واشنطن «قلقة» إزاء التحركات العسكرية الصينية على الحدود مع هونغ كونغ

بكين تدين «الأفعال شبه الإرهابية» للمحتجين

رد فعل صاحبة مطعم بعد إطلاق الأمن قنبلة مسيلة للدموع في هونغ كونغ أمس (أ.ف.ب)
رد فعل صاحبة مطعم بعد إطلاق الأمن قنبلة مسيلة للدموع في هونغ كونغ أمس (أ.ف.ب)
TT

واشنطن «قلقة» إزاء التحركات العسكرية الصينية على الحدود مع هونغ كونغ

رد فعل صاحبة مطعم بعد إطلاق الأمن قنبلة مسيلة للدموع في هونغ كونغ أمس (أ.ف.ب)
رد فعل صاحبة مطعم بعد إطلاق الأمن قنبلة مسيلة للدموع في هونغ كونغ أمس (أ.ف.ب)

أعربت الولايات المتحدة، أمس، عن قلقها من تحركات القوات الصينية على الحدود مع هونغ كونغ ودعت بكين إلى احترام الحكم الذاتي في المنطقة، مع استمرار الاحتجاجات.
وبعد يوم من تصريح للرئيس دونالد ترمب بدا وكأنه ينأى بنفسه عن الوضع في هونغ كونغ، أعرب متحدث باسم وزارة الخارجية عن القلق بشأن «التقليص المتواصل» للحكم الذاتي في المنطقة، مؤكدا الدعم «القوي» لحرية التعبير والتجمع السلمي في المنطقة.
وقال المتحدث الذي طلب عدم الكشف عن اسمه في بيان إن «الولايات المتحدة تشعر بالقلق الشديد من تحركات الصين العسكرية على الحدود مع هونغ كونغ». وأضاف أن «الولايات المتحدة تدعو بكين بقوة إلى احترام التزاماتها في الإعلان الصيني البريطاني المشترك للسماح لهونغ كونغ بممارسة أعلى درجات الحكم الذاتي».
وأكد أن الاحتجاجات التي أدت إلى الإغلاق الجزئي لمطار هونغ كونغ الدولي الثلاثاء، تعكس «مخاوف واسعة ومشروعة» لدى مواطني هونغ كونغ بشأن خسارة الحكم الذاتي الذي تم الاتفاق عليه في اتفاق بين لندن وبكين بشأن إعادة المستعمرة البريطانية السابقة إلى الصين في 1997، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية. وأضاف: «ندين العنف وندعو جميع الأطراف إلى ممارسة ضبط النفس، ولكننا نبقي على تأييدنا القوي لحرية التعبير وحرية التجمع السلمي في هونغ كونغ». وتابع: «نحن نرفض بشكل قاطع التهمة الزائفة بأن قوى خارجية لها يد سوداء وراء الاحتجاجات».
في المقابل، ردت الصين بغضب أمس على المتظاهرين غداة تعرض صينيين اثنين للضرب في مطار هذه المنطقة التي تتمتع بحكم ذاتي، معتبرة ذلك «أفعالا شبه إرهابية». وكان المتظاهرون غادروا مطار هونغ كونغ الدولي صباح أمس بعد يومين من تجمّعات حاشدة اتخذت منحى عنيفاً ليل الثلاثاء، وأغرقت المدينة التي تُعتبر مركزاً مالياً دولياً في مزيد من الفوضى.
وانتهت المظاهرات في وقت مبكّر صباح أمس بعد سلسلة مواجهات استخدم خلالها شرطي سلاحا ناريا لصدّ متظاهرين كانوا يهاجمونه، فيما أطلق آخرون بخاخات الفلفل. وفي إطار الفوضى التي شهدها المطار، قامت مجموعة صغيرة من المتظاهرين مساء الثلاثاء بربط رجل يشتبهون بأنه جاسوس لحساب بكين بواحدة من عربات الأمتعة، وبضربه. وقد نقل بسيارة إسعاف إلى أحد المستشفيات بعد ذلك. وذكرت صحيفة «غلوبال تايمز» الرسمية الناطقة بالإنجليزية أن الرجل هو أحد صحافييها.
وفي حادث آخر، هاجم متظاهرون رجلا آخر اعتبروه شرطيا مندسا بينهم. وانتهزت الحكومة الصينية على الفور فرصة الهجومين لتعبر عن غضبها من المتظاهرين. وقال تشو لوينغ، الناطق باسم مكتب شؤون هونغ كونغ وماكاو في الحكومة الصينية، في بيان أمس: «ندين بأكبر درجات الحزم هذه الأفعال شبه الإرهابية».
وهي المرة الثانية خلال الأسبوع الجاري التي تصف فيها الصين الاحتجاجات بأنها «إرهاب»، في إطار تحذيراتها المبطنة التي تثير مخاوف من استخدامها القوة لوقف الاضطرابات.
وقد أدانت بكين الاثنين المتظاهرين العنيفين الذين قاموا برشق رجال الشرطة بزجاجات حارقة معتبرة أن في ذلك مؤشرات على «إرهاب». وقال المتحدث باسم مجلس شؤون هونغ كونغ وماكاو، يانغ غوانغ، في مؤتمر صحافي إن «المتظاهرين المتطرفين في هونغ كونغ استخدموا مراراً أدوات شديدة الخطورة للهجوم على عناصر الشرطة».
وأضاف أن ذلك «يشكل أساساً جريمة عنيفة وخطيرة، لكن أيضاً يعدّ أول المؤشرات على إرهاب متصاعد»، معتبرا أن في ذلك «تخطياً عنيفاً لحكم القانون والنظام الاجتماعي في هونغ كونغ».
وكانت التجمعات المطالبة بالديمقراطية شلت الاثنين والثلاثاء المطار الدولي الثامن في العالم من حيث عدد المسافرين (74 مليون مسافر في 2018)، ما أدى إلى تفاقم أسوأ أزمة سياسية تواجهها بكين منذ إعادة المستعمرة البريطانية السابقة إلى الصين في 1997.
وأعلن الموقع الإلكتروني للمطار صباح أمس أن عشرات الرحلات أقلعت ليل الثلاثاء إلى الأربعاء، إضافة إلى مئات الرحلات أخرى من المقرر أن تقلع خلال يوم أمس، على الرغم من تأخير موعد الكثير منها.
وتوجّه مايكل وهو سائح يبلغ 25 عاماً قدم من دبي، إلى المطار قبل 12 ساعة من موعد رحلته، كي يتجنّب مظاهرات محتملة في وقت لاحق من اليوم. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية: «أشعر أن (المتظاهرين) يقاتلون حقاً من أجل حريتهم، قلبي معهم بشكل ما». إلا أنه أشار إلى أنهم يُخطئون في اختيار أهدافهم عبر إلحاق الضرر بركاب «لا علاقة لهم بما يجري، فهم بشكل أساسي سياح».
وانطلقت الحركة الاحتجاجية المطالبة بالديمقراطية التي نزل خلالها ملايين الأشخاص إلى شوارع هونغ كونغ، مطلع يونيو (حزيران) من رفض مشروع قانون مثير للجدل للحكومة الموالية لبكين يسمح بترحيل مطلوبين إلى الصين. لكن سرعان ما اتسع نطاقها لتشمل التنديد بتراجع الحريات وتدخلات الصين.

وتأثر عشرات الآلاف من المسافرين بهذه الخطوة الاحتجاجية الجديدة، بينما كثّفت الصين الثلاثاء التهديد بتدخّل عبر مقاطع فيديو نشرتها وسائل إعلام رسمية تُظهر قوات أمنية تتجمّع على حدود المنطقة التي تتمتع بحكم ذاتي.
وحذرت شركة طيران هونغ كونغ «كاثاي باسيفيك» موظفيها الاثنين، بعد ضغط من بكين، بأنها قد تفصلهم إذا «دعموا أو شاركوا بالمظاهرات غير القانونية» في المدينة. ويأتي التحذير بعد فرض هيئة تنظيم الطيران المدني الصينية الجمعة قواعد جديدة على شركة «كاثاي باسيفيك»، تفرض عليها تقديم بيانات عن موظفيها العاملين على متن الرحلات المتجهة إلى البر الرئيسي أو العابرة للمجال الجوي الصيني، وهي خطوة غير مسبوقة منذ استعادة الصين هونغ كونغ من لندن عام 1997، وأكدت بكين أن الموظفين المؤيدين للحراك لن يسمح بوجودهم في هذه الرحلات. وأعلنت «كاثاي باسيفيك» أنها سوف تلتزم بهذه الإجراءات.
من جهتها، حذّرت كاري لام رئيسة السلطة التنفيذية في هونغ كونغ المعينة من قبل بكين، من جديد الثلاثاء من العواقب التي ستترتب على هونغ كونغ، إلا أنها استبعدت مرة جديدة أي تنازل للمتظاهرين. وقالت في مؤتمر صحافي إن «العنف (...) سيدفع هونغ كونغ إلى طريق اللاعودة».
ووصفت وسائل إعلام صينية رسمية المتظاهرين بأنهم «غوغاء»، ولوّحت بشبح تدخّل قوات الأمن الصينية.
ونشرت صحيفة «الشعب» اليومية وصحيفة «غلوبال تايمز» التابعتان مباشرة للحزب الشيوعي، مقاطع فيديو تُظهر آليات مدرعة لنقل الجنود متوجّهة إلى شينزين على الحدود مع هونغ كونغ. وحذّر آخر حاكم بريطاني للمدينة كريس باتن في مقابلة مع قناة «بي بي سي» من أن «هونغ كونغ على شفير الهاوية».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...