بوتين في فرنسا الاثنين... وباريس تراهن على دور إيجابي في ملفات إيران وسوريا وأوكرانيا

بوتين في فرنسا الاثنين... وباريس تراهن على دور إيجابي في ملفات إيران وسوريا وأوكرانيا

مصادر رئاسية فرنسية: يتعين وضع حد لمنطق الضغوط القصوى مقابل المقاومة القصوى
الخميس - 14 ذو الحجة 1440 هـ - 15 أغسطس 2019 مـ رقم العدد [ 14870]
بوتين وماكرون لدى مشاركتهما في قمة حول سوريا بإسطنبول في أكتوبر 2018 (رويترز)
باريس: ميشال أبو نجم
يتهيأ الرئيس الفرنسي لاستقبال نظيره الروسي في منتجعه الصيفي «حصن بريغونسون»، المطل على مياه المتوسط، في 19 من الشهر الحالي، مستبقاً بذلك قمة مجموعة السبع التي تستضيفها فرنسا في مدينة بياريتز ما بين 24 و26.
وأهمية قمة إيمانويل ماكرون ــ فلاديمير بوتين، التي تندرج في إطار «زيارة عمل» من يوم واحد، وفق توصيف مصادر الإليزيه لها أول من أمس، أنها ستتناول الأزمات نفسها التي ستطرح على قادة الدول السبع الكبار. من هنا، فإن ماكرون يمكن أن يلعب دور «صلة الوصل» بحيث يستطيع أن ينقل للقادة الآخرين حقيقة مواقف بوتين من الأزمات المشتعلة، كالوضع في شرق أوكرانيا، وملفات إيران، وأمن الخليج، وسوريا، وليبيا، وهي التي يفترض أن تكون على طاولة المباحثات في بياريتز، وفي الاجتماعات الهامشية. وكانت روسيا جزءاً من «مجموعة الثمانية» التي أخرجت منها بعد حرب أوكرانيا وضمها شبه جزيرة القرم في عام 2014.
ترى باريس أن لروسيا تأثيراً كبيراً، ويمكن أن تلعب «دوراً حاسماً» في تناول هذه الملفات كافة. وسبق للرئيس ماكرون الذي حرص على استقبال بوتين في منتجعه الصيفي وليس في قصر الإليزيه من أجل إعطائه طابعاً خاصاً، أن برر دعوة الرئيس الروسي بقوله عقب قمة مجموعة العشرين في أوساكا بأنه «يتعين علينا (أي قادة مجموعة السبع) أن نقوم بمبادرات مع روسيا، وأن تستكشف أشكال التعاون كافة حول الملفات التي تهدد الاستقرار، وذلك دون سذاجة، مع الحرص على عدم إغلاق أي باب» للتشاور مع موسكو.
وفي حين يشوب بعض التوتر علاقات ماكرون بالرئيس الأميركي دونالد ترمب على خلفية الضرائب التي فرضتها باريس على كبريات الشركات الرقمية وغالبيتها أميركية، وبسبب اغتياظ ترمب من وساطة ماكرون في الملف النووي الإيراني، فإن استقبال بوتين في حصن بريغونسون يمكن أن يؤشر إلى رغبة فرنسية في المحافظة على استقلالية السياسة والقرار السيادي، وهو ما أشار إليه جان إيف لودريان، وزير الخارجية، نهاية الأسبوع الماضي.
فما الذي تنتظره باريس من القمة الثنائية بصدد الملفات الشرق أوسطية؟ لا تتوقع باريس الخروج بنتائج «حاسمة» من هذه القمة التي تبدأ بلقاء مغلق وتنتهي بعشاء موسع في أي من الملفات المطروحة. وأشارت مصادر الإليزيه لدى تقديمها للزيارة، إلى أن الأمور «بالغة التعقيد» وإلى أن أي لقاء «مهما يكن ومهما تكن كثافته، لن يوفر الفرصة لإيجاد حلول لمسائل معقدة، مثل الوضع في أوكرانيا أو الملف الإيراني أو الحرب في سوريا».
ما زالت باريس مثابرة على اتصالاتها بشأن الملف النووي الإيراني والتوتر في الخليج، رغم التغريدتين اللتين صدرتا عن الرئيس الأميركي، وفي إحداها ذكر الرئيس ماكرون بالاسم، منبّهاً إلى أن أي أحد لا يحق له التكلم باسم الولايات المتحدة الأميركية. ومع اقتراب بريطانيا، منذ وصول بوريس جونسون إلى رئاسة الحكومة، أكثر فأكثر من مواقف واشنطن وسياساتها وآخر ما صدر عنها الانضمام إلى المبادرة الأميركية الساعية إلى إقامة تحالف بحري يضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز، فإن باريس، كما تقول مصادر دبلوماسية أوروبية، تحتاج إلى «حلفاء»، وروسيا يمكن أن تكون حليفاً. ذلك أن باريس وموسكو، وكلتاهما موقّعة على الاتفاق النووي ومتمسكة به، تسعيان للمحافظة عليه من خلال تمكين طهران من الاستمرار في الاستفادة مما وفّره لها ومساعدتها على الالتفاف على العقوبات الأميركية.
بيد أن انتهاكات طهران المتلاحقة لبنوده تضع باريس في موقف حرج. من هنا، أهمية أن يلعب بوتين دوراً، وفق باريس، في دفع الجانب الإيراني إلى وضع حد لتخليه عن بنود الاتفاق و«تجميد» الإجراءات التي اتخذها، مثل رفع نسبة تخصيب اليورانيوم أو تخطي سقف المخزون المتاح لها. وقالت مصادر الإليزيه، إن المهم في الوقت الحالي هو «تجنب أن تخرج إيران من المزيج من التزاماتها».
والحال أن طهران، في إطار ضغوطها التدريجية على الأوروبيين بوجه خاص، أعلنت سلفاً أنها ستتجاهل المزيد من بنود الاتفاق بحلول بداية الشهر المقبل، إن لم ينجح الأوروبيون في تمكينها من تصدير نفطها والاستفادة من الدورة المالية الدولية. والحال أن الآلية المالية التي أنشأها الأوروبيون، والمسماة «إنستكس»، لم تبدأ عملها بعد، كما أن مديرها الألماني الجنسية قدم استقالته منها. إلا أن المصادر الدبلوماسية الأوروبية رمت المسؤولية على طهران نفسها التي لم تقم بعد بإنشاء الآلية المقابلة لـ«إنستكس». وبحسب مصادر الإليزيه، فإن المطلوب اليوم هو وضع حد للاندفاع نحو التصعيد بين واشنطن السائرة في سياسة «الضغوط القصوى» وسياسة طهران المنتهجة لخط «المقاومة القصوى». وهدف باريس هو العودة بالملف إلى بداياته، وتوفير الظروف التي تسهل جمع الطرفين إلى طاولة المفاوضات. لكن القرار موجود في واشنطن وطهران أكثر مما هو متوافر في باريس أو موسكو. ومن المنتظر أن يلتقي ماكرون بالرئيس الأميركي بمناسبة قمة السبع، وبعدها يمكن التعرف على مصير رغبة باريس بالتوسط.
لا يقل الملف السوري أهمية بالنسبة لباريس عن الملف النووي الإيراني، ودور الرئيس بوتين فيه حاسم. ومشكلة باريس أنها، مع الأوروبيين، مهمشة ولا تمتلك أوراقاً فاعلة تستطيع استخدامها باستثناء مشاركتها في إعادة إعمار سوريا. من هنا، فإن ماكرون، بحسب أوساطه، يريد أن يدفع بوتين إلى الضغط على النظام السوري من أجل وقف الهجوم على منطقة إدلب وجوارها، وهي المعركة التي تتمّ بمشاركة الطيران الروسي. وقالت مصادر الإليزيه، إن رسالة فرنسا للطرف الروسي واضحة، «استخدموا نفوذكم لدى السلطات السورية من أجل وقف هذه العملية» العسكرية. كذلك، فإن باريس تريد من موسكو أن تستخدم نفوذها لدى انفصاليي شرق أوكرانيا للدفع باتجاه تنفيذ اتفاق مينسك الذي أبرم بمشاركة فرنسية - ألمانية، وتشجيع بوتين على تلقف اليد التي يمدها باتجاهه زيلينسكي، الرئيس الأوكراني الجديد.
فرنسا فرنسا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة