المصريون يفضلون «التمليك» رغم ارتفاع أسعار العقارات

المصريون يفضلون «التمليك» رغم ارتفاع أسعار العقارات

إحصائيات رسمية تشير إلى أن 62 % من الأسر لديها «مسكن ملك»
الأربعاء - 13 ذو الحجة 1440 هـ - 14 أغسطس 2019 مـ رقم العدد [ 14869]
الإحصائيات الرسمية تبين أن المصريين يفضلون تملك العقارات (تصوير: عبد الفتاح فرج)
القاهرة: فتحية الدخاخني
رغم توافر ملايين الشقق السكنية في المدن المصرية، ومحاولات الحكومة المصرية، خلال السنوات السابقة، تشجيع نظام الإيجارات السكنية، عبر قانون الإيجار الجديد الصادر عام 1996، بجانب المساعي المستمرة لتعديل قانون الإيجار القديم، فإن المواطن المصري ما زال يفضل السكن التمليك، وربما يتحمل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية من أجل شراء وحدة سكنية، عبر القروض أو التسهيلات التي تمنحها شركات العقارات، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار الوحدات السكنية بشكل يراه البعض مبالغاً فيه.
الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع والإعلام السياسي، فسر ارتباط المصريين بالسكن التمليك بالثقافة الزراعية لدى المواطن المصري، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الثقافة الزراعية للمصريين تجعلهم حريصين على تملك الأراضي والمساكن، وتضغط عليهم لشراء مساكن وشقق تمليك، كنوع من المكانة الاجتماعية والعزوة، والاستقرار».
وأضاف صادق أن «المصري لا يطمئن للإيجار، ولديه دائماً خوف من أن يطرد من المسكن الإيجار، على عكس دول أخرى في العالم، ليست لديها مشكلة في السكن المؤجر، وعادة ما يتشارك الشباب سكناً واحداً».
وجاءت نتائج بحث الدخل والإنفاق لعام (2017 - 2018)، التي أعلنها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في بداية شهر أغسطس (آب) الحالي، لتؤكد استمرار المصريين في السعي لتملك الوحدات السكنية، حيث أظهرت نتائج البحث أن «61.6 في المائة من الأسر لديهم مسكن ملك، والباقي 11.5 في المائة إيجار وفقاً لقانون الإيجار القديم، و6.6 في المائة إيجار وفقاً لقانون الإيجار الجديد محدد المدة، و9.4 في المائة تمليك، و10.4 في المائة هبة، و0.5 في المائة ميزة عينية».
من جانبه، قال الدكتور شريف الدمرداش، الخبير الاقتصادي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «نظام الإيجار الحالي، وفقاً للقانون الجديد محدد المدة، مكلف، فأقل إيجار شهري في المناطق الشعبية يصل إلى 1500 جنيه شهرياً، ما يدفع الناس للتفكير في التمليك»، مشيراً إلى أن «المواطن يحسب تكلفة الإيجار، ويقارنها بالقسط الشهري الذي يمكن أن يدفعه نظير شراء وحدة تمليك، خصوصاً في ظل أنظمة السداد المتنوعة التي توفرها البنوك، أو شركات التطوير العقاري».
وتوفر البنوك المصرية أنظمة مختلفة للتمويل العقاري، ومع ارتفاع نسبة الفائدة، تدخل البنك المركزي المصري عبر مبادرة لدعم التمويل العقاري لمحدودي ومتوسطي الدخل بسعر فائدة منخفض، انتهى تطبيقها بداية العام الحالي. ويطالب المطورون العقاريون بتجديدها لمساعدة المواطن على التملك، وفي المقابل توفر شركات التطوير العقاري عدداً متنوعاً من أنظمة السداد يصل إلى حد التملك دون مقدم، وبقسط يصل إلى 10 سنوات.
وقال الدمرداش إن «التملك في مصر لا يتم بهدف السكن، بل يستخدم كنوع من الاستثمار، حيث تعتبر العقارات مخزناً للقيمة»، مشيراً إلى أن «كثيراً ممن يملكون القدرة الشرائية يقبلون على شراء العقارات بهدف الاستثمار، ونسبة كبيرة ممن يمتلكون مساكن في مصر يمتلكونها بغرض الاستثمار وليس السكن».
وأشار صادق إلى أنه «عادة ما يتم استغلال العقار كنوع من الاستثمار الآمن، خصوصاً في الفترة الحالية، التي تقود فيها الاستثمارات العقارية الاقتصاد المصري»، مشيراً إلى أن «هذه الثقافة وارتفاع الطلب على العقارات تؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير، في ظل صغر مساحة الأراضي التي يتم التنافس عليها».
ويزداد الحرص على السكن التمليك في الريف أكثر من المناطق الحضرية، حيث أوضح البحث أن «23.7 في المائة من أسر الحضر تقيم في مسكن إيجار قديم، مقابل 1.2 في المائة من أسر الريف، ونحو 11.6 في المائة من أسر الحضر تقيم في إيجار جديد، مقابل 2.3 في المائة من الريف، و81.6 في المائة من أسر الريف لديها مسكن ملك، مقابل 38 في المائة من أسر الحضر، بينما 18.7 في المائة من أسر الحضر لديهم مسكن تمليك، مقابل 1.4 في المائة من أسر الريف، ونحو 13.2 في المائة من أسر الريف لديها مسكن هبة، مقابل 7.2 في المائة من أسر الحضر».
وأشار البحث إلى أن 74.5 في المائة من الأسر تعيش في شقة سكنية، منها 87.5 في المائة من أسر الحضر، مقابل 63.4 في المائة في الريف، بينما يقطن 17.3 في المائة في مبنى كامل، منها 7.1 في المائة من الحضر مقابل 25.8 في المائة في الريف».
وقال صادق إن «المصريين يحبون سكن العائلات، وفي كثير من المدن نجد مباني سكنية تسكنها العائلة بالكامل، ففي وقت من الأوقات مثلاً كان رب الأسر يشتري أرضاً في حي مصر الجديدة، ويبني فيه مبنى متعدد الطوابق يكون له ولأولاده عندما يكبرون، وما زال نموذج بيت العائلة موجوداً في كثير من المناطق، خصوصاً في الأرياف».
وتأتي هذه النتائج بالتزامن مع إعلان ارتفاع معدل الفقر في البلاد من 27.8 في المائة في إحصاء عام 2015 - 2016، إلى 32.5 في المائة في إحصاء عام 2017 - 2018، الصادر بداية الشهر الحالي، في أعقاب تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي تضمن انخفاض سعر العملة المصرية، ما ترتب عليه رفع أسعار السلع والخدمات، وتصدرت محافظات الصعيد (جنوب مصر) قائمة الأكثر فقراً، حيث سجلت محافظة أسيوط نسبة فقر بين مواطنيها بلغت 66.7 في المائة، تلتها محافظة سوهاج بنسبة 59.6 في المائة، ثم الأقصر 55.3 في المائة، والمنيا 54 في المائة، ثم قنا 41 في المائة.
وقال صادق إن «العادات والتقاليد أقوى من صعوبة الظروف الاقتصادية، فرغم ارتفاع نسبة الفقر، وارتفاع أسعر العقارات، فإن المواطن المصري حريص على شراء سكن تمليك، حتى وإن ضغط على نفسه اقتصادياً».
وأوضح صادق أن «المواطن المصري في السابق كان يعتبر السكن على ضفاف النيل هو قمة الرفاهية والثراء، واليوم مع انحسار المساحة الموجودة على النيل، بدأ الاتجاه للتجمعات السكنية المغلقة (كمبوند)، التي توفر قدراً كبيراً من الخصوصية والعزلة للطبقات الاجتماعية الثرية».
وتم تحديد معدل خط الفقر بمبلغ 8827 جنيهاً سنوياً، أو 736 جنيهاً شهرياً، أي نحو 1.5 دولار يومياً، فيما بلغ خط الفقر المدقع 5890 جنيهاً سنوياً، أو 491 جنيهاً شهرياً، في حين يقاس معدل خط الفقر العالمي بمبلغ 1.9 دولار يومياً للفرد، وفقاً لإحصاء البنك الدولي عام 2015.
وشهدت أسعار العقارات ارتفاعاً كبيراً في الآونة الأخيرة، حيث تجاوز متوسط سعر المتر في منطقة «التجمع الخامس» (شرق القاهرة) وفقاً لموقع «عقار ماب»، التسعة آلاف جنيه، فيما يتراوح متوسط سعر المتر في أحياء مثل المهندسين والدقي بالجيزة بين 10 و12 ألف جنيه للمتر، ويزداد السعر في الأحياء الراقية، حيث يقترب من 22 ألف جنيه في الزمالك.
وأعلنت شركات التطوير العقاري عن بيع وحدات في العاصمة الإدارية الجديدة بأسعار تتجاوز العشرين ألف جنيه للمتر، ووصل السعر إلى 45 ألف جنيه للمتر في مدينة العلمين الجديدة.
بدوره، أكد الدمرداش أن «أسعار العقارات في مصر مبالغ فيها مقارنة بأسعارها في دول أخرى، أخذاً في الاعتبار المزايا الموجودة في مصر وفي هذه الدول»، مشيراً إلى أن «هناك حالة ركود في السوق العقارية المصرية، رغم كثرة الإعلانات عن مشروعات عقارية جديدة، حيث إن أسعارها لا تتناسب ومعظم فئات الشعب المصري، وهو ما يدفع القائمين على هذه الصناعة للبحث عن حلول تمويلية لتنشيط السوق».
مصر أخبار مصر

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة