نهاية صفحة وبداية أخرى في السودان... والحكم لـ«السيادي» اليوم

توقيع الوثيقة الدستورية وسط حضور عربي ودولي وفرحة شعبية عارمة وتعهدات بطيّ حقبة الديكتاتورية

الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) وأحمد ربيع يوقعان الوثيقة الدستورية أمس (رويترز)
الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) وأحمد ربيع يوقعان الوثيقة الدستورية أمس (رويترز)
TT

نهاية صفحة وبداية أخرى في السودان... والحكم لـ«السيادي» اليوم

الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) وأحمد ربيع يوقعان الوثيقة الدستورية أمس (رويترز)
الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) وأحمد ربيع يوقعان الوثيقة الدستورية أمس (رويترز)

دخل السودان، أمس، حقبة جديدة عبر التوقيع على «الوثيقة الدستورية» للمرحلة الانتقالية التي ستستمر لمدة 3 سنوات تنتهي بإجراء انتخابات عامة لاختيار برلمان وحكومة مدنية. حضر مراسم التوقيع عدد من زعماء الدول المجاورة وممثلون لدول عربية وأفريقية وهيئات إقليمية ودولية، بل وقّع بعضهم الوثيقة الدستورية بصفة شهود. كما ألقى معظمهم خطباً قصيرة أكدوا فيها دعمهم لـ«التحوّل الكبير» في السودان، ووصف ممثل الاتحاد الأفريقي موسى فكي، الذي رعى المفاوضات بين الجانبين، التوقيع بـ«الإنجاز التاريخي العظيم».
ويُنهي الاتفاق بين العسكريين والمدنيين، الذي تم التوصل إليه في الرابع من الشهر الجاري، 8 أشهر من المظاهرات والاحتجاجات الشعبية الواسعة التي أدت إلى إطاحة الرئيس عمر البشير بعد 30 عاماً من حكمه. وتقضي «الوثيق الدستورية» بأن يُحل المجلس العسكري، الذي تولى السلطة منذ إطاحة البشير في أبريل (نيسان)، ويُستبدل به «مجلس سيادي» مكوّن من 5 عسكريين و6 مدنيين، يرأسه الفريق عبد الفتاح البرهان لمدة 21 شهراً ثم تنتقل الرئاسة إلى شخصية مدنية لمدة 18 شهراً تنتهي بإجراء انتخابات حرة ونزيهة. كما ستتشكّل حكومة مدنية بنهاية الشهر الجاري برئاسة الخبير الاقتصادي عبد الله حمدوك، وستتمتع بسلطات تنفيذية كاملة، بينما تنحصر سلطات «المجلس السيادي» في شؤون السيادة فقط.
ووقع «الوثيقة الدستورية» كلٌّ من نائب رئيس المجلس العسكري، الفريق محمد حمدان دقلو المعروف باسم «حميدتي» وممثل تحالف «إعلان قوى الحرية والتغيير» أحمد الربيع، في قاعة فخمة تطل على نهر النيل في الخرطوم. وتجمع آلاف السودانيين في الشارع قرب مكان الاحتفال الرسمي الذي استغرق أكثر من ثلاث ساعات.
وحضر رؤساء تشاد إدريس ديبي، ودولة جنوب السودان سيلفاكير ميارديت، وكينيا أوهورو كينياتا، ورئيسا وزراء إثيوبيا آبي أحمد، ومصر مصطفى مدبولي، وعدد من وزراء خارجية الدول الأخرى.

- البرهان: ندعو الشباب إلى بناء الدولة
وعقب انتهاء التوقيع، حمل رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان الوثيقة، التي وُضعت في غلاف سميك أخضر اللون، ورفعها عالياً، ولوّح بها وسط تصفيق الحاضرين. وأشاد البرهان بالروح الوطنية التي سادت بين العسكريين والمدنيين. ودعا إلى تعزيز الثقة بينهما، متعهداً الالتزام بتنفيذ ما جاء في الوثيقة الدستورية ونقل البلاد إلى الدولة المدنية والحفاظ على الأمن والحريات العامة والتحول الديمقراطي.

- الأصم: نعتذر للعالم عن غيابنا 30 عاماً
من جانبه، قال ممثل «قوى الحرية والتغيير» محمد ناجي الأصم، في كلمة طويلة، إن التوقيع على الوثائق النهائية للفترة الانتقالية «يفتح صفحة جديدة في البلاد ويطوي حقبة من الفساد والانتهاكات». وأضاف أن «قوى الحرية والتغيير» ستعمل على أن يكون السلام شاملاً في مناطق الحروب كافة دون استثناء، مشدداً على التمسك بإجراء التحقيق العادل في فض «اعتصام القيادة العامة» وكل الانتهاكات التي ارتُكبت في حق الشعب السوداني، و«ألا يفلت أي مجرم من العقاب». ووجه رسالة إلى المجتمع الدولي اعتذر فيها عن «غياب السودان طوال 3 عقود». وقال أيضاً: «نتطلع إلى إنهاء كل أشكال التمييز ضد المرأة، وكفالة حقوقها قانوناً»، مطالباً بالعمل على إعادة السودان إلى المجتمع الدولي بشكل عاجل.
وفى رسالة إلى الجمعيات الأهلية والجماعات الدينية قال الأصم: «إن السودان يسعنا جميعاً، ولا بد أن نرعاه، وعلينا أن نتفق على العيش معاً في سلام رغم الاختلافات بيننا». وطالب بنبذ العنصرية والقبلية، وإشاعة التسامح وإعلاء قيمة الوطن فوق كل شيء، مشدداً على ضرورة تحقيق المساواة بين أقاليم السودان المختلفة. ووصف المؤسسة العسكرية بأنها «بذرة الوطنية» وهي تمثل درع الحماية والوقاية للسودان.
ودعا الحركات المسلحة في السودان إلى الدخول في حوار مثمر لتحقيق السلام الشامل في البلاد من أجل الذين عانوا من ويلات الحروب.
وقال زعيم حزب الأمة الصادق المهدي، آخر رئيس وزراء منتخب، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن الاحتفال بتوقيع وثائق الانتقال يعد «عيداً للوطن، والديمقراطية والسلام». وحذّر من عواقب كثيرة قد تواجه عملية الانتقال من النظام الشمولي إلى النظام الديمقراطي، قائلاً: «العوائق كثيرة والصعاب جمّة، لكن عزيمة الشعب، وإرادة الشباب ستتغلب عليها، من الحرية والعدالة والسلام».
واعتبر، آبي أحمد، رئيس وزراء إثيوبيا، أن اتفاق المرحلة الانتقالية في السودان، يعد بمثابة بداية مرحلة جديدة، مجدداً الالتزام بدعم السودان خلال المرحلة الانتقالية. وطالب في كلمته بضرورة التعاون ووحدة الصف في السودان، مشيراً إلى أن الطريق إلى الديمقراطية بدأ الآن. وأكد ضرورة التمسك بالتحول الديمقراطي والالتزام بمبادئ الديمقراطية، وبناء المؤسسات بالتعاون بين الجميع.
وأكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (ممثلاً للاتحاد الأفريقي)، دعم القاهرة لآمال الشعب السوداني، مشيداً بالجهود الإقليمية التي ساعدت في التوصل إلى اتفاق الفترة الانتقالية. وقال مدبولي إن مصر لن تدّخر جهداً في تقديم كل أشكال الدعم الممكن للسودان الشقيق خلال الفترة المقبلة، بما في ذلك الدعم السياسي في المحافل الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الاتحاد الأفريقي، حتى يستعيد السودان مكانته المتميزة في القارة. وأضاف أن الاتفاق يمثل خريطة طريق للسودان في المرحلة المقبلة سيعمل الجميع على المساعدة في تنفيذه ونجاحه، مشيراً إلى أن الاتفاق يؤرخ لمرحلة جديدة في السودان يحصد فيها الشعب السوداني ثمار تضحياته.

- موسى فكي: إنجاز تاريخي
وشدد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فكي، على أهمية الاتفاق الانتقالي في السودان، قائلاً إن الاتفاق لم يكن أمراً سهلاً. وأشاد بالجهود التي بُذلت لتذليل العقبات ومواجهة التحديات. ووصف الاتفاق بـ«الإنجاز التاريخي»، مشيراً إلى أنه جاء تعبيراً عن إرادة الشعب السوداني في مواجهة التحديات الجسام. وقال إن الوضع في السودان معقّد للغاية بسبب ما تعرض له من تهميش وحروب، ترتبت عليها كوارث وأطماع وصراعات.
كما أكد الوسيط الأفريقي محمد الحسن ولد لبات، توحد القارة الأفريقية وراء دعم الاتفاق في السودان. وأشار إلى أن اتفاق السودان جاء نتيجة إرادة الشعب السوداني. وأضاف أن القارة الأفريقية أصبحت مصرة على الحفاظ على استقلال دولها، وهي تعطي من خلال هذا الاتفاق درساً للعالم في قدرتها على حل مشكلاتها وأزماتها.

- الجبير: علاقاتنا مع السودان تاريخية
من جهته، وصف وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودية عادل الجبير، مشاركة المملكة العربية السعودية في المناسبة السودانية التاريخية العظيمة، بأنها «تعبير عن اهتمام المملكة العربية السعودية بالسودان، ومكانة وموقع الشعب السوداني بالنسبة إليها». وهنّأ الجبير في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط» الشعب السوداني بالإنجاز العظيم الذي حققه، وقال: «هناك علاقات تاريخية ضاربة الجذور بين الرياض والخرطوم، إلى جانب العلاقات التي نشأت بين البلدين بفعل الجغرافيا».
وأوضح الجبير أن المملكة حريصة على الوقوف إلى جانب الشعب السوداني الشقيق في كل الظروف، وتابع: «خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن العزيز آل سعود، وولي عهده سمو الأمير محمد بن سلمان، طلبا منّي مشاطرة الشعب السوداني هذا الحدث العظيم، وأن أنقل تهانيهما له، وتمنياتهما بازدهار ونهوض السودان الشقيق».
وقال وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة، إن احتفال السودانيين بالإنجاز العظيم والكبير، امتداد للأمثلة التي درج شعب السودان على تقديمها للشعوب الحرة. وأشاد بالجهود التي بذلها المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير لتحقيق الحدث المهم الذي أثمر فرحاً كبيراً، وأضاف: «ما حدث يؤْذِن بمستقبل مشرق للشعب السوداني». وتابع: «هذا الإنجاز أكد أن الشعب السوداني يملك الإرادة لتحقيق آماله وتطلعاته دون تردد».
وأكد نائب رئيس مجلس الوزراء الكويتي أنس الصالح، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتفاق بين «العسكري» السوداني و«الحرية والتغيير»، يعد «منصة انطلاق حقيقية للسودان نحو آفاق أرحب»، وتابع: «هذا الاتفاق سيكون بمثابة اللبنة لبناء سودان قوي، يستطيع أن ينهض ويترجم إرادة الشعب لنماء وازدهار». وقطع بوقوف الكويت «قلباً وقالباً» إلى جانب الشعب السوداني، مؤكداً حرصها على سلامته وأمنه واستقراره.

- العثيمين: إنجاز سوداني رائع
بدوره، شدد الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي يوسف العثيمين، على أهمية الاتفاق باعتباره يمثل مخرجاً للسودان من أزماته السابقة، والاتجاه نحو صناعة المستقبل. وقال: «أتيت إلى الخرطوم للمشاركة في هذا الحفل الكبيرة، بدعوة كريمة من رئيس المجلس العسكري الانتقالي السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان». وتابع: «هذه المناسبة سعيدة ليست فقط للسودانيين، إنما لكل العرب والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها». وأضاف: «ما تحقق اليوم أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه إنجاز سوداني رائع بمعنى الكلمة».
ووصف مساعد الأمين العام للجامعة العربية خليل إبراهيم الزوادي «فرح السودان» بأنه «فرح كبير استطاع الشعب من خلاله تأكيد أن ثورته استنهضت الشعب الذي ناضل من أجلها». وأضاف: «واليوم يشهد كل العالم والدول الصديقة والشقيقة هذه اللحظة التاريخية من عمر السودان».
وقال: «الشعب السوداني قادر على تجاوز الصعاب التي تعترض مساره، والنهوض ببلاده، وتعزيز أمنه واستقراره، وتتوفر له إرادة المضي قدماً نحو البناء والرفاهة والديمقراطية وتعزيز قيم الحرية والعدالة».
ومنح البرهان، مبعوث المفوضية الأفريقية محمد الحسن ولد لبات، والمبعوث الإثيوبي محمد درير، والسفير الإثيوبي شيفارو جارسو، أوسمةً لدورهم في الوساطة التي قاموا بها إبان المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق السوداني.



النيابة اليمنية تشكل لجنة للتحقيق في الوقائع المنسوبة للزُّبيدي

تصعيد عيدروس الزبيدي العسكري في حضرموت والمهرة شكل تهديداً للسلم الاجتماعي في اليمن (رويترز)
تصعيد عيدروس الزبيدي العسكري في حضرموت والمهرة شكل تهديداً للسلم الاجتماعي في اليمن (رويترز)
TT

النيابة اليمنية تشكل لجنة للتحقيق في الوقائع المنسوبة للزُّبيدي

تصعيد عيدروس الزبيدي العسكري في حضرموت والمهرة شكل تهديداً للسلم الاجتماعي في اليمن (رويترز)
تصعيد عيدروس الزبيدي العسكري في حضرموت والمهرة شكل تهديداً للسلم الاجتماعي في اليمن (رويترز)

أصدرت النيابة العامة اليمنية، الخميس، قراراً بتشكيل لجنة عليا للتحقيق في الوقائع المنسوبة لعيدروس قاسم الزُّبيدي، المتهم بـ«الخيانة العظمى»؛ على خلفية تصعيده العسكري في حضرموت والمهرة، وتهديده أرواح المدنيين وتمرُّده على وحدة القرار السيادي، قبل فراره إلى أبوظبي.

جاء القرار الصادر عن النائب العام القاضي قاهر مصطفى، ليكلف اللجنة برئاسة المحامي العام الأول القاضي فوزي علي سيف سعيد، وعضوية كل من مدير مكتب النائب العام القاضي الدكتور عيسى قائد سعيد، ورئيس شعبة حقوق الإنسان القاضي علي مبروك علي السالمي، ورئيس شعبة النيابات الجزائية المتخصصة القاضي جمال شيخ أحمد عمير، وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

ووفقاً للمادة الثانية من القرار، خُوّلت اللجنة بجميع الصلاحيات القانونية للتحقيق، بما في ذلك استدعاء وضبط وإحضار الأشخاص، وتعزيز الأدلة، واتخاذ الإجراءات اللازمة وفق أحكام القانون اليمني.

كما ألزم القرار اللجنة بسرعة إنجاز التحقيق ورفع تقارير دورية عن مُجريات العمل، وعرض نتائج التحقيق فور الانتهاء منها مُرفقة بالرأي القانوني.

الزبيدي هرب من عدن بحراً إلى الصومال ومنها إلى أبوظبي جواً (أ.ف.ب)

وستركز اللجنة على التحقيق في اتهامات تشمل «الخيانة العظمى» بقصد المساس باستقلال الجمهورية، والإضرار بالمركز الحربي والسياسي والاقتصادي للدولة، وتشكيل عصابة مسلّحة، وارتكاب جرائم قتل ضد ضباط وجنود القوات المسلّحة.

كما تشمل التحقيقات استغلال القضية الجنوبية، والانتهاكات ضد المدنيين، وتخريب المنشآت والمواقع العسكرية، والاعتداء على الدستور والسلطات الدستورية، إضافة إلى أي أعمال تُهدد سيادة واستقلال اليمن.

كان مجلس القيادة الرئاسي اليمني قد أصدر قراراً بإسقاط عضوية الزبيدي من المجلس، بعد أن قام الأخير برفض الحضور إلى الرياض للمشاركة في مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، وقام بالتصعيد عسكرياً في عدن قبل أن يلوذ بالفرار عبر البحر إلى الصومال، ومنها إلى أبوظبي، وفق ما كشف عنه «تحالف دعم الشرعية» في اليمن، في الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي.


غروندبرغ: مستقبل جنوب اليمن لا يمكن أن يحدده طرف واحد بالقوة... والحوار فرصة

غروندبرغ يقدم عبر الفيديو إحاطته أمام مجلس الأمن حول اليمن (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يقدم عبر الفيديو إحاطته أمام مجلس الأمن حول اليمن (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ: مستقبل جنوب اليمن لا يمكن أن يحدده طرف واحد بالقوة... والحوار فرصة

غروندبرغ يقدم عبر الفيديو إحاطته أمام مجلس الأمن حول اليمن (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يقدم عبر الفيديو إحاطته أمام مجلس الأمن حول اليمن (الأمم المتحدة)

أكّد المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أن التطورات المتسارعة التي شهدها اليمن خلال الأشهر الماضية أعادت تشكيل المشهدين السياسي والأمني، محذّراً من أن حالة الهدوء النسبي التي تحققت منذ عام 2022 لا تُمثّل حلّاً دائماً، بل نافذة مؤقتة تتطلب توجيهاً سياسياً مستداماً لمنع انزلاق البلاد إلى دوّامة عدم الاستقرار.

وفي إحاطته أمام مجلس الأمن، شدد غروندبرغ على أن غياب نهج شامل يعالج التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية بشكل متكامل سيبقي اليمن عرضة لتكرار أزمات متلاحقة، مشيراً إلى أن التطورات الأخيرة في جنوب البلاد أبرزت سرعة اختلال التوازن الهش، وأهمية إعادة ترسيخ العملية السياسية ضمن مسار موثوق برعاية الأمم المتحدة.

وأوضح المبعوث الأممي أن الأيام الأخيرة شهدت خفضاً نسبياً للتصعيد العسكري واستقراراً عاماً، إلا أن الوضع الأمني في أجزاء من جنوب اليمن لا يزال هشّاً.

وأشار إلى أنه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي سعت قوات تابعة لـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» إلى توسيع وجودها في محافظتي حضرموت والمهرة، قبل أن تتحرك في مطلع يناير (كانون الثاني) قوات موالية للحكومة، بما فيها قوات «درع الوطن»، وبدعم من السعودية، لإعادة بسط السيطرة على المحافظتين.

وأضاف أن هذه القوات انتشرت لاحقاً في عدن ومناطق حكومية أخرى لتأمين البنية التحتية الإدارية والاقتصادية والعسكرية، بالتوازي مع تعديلات في التعيينات السياسية وقرارات قيادية على المستويين الوطني والمحلي، في تطورات تعكس حساسية المرحلة وتعقيد التوازنات القائمة.

جهود إقليمية وحوار جنوبي

وفي سياق متابعته لهذه التطورات، قال غروندبرغ إنه أجرى سلسلة مشاورات معمّقة في القاهرة ومسقط والرياض مع أطراف يمنية وشركاء إقليميين ودوليين، بهدف خفض التوترات ودعم مسار سياسي يمضي بالبلاد إلى الأمام.

ورحّب المبعوث بالجهود الإقليمية والوطنية الرامية إلى معالجة المستجدات عبر الحوار، مؤكداً أن الوصول إلى حلول مستدامة يتطلب دعماً إقليمياً موحّداً ومنسقاً، إلى جانب إرادة سياسية فاعلة من الأطراف اليمنية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (د.ب.أ)

وشدّد غروندبرغ على أن مستقبل جنوب اليمن لا يمكن أن يحدده طرف واحد أو يُفرض بالقوة، مؤكداً أن معالجة هذه القضية المعقدة والمتجذرة يجب أن تكون بيد اليمنيين أنفسهم، وبما يعكس كامل تنوع الرؤى الجنوبية.

وفي هذا الإطار، رحّب المبعوث بمبادرة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي لعقد حوار جنوبي تستضيفه السعودية، ورأى أنها فرصة لبدء معالجة قضية الجنوب من خلال المشاركة السياسية، والتحضير لعملية سياسية شاملة على مستوى البلاد برعاية الأمم المتحدة.

الاقتصاد والخدمات

وأكد المبعوث الأممي أن تقييم أي جهد سياسي أو دبلوماسي يجب أن ينطلق من مدى استجابته لواقع اليمنيين اليومي، مشيراً إلى أن مشاورات مكتبه مع يمنيين من مختلف المناطق أظهرت تطابقاً واضحاً في الأولويات، وفي مقدمها: خدمات عامة فعالة، وصرف منتظم للرواتب، وحرية تنقل، ومؤسسات تعمل لصالح الشعب لا لصالح فئات بعينها.

وأوضح أن عدم الاستقرار بالنسبة لكثير من اليمنيين يتجلّى أولاً في الاقتصاد، من خلال ارتفاع الأسعار، وتأخر الرواتب، وتدهور الخدمات الأساسية. وحذّر من أن أي اضطراب سياسي أو أمني، حتى لو كان محدوداً، قد يفرض ضغوطاً إضافية على العملة، ويعمّق العجز المالي ويقوّض جهود الإصلاح.

يمنيون في إحدى أسواق مدينة عدن (إ.ب.أ)

ورحّب المبعوث الأممي إلى اليمن بتصريحات الحكومة التي أقرت بالحاجة إلى تحييد المؤسسات الاقتصادية، بما فيها البنك المركزي، عن الخلافات السياسية والأمنية، داعياً إلى الحفاظ على زخم الإصلاحات لاستعادة الثقة والاستقرار.

وفي هذا السياق، شدد غروندبرغ على أن التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية مترابطة، ولا يمكن فصلها، وأن أي تقدم في أحدها لن يصمد دون تقدم مماثل في الأخرى. وأكد أن اليمن بحاجة في نهاية المطاف إلى عملية سياسية شاملة وجامعة على مستوى البلاد، تتيح لليمنيين مناقشة قضايا الدولة والترتيبات الأمنية والحوكمة الاقتصادية بشكل متكامل، بوصفها الطريق الوحيد لإنهاء الصراع بصورة مستدامة.

المحتجزون وموظفو الأمم المتحدة

وأكد المبعوث الأممي أن تحقيق أي تقدم يستلزم التزام جميع الأطراف اليمنية، بما فيها جماعة الحوثي، بتجنب التصعيد والانخراط في خطوات جادة لبناء الثقة. وأشار إلى الاجتماع الذي عُقد في مسقط الشهر الماضي برعاية الأمم المتحدة؛ حيث اتفقت الحكومة والتحالف والحوثيون على الإفراج عن دفعة جديدة من المحتجزين على خلفية النزاع، ضمن الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، عادّاً ذلك خطوة أعادت الأمل لعائلات المحتجزين.

طائرة تابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر تحلق فوق مدينة صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

وفي المقابل، أعرب عن قلقه البالغ إزاء استمرار احتجاز موظفي الأمم المتحدة والعاملين الإنسانيين في صنعاء، وإحالة بعضهم إلى المحكمة الجنائية الخاصة التابعة للحوثيين، داعياً إلى الإفراج الفوري عنهم، ومطالباً الأطراف الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لضمان ذلك.

وأكد غروندبرغ أن هذه المرحلة تتطلب من القادة اليمنيين الاستثمار في السياسة والمؤسسات والمصلحة الوطنية، محذراً من أن آخر ما يحتاج إليه اليمن هو الدخول في «صراع داخل صراع»، ومشدداً على أن وحدة موقف مجلس الأمن تظل عاملاً حاسماً لدفع البلاد نحو مسار السلام والاستقرار.


اليمن يعيد تفعيل القضاء ويطلق حملة لمنع حمل السلاح

حملات أمنية لمنع حمل السلاح في الأماكن العامة بحضرموت والمهرة (إعلام حكومي)
حملات أمنية لمنع حمل السلاح في الأماكن العامة بحضرموت والمهرة (إعلام حكومي)
TT

اليمن يعيد تفعيل القضاء ويطلق حملة لمنع حمل السلاح

حملات أمنية لمنع حمل السلاح في الأماكن العامة بحضرموت والمهرة (إعلام حكومي)
حملات أمنية لمنع حمل السلاح في الأماكن العامة بحضرموت والمهرة (إعلام حكومي)

استكملت السلطات المحلية في المحافظات الشرقية والجنوبية لليمن خطوات تطبيع الحياة العامة، عقب الأحداث التي رافقت عملية إخراج قوات «المجلس الانتقالي» المنحل من عدد من المناطق، في مسارٍ متوازٍ شمل إعادة تفعيل المؤسسات القضائية، وتعزيز الانتشار الأمني، وفرض إجراءات للحد من انتشار السلاح في الأماكن العامة.

وفيما تواصل قوات «درع الوطن» انتشارها في عدد من المحافظات، بالتزامن مع استمرار عمليات الدمج وإعادة هيكلة الوحدات الأمنية والعسكرية ضمن وزارتي «الداخلية» و«الدفاع»، أكدت السلطات القضائية انتظام العمل في محاكم محافظات شبوة، ولحج، والضالع، في مؤشر على عودة المؤسسات العدلية لممارسة دورها الطبيعي.

وفي هذا السياق، وجّه محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، بمنع حمل السلاح في الأماكن العامة، مشيداً بنجاح الحملة الأمنية التي نفّذتها قوات «درع الوطن» في يومها الأول، ضمن جهود ترسيخ الأمن والاستقرار وحماية السكينة العامة في المحافظة.

قوات «درع الوطن» تواصل انتشارها في حضرموت لضبط الأوضاع الأمنية (إعلام حكومي)

وأشاد المحافظ بما حققته الحملة من نتائج أولية، داعياً المواطنين وكل الجهات ذات العلاقة إلى التعاطي الجاد والمسؤول مع الإجراءات الأمنية، والتعاون مع الأجهزة المختصة، بما يُسهم في تعزيز الأمن، ومكافحة الجريمة المنظمة، والحفاظ على الطابع المدني لمحافظة حضرموت.

وأكد الخنبشي أن هذه الإجراءات تأتي في إطار حرص السلطة المحلية على حماية الأرواح والممتلكات، وتهيئة بيئة آمنة ومستقرة تُسهم في دفع عجلة التنمية، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، مشدداً على أن نجاح الحملة يعتمد على وعي المجتمع والتزامه بالقانون.

المهرة وشبوة

وفي محافظة المهرة اليمنية (شرق) دعت اللجنة الأمنية كلَّ مَن بحوزته سلاح من المنهوبات إلى المبادرة بالتسليم الطوعي خلال فترة أقصاها 10 أيام، بدءاً من الأربعاء، محذرة من أن المتخلفين عن ذلك سيعرضون أنفسهم للمساءلة القانونية والمحاكمة.

وخلال اجتماع برئاسة محافظ المهرة محمد علي ياسر، وبحضور وكيل المحافظة الأول العميد مختار الجعفري، أُعلن عن تشكيل لجنة مشتركة من الوحدات العسكرية والأمنية وقوات «درع الوطن»، برئاسة أركان محور الغيضة، تتولى مهمة تسلُّم الأسلحة وتنظيم عملية الجمع وفق آلية قانونية محددة.

وفي إطار تطبيع الأوضاع بمحافظة شبوة، اطلع رئيس محكمة استئناف المحافظة، القاضي عارف النسي، على سير العمل الإداري والقضائي في محكمة الاستئناف، ومحكمتي «عتق» و«نصاب» الابتدائيتين، واستمع إلى شرح مفصل حول مستوى الانضباط الوظيفي، والتزام القضاة والموظفين بالدوام الرسمي.

تفعيل أداء المحاكم أحد أسس تطبيع الأوضاع في المحافظات اليمنية المحررة (إعلام حكومي)

كما اطّلع القاضي النسي على حافظات الدوام وسير الأداء في مختلف الأقسام، وزار عدداً من المكاتب القضائية والإدارية، مستمعاً إلى ملاحظات القضاة والموظفين بشأن المعوقات التي تواجه سير العمل، ومؤكداً أهمية مضاعفة الجهود خلال المرحلة المقبلة.

وأكَّد رئيس محكمة الاستئناف أن المحاكم تواصل عقد جلساتها في مواعيدها القانونية، مشدداً على ضرورة الالتزام بالواجبات القضائية والإدارية بكل أمانة ومسؤولية، بما يُسهم في تسريع الفصل في القضايا المتراكمة، وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسة القضائية.

لحج والضالع

وأكد رئيس محكمة استئناف محافظة لحج، القاضي ناجي اليهري، أن العمل القضائي في محاكم المحافظة لم يتوقف خلال الأحداث التي شهدتها بعض المحافظات، وأن المحاكم واصلت أداء مهامها القانونية والدستورية دون انقطاع.

وأوضح اليهري أن جميع المحاكم الابتدائية ومحكمة الاستئناف ظلّت تُمارس أعمالها وفقاً للأنظمة والقوانين النافذة، مع اتخاذ الإجراءات التنظيمية اللازمة لضمان استمرار تقديم الخدمات القضائية للمواطنين.

وأشاد بالكادر القضائي والإداري في المحافظة لالتزامهم بأداء واجباتهم، وحرصهم على عدم تعطيل مصالح المتقاضين، مؤكداً أن هذا الالتزام يعكس وعي رجال القضاء بأهمية المرحلة، ودورهم في ترسيخ سيادة القانون وحماية الحقوق والحريات.

رئيس محكمة الاستئناف في محافظة الضالع (إعلام حكومي)

وفي محافظة الضالع، أكد رئيس محكمة الاستئناف، القاضي علي الحصيني، أن العمل في جميع محاكم المحافظة ظل مستمراً ومنتظماً، ولم يشهد أي توقف، رغم الظروف الاستثنائية التي رافقت الأحداث الأخيرة في بعض المحافظات المحررة.

وأوضح الحصيني أن القضاة وموظفي المحاكم واصلوا أداء واجبهم بروح عالية من المسؤولية، من خلال نظر القضايا الجنائية والمدنية وقضايا الأحوال الشخصية، والفصل فيها وفقاً للقانون، إضافة إلى مباشرة القضايا المستعجلة، وإصدار الأحكام ومتابعة تنفيذها عبر الجهات المختصة.

وأكد أن استمرار عمل القضاء يُمثل ركيزة أساسية لتطبيع الأوضاع، وترسيخ الأمن والاستقرار، وضمان العدالة الناجزة، بما يعزز ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة.