بول فيندلي قاتل بشجاعة ورحل مهزوماً

أن تجرؤ على الكلام في قلب «الكونغرس الأميركي»
الخميس - 14 ذو الحجة 1440 هـ - 15 أغسطس 2019 مـ Issue Number [14870]
لندن: ندى حطيط

لم يعد خافياً لأحد اليوم مدى قوّة وتغلغل النفوذ الإسرائيلي داخل مؤسسات صناعة القرار في دول الغرب لا سيّما الولايات المتحدة الأميركيّة، دولة العالم العظمى. ولا تمتلك أي مجموعات ضغط سياسي تمثل مصالح أقليّات أو صناعات أو دولاً أجنبيّة داخل أجهزة السلطات التشريعيّة فيها ما يشبه جبروت اللّوبي الإسرائيلي وهيمنته شبه الكاملة على صناعات السياسات العامّة لتلك الدّول في كل ما يتعلّق بالشرق الأوسط، ولو كان ذلك أحياناً على حساب مصالحها الوطنيّة ورفاه مواطنيها.
لكن تلك الصورة المثيرة للقلق لم تكن بتلك الوضوح قبل عدة عقود قليلة، وقلّما تنبّه لها المواطنون في دول الغرب ذاتها - ناهيك بالطبع عن معظم سياسيي دول العالم الثالث -، وذلك بحكم الجهل المتراكم، والتنميطات المسبّقة عن منطقة الشرق الأوسط وما يرتبط بها من أساطير وعواطف دينيّة قديمة متمكنة من العقل الغربي إلى اليوم على نحو يدفع بالغالبيّة للوقوع أسرى الدّعايات الصهيونيّة. وإذا كان هنالك من رجل واحد ندين له بتسليط الضوء على مدى انتشار هذا النفوذ المسموم وخوض المعارك السياسيّة لفضحه ومواجهته دفاعاً عن المصالح القوميّة لبلاده، فلن يكون سوى بول فيندلي السّيناتور السابق وممثل ولاية إلينوي في مجلس الكونغرس الأميركي عن الحزب الجمهوري لمدة 22 عاماً متتالية بين عامي 1960 و1982 والذي توفي الخميس الماضي عن 98 عاماً (1921 - 2019).
فيندلي اشتهر عالمياً وفي بلاده من خلال كتابه ذائع الصيت «من يجرؤ على الكلام»، والذي كشف فيه عن هيمنة حديديّة على الكونغرس تمارسها اللجنة الأميركيّة - الإسرائيليّة للشؤون العامة (المعروفة باسم إيباك)، وأن السّياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط والصراع العربي - الإسرائيلي تصنع في الكنيست الإسرائيلي، وليس في الكابيتول هيل (مقر الكونغرس الأميركي) أو البيت الأبيض (مقر الرئاسة الأميركيّة)، بعدما أصبح الأخيران رهينة في أيدي قادة اللّوبي الإسرائيلي - الأميركيّ، يسيّرونهما كيفما شاءوا. ويعتقد الآن على نطاق واسع بأن ذلك اللوبي تآمر عام 1982 لإسقاطه في انتخابات التجديد بالكونغرس لمصلحة نائب موال لإسرائيل من الحزب الديمقراطي بعد أن كان انتخب لـ11 مرّة متوالية.
فيندلي الآتي من بدايات متواضعة في عالم الصحافة ولاحقاً الخدمة العسكريّة بالبحريّة خلال الحرب العالميّة الثانيّة، انتخب لتمثيل ولايته بداية الستينات من القرن الماضي. وهو بحكم تعليمه المحلي في ولاية يغلب عليها الرّيف الزراعي جاء إلى الكونغرس دون أن يمتلك أي خبرة سياسيّة أو معرفة مسبّقة بشؤون الشرق الأوسط سوى تلك الصور السطحيّة الشديدة العموميّة التي يتلقاها التلامذة الأميركيّون في المدارس العامّة أو من خلال إنتاجات هوليوود الاستشراقية الهوى. لكنّه متسلحاً بخبرته العسكريّة التي أرته فظاعات الحروب دفع من خلال عمله النيابي نحو سياسات معتدلة تتجنّب الحروب وتدعو للانخراط في حوارات بناءة بكافة الدّول. وقد كان أعلى الأصوات التي ارتفعت من الكابيتول هيل ضدّ الحرب الأميركيّة على فيتنام، ودعم دون تحفظات حركة الحقوق المدنيّة - بعد أن لمس العنصريّة التي تعرّض لها رفاقه السود في سلاح البحريّة -، وكان أحد مشرعي قانون الحرب لعام 1973 الذي قلص من صلاحيات منصب الرئيس في شنّ الحروب. هذا بالطبع إلى جانب اهتماماته المحليّة بشؤون الزراعة لا سيّما بما خص دعم العائلات العاملة في ذلك القطاع المركزي بولاية إلينوي. وقد قادته هذه الانشغالات السياسية للخدمة داخل لجنتي الكونغرس الفرعيتين للسياسة الخارجيّة والزّراعة.
طوال ذلك الوقت لم تتقاطع مواقف فيندلي مع اللّوبي الإسرائيلي المتغلغل في قلب العمل السياسي الأميركي - بما فيه الكونغرس - لحين التحاقه بلجنة السياسة الخارجيّة بداية من ولايته الرابعة عام 1967 هناك اكتشف السيناتور تدريجياً - ومنذ أول انتقاد للسياسات العدوانيّة الإسرائيليّة أدلى به خلال حديث جانبي خاص أثناء مداولات تلك اللجنة - بأنّ (إيباك) هي الآمر الناهي فيما يتعلق بتوجهات الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، وأن الأغلبية العظمى من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب تنفّذ رغباتها دون مناقشة إن هم رغبوا بالاحتفاظ بمناصبهم.
وقد وصل السّيناتور لاحقاً إلى قناعة مفادها بأن (إيباك) لم تكن سوى الجزء الظّاهر من جبل جليد هيمنة اللوبي الهائل، والذي يمتد نفوذه إلى جلّ المؤسسات السياسيّة والإعلاميّة والثقافية الأميركيّة عبر أكثر من 200 هيئة وتجمع ولجنة، تعمل وكأنها تابعة للسفارة الإسرائيليّة «لدرجة أنّه لو أعلن رئيس وزراء إسرائيل أن الأرض مسطحة، فإن الكونغرس سيصدر قبل مرور 24 ساعة قراراً ملزماً للحكومة الأميركيّة يؤيد الإعلان ويبارك لرئيس الوزراء اكتشافه العبقريّ». وقد كتب عن ذلك يقول: «أغلبية المواطنين غير مدركين لحقيقة أن سياسة بلادنا بشأن الشرق الأوسط لا ترسم من قبل خبراء معنيين بالمصالح القوميّة للولايات المتحدّة».
وقد تصادفت مرحلة اشتباك فيندلي باللّوبي الصهيوني نتيجة انتقاداته للسلطات الإسرائيليّة بزيارة قام بها إلى الشرق الأوسط سعياً لإطلاق سراح أحد ناخبيه الذي اشتبه بتورطه بالتجسس، وسجن في عدن باليمن الجنوبي حينها. وقد أخذته تلك الرّحلة أيضاً إلى دمشق وبيروت، وعاد منها جميعاً بانطباعات إيجابيّة تخالف سياسات بلاده العدائيّة تجاه تلك الدّول. وقاده ذلك لتبني مواقف علنيّة تدعو إلى انخراط الولايات المتحدة في علاقات حوار بناء مع مختلف أطراف المنطقة بمن فيهم الفلسطينيون، بدلاً من الانحياز الكلي التام للجانب الإسرائيلي.
وبعد خسارته لمنصبه النّيابي، تفرّغ فيندلي لتسجيل خبرته في الصّراع مع اللوبي الصهيوني داخل مؤسسات الدّولة الأميركيّة، ومواجهة الصور السلبيّة عن الإسلام والمسلمين. فنشر «من يجرؤ على الكلام - 1985»، ثمّ «الخداع: مواجهة الحقائق بشأن العلاقات الأميركيّة - الإسرائيليّة - 1993»، و«لا صمت بعد اليوم: مواجهة الصّور المزيفة عن الإسلام في أميركا - 2001»، و«أجندة المحافظين الجدد، الحرب في الشرق الأوسط، ومصالح إسرائيل القوميّة - 2008» وكذلك مذكّراته التي نشرها بعنوان «أميركا في خطر - 2011»، كما أسس مع رفاق له مجلس المصالح القوميّة عام 1989، مؤسسة بحثيّة لا تتوخى الرّبح تستهدف دعم سياساتٍ بشأن الشرق الأوسط تخدم المصلحة الأميركيّة العُليا، كما دعم تأسيس مجلس العلاقات الأميركيّة - الإسلاميّة، وتجوّل في بلدان كثيرة بالشرق الأوسط ملقياً المحاضرات لجمهور عربي ومسلم كبير متعطش لسماع صوت أميركي مختلف.
لم يغفر اللوبي الإسرائيلي لفيندلي (جرائمه) بحق إسرائيل مطلقاً، فاعتبره «عدواً خطيراً للصهيونيّة»، وتعرضت أعماله المطبوعة للحصار، وأُخفيت أخباره عن وسائل الإعلام، وأزيلت المواقع التي تشير إليه في الإنترنت، وشُوّهت سمعة مجلس المصالح القوميّة، بينما وَجّهت الصحف الأميركيّة الكبرى - لا سيّما «نيويورك تايمز» - انتقادات حادة لكتبه. لكّن ذلك لم يردعه يوماً عن الاستمرار بدعاويه لتجنّب الوقوع بأفخاخ الآيديولوجيّات الموهومة، وتبني خطاب نادر في الفضاء الأميركي تجاه مقاربات سياسيّة داخليّة (فيما يتعلّق بالعلاقات مع المسلمين داخل الولايات المتحدة)، وخارجيّة تخدم المصالح الاستراتيجيّة طويلة المدى لبلاده بدلاً من مصالح الدّولة العبريّة.
لكن هذا الرجل الشجاع والذي قاتل بشرفٍ رحل عن عالمنا مهزوماً بعد أن شهد رأي العين العنصريّة وصراعات الهويّات والعداء للمهاجرين - لا سيّما من المسلمين منهم - والتي طالما ناضل لإسقاطها وقد صارت شغل بلاده الشّاغل. لكن نجح اللّوبي الإسرائيلي - الذي أنفق فيندلي عمره في توعية الأميركيين بمخاطره - بالقرار الرسمي الأميركي بشأن الشرق الأوسط، لدرجة الإعلان عن الاعتراف بالقدس العربيّة المحتلّة عاصمة أبديّة لإسرائيل، ونقل مقرّ السفارة الأميركيّة إليها، وهي إجراءات لم يجرؤ على تنفيذها عتاة الرؤساء من المناصرين لإسرائيل من قبل. لكن هزيمته الشخصيّة تلك، تتضاءل دائماً أمام المكانة التي سيأخذها في التاريخ كأول سيناتور أميركي تجرّأ على الكلام في قلب «الكابيتول هيل».

إقرأ أيضاً ...