشروع الإيراني، ويحول مطار صنعاء من منفذ مدني لخدمة اليمنيين إلى منصة تخدم أجندات عسكرية وإقليمية» وفق تعبيره.