بروفايل: ولد لبات... الوسيط الأفريقي صانع السلام

عرف السجون وهو صغير وقاد أول مهمة وساطة خطيرة وهو في الـ23 من العمر

بروفايل: ولد لبات... الوسيط الأفريقي صانع السلام
TT

بروفايل: ولد لبات... الوسيط الأفريقي صانع السلام

بروفايل: ولد لبات... الوسيط الأفريقي صانع السلام

رفع محمد الحسن ولد لبات إشارة النصر وهو يستعد لإلقاء كلمة بمناسبة التوقيع على وثيقة دستورية تنهي الأزمة في السودان. ومع نهاية كلمته، حمله السودانيون على الأعناق وفاء للرجل الذي آمن منذ البداية بقدرتهم على التوصل لحل سلمي توافقي، وكانت ابتسامته الوقورة ولغته العربية الجزلة، مع خبرة كبيرة في حل النزاعات الأفريقية، هي المميزات التي توكأ عليها الرجل لإطفاء نار واحدة من أسوأ الأزمات في تاريخ السودان الحديث؛ أزمة دفع فيها السودانيون الثمن من أرواح شبابهم الطامحين إلى التغيير، في ثورة أعادت للسودان عنفوان شبابه، وأحيت تاريخه المتجذر وقصص الأميرات الكنداكات السمراوات الجميلات.

ولكن الخبير القانوني والدبلوماسي الموريتاني يعيد هذا الانتصار إلى إرادة السودانيين التي يقول إنها هي التي صنعت المعجزة، مكتفياً بالقول إن عمله كان تسهيل الأمور كوسيط يقف على الحياد، ويؤمن بالحوار وسيلة وحيدة لإيجاد الحل، ويستند إلى إرث كبير من حب السودان وشعبه، ورثه من البيئة التي تربى فيها هناك في بوادي موريتانيا، على الضفة الأخرى من أفريقيا؛ يقول الرجل إن الحب هو الذي منحه القدرة على الصبر والإيمان والتفاؤل خلال 452 اجتماعاً عقدها مع أطراف أزمة السودان.
وينحدر محمد الحسن ولد لبات من بيئة تقليدية محافظة في الجنوب الغربي من موريتانيا، وهو من مواليد 1953، في ضواحي مدينة «واد الناقة» التي تبعد 50 كيلومتراً إلى الشرق من نواكشوط، حيث تقيم قبيلته المعروفة في الجنوب الموريتاني بأنها قبيلة علم، حيث تبحر رجالها في اللغة والنحو والفقه.
المنطقة التي تربى فيها «ولد لبات» كانت تقع بين مدينتي «نواكشوط» و«بتلميت»، وهما أهم مدينتين موريتانيتين في تلك الحقبة، فالأولى عاصمة البلاد، والثانية ينحدر منها «أبُ الأمة» المختار ولد داداه؛ في هذه الأجواء والبيئة تربى الفتى، وأكمل حفظ القرآن الكريم وبعض متون اللغة والنحو والفقه، وعندما كان يشد الرحال نحو العاصمة نواكشوط لدخول المدرسة الابتدائية، كانت البلاد تنال استقلالها عن المستعمر الفرنسي (1960)؛ خرج الفتى «ولد لبات» من قريته الصغيرة إلى العاصمة التي لم يمض على تأسيسها أكثر من 4 سنوات فقط، وما تزال بعيدة من أن تحمل صفة المدينة، ولكنها مع ذلك كبيرة بالمقارنة مع باديته البسيطة التي تتشكل من خيام الوبر المصنوع محلياً، والقماش الذي يجلبه التجار من المغرب وبلاد السودان.
عندما وصل إلى نواكشوط، كانت الأجواء العامة في البلاد غير مستقرة سياسياً، فالرئيس «ولد داداه» وأنصاره يحتفلون بالاستقلال، بينما يقبع رموز معارضته في السجن، وهم الذين يعدون الاستقلال غير حقيقي، ويناضلون من أجل خروج الفرنسيين بصفة نهائية، وتعريب الإدارة والتعليم، وهي مطالب عدها «ولد داداه» سابقة لأوانها، فالبلد هش، وليس من مصلحته أن يقطع الصلة بالمستعمر السابق.
وكانت حركة «الكادحين» اليسارية تتصدر النضال المعارض، وتحقق انتشاراً واسعاً في صفوف الشباب والنساء، فخطف بريقها بصر الفتى القادم من البادية رغم صغر سنه. ومع نهاية ستينات القرن الماضي، أصبح واحداً من قادة الحركة الطلابية، ليُطرد من الثانوية بسبب مواقفه المعارضة، ويدخل السجن عدة مرات نهاية الستينات ومطلع السبعينات، وهو لما يكمل بعدُ عقده الثاني.
بعد خروجه من السجن، كانت نضالات حركة «الكادحين» التي ينشط في صفوفها قد أثمرت عن قرار بتنظيم أول امتحان باكالوريا باللغة العربية عام 1974، فقرر أن يشارك فيه وهو الذي درس باللغة الفرنسية، ولكن ذلك لم يمنعه من الحصول على شهادة بكالوريا مكنته من دخول مدرسة تكوين الأساتذة بنواكشوط، ليتخرج منها أستاذاً مزدوجاً، يدرس باللغتين: العربية والفرنسية، وهو أمر مطلوب وميزة كبيرة في تلك الفترة.

- المهمة الأولى
خاض «ولد لبات» تجربة التدريس في ثانويات موريتانيا خلال الفترة الممتدة من 1977 حتى 1979، من دون أن يوقف نشاطه السياسي، فكان عضواً فاعلاً في المجلس الأعلى للشباب، بعد اندماج حركة «الكادحين» اليسارية في حزب الشعب الموريتاني الحاكم، وأبان في تلك الفترة عن مؤهلات رشحته لنيل ثقة الرئيس المختار ولد داداه الذي كلفه بمهمة سرية كمبعوث إلى جبهة البوليساريو عامي 1976 و1977، في عز «حرب الصحراء» المشتعلة بين موريتانيا والجبهة، لقد كانت تلك هي أول وساطة يقوم بها «ولد لبات» وهو في الـ23 من العمر، من أجل إنهاء صراع مسلح.
كان نظام «ولد داداه» يريد إيقاف الحرب التي أنهكت موريتانيا وجيشها ضعيف العتاد والخبرة، ولكن مهمة «ولد لبات» لم تفضِ إلى نتيجة، فتدخل قادة المؤسسة العسكرية، وأنهوا الحرب على طريقتهم (1978)، حين عزلوا ولد داداه، وانسحبوا من ساحات القتال لتولي مقاليد الحكم، رفض «ولد لبات» العمل مع الحكومة العسكرية الأولى، وغادر البلاد متوجهاً إلى العاصمة السنغالية دكار، حيث درس في كلية القانون، وواصل نشاطه السياسي كمعارض للنظام العسكري، وتم اعتقاله وسجنه خلال حكم الرئيس محمد خونه ولد هيدالة (1981 - 1984) الذي يوصف بأنه واحد من أكثر الأنظمة العسكرية قسوة في تاريخ موريتانيا.
حصل «ولد لبات» عام 1987 على شهادة دكتوراه في القانون الخاص من جامعة «تولوز» الفرنسية، ليعود فوراً إلى بلاده ويعمل أستاذاً في الجامعة، قبل أن يُعين عميداً لكلية العلوم القانونية والاقتصادية، ولكن التجربة الأكبر والأهم في حياته كانت عام 1991، عندما عينه الرئيس الأسبق «معاوية ولد سيد أحمد الطايع» رئيساً للجنة صياغة أول دستور ديمقراطي تعددي في موريتانيا، وبعد أن نجح في مهمة صياغة الدستور الذي اعتمد في استفتاء شعبي، عينه «ولد الطايع» رئيساً للجامعة (1991)، وهو المنصب الذي استمر فيه حتى تعيينه وزيراً للخارجية عام 1997.
ويوصف «ولد لبات» من طرف كثيرين بأنه المؤسس الفعلي لجامعة نواكشوط، بعد أن كانت قد تأسست شكلياً عام 1981، فهو من شيد بناياتها الكبيرة، ووسع كلياتها ومدرجاتها، لتصبح بشكلها الحالي، كما أدخل تحسينات مهمة على مناهجها ونظمها التربوية، إلا أن فترته لم تخلُ من تجاذبات سياسية قوية داخل الساحة الجامعية التي كانت مهد «إضرابات الخبز» الشهيرة منتصف التسعينات، حين اقتحمت الشرطة الحرم الجامعي، واعتقلت عدداً كبيراً من الطلاب المحتجين على ارتفاع أسعار الخبز.

- العمل الدولي
خرج «ولد لبات» من رئاسة جامعة نواكشوط متوجهاً إلى وزارة الخارجية، ليحمل أول وآخر حقيبة وزارية له (1997 - 1998)، وذلك في إطار حكومة كفاءات عينها «ولد الطايع» بعد انتخابات رئاسية قاطعتها المعارضة، وأثيرت كثير من الشكوك حول نزاهتها. وبعد تجربته القصيرة في الحكومة، توجه «ولد لبات» إلى العمل الدولي، فعمل مع المنظمة الدولية للفرانكوفونية التي أوفدته مبعوثاً إلى بوروندي (1998 - 2000). بعد ذلك، شغل منصب مدير مكتب الوسيط الأفريقي في الحوار بجمهورية الكونغو (2002 - 2000)، وهي المهمة التي كان دوره فيها محل إشادة إقليمية ودولية، وألف كتاباً صدر عام 2005 باللغة الفرنسية حول هذه التجربة.
وعندما ذاع صيت «ولد لبات» في الساحة الأفريقية والدولية، بعد النجاح الذي حققه في الكونغو، استدعاه الرئيس الموريتاني «ولد الطايع»، وطلب منه أن يعمل معه في الحكومة، وعينه على الفور سفيراً في أديس أبابا، لدى إثيوبيا والاتحاد الأفريقي، وهو منصب يناسب الرجل ولا يبعده كثيراً عن أروقة الاتحاد الأفريقي، وقد استمر فيه لعامين؛ من 2003 حتى 2005، ليعين بعد ذلك سفيراً لدى جنوب أفريقيا حتى عام 2007.
وقع انقلاب عسكري على «ولد الطايع» عام 2005، ليلعب «ولد لبات» دوراً أساسياً في إدارة ملف العلاقات الخارجية لنظام المرحلة الانتقالية، خصوصاً العلاقة مع الاتحاد الأفريقي، ويقول مقربون منه إنه ساهم في صياغة تصور للمشروع التوافقي في موريتانيا، وصياغة التعامل مع الهيئات الدولية حتى العودة إلى الوضع الدستوري.
بعد وصول الرئيس المدني «سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله» إلى الحكم في انتخابات 2007، رجع «ولد لبات» إلى العمل في المنظمات الدولية، واعتزل السياسة المحلية بشكل تام، فعمل ممثلاً للأمين العام للمنظمة الدولية للفرانكفونية في تشاد (2008) لتسوية النزاع الداخلي هناك، وهو الملف الذي حقق فيه نجاحاً كبيراً، وبعد ذلك كلف بملف جمهورية الكونغو الديمقراطية (2013)، ثم عمل منسقاً لجهود الاتحاد الأفريقي والمجموعة الدولية من أجل تسوية الأزمة في جمهورية أفريقيا الوسطى (2016)، وقد رشحته هذه التجارب ليكون المبعوث الأفريقي إلى السودان (2019)، النجاح الأكبر في مسيرة الرجل.
منذ 2007 اعتزل «ولد لبات» العمل السياسي في موريتانيا، وكرس وقته للعمل الدولي، ويقول أحد المقربين منه إن لديه حرصاً كبيراً على عدم التدخل في التجاذبات السياسية المحلية، ويضيف المصدر ذاته أن علاقة شخصية قوية تربطه بالرئيس الموريتاني الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني.

- متعصب للغة
يقول أستاذ جامعي سبق أن عمل لسنوات طويلة مع «ولد لبات» إنه رجل واسع الثقافة رغم تكوينه القانوني، مولع بالشعر ويحفظ الكثير منه، مهتم كثيراً بالنحو واللغة، ومولع أيضاً بالاستماع للموسيقى، ويتمتع بشبكة علاقات واسعة جداً في أفريقيا وفي المشرق العربي، وقد شارك في كثير من المؤتمرات الفكرية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وكان ضيفاً في مناسبات كثيرة على مؤتمرات مؤسسة الفكر العربي.
ورغم عمله لسنوات طويلة في أروقة المنظمة الدولية للفرانكفونية في باريس وكثير من العواصم الأفريقية، ظل «ولد لبات» متمسكاً ببعده العربي، بل إن بعض المقربين منه يصفونه بالمتعصب والمهوس باللغة العربية، وينفر بشدة من اللحن والخطأ فيها، ويدافع عن نفسه حين يقول إن عمله في المنظمة الفرانكفونية كان مرتبطاً بشكل أساسي بعمليات حفظ السلام في أفريقيا، رغم اعتزازه بثقافته الفرنسية الرصينة.
لسنوات كثيرة كان «ولد لبات» أستاذاً زائراً في كثير من الجامعات الغربية (كندا والولايات المتحدة)، يدرس التشريع الإسلامي، وهو المتمكن من ناصية اللغة الإنجليزية، ويقول مقربون منه إنه حرص على تدريس هذا التخصص وحده من بين تفريعات القانون الكثيرة التي يمكنه تدريسها.

- الوسيط الناجح؟
يصف «ولد لبات» كتابه عن الوساطة في الكونغو، مطلع الألفية الثالثة، بأنه «شهادة» يهديها إلى أطفال الكونغو «المستفيدون الحقيقيون وبُناة المستقبل»، وقد اختار لغلاف كتابه صورة لثلاثة أطفال كونغوليين وظلالهم، فيما ختم كتابه بالحديث عن زيارته لقرية نائية في الكونغو كان الوصول إليها صعباً بسبب أعمال العنف، ولكن مهمته كوسيط يبحث عن السلام فرضت عليه التنقل إليها؛ قال إنه لن ينسى أبداً نظرات أطفال تلك القرية التي تركت أثراً بالغاً في الرجل، الأثر نفسه الذي ستتركه «كنداكة» السودان بعد قرابة عشرين عاماً.
يتحدث «ولد لبات» في كتابه عن «التشاؤم الأفريقي» الذي هو حالة نفسية ناتجة عن «تكرار وتنوع وقوة الصراعات الأفريقية»؛ صراعات يرى الرجل أنها مظهر من مظاهر أزمة الدولة الأفريقية «الحديثة»، أو الدولة ما بعد الاستعمار، ويضيف أن نظرة «التشاؤم» تسندها الخريطة الجيوسياسية، ويضيف: «من الأركان الأربعة للكوكب الأفريقي، تتصاعد ألسنة اللهب، في واحدة من أكثر السيمفونيات كآبة وخزياً»، ولكنه يفتح باب الأمل حين يؤكد إيمانه بـ«الحل الأفريقي»، وهو حل «سلمي توافقي» تجسد في الكونغو، وتأكد في السودان.
ويؤكد الدبلوماسي الموريتاني أن «الوسيط» أو «المساعد» يمكن وصف مهمة أي واحد منهما بالناجحة عندما تصل إلى وقف فوري لاستخدام القوة، وتتيح الفرصة أمام كل طرف لإنقاذ ماء وجهه، أو عندما تشجع على توقيع اتفاق تسنده حظوظ وضمانات لأن يطبق.



ارتفاع حصيلة هجوم في جنوب السودان إلى 169 قتيلاً

أحد شوارع جوبا عاصمة جنوب السودان (رويترز)
أحد شوارع جوبا عاصمة جنوب السودان (رويترز)
TT

ارتفاع حصيلة هجوم في جنوب السودان إلى 169 قتيلاً

أحد شوارع جوبا عاصمة جنوب السودان (رويترز)
أحد شوارع جوبا عاصمة جنوب السودان (رويترز)

قال وزير الإعلام في منطقة روينج في جنوب السودان، اليوم الاثنين، إن حصيلة الهجوم الذي نفذه مجهولون على بلدة في المنطقة، أمس الأحد، ارتفعت إلى 169 قتيلاً، مقارنة بحصيلة أولية بلغت 122 قتيلاً.

وتصاعدت وتيرة العنف في البلاد خلال الأشهر القليلة الماضية، إذ يهدد الصراع السياسي الداخلي اتفاقية السلام الهشة التي أبرمت عام 2018.

وقال وزير الإعلام جيمس مونيلواك ماجوك إن أحدث هجوم وقع في بلدة أبيمنوم في روينج، التي تعرضت لاقتحام من شبان من منطقة مايوم في ولاية الوحدة المجاورة، حيث وقعت معارك استمرت لأكثر من ثلاث ساعات.

ويعتقد أن تسعين من القتلى مدنيون، بالإضافة إلى 79 جندياً حكومياً. وأضاف مونيلواك أن عدد القتلى قد يرتفع.

رئيس جنوب السودان سلفا كير (أرشيفية - رويترز)

وقال مونيلواك لـ«رويترز»: «نعتقد أن هذا العدد قد يرتفع، لأن العديد من الأشخاص فروا إلى الغابات عند وقوع الهجمات، ولا يزال هناك بعض المفقودين». وأضاف أن الحكومة لا تعرف دوافع الهجوم.

ويسلط هذا العنف الضوء على مخاوف، بعضها من الأمم المتحدة، من تفاقم حالة عدم الاستقرار منذ اعتقال النائب الأول السابق للرئيس، ريك مشار، قبل عام.

ووقع الرئيس سلفا كير اتفاقية سلام مع مشار عام 2018 لإنهاء خمس سنوات من الحرب الأهلية التي خلفت نحو 400 ألف قتيل.

لكن تنفيذ الاتفاقية يسير ببطء، وتكررت الاشتباكات بين القوات المتنازعة بسبب خلافات حول كيفية تقاسم السلطة.


بوركينا فاسو: أكثر من 130 قتيلاً في هجمات إرهابية خلال 10 أيام

وحدة من جيش بوركينا فاسو خلال التدريبات
وحدة من جيش بوركينا فاسو خلال التدريبات
TT

بوركينا فاسو: أكثر من 130 قتيلاً في هجمات إرهابية خلال 10 أيام

وحدة من جيش بوركينا فاسو خلال التدريبات
وحدة من جيش بوركينا فاسو خلال التدريبات

تصاعدت وتيرة الهجمات الإرهابية التي يشنها تنظيم القاعدة في بوركينا فاسو، بينما تشير تقارير إلى أن أكثر من 130 قتيلاً سقطوا في غضون 10 أيام فقط، خلال هجمات دامية في مناطق من شمال وشرق البلاد الواقع في غرب أفريقيا.

وتقف خلف هذا التصعيد الدموي «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لتنظيم القاعدة، وتنشط في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ومؤخراً توسعت نحو نيجيريا وبنين وتوغو.

وبحسب تقرير صادر في فبراير (شباط) الحالي، عن مجلس الأمن الدولي، فإن «وتيرة الهجمات» تراجعت في سبتمبر (أيلول) 2025، بعدما أعاد تنظيم «القاعدة» نشر جزء من مقاتليه في دولة مالي المجاورة لفرض حصار العاصمة باماكو، ومنع إمدادات الوقود عنها.

وحدة من جيش بوركينا فاسو خلال التدريبات

وأكد هيني نسايبيا، المحلل في منظمة «ACLED» المتخصصة في رصد ضحايا النزاعات، أن عمليات تنظيم «القاعدة» في مالي شكلت أولوية لها منذ سبتمبر الماضي، غير أن الهجمات داخل بوركينا فاسو لم تتوقف بالكامل.

رئيس بوركينا فاسو إبراهيم تراوري خلال زيارة للعاصمة الروسية موسكو يوم 10 مايو 2025 (أ.ب)

أكثر من 130 قتيلاً

منذ منتصف الشهر الحالي، كثّف تنظيم «القاعدة» من هجماته في شمال وشرق بوركينا فاسو؛ ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى، من بينهم مدنيون، وكان من أشهر تلك الهجمات استهداف ثكنة عسكرية في مدينة (تيتاو) شمال غربي البلاد، يوم 15 فبراير.

وأكد تنظيم «القاعدة» أن هجومه على الثكنة أسفر عن مقتل «عشرات الجنود»، كما قُتل نحو 10 مدنيين في (تيتاو)، بينهم 7 تجار من غانا، وهاجم التنظيم في اليوم نفسه عناصر من جهاز المياه والغابات في منطقة (تانجاري) شرقاً؛ ما أسفر عن مقتل نحو 50 عنصراً.

ويشير محللون تحدثوا لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أن ما يزيد على 130 شخصاً، من جنود بوركينابيين ومقاتلين مدنيين موالين للجيش وعناصر من الجماعة، سقطوا خلال سلسلة المواجهات بين 12 و22 فبراير. ويرى خبراء أن هذه الموجة الأخيرة اتسمت بدرجة عالية من التنسيق؛ نظراً لتزامن عدة هجمات كبرى خلال مدة زمنية قصيرة.

صورة جماعية لقادة دول «إيكواس» خلال قمتهم في أبوجا بنيجيريا 15 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

تصعيد في رمضان

لم يصدر بيان رسمي من تنظيم «القاعدة»، يفسر أسباب هذا التصعيد، إلا أن باحثين يلفتون إلى أن التنظيمات الإرهابية غالباً ما تكثف عملياتها قبيل وخلال شهر رمضان، وهو نمط متكرر في منطقة الساحل وغرب أفريقيا.

كما أن الموسم الجاف الحالي يسهل التحركات السريعة في الميدان، بسبب جفاف أفرع الأنهار وتوقف الأمطار؛ ما يمنح المقاتلين قدرة أكبر على تنفيذ عمليات معقدة ومتزامنة.

وتركزت الهجمات الأخيرة في منطقتين تمثلان أهمية استراتيجية ومالية للتنظيم، أولاهما شمال بوركينا فاسو حيث يشكل جسراً نحو القيادة المركزية للتنظيم في مالي، وثانيتهما الشرق الذي يضم مجمع الغابات المعروف على الحدود مع النيجر وبنين؛ ما يتيح توسيع العمليات نحو دول الجوار.

وتوفر هذه الغابات الشاسعة ملاذاً طبيعياً يحمي المقاتلين من الضربات الجوية، كما تمثل مصدر دخل مهماً عبر التجارة غير المشروعة في الأخشاب والسيطرة على مواقع التنقيب الأهلي عن الذهب.

ويرى محللون أن الهجوم على (تانجاري)، القريبة من العاصمة الإقليمية فادا نغورما، يعكس هامش الحركة الواسع الذي اكتسبته الجماعة في الشرق خلال السنوات الأخيرة.

يثير هذا التصعيد تساؤلات حول قدرة جيش بوركينا فاسو على الحد من الخسائر البشرية، رغم أنه أكد في أكثر من مرة تحسن التجهيز والتنظيم والقدرة على التدخل السريع والدعم الناري.

دورية لعناصر من الجيش المالي بالعاصمة باماكو في أغسطس 2020 (أ.ب)

وكان الجيش قد أعلن في منتصف فبراير أنه يسيطر على 74 في المائة من أراضي البلاد، مشيراً إلى «استعادة 600 قرية» من قبضة الإرهابيين.

لكن تقرير مجلس الأمن الدولي أشار إلى أن تنظيم «القاعدة» عيّن مؤخراً قيادياً رفيعاً في شرق البلاد، يدعى (سيكو مسلمو)، وهو بوركينابي الجنسية، مكلف بتوسيع نشاط التنظيم نحو بنين وكوت ديفوار وغانا والنيجر وتوغو؛ ما يعكس بعداً إقليمياً متنامياً للتهديد.

وقبل أسبوع، أصدرت «مجموعة الأزمات الدولية» (International Crisis Group)، تقريراً تحت عنوان «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ومعضلة التوسع إلى ما وراء الساحل»، تناولت فيه مخاطر توسيع التنظيم. وتحدثت المجموعة عن التحديات والفرص التي تواجه تنظيم «القاعدة»، في سعيه للتمدد نحو دول خليج غينيا، حيث أشارت المجموعة إلى أن تنظيم القاعدة بدأ الزحف من مالي نحو الجنوب عام 2019، ولكن هدفه لم يكن «السيطرة الإقليمية الكاملة»، وإنما في بعض الأحيان يسعى إلى «خلق مناطق خلفية للانسحاب، أو تخفيف الضغط العسكري في الساحل».

الرئيس الغاني جون ماهاما لدى زيارته أحد مواطنيه المصابين في الهجوم الذي شنه متشددون بشمال بوركينا فاسو الأسبوع الماضي (رويترز)

ضربة في النيجر

على صعيد آخر، أعلن جيش النيجر تنفيذ سلسلة عمليات أمنية واسعة، الأسبوع الماضي، أسفرت عن تحييد 17 عنصراً إرهابياً، واعتقال 33 شخصاً متورطين في أنشطة إجرامية عبر مختلف أنحاء البلاد.

وتواجه النيجر تحديات أمنية كبيرة بسبب تزايد نفوذ جماعات مرتبطة بتنظيمي «القاعدة» و«داعش»، تمتلك قدرة كبيرة على تنفيذ هجمات منسقة في مناطق مختلفة من البلاد، بما في ذلك العاصمة نيامي. وقال الجيش في نشرته الأسبوعية، إن عملياته الأخيرة شملت مهام تأمين ومداهمات واستناداً إلى معلومات استخباراتية، ما مكّن من توقيف مطلوبين وتسليمهم إلى الجهات القضائية المختصة.

وأعلن الجيش أنه استعاد السيطرة على أسلحة وذخيرة، كما رصد 3 عبوات ناسفة بدائية الصنع؛ حيث نجحت الفرق المتخصصة في تفكيك اثنتين منها، بينما انفجرت الثالثة دون تسجيل خسائر بشرية، بينما لحقت أضرار مادية طفيفة بمركبة عسكرية.


رئيس جنوب أفريقيا يأمر بفتح تحقيق في مشاركة إيران بمناورات بحرية

رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامابوزا (رويترز)
رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامابوزا (رويترز)
TT

رئيس جنوب أفريقيا يأمر بفتح تحقيق في مشاركة إيران بمناورات بحرية

رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامابوزا (رويترز)
رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامابوزا (رويترز)

أمرت رئاسة جنوب أفريقيا، الخميس، بإجراء تحقيق في مشاركة إيران بمناورة بحرية قبالة سواحل كيب تاون، خلافاً لتعليمات سيريل رامابوزا.

وأفادت الرئاسة، في بيان، بأن تشكيل لجنة التحقيق المكونة من ثلاثة قضاة «يتعلق بمخالفة تعليمات الرئيس بعدم مشاركة بحرية إيران في مناورة (إرادة السلام) 2026 التي قادتها الصين وجرت في مياه جنوب أفريقيا».

وشاركت الصين وروسيا في المناورات إلى جانب قوات من دول مجموعة «بريكس»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان رامابوزا قد أعطى توجيهات لوزير الدفاع بسحب السفن الحربية الإيرانية الثلاث من المناورات التي تزامنت مع حملة قمع نفذتها السلطات في طهران بحق محتجين. واعتبرت الولايات المتحدة في حينه أن مشاركة إيران كانت «غير مقبولة».

وذكرت وسائل إعلام محلية في ذلك الوقت أن رامابوزا طلب أن تشارك إيران كمراقب فقط، لكن دون جدوى.

وفي أعقاب الجدل الذي أثاره استمرار إيران في المناورات، أعلنت وزارة الدفاع في جنوب أفريقيا منتصف يناير (كانون الثاني) عن فتح تحقيق. لكن الرئاسة قررت تعيين لجنة خاصة بها؛ «لضمان إجراء تحقيق مستقل وفي الوقت المناسب»، بحسب البيان.

وأضافت أن «اللجنة ستحقق وتقدم توصيات فيما يتعلق بالظروف المحيطة بالتدريبات، والعوامل التي ربما أسهمت في عدم مراعاة أمر الرئيس، والشخص المسؤول والعواقب التي ستتبع ذلك». وحدد رامابوزا مهلةً شهراً واحداً للقضاة لإكمال عملهم وتقديم تقريرهم.

وذكّر البيان بأن الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة. وهذه ليست المرة الأولى التي تظهر فيها الخلافات بين الحكومة والجيش في جنوب أفريقيا إلى العلن.

ففي أغسطس (آب) من العام الماضي، قالت وزارة الخارجية إن «التصريحات التي يدلي بها أفراد أو إدارات غير مسؤولة عن السياسة الخارجية لا ينبغي اعتبارها الموقف الرسمي» للحكومة. وجاء ذلك بعد تصريحات أدلى بها ضابط رفيع المستوى في أثناء زيارته لإيران ونقلتها وسائل الإعلام المحلية في طهران.