نهاية صفحة وبداية أخرى في السودان... والحكم لـ«السيادي» اليوم

توقيع الوثيقة الدستورية وسط حضور عربي ودولي وفرحة شعبية عارمة وتعهدات بطيّ حقبة الديكتاتورية

الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) وأحمد ربيع يوقعان الوثيقة الدستورية أمس (رويترز)
الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) وأحمد ربيع يوقعان الوثيقة الدستورية أمس (رويترز)
TT

نهاية صفحة وبداية أخرى في السودان... والحكم لـ«السيادي» اليوم

الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) وأحمد ربيع يوقعان الوثيقة الدستورية أمس (رويترز)
الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) وأحمد ربيع يوقعان الوثيقة الدستورية أمس (رويترز)

دخل السودان، أمس، حقبة جديدة عبر التوقيع على «الوثيقة الدستورية» للمرحلة الانتقالية التي ستستمر لمدة 3 سنوات تنتهي بإجراء انتخابات عامة لاختيار برلمان وحكومة مدنية. حضر مراسم التوقيع عدد من زعماء الدول المجاورة وممثلون لدول عربية وأفريقية وهيئات إقليمية ودولية، بل وقّع بعضهم الوثيقة الدستورية بصفة شهود. كما ألقى معظمهم خطباً قصيرة أكدوا فيها دعمهم لـ«التحوّل الكبير» في السودان، ووصف ممثل الاتحاد الأفريقي موسى فكي، الذي رعى المفاوضات بين الجانبين، التوقيع بـ«الإنجاز التاريخي العظيم».
ويُنهي الاتفاق بين العسكريين والمدنيين، الذي تم التوصل إليه في الرابع من الشهر الجاري، 8 أشهر من المظاهرات والاحتجاجات الشعبية الواسعة التي أدت إلى إطاحة الرئيس عمر البشير بعد 30 عاماً من حكمه. وتقضي «الوثيق الدستورية» بأن يُحل المجلس العسكري، الذي تولى السلطة منذ إطاحة البشير في أبريل (نيسان)، ويُستبدل به «مجلس سيادي» مكوّن من 5 عسكريين و6 مدنيين، يرأسه الفريق عبد الفتاح البرهان لمدة 21 شهراً ثم تنتقل الرئاسة إلى شخصية مدنية لمدة 18 شهراً تنتهي بإجراء انتخابات حرة ونزيهة. كما ستتشكّل حكومة مدنية بنهاية الشهر الجاري برئاسة الخبير الاقتصادي عبد الله حمدوك، وستتمتع بسلطات تنفيذية كاملة، بينما تنحصر سلطات «المجلس السيادي» في شؤون السيادة فقط.
ووقع «الوثيقة الدستورية» كلٌّ من نائب رئيس المجلس العسكري، الفريق محمد حمدان دقلو المعروف باسم «حميدتي» وممثل تحالف «إعلان قوى الحرية والتغيير» أحمد الربيع، في قاعة فخمة تطل على نهر النيل في الخرطوم. وتجمع آلاف السودانيين في الشارع قرب مكان الاحتفال الرسمي الذي استغرق أكثر من ثلاث ساعات.
وحضر رؤساء تشاد إدريس ديبي، ودولة جنوب السودان سيلفاكير ميارديت، وكينيا أوهورو كينياتا، ورئيسا وزراء إثيوبيا آبي أحمد، ومصر مصطفى مدبولي، وعدد من وزراء خارجية الدول الأخرى.

- البرهان: ندعو الشباب إلى بناء الدولة
وعقب انتهاء التوقيع، حمل رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان الوثيقة، التي وُضعت في غلاف سميك أخضر اللون، ورفعها عالياً، ولوّح بها وسط تصفيق الحاضرين. وأشاد البرهان بالروح الوطنية التي سادت بين العسكريين والمدنيين. ودعا إلى تعزيز الثقة بينهما، متعهداً الالتزام بتنفيذ ما جاء في الوثيقة الدستورية ونقل البلاد إلى الدولة المدنية والحفاظ على الأمن والحريات العامة والتحول الديمقراطي.

- الأصم: نعتذر للعالم عن غيابنا 30 عاماً
من جانبه، قال ممثل «قوى الحرية والتغيير» محمد ناجي الأصم، في كلمة طويلة، إن التوقيع على الوثائق النهائية للفترة الانتقالية «يفتح صفحة جديدة في البلاد ويطوي حقبة من الفساد والانتهاكات». وأضاف أن «قوى الحرية والتغيير» ستعمل على أن يكون السلام شاملاً في مناطق الحروب كافة دون استثناء، مشدداً على التمسك بإجراء التحقيق العادل في فض «اعتصام القيادة العامة» وكل الانتهاكات التي ارتُكبت في حق الشعب السوداني، و«ألا يفلت أي مجرم من العقاب». ووجه رسالة إلى المجتمع الدولي اعتذر فيها عن «غياب السودان طوال 3 عقود». وقال أيضاً: «نتطلع إلى إنهاء كل أشكال التمييز ضد المرأة، وكفالة حقوقها قانوناً»، مطالباً بالعمل على إعادة السودان إلى المجتمع الدولي بشكل عاجل.
وفى رسالة إلى الجمعيات الأهلية والجماعات الدينية قال الأصم: «إن السودان يسعنا جميعاً، ولا بد أن نرعاه، وعلينا أن نتفق على العيش معاً في سلام رغم الاختلافات بيننا». وطالب بنبذ العنصرية والقبلية، وإشاعة التسامح وإعلاء قيمة الوطن فوق كل شيء، مشدداً على ضرورة تحقيق المساواة بين أقاليم السودان المختلفة. ووصف المؤسسة العسكرية بأنها «بذرة الوطنية» وهي تمثل درع الحماية والوقاية للسودان.
ودعا الحركات المسلحة في السودان إلى الدخول في حوار مثمر لتحقيق السلام الشامل في البلاد من أجل الذين عانوا من ويلات الحروب.
وقال زعيم حزب الأمة الصادق المهدي، آخر رئيس وزراء منتخب، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن الاحتفال بتوقيع وثائق الانتقال يعد «عيداً للوطن، والديمقراطية والسلام». وحذّر من عواقب كثيرة قد تواجه عملية الانتقال من النظام الشمولي إلى النظام الديمقراطي، قائلاً: «العوائق كثيرة والصعاب جمّة، لكن عزيمة الشعب، وإرادة الشباب ستتغلب عليها، من الحرية والعدالة والسلام».
واعتبر، آبي أحمد، رئيس وزراء إثيوبيا، أن اتفاق المرحلة الانتقالية في السودان، يعد بمثابة بداية مرحلة جديدة، مجدداً الالتزام بدعم السودان خلال المرحلة الانتقالية. وطالب في كلمته بضرورة التعاون ووحدة الصف في السودان، مشيراً إلى أن الطريق إلى الديمقراطية بدأ الآن. وأكد ضرورة التمسك بالتحول الديمقراطي والالتزام بمبادئ الديمقراطية، وبناء المؤسسات بالتعاون بين الجميع.
وأكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (ممثلاً للاتحاد الأفريقي)، دعم القاهرة لآمال الشعب السوداني، مشيداً بالجهود الإقليمية التي ساعدت في التوصل إلى اتفاق الفترة الانتقالية. وقال مدبولي إن مصر لن تدّخر جهداً في تقديم كل أشكال الدعم الممكن للسودان الشقيق خلال الفترة المقبلة، بما في ذلك الدعم السياسي في المحافل الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الاتحاد الأفريقي، حتى يستعيد السودان مكانته المتميزة في القارة. وأضاف أن الاتفاق يمثل خريطة طريق للسودان في المرحلة المقبلة سيعمل الجميع على المساعدة في تنفيذه ونجاحه، مشيراً إلى أن الاتفاق يؤرخ لمرحلة جديدة في السودان يحصد فيها الشعب السوداني ثمار تضحياته.

- موسى فكي: إنجاز تاريخي
وشدد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فكي، على أهمية الاتفاق الانتقالي في السودان، قائلاً إن الاتفاق لم يكن أمراً سهلاً. وأشاد بالجهود التي بُذلت لتذليل العقبات ومواجهة التحديات. ووصف الاتفاق بـ«الإنجاز التاريخي»، مشيراً إلى أنه جاء تعبيراً عن إرادة الشعب السوداني في مواجهة التحديات الجسام. وقال إن الوضع في السودان معقّد للغاية بسبب ما تعرض له من تهميش وحروب، ترتبت عليها كوارث وأطماع وصراعات.
كما أكد الوسيط الأفريقي محمد الحسن ولد لبات، توحد القارة الأفريقية وراء دعم الاتفاق في السودان. وأشار إلى أن اتفاق السودان جاء نتيجة إرادة الشعب السوداني. وأضاف أن القارة الأفريقية أصبحت مصرة على الحفاظ على استقلال دولها، وهي تعطي من خلال هذا الاتفاق درساً للعالم في قدرتها على حل مشكلاتها وأزماتها.

- الجبير: علاقاتنا مع السودان تاريخية
من جهته، وصف وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودية عادل الجبير، مشاركة المملكة العربية السعودية في المناسبة السودانية التاريخية العظيمة، بأنها «تعبير عن اهتمام المملكة العربية السعودية بالسودان، ومكانة وموقع الشعب السوداني بالنسبة إليها». وهنّأ الجبير في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط» الشعب السوداني بالإنجاز العظيم الذي حققه، وقال: «هناك علاقات تاريخية ضاربة الجذور بين الرياض والخرطوم، إلى جانب العلاقات التي نشأت بين البلدين بفعل الجغرافيا».
وأوضح الجبير أن المملكة حريصة على الوقوف إلى جانب الشعب السوداني الشقيق في كل الظروف، وتابع: «خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن العزيز آل سعود، وولي عهده سمو الأمير محمد بن سلمان، طلبا منّي مشاطرة الشعب السوداني هذا الحدث العظيم، وأن أنقل تهانيهما له، وتمنياتهما بازدهار ونهوض السودان الشقيق».
وقال وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة، إن احتفال السودانيين بالإنجاز العظيم والكبير، امتداد للأمثلة التي درج شعب السودان على تقديمها للشعوب الحرة. وأشاد بالجهود التي بذلها المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير لتحقيق الحدث المهم الذي أثمر فرحاً كبيراً، وأضاف: «ما حدث يؤْذِن بمستقبل مشرق للشعب السوداني». وتابع: «هذا الإنجاز أكد أن الشعب السوداني يملك الإرادة لتحقيق آماله وتطلعاته دون تردد».
وأكد نائب رئيس مجلس الوزراء الكويتي أنس الصالح، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتفاق بين «العسكري» السوداني و«الحرية والتغيير»، يعد «منصة انطلاق حقيقية للسودان نحو آفاق أرحب»، وتابع: «هذا الاتفاق سيكون بمثابة اللبنة لبناء سودان قوي، يستطيع أن ينهض ويترجم إرادة الشعب لنماء وازدهار». وقطع بوقوف الكويت «قلباً وقالباً» إلى جانب الشعب السوداني، مؤكداً حرصها على سلامته وأمنه واستقراره.

- العثيمين: إنجاز سوداني رائع
بدوره، شدد الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي يوسف العثيمين، على أهمية الاتفاق باعتباره يمثل مخرجاً للسودان من أزماته السابقة، والاتجاه نحو صناعة المستقبل. وقال: «أتيت إلى الخرطوم للمشاركة في هذا الحفل الكبيرة، بدعوة كريمة من رئيس المجلس العسكري الانتقالي السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان». وتابع: «هذه المناسبة سعيدة ليست فقط للسودانيين، إنما لكل العرب والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها». وأضاف: «ما تحقق اليوم أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه إنجاز سوداني رائع بمعنى الكلمة».
ووصف مساعد الأمين العام للجامعة العربية خليل إبراهيم الزوادي «فرح السودان» بأنه «فرح كبير استطاع الشعب من خلاله تأكيد أن ثورته استنهضت الشعب الذي ناضل من أجلها». وأضاف: «واليوم يشهد كل العالم والدول الصديقة والشقيقة هذه اللحظة التاريخية من عمر السودان».
وقال: «الشعب السوداني قادر على تجاوز الصعاب التي تعترض مساره، والنهوض ببلاده، وتعزيز أمنه واستقراره، وتتوفر له إرادة المضي قدماً نحو البناء والرفاهة والديمقراطية وتعزيز قيم الحرية والعدالة».
ومنح البرهان، مبعوث المفوضية الأفريقية محمد الحسن ولد لبات، والمبعوث الإثيوبي محمد درير، والسفير الإثيوبي شيفارو جارسو، أوسمةً لدورهم في الوساطة التي قاموا بها إبان المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق السوداني.



بن حبريش لـ«الشرق الأوسط»: حضرموت أمام عهد جديد... ولن نسمح بعودة الإرهاب

الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط)
الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط)
TT

بن حبريش لـ«الشرق الأوسط»: حضرموت أمام عهد جديد... ولن نسمح بعودة الإرهاب

الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط)
الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط)

بعد نحو 500 يوم أمضاها في الجبال والمرتفعات، عاد الشيخ عمرو بن حبريش، وكيل أول محافظة حضرموت قائد قوات حماية حضرموت، إلى عاصمة المحافظة، المكلا، إيذاناً (على حد تعبيره) ببدء مرحلة جديدة ترسم ملامح مستقبل مختلف للمحافظة الشرقية الأوسع في اليمن.

وفي حوار مع «الشرق الأوسط»، من مقر إقامته بالمكلا المطلّة على بحر العرب، يؤكد بن حبريش أن «حضرموت تعيش اليوم حالة من الاستقرار والطمأنينة، يعزوها بعد توفيق الله إلى صمود أبنائها ومقاومتهم، وإلى الدعم والتدخُّل السعودي الذي جاء في الوقت المناسب».

ويرفض بن حبريش، المعروف في حضرموت بلقب «سلطان الجبل»، رَبْط ما شهدته المحافظة أخيراً بالقضية الجنوبية، معتبراً أن ما جرى «مشروع آخر» لا علاقة له بها، وأنه لم تكن هناك أي مبررات، بحسب وصفه، لدخول عشرين لواءً تابعاً للمجلس الانتقالي الجنوبي واحتلال حضرموت.

وبحسب بن حبريش، فإن الطموح في هذه المرحلة يتمثل في بناء دولة مؤسسات ينصهر الجميع تحت مظلتها، مع احتفاظ حضرموت بخصوصيتها، معلناً التزامه بدمج قوات حماية حضرموت، ضمن مؤسسات الدولة «العادلة».

كما يلفت إلى أن الإرهاب «مصطنع»، ولا حاضنة له في حضرموت، متهماً دولاً خارجية وأطرافاً محلية بتوظيفه لخدمة مصالحها، ومؤكداً في الوقت نفسه الاستعداد للدفاع عن حضرموت ضد الإرهاب بكل أشكاله.

تسليم المعسكرات

وقدّم الشيخ عمرو بن حبريش روايته لما جرى في عملية تسليم المعسكرات التي قادتها قوات درع الوطن، معتبراً أن ما تحقق من «انتصارات» جاء بتوفيق من الله أولاً، ثم بفضل مقاومة أبناء حضرموت على أرضهم، والدعم السعودي والموقف الذي وصفه بـ«الصادق والحاسم» من قيادة المملكة في التوقيت المناسب.

ويقول بن حبريش الذي يشغل أيضاً رئيس حلف حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع، إن هذا الإنجاز لم يكن ليتحقق لولا «الارتباط الحقيقي» بين المجتمع المحلي في حضرموت والمملكة العربية السعودية، مضيفاً أن هذا التلاقي هو ما أفضى إلى ما تعيشه المكلا اليوم من استقرار وأمن، بعد «زوبعات» يرى أنها لم تكن ضرورية منذ البداية.

ويضيف: «لم نكن راضين عن وصول قوات، وما ترتب على ذلك من صراع داخلي واقتتال، لكن بعض الأطراف شعرت بالقوة والنشوة، ولم تترك مجالاً للتفاهم».

ويذهب بن حبريش إلى أن المجلس الانتقالي الجنوبي «دخل بقواته، واحتل المحافظة بشكل كامل»، مؤكداً أن حضرموت «وطن وأرض لأبنائها»، وأن معالجة الأخطاء (إن وُجدت) كان يجب أن تتم بأيدي أبنائها، لا عبر فرض الأمر الواقع بالقوة. ويقول: «كنا مجبرين على المقاومة، تمَّت ملاحقة الناس في بيوتهم وفي الشعاب والقرى، ودُخلت المنازل من دون مبرر. كان تصرفاً خاطئاً ولا داعي له».

محافظ حضرموت سالم الخنبشي خلال استقباله الشيخ عمرو بن حبريش فور وصوله إلى مدينة المكلا (السلطة المحلية)

ما حصل لا يمثل الجنوب

ويحرص الوكيل الأول لمحافظة حضرموت على التمييز بين ما جرى والقضية الجنوبية عموماً، مشدداً على أن هذه التصرفات «لا تُحسب على الجنوبيين كافة». ويضيف: «الجنوبيون إخوتنا، بيننا وبينهم مواقف مشتركة واحترام متبادل. الجميع مظلوم. حضرموت مظلومة والجنوب مظلوم واليمن كله مظلوم، لكن القضايا لا تُحل بإلغاء الآخر أو الاعتداء عليه، بل بالحوار».

قنوات مفتوحة مع السعودية

وفي محور الدعم السعودي، يؤكد بن حبريش أن حضرموت تعيش اليوم حالة من الاستقرار، بفضل الله، ثم بتدخل قيادة المملكة العربية السعودية، ممثلة بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ووزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، ورئيس اللجنة الخاصة، وقيادة القوات المشتركة.

وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان خلال استقباله للشيخ عمرو بن حبريش في وقت سابق (متداول)

وعن التنسيق مع المملكة، يقول إن التواصل يتم «على أعلى المستويات»، عبر قيادة المحافظة والسلطة المحلية، مع وجود قنوات مفتوحة مع التحالف «من دون أي حواجز». ويضيف: «وجدناهم إخوة صادقين، نواياهم طيبة، ونكنّ لهم تقديراً عالياً، ولا نستطيع مجازاتهم».

كما ثمّن مواقف مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت، متسائلاً عن الجدوى الحقيقية لبعض الأطراف من إشعال الصراع. ويرى أن ما جرى «لا يخدم قضية داخلية ولا قضية جنوبية»، بل يتجاوزها إلى «أهداف أكبر غير معلنة»، وهو ما يفسر (برأيه) رفض المجتمع الحضرمي لهذه التحركات.

مرحلة جديدة

ويؤكد بن حبريش أن حضرموت تقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، مستندة إلى طبيعة مجتمعها المعروف بالسلم والحكمة والثقافة، ويقول: «نحن أقوياء، لكننا نميل إلى التواضع والسلم. حضرموت أمام عهد جديد».

مشروع أبو علي الحضرمي

وفيما يتعلق بما عُرف بـ«حملة أبو علي الحضرمي»، يبدي بن حبريش استغرابه من بروز شخصيات «بين ليلة وضحاها»، من دون صفة رسمية، تتحدث عن التنمية والاستقرار وتقود قوات غير نظامية.

ويقول إن الدولة لها مؤسسات وأدوار محددة، «وكل يتحدث في اختصاصه»، مشدداً على أن هذه التحركات تعكس مشروعاً آخر «أكبر من الظاهر»، ولا تصبّ في مصلحة الجنوبيين ولا في مشروع الجنوب، متسائلاً: «هل من مصلحة الجنوب أن تُغزى حضرموت بعشرين لواء؟».

انتهاكات الهضبة

ويستعيد بن حبريش ما يصفه بـ«الانتهاكات» التي وقعت في الهضبة، متحدثاً عن حصار غيل بن يمين، ودخول المنازل، وإطلاق النار داخل البيوت، ونهب الممتلكات، وقطع الطرق، ومنع المواد الغذائية عن المدنيين.

دولة المؤسسات

وفي رؤيته للمرحلة المقبلة، يشدد على ضرورة قيام «دولة مؤسسات» في حضرموت، رافضاً منطق تعدُّد القوى العسكرية خارج إطار الدولة. ويقول إن وزارتي الدفاع والداخلية يجب أن تضما أبناء المحافظة، مع ترسيخ العدالة والقانون والتنمية، محذراً من أن إعادة إنتاج مراكز قوة خارج الدولة ستعيد البلاد إلى مربع الصراع.

ويؤكد بن حبريش استعداد قوات حماية حضرموت للاندماج الكامل في مؤسسات الدولة، موضحاً أن هذه القوات تأسست لمواجهة «غزو سابق». أما اليوم، فالمهمة هي «مهمة دولة»، لكنه يشدد على أن الدولة يجب أن تكون محايدة، لا يهيمن عليها حزب أو مكوّن بعينه.

عناصر من قوات حماية حضرموت التي يقودها الشيخ عمرو بن حبريش (الشرق الأوسط)

الحكم الذاتي

وعن الحوار الجنوبي المرتقب، يصف دعوة المملكة له بأنها «ممتازة» ولا يمكن رفضها، مؤكداً الاستعداد للمشاركة، لكن على أساس أن قضية حضرموت «مستقلة»، مثلها مثل القضية الجنوبية.

ويشير بن حبريش إلى أن مطالب حضرموت بالحكم الذاتي تستند إلى قراءة تاريخية، حيث ضمَّت في مراحل سابقة «قسراً ومن دون استفتاء». ويقول إن الحكم الذاتي هو الحد الأدنى لتمكين حضرموت من بناء نفسها وتوفير الخدمات لمواطنيها، داعياً أبناء حضرموت إلى توحيد الصف، والتنازل لبعضهم بعضاً، وتقديم مصلحة حضرموت على أي اعتبارات فئوية. ويقول: «نتسامح ونفتح صفحة جديدة. لسنا في موقع انتقام. الأهم أن تبقى حضرموت في موقع القرار، لأن من دونها لا تنمية ولا تطوير».

مواجهة الإرهاب

وشدد الشيخ عمرو بن حبريش على أن حضرموت «بيد أبنائها»، وتعيش اليوم حالة من الأمن والاستقرار ضمن محيطها العربي والإسلامي، نافياً وجود أي حاضنة حقيقية للإرهاب في المحافظة.

ويقول: «إذا كان هناك إرهاب؛ فهو إرهاب مصطنع، ولا وجود له اجتماعياً في حضرموت على الإطلاق».

أكد بن حبريش أن حضرموت أمام عهد جديد ولن تسمح للإرهاب بالعودة (الشرق الأوسط)

ويستعيد بن حبريش محطات سابقة ليؤكد هذا الموقف، مشيراً إلى أن المعسكرات سُلّمت في مراحل سابقة من دون قتال، وأن المجتمع الحضرمي بطبيعته يرفض التطرف والعنف، لكنه يحذر في المقابل من توظيف ملف الإرهاب سياسياً، معتبراً أن بعض الأحزاب، عندما لا تكون في موقع السلطة، «تفرّط في كل شيء»، وتفتح الأبواب أمام الفوضى، أو تستدعي الإرهاب ومخاطر أخرى لتبرير مشاريعها.

ويرى بن حبريش أن الإرهاب يُستخدم أحياناً أداة من قبل قوى خارجية وأطراف محلية يمنية، بشكل مباشر أو غير مباشر؛ إما لفرض واقع سياسي معين أو لخلق ذريعة للهيمنة. ويقول: «إما أن يحكموا، أو يتركوا البلاد للفوضى والإرهاب».

ويؤكد في هذا السياق أن أبناء حضرموت، مجتمعاً وسلطة محلية، وبالتنسيق مع المملكة العربية السعودية، «لن يسمحوا بعودة الإرهاب أو اقترابه من المحافظة»، مضيفاً: «نحن مستعدون للدفاع عن بلادنا، أياً كان شكل التهديد أو لونه، ما دام أهل حضرموت متماسكين، ومعهم المملكة، فلن يجد الإرهاب موطئ قدم هنا».

حكاية سلطان الجبل

وحين سألنا الشيخ عمرو عن لقب «سلطان الجبل» الذي يُلازمه في حضرموت، ابتسم، وقال: «الآن سلطان الجبل والسهل»، في إشارة إلى اتساع رمزية اللقب.

وأوضح أن هذه التسمية ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى جذور تاريخية قديمة، حين أطلقها البريطانيون على جده، علي بن حبريش الأول، الذي كان يقود مقاومة محلية، ويسعى لأن يكون لحضرموت موقعها ومكانتها الخاصة في ذلك الوقت.


جهود سعودية مكثفة لتطبيع الأوضاع وتوحيد القوات في جنوب اليمن

اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)
اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)
TT

جهود سعودية مكثفة لتطبيع الأوضاع وتوحيد القوات في جنوب اليمن

اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)
اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)

كثّفت السعودية، عبر تحالف دعم الشرعية في اليمن، تحركاتها العسكرية والأمنية والسياسية في عدد من المحافظات الجنوبية اليمنية، في إطار جهود تهدف إلى تطبيع الأوضاع، وتعزيز الأمن والاستقرار، وتنظيم عمل التشكيلات العسكرية تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية، بالتوازي مع مساعٍ دبلوماسية داعمة للتهدئة وفتح مسارات حوار حول القضايا الوطنية.

وفي هذا السياق عقد لقاء عسكري تشاوري في ديوان وزارة الدفاع اليمنية بالعاصمة المؤقتة عدن، برئاسة نائب رئيس هيئة الأركان العامة اللواء الركن أحمد البصر سالم، لمناقشة تنفيذ قرارات وتوجيهات القيادة السياسية ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، بشأن وضع وعمل التشكيلات العسكرية.

وضم اللقاء - وفق الإعلام الرسمي - ممثلين عن هيئات العمليات المشتركة، والتشكيلات العسكرية، ومسؤولي وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة، حيث جرى استعراض الإجراءات المتعلقة بتنظيم وتوحيد عمل القوات ضمن جيش وطني نظامي موحد، يعمل تحت قيادة واحدة وغرفة عمليات مشتركة، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في العاصمة المؤقتة عدن وبقية المحافظات المحررة.

اجتماع للقادة العسكريين اليمنيين في مقر وزارة الدفاع في عدن (سبأ)

وأكد اللواء البصر أن القيادة السياسية والعسكرية تولي هذا الملف اهتماماً بالغاً، بعدّه خطوة محورية في مسار بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، مشدداً على ضرورة الالتزام بالعمل المؤسسي والانضباط العسكري، والعمل تحت مظلة وزارة الدفاع وقيادة هيئة الأركان العامة.

كما شدد على أهمية التنسيق الكامل مع الوفد العسكري للقوات المشتركة لدعم الشرعية، برئاسة اللواء الركن فلاح الشهراني، مستشار قائد القوات المشتركة، بما يضمن تنفيذ التوجيهات الصادرة، وتحقيق الأهداف الأمنية.

من جانبه، أكد اللواء فلاح الشهراني أهمية خروج جميع القوات والمظاهر المسلحة من مدينة عدن، والحفاظ على الطابع المدني للعاصمة المؤقتة، مشدداً على ضرورة إبقاء مطار عدن منشأة مدنية تخدم المواطنين.

وفد سعودي عسكري في عدن لتطبيع الأوضاع الأمنية وتوحيد القوات (إكس)

وقال الشهراني، في تصريح خلال لقائه قيادات التشكيلات العسكرية في عدن، بما في ذلك التشكيلات المحسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، إن وجود وفد التحالف في عدن يحمل رسالة طمأنة للمواطنين والسلطات المحلية، ويعكس التزام السعودية بدعم الأمن والاستقرار بوصفهما شرطاً أساسياً للانتقال إلى مرحلة جديدة من التنمية والاستجابة لاحتياجات المواطنين.

شبوة والمهرة وسقطرى

في شبوة، ناقش محافظ المحافظة عوض محمد ابن الوزير، مع لجنة عسكرية من قيادة تحالف دعم الشرعية برئاسة العميد الركن عبد الإله العتيبي، أوجه التنسيق المشترك لتعزيز جهود الأمن والاستقرار في المحافظة. بحسب الإعلام الرسمي اليمني.

وخلال اللقاء، الذي حضره الأمين العام للمجلس المحلي عبد ربه هشله، وقادة المحاور والألوية والوحدات الأمنية والعسكرية، ثمّن المحافظ اهتمام قيادة القوات المشتركة بمحافظة شبوة، ودعمها المتواصل لجهود تثبيت الأمن وترسيخ الاستقرار، مؤكداً أهمية تعزيز العمل المؤسسي وتكامل الأدوار بين السلطة المحلية ووزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة.

من جهته، أوضح العميد الركن عبد الإله العتيبي أن مهمة اللجنة العسكرية تتمثل في مساعدة قيادة المحافظة على إعادة ترتيب وتنظيم أوضاع مختلف الوحدات العسكرية والأمنية، وفقاً لتوجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي وقيادة تحالف دعم الشرعية، بما يمكنها من مواصلة دورها في حماية أمن واستقرار شبوة وصيانة سلمها الاجتماعي.

وفي محافظة المهرة، تفقد قائد قوات درع الوطن العميد عبد الله الجدحي، الأوضاع الأمنية في مديرية شحن والمنفذ الحدودي مع سلطنة عمان، واطلع على مستوى الجاهزية والانضباط والتنسيق بين الوحدات الأمنية والجهات المختصة.

وأكد الجدحي أهمية منفذ شحن لكونه أحد المنافذ الحيوية والاستراتيجية، مجدداً التأكيد على جاهزية قوات درع الوطن لتأمين المنفذ، وضمان انسيابية الحركة وتسهيل إجراءات العبور للمواطنين والمسافرين.

سعي رسمي في سقطرى لتطبيع الأوضاع بالتعاون مع قوة الواجب السعودية (سبأ)

وفي محافظة سقطرى، عُقد لقاء موسع برئاسة المحافظ رأفت الثقلي، ضم قيادات السلطة المحلية ومشايخ المراكز السكانية، وناقش الأوضاع العامة وسبل تعزيز الأمن والاستقرار في المحافظة. طبقاً لما أفادت به المصادر الرسمية.

وأكد المحافظ أهمية توحيد الصف وتعزيز الوعي المجتمعي، مرحباً بقوات «درع الوطن» بوصفها قوة وطنية تعمل بإشراف مجلس القيادة الرئاسي وقيادة التحالف العربي بقيادة السعودية.

وأقر اللقاء - بحسب الإعلام الرسمي - تشكيل لجنة خاصة من مشايخ المحافظة للتواصل المستمر مع قيادة السلطة المحلية وقائد قوات الواجب (808)، بهدف تنسيق الجهود ومعالجة أي إشكالات بصورة عاجلة.

حراك سياسي ودبلوماسي

على مستوى التحركات السياسية والدبلوماسية تواصلت لقاءات أعضاء مجلس القيادة الرئاسي مع شركاء اليمن، وفي هذا السياق التقى عضو المجلس عبد الرحمن المحرمي، السفيرة الفرنسية لدى اليمن كاترين قرم كمون.

ونقل الإعلام الرسمي أن المحرمي أشاد بالموقف الفرنسي الداعم لجهود الإصلاحات الاقتصادية والتنموية في اليمن، مؤكداً أهمية تعزيز الشراكة مع المجتمع الدولي في حماية الممرات المائية وخطوط الملاحة الدولية من التهديدات التي تشكلها الجماعات المسلحة.

كما ثمّن المحرمي الدور الذي تضطلع به السعودية في قيادة جهود خفض التصعيد واحتواء التطورات الأخيرة، وحرصها على تثبيت دعائم الأمن والاستقرار في المحافظات المحررة.

وأكد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن التوصل إلى حل عادل ومنصف للقضية الجنوبية، من خلال حوار جامع، يمثل ركيزة أساسية لدعم الجهود الرامية لاستعادة مؤسسات الدولة، وإنهاء الانقلاب الحوثي، مشدداً على أهمية تعزيز الشراكة مع المانحين الدوليين لدعم برامج الإعمار وتحسين الخدمات.

طارق صالح عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني مجتمعاً مع سفير الاتحاد الأوروبي (سبأ)

من جهته، استقبل عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه، وأفاد الإعلام الرسمي بأن اللقاء ناقش آفاق الشراكة بين اليمن ودول الاتحاد الأوروبي، وجهود مجلس القيادة والحكومة لتثبيت الأمن في المحافظات المحررة، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بالإرهاب والقرصنة في البحر الأحمر.

وثمّن عضو مجلس القيادة - بحسب المصادر الرسمية - مواقف الاتحاد الأوروبي الداعمة لليمن ووحدة أراضيه، مشيداً بدوره في إسناد العمليات الإنسانية خلال السنوات الماضية. وأطلع السفير الأوروبي على التطورات الأخيرة في المحافظات المحررة، مؤكداً أن تحسّن الاستقرار يتطلب تعزيز حضور الدولة ورفع كفاءة الخدمات الأساسية. كما أشاد صالح بالدور الذي تضطلع به السعودية، خصوصاً رعايتها للحوار الجنوبي – الجنوبي المرتقب في الرياض.


بعد ترحيل اليهود والبهائيين… الحوثيون يقمعون معتنقي المسيحية

الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)
TT

بعد ترحيل اليهود والبهائيين… الحوثيون يقمعون معتنقي المسيحية

الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)

بعد سنوات من استهداف الأقليات الدينية في اليمن، صعّدت جماعة الحوثيين من حملتها القمعية لتطول معتنقي المسيحية، في تطور وصفه حقوقيون بأنه «حلقة جديدة» على مسار من الاضطهاد الديني المنهجي.

ووفق مصادر محلية وبيانات حقوقية، فقد نفذت الجماعة خلال الأسابيع الماضية حملات اعتقال واسعة، شملت العشرات من اليمنيين المسيحيين في صنعاء ومحافظات أخرى، بالتوازي مع استمرار احتجاز أكثر من 100 ناشط ومدني في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء).

وأكد «المجلس الوطني للأقليات» في اليمن، وهو كيان حقوقي يضم ممثلين عن الطوائف اليهودية والبهائية والمسيحية والمهمشين، أن الاعتقالات الأخيرة تمثل تصعيداً خطيراً يستهدف حرية الدين والمعتقد، ويقوّض ما تبقى من القيم الإنسانية والقانونية في البلاد، محذراً بأن هذه الممارسات ترقى إلى مستوى «الاضطهاد الديني المنظم».

وأوضح «المجلس»، في بيان وزعه على وسائل الإعلام، أن جماعة الحوثيين، وبعد «استئصال الوجود اليهودي في اليمن، وترحيل رموز الطائفة البهائية، خلال السنوات الماضية، وجّهت بوصلتها القمعية نحو أتباع الديانة المسيحية، في إطار سياسة منظمة تقوم على الإقصاء الديني واستهداف التنوع المذهبي والفكري».

الجماعة الحوثية استهدفت أتباع الديانات الأخرى بالاعتقال والترحيل (إعلام محلي)

وأشار البيان إلى أن الجماعة سبق أن اعتقلت 7 يمنيين مسيحيين، عادّاً ذلك مؤشراً واضحاً على «مسار ممنهج في الاضطهاد، وليس حوادث معزولة». وأضاف أن الاعتقالات التعسفية الأخيرة شملت «مواطنين لا ذنب لهم سوى انتمائهم الديني، في انتهاك صارخ لمبادئ حقوق الإنسان والمواثيق الدولية التي تكفل حرية الفكر والوجدان والمعتقد».

وشدد «المجلس» على أن اليمنيين من أتباع الديانة المسيحية يشكلون جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني، ويتمتعون بالحقوق والواجبات نفسها كسائر المواطنين، وأن استهدافهم بسبب معتقدهم يمثل اعتداءً مباشراً على مبدأ المواطنة المتساوية، وعلى وحدة المجتمع، ويغذي خطاب الكراهية والانقسام.

انتهاك فاضح

ووصف «المجلس الوطني للأقليات» هذه الممارسات بأنها «انتهاك جسيم لحرية الدين والمعتقد، وهي حق أصيل كفلته الشرائع السماوية قبل القوانين الوضعية»، مؤكداً أن «العلاقة بين الإنسان وربه تقوم على الاختيار والضمير الحر، لا على الإكراه والترهيب». وعدّ أن ما تقوم به جماعة الحوثيين يكشف عن زيف شعارات «التعايش» التي ترفعها، و«يفضح التناقض العميق بين خطابها الديني المعلن وسلوكها القائم على الإكراه والعقاب الجماعي على أساس المعتقد».

وأكد البيان أن هذه الممارسات تضع الجماعة في خانة «الجماعات المتطرفة الراديكالية» التي «تستخدم الدين أداة للهيمنة والسيطرة، وتحول الخلاف الديني إلى ذريعة للقمع والاعتقال، وهي أفعال ترقى إلى مستوى الاضطهاد الديني، وتشكل نوعاً من الإرهاب الفكري والعقائدي».

العشرات من عمال الإغاثة يواجهون أحكاماً بالإعدام في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

وفي سياق متصل، حذر حقوقيون بأن تصاعد الانتهاكات لا يقتصر على الأقليات الدينية، بل يشمل أيضاً عمال الإغاثة والناشطين، حيث يواجه العشرات منهم أحكاماً بالإعدام أو محاكمات تفتقر إلى أدنى معايير العدالة في مناطق سيطرة الحوثيين؛ مما يعكس اتساع دائرة القمع وتوظيف القضاء لأغراض سياسية وآيديولوجية.

وطالب «المجلس الوطني للأقليات» في اليمن بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين المسيحيين، وكل معتقلي الرأي والمعتقد، محمّلاً جماعة الحوثيين المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن سلامة المعتقلين، وعن أي أضرار جسدية أو نفسية قد يتعرضون لها خلال الاحتجاز.

دعوة لمساءلة دولية

ودعا «المجلس» المعني بحقوق الأقليات، الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والمقررين الخاصين المعنيين بحرية الدين والمعتقد، وكل المنظمات الدولية والإقليمية ذات الصلة، إلى «اتخاذ موقف واضح وحازم، والضغط الجاد لوقف هذه الانتهاكات، وضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب».

وفي الوقت ذاته، حمّل «المجلس» الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دولياً مسؤولية التحرك الجاد للدفاع عن حقوق جميع المواطنين دون تمييز، مطالباً بإدانة صريحة لهذه الانتهاكات، والعمل على إدخال تعديلات دستورية وقانونية تضمن حرية الدين والمعتقد وحرية الضمير، وتكفل حق كل إنسان في اختيار معتقده دون إكراه أو وصاية.

وشدد البيان على أن «حرية الدين والمعتقد ليست امتيازاً تمنحه سلطة سياسية أو دينية، بل حق إنساني أصيل»، وأن «أي سلام حقيقي أو دولة عادلة في اليمن لا يمكن أن تقوم دون ضمان هذا الحق، وتجريم كل أشكال الإكراه الديني، سواء مورست بالسلاح أو بالقانون أو بالضغط الاجتماعي»، محذراً بأن «استمرار الصمت الدولي سيشجع على مزيد من الانتهاكات ويعمّق مأساة اليمنيين».