السيسي: الجيش العراقي قوي بما يكفي لمحاربة «داعش» ونحن ملتزمون بالدعم

الرئيس المصري يتوجه اليوم إلى نيويورك متحديا «المناوشات»

الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حواره مع «أسوشيتيد برس» أمس (أ.ب)
الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حواره مع «أسوشيتيد برس» أمس (أ.ب)
TT

السيسي: الجيش العراقي قوي بما يكفي لمحاربة «داعش» ونحن ملتزمون بالدعم

الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حواره مع «أسوشيتيد برس» أمس (أ.ب)
الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حواره مع «أسوشيتيد برس» أمس (أ.ب)

قبل سويعات قليلة من مغادرته صباح اليوم متجها إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أبدى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي استعداده للمشاركة بـ«أي جهد ممكن» في جهود محاربة تنظيم «داعش»، لكنه أكد في ذات الوقت الحاجة إلى «استراتيجية شاملة» لمجابهة جذور التطرف في المنطقة بكاملها، وشدد على أن التدخل العسكري ليس الحل الوحيد للأزمة. كما أكد أن باب عودة أنصار جماعة الإخوان إلى السياسة مفتوح، شريطة نبذ العنف.
وفي حديث هو الأول من نوعه لوسيلة إعلام غربية منذ توليه الرئاسة في يونيو (حزيران) الماضي، سعى السيسي للتأكيد على موقفه وموقف الدولة المصرية في مواجهة الإرهاب. وأن ذلك السبب تحديدا كان أحد أسباب الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي، المنتمي إلى جماعة الإخوان، الذي عزل عقب انتفاضة شعبية ضده الصيف الماضي، وهي الخطوة التي تسببت في بعض التوترات للعلاقات المصرية مع بعض القوى الغربية والإقليمية، وعلى رأسها واشنطن.
وقال السيسي في حواره مع وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية، مساء أمس: «أدركت خطورة الإسلام السياسي منذ عام»، مشددا بقوله «إذا لم أتصرف، فإن أكثر الدول العربية سكانا كانت ستسقط في فخ الحرب الأهلية، وتسفك فيها الدماء على غرار الموجود الآن في سوريا والعراق». وأضاف السيسي «حذرت من هذا الخطر الكبير قبل عام.. لكن لم يكن واضحا (للآخرين) حتى ظهرت الأحداث في العراق واجتياح (داعش) لجزء كبير من هذا البلد».
ولم يفصح الرئيس المصري في المقابلة التي جرت في قصر الاتحادية الرئاسي عن نوع الجهود التي قد تشارك بها مصر في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية في محاربة «داعش»، وعندما سئل عما إذا كانت مصر قد توفر الوصول الجوي أو الدعم اللوجيستي للغارات الجوية، رد قائلا: «نحن ملتزمون تماما بتقديم الدعم، وسنفعل كل ما هو مطلوب». لكنه بدا أنه يستبعد إرسال قوات برية، قائلا إن «الجيش العراقي قوي بما فيه الكفاية لمحاربة المتشددين وأن المسألة ليست مسألة القوات البرية من الخارج».
وأوضح السيسي أنه «من المهم جدا وقف انضمام المتطرفين الأجانب إلى الجماعات المسلحة في سوريا والعراق»، محذرا من أنهم سيعودون إلى بلدانهم، بما في ذلك أوروبا، وأضاف «هناك حاجة لاستراتيجية أوسع تعالج أيضا الفقر وتحسين التعليم في المنطقة».
وحول مصير ومستقبل جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وحلفائها، أوضح الرئيس المصري أنه «كانت لديهم فرصة لحكم مصر، لكن المصريين ثاروا عليهم». مؤكدا أن الجماعة «اختارت المواجهة»، لكنه شدد أن أتباع الجماعة التي تم حظرها واعتبارها جماعة إرهابية، يمكنهم المشاركة السياسية في المستقبل، إذا نبذوا العنف، بحسب ما نقلته الوكالة الأميركية. وأضاف أن «مصر تغفر بشدة؛ لأي شخص لا يلجأ إلى العنف.. وهناك فرصة للمشاركة».
ويبدأ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اليوم (الأحد) زيارة إلى نيويورك حيث يترأس وفد بلاده المشارك في أعمال الدورة 69 للجمعية العامة للأمم المتحدة، كما يلقي الرئيس السيسي كلمة المجموعة العربية أمام قمة المناخ التي دعا إليها الأمين العام للمنظمة بان كي مون، وذلك وسط ترجيحات دبلوماسية لأن تشهد الزيارة لقاء رئاسيا مصريا أميركيا على هامش الاجتماعات الأممية، وإن لم يجر الإعلان حتى الآن عن تنسيق بهذا الشأن.
وتأتي زيارة السيسي عقب أيام قلائل من اجتيازه بنجاح لاختبار المائة يوم الأولى له في حكم مصر، وهو ما يراه سياسيون ومراقبون اختبارا ثانيا على المستوى الدولي، وتحديا لبعض القوى الإقليمية والدولية التي تعارض السياسة المصرية، ربما تستغل الفرصة من أجل محاولة إحراج مصر وقيادتها الجديدة، لكن مراقبين يرون أن «السيسي قبل التحدي بشجاعة، ولم يتهرب منه».
وقال السفير عبد الرؤوف الريدي، سفير مصر الأسبق لدى واشنطن، لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة هامة للغاية، لأن الرئيس سيعطي رسالة للعالم كله عن الوضع المصري في أهم لقاء من نوعه يحضره قادة العالم، خاصة أنه يأتي في توقيت حساس»، موضحا أن «الكلمة ستشمل موجزا عن خارطة الطريق المصرية والوضع الداخلي، وأيضا الحديث عن الدور المصري في مواجهة الإرهاب، في ظل الاهتمام العالمي بمكافحة الإرهاب في المنطقة والعالم، خاصة مكافحة تنظيم داعش».
وثمن الريدي قرار السيسي بالذهاب إلى الأمم المتحدة، رغم ما قد تشهده الزيارة من مضايقات، قائلا: «إنه قرار جريء كما اعتدنا من الرئيس السيسي دائما، لكنها جرأة محسوبة دائما؛ وليست مجرد اندفاع»، و«أمور المضايقات هامشية، لأن انسحاب رئيس أو ما شابه من قاعة الاجتماع خلال كلمة السيسي ليست له أي قيمة، ولن يلتفت له أو يلحظه أحد».
وحول المظاهرات التي تعتزم جماعة الإخوان عقدها خارج مبنى الأمم المتحدة، علق الريدي، الذي سبق وأن عمل طويلا في البعثة المصرية لدى الأمم المتحدة، قائلا «يشهد محيط المبنى في تلك المناسبات ما يشبه سوق عكاظ، حيث يتظاهر كل من له مطلب. ولن تكون مؤثرة».
وتوقع دبلوماسيون مصريون عقد لقاء قمة مصري أميركي على هامش الاجتماعات، وقال الريدي: «احتمال قائم، وأرجحه لأنها المرة الأولى التي يوجد فيها السيسي وأوباما في مكان واحد، وفي الأغلب سيجري لقاء». وسيلقي الرئيس السيسي، في زيارته الأولى إلى أميركا عقب توليه الرئاسة في مطلع يونيو (حزيران) الماضي، كلمة بعد غد (الثلاثاء) أمام قمة المناخ نيابة عن المجموعة العربية، حيث يعبر عن مطالب الدول النامية في طلب مساندة الدول الصناعية الكبرى للدول النامية بتقديم الدعم الفني والمادي لتطوير قدراتها الصناعية والتنموية باعتبارها تتحمل المسؤولية الأكبر عن ارتفاع معدلات التلوث التي تسببت في تفاقم ظاهرة التغيرات المناخية التي يواجهها كوكب الأرض.
كما يلقي السيسي يوم الخميس المقبل كلمة مصر أمام اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث يستعرض التجربة المصرية، موضحا ما حققته مصر منذ 30 يونيو 2013 حتى الآن من خطوات نحو الديمقراطية والدولة الحديثة، ومنها إقرار الدستور الجديد وإجراء الانتخابات الرئاسية بمتابعة دولية. كما تحتل محاربة ظاهرة الإرهاب والتطرف جانبا مهما من كلمة الرئيس السيسي، حيث يشدد على ضرورة عدم اختزال المواجهة على تنظيم بعينه أو منطقة محدودة في العالم.
وتوقعت مصادر مصرية أن يواجه السيسي ببعض المناوشات خلال القمة خاصة من قبل بعض الدول التي تدعم علنا جماعة الإخوان. وفي تصريحات إعلامية، قال الكاتب السياسي البارز محمد حسنين هيكل: «أعذر الرئيس عبد الفتاح السيسي وقلبي معه، وتصورت أنه سيعتذر عن حضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، لأننا أمام عالم يحاكم المنطقة، فما دامت الدورة مخصصة للإرهاب، فنحن في قفص الاتهام».
لكن وزير الخارجية الأسبق محمد العرابي، أوضح أن زيارة السيسي للولايات المتحدة سترفع معنويات مصر لدى كل الدول الخارجية، وستعمل على تحقيق التنمية الحقيقية لمصر التي ستقضى على الإرهاب. مشيرا في تصريحات إعلامية إلى أن «كل دولة ستتحدث عن شؤونها فقط خلال الاجتماع، تركيا فقط من المتوقع أن تتحدث عن الوضع في مصر دعما لجماعة الإخوان».
وتواترت أنباء عن اعتزام عدد من أنصار جماعة الإخوان لتنظيم مظاهرات في نيويورك بالتزامن مع إلقاء السيسي كلمته، وذلك من أجل وضع بعض من الضغوط على القيادة المصرية؛ خاصة بعد ما شهده التحالف المؤيد لجماعة الإخوان المعروف إعلاميا بتحالف «دعم الشرعية» من تحلل وتآكل داخل مصر عقب انسحاب عدد كبير من قياداته وأحزابه.. لكن قوى مصرية أعلنت اعتزامها بدورها تنظيم مظاهرات مضادة.
وأصدرت الجالية المصرية في نيويورك بيانا رسميا ردا على ما وصفته بـ«المخطط الخبيث لإفساد فرحة المصريين بزيارة السيسي»، دعت فيه المصريين في نيويورك إلى إظهار الترحيب بالرئيس المصري وإظهار دعمهم له خلال إلقاء كلمة مصر وعدم ترك الساحة خالية تماما للإخوان وحلفائهم. كما دعت قوى سياسية وحزبية مصرية إلى وقفات أمام الأمم المتحدة، لدعم الرئيس السيسي خلال كلمته.
وعلى صعيد متصل، طالبت قوى سياسية مصرية الرئيس السيسي بضرورة إعداد ملف حول جرائم وإرهاب الإخوان وعرضه أمام العالم خلال اجتماعات الأمم المتحدة. وقال المستشار يحيى قدري، عضو المجلس الرئاسي لائتلاف الجبهة المصرية، إن ذلك ضروري «للتنبيه إلى خطورة الوضع الإقليمي على السياسة العالمية، والتحذير من خطورة التنظيمات الإرهابية».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.