بريطانيا تلغي سيادة القوانين الأوروبية على أراضيها... وجونسون إلى برلين بحثاً عن اختراق

تسريبات «السيناريو الأسوأ» تقلق البريطانيين قبل موعد الخروج

ستيفن باركلي يوقّع أمس قانوناً يقضي بإنهاء سيادة القوانين الأوروبية في بريطانيا بعد بريكست (رويترز)
ستيفن باركلي يوقّع أمس قانوناً يقضي بإنهاء سيادة القوانين الأوروبية في بريطانيا بعد بريكست (رويترز)
TT

بريطانيا تلغي سيادة القوانين الأوروبية على أراضيها... وجونسون إلى برلين بحثاً عن اختراق

ستيفن باركلي يوقّع أمس قانوناً يقضي بإنهاء سيادة القوانين الأوروبية في بريطانيا بعد بريكست (رويترز)
ستيفن باركلي يوقّع أمس قانوناً يقضي بإنهاء سيادة القوانين الأوروبية في بريطانيا بعد بريكست (رويترز)

يبدأ رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون، الأربعاء، جولة أوروبية هي الأولى له منذ توليه رئاسة الحكومة البريطانية، التي أعلنت أمس أنها أمرت بإلغاء قانون قائم منذ عقود يفعّل عضويتها في الاتحاد الأوروبي.
ووسط تزايد المخاوف من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق في غضون شهرين ونصف شهر، أكدت رئاسة الحكومة البريطانية أن جونسون سيتوّجه الأربعاء إلى برلين لإجراء محادثات مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والخميس إلى باريس لعقد مباحثات مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
والمحادثات التي سيجريها جونسون قبيل قمة مجموعة السبع، التي تبدأ السبت في منتجع بياريتس في جنوب فرنسا، وتستمر يومين، هي الأولى له خارج بريطانيا منذ توليه رئاسة الحكومة خلفاً لتيريزا ماي الشهر الماضي.
ومن المتوقّع أن يمارس جونسون ضغوطاً على الاتحاد الأوروبي لدفعه إلى إعادة التفاوض حول شروط بريكست، وأن يحذّر في المقابل من أن التكتل يواجه احتمال خروج غير منظّم لبريطانيا في 31 أكتوبر (تشرين الأول)، الموعد المقرر لدخول بريكست حيّز التنفيذ، في حال لم توافق بروكسل على إعادة التفاوض.
ورفض القادة الأوروبيون مراراً وتكراراً إعادة التفاوض على الاتفاق الذي أبرمته ماي مع بروكسل والذي رفضه البرلمان البريطاني 3 مرات، وذلك على الرغم من تهديدات جونسون بأن بلاده ستخرج في هذه الحال من الاتحاد من دونه.
وفيما يبدو إعلاناً عن نواياها، أعلنت لندن أمس أنها أمرت بإلغاء قانون الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي المعمول به منذ 46 عاماً، والذي يعطي قوانين التكتل السيادة على القوانين البريطانية. والقرار الذي وقّعه الجمعة وزير بريكست ستيف باركلي يدخل حيّز التنفيذ في 31 أكتوبر. وقال باركلي في بيان: «إنها لحظة تاريخية نستعيد فيها السيطرة على قوانيننا من بروكسل». وتابع: «إنها رسالة واضحة إلى شعب هذا البلد، مفادها أن لا عودة إلى الوراء، سننفذ وعدنا بالخروج من الاتحاد الأوروبي في 31 أكتوبر، مهما كانت الظروف، بناء على التوجيهات التي أعطيت لنا في 2016».
وصوّت البريطانيون في استفتاء أجري في عام 2016 على الخروج من الاتحاد الأوروبي بغالبية 52 في المائة.
إلا أن «السيناريو الأسوأ» لتداعيات خروج بريطانيا دون اتفاق أثار مخاوف البريطانيين، بعدما سرّبت أمس صحيفة «صنداي تايمز» وثيقة حكومية رسمية لعملية «المطرقة الصفراء»، التي تتوقع أن تواجه بريطانيا نقصاً في المواد الغذائية والوقود والأدوية وفوضى في مرافئها، في حال بريكست بلا اتفاق.
وتفيد الوثيقة أنه سيُفرض شكل من الحدود في جزيرة إيرلندا. وقالت الصحيفة إن الوثيقة التي تم تسريبها وأعدتها وزارة مكتب رئاسة الحكومة خلال الشهر الحالي، تتحدث عن التداعيات المحتملة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق.
وتفيد الوثيقة أن الازدحام يمكن أن يؤثر على توزيع الوقود، بينما قد لا يكون 85 في المائة من الشاحنات التي تستخدم الموانئ الرئيسية في أوروبا جاهزاً للجمارك الفرنسية. وقالت الصحيفة إن توافر الطعام الطازج سيتراجع، والأسعار يمكن أن ترتفع.
وقالت الصحيفة إن التقرير الذي أعدته وزارة شؤون مجلس الوزراء حدّدت الآثار الأكثر ترجيحاً لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، وليس أسوأ السيناريوهات. لكن مايكل غوف، الوزير المسؤول عن تنسيق الاستعدادات للخروج دون اتفاق، رفض ذلك قائلاً إن الوثائق تمثل «السيناريو الأسوأ»، وإن الحكومة سرّعت وتيرة التخطيط للخروج في الأسابيع الثلاثة الأخيرة.
وأضافت الصحيفة في استعراضها لأهم ما جاء في الوثيقة، أن الحكومة تعتقد أيضاً أنه من المرجح إقامة حواجز بين آيرلندا الشمالية وجمهورية آيرلندا، العضو في الاتحاد الأوروبي، إذ ستثبت الخطط الحالية لتجنب عمليات التفتيش الموسعة أنها غير قابلة للاستمرار.
وقالت الصحيفة إن الملف الذي «أعدته وزارة شؤون مجلس الوزراء هذا الشهر، باسم (العملية «يلو هامر» أي المطرقة الصفراء)... أعطى لمحة نادرة عن التخطيط السري الذي تقوم به الحكومة لتجنب انهيار كارثي للبنية التحتية للبلاد». وأضافت أن «الملف الذي يحمل تصنيف رسمي - حساس، بما يعني أن الاطلاع عليه يتطلب تصريحاً أمنياً، مهم للغاية، لأنه أكثر التقييمات شمولاً لمدى استعداد بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق».
وردّ غوف عبر «تويتر» على أحد الصحافيين الذين كتبوا المقال، قائلاً: «(يلوهامر) هو السيناريو الأسوأ... اتُخذت خطوات كبيرة للغاية في الأسابيع الثلاثة الماضية لتسريع وتيرة التخطيط للخروج من الاتحاد الأوروبي».
من جهته، قال وزير الطاقة كواسي كورتن، لمحطة «سكاي نيوز» لدى سؤاله عن وثائق «يلو هامر»: «أعتقد أن هناك كثيراً من نشر الذعر... وكثيراً من الناس يلعبون على وتر (مشروع الخوف)... علينا أن نستعد (للخروج) دون اتفاق». وتابع قائلاً: «سنكون مستعدين تماماً للانسحاب دون اتفاق في 31 أكتوبر».
بدورها، قالت حكومة منطقة جبل طارق، التابعة لبريطانيا، إن التحذيرات الواردة في الوثائق بخصوص قدرتها على التأقلم، مع خروج البلاد من التكتل دون اتفاق، خاطئة وعفا عليها الزمن.
وقال رئيس وزراء جبل طارق، فابيان بيكاردو، في بيان: «لقد تعاملنا مع كل المسائل المتعلقة بتدفق البضائع والمواد الغذائية والمخلفات والأدوية وحركة تنقل الأفراد والمركبات عبر الحدود».
يأتي ذلك في وقت يتعرّض فيه جونسون لضغوط متزايدة، من أجل استدعاء النواب من عطلتهم الصيفية، ليتمكن البرلمان من مناقشة بريكست. ووجّه أكثر من 100 نائب بريطاني رسالة، نشرت أمس، إلى جونسون من أجل مطالبته بدعوة البرلمان إلى الانعقاد بشكل دائم حتى 31 أكتوبر، الموعد المحدد لمغادرة المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي. وتنتهي العطلة الصيفية للبرلمان في 3 سبتمبر (أيلول).
وكتب النواب في رسالتهم، التي وقّعها نواب وقادة أحزاب معارضة لا يريدون خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو يأملون في تجنب بريكست من دون اتفاق، أن «بلدنا على حافة أزمة اقتصادية، ونحن نسير باتجاه خروج بريطانيا من دون اتفاق». وأضافوا في الرسالة: «نحن أمام حالة طوارئ وطنية، ويجب استدعاء البرلمان للانعقاد على الفور».
ويفترض أن يتوقف البرلمان مجدداً بعد فترة وجيزة من عودته، مع عقد الأحزاب الكبرى مؤتمراتها السنوية خلال سبتمبر. ويسعى جيريمي كوربن زعيم حزب العمّال المعارض، للدعوة إلى التصويت على حجب الثقة عن المحافظ جونسون، فور عودة البرلمان للانعقاد. ويأمل كوربن، إذا نجح في الإطاحة بجونسون، أن يصبح رئيساً للوزراء بالوكالة، ليطلب بصفته هذه تأجيلاً جديداً لموعد مغادرة بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وبالتالي تجنّب خروجها من دون اتفاق، ثم يدعو إلى انتخابات تشريعية مبكرة.
وقال كوربن، السبت، إنّ «ما نحتاج إليه هو حكومة مستعدّة للتفاوض مع الاتحاد الأوروبي حتى لا يكون لدينا خروج كارثي في 31 أكتوبر». وأضاف أنه «من الواضح أنّ الحكومة (برئاسة جونسون) لا تريد أن تفعل ذلك».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...