«الحرب الكلامية»... سلاح جديد في المواجهات الدموية بليبيا

«الحرب الكلامية»... سلاح جديد في المواجهات الدموية بليبيا

أبطالها أمهات وزوجات مقاتلين وسياسيون ورواد صفحات التواصل الاجتماعي
الاثنين - 11 ذو الحجة 1440 هـ - 12 أغسطس 2019 مـ رقم العدد [ 14867]
القاهرة: جمال جوهر
في حلقة شبه دائرية جلست أكثر من 15 امرأة ليبية من أعمار مختلفة، يرددن أهازيج النصر، والدعاء على «العدو»، خلف السيدة السبعينية وفاء قشيط، وهن يحضّرن وجبات الطعام والحلوى قصد إرسالها للمقاتلين في محاور الجبهات بالعاصمة الليبية طرابلس.
وتحولت الحلقة التي تجلس على رأسها قشيط، إلى ما يشبه الطقس الأسري، إلى جانب حلقات عديدة متلاصقة تضم نحو 80 سيدة داخل جمعية «مودة» الخيرية في مدينة مصراتة. وكل واحدة من هؤلاء السيدات تسعى لإنجاز مهمتها سريعاً، دون أن يكف لسان أي منهن عن ترديد الأهازيج والأدعية لأبنائهن وأزواجهن على «الجبهة»، والدعاء على «العدو» أيضاً.
وكما يحدث في حلقات الذكر، تخفت أصوات السيدات قليلاً، لكنها تعود قوية مزلزلة، فيما يشبه «الكورال»، عندما تأتي قشيط على ذكر المشير خلفية حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وهي ممسكة بميكروفون إحدى القنوات المحلية: «قولوا لحفتر ولد خليفة... بكرة تصير كمعمر جيفة». في إِشارة إلى مقتل الرئيس الراحل معمر القذافي على يد مسلحين من مصراتة، عقب اندلاع «انتفاضية» 17 فبراير (شباط) 2011.
وتشكل قوات مدينة مصراتة (200 كلم شرق طرابلس)، القوة الرئيسية التي تقاتل بين صفوف قوات حكومة «الوفاق»، كما تضم ميليشيات مسلحة مثل «لواء الصمود»، الذي يقوده صلاح بادي، المدرج على قائمة العقوبات الأميركية، وقائمة الإرهاب التي أصدرها برلمان شرق ليبيا.
وبموازاة الحرب الدامية، التي تدور رحاها بالضاحية الجنوبية للعاصمة طرابلس، والتي خلفت أكثر من ألف قتيل حتى الآن، تنشط على أطرافها حرب كلامية، طرفاها «مقاتلوها» من السياسيين والنواب، ورواد صفحات التواصل الاجتماعي، كل منهما يريد الانتصار لفئته وشيعته.
ومنذ اندلاع العملية العسكرية التي أطلقها القائد العام لـ«الجيش الوطني» في الرابع من أبريل (نيسان) الماضي على طرابلس، بدأت حدة هذه الحرب الموازية تتصاعد، متخذة أشكالاً عدة، أقواها ينصب على تشويه «الخصم» واتهامه بالعمالة لجهات ودول خارجية، والتشكيك في نزاهته وقدرته على حسم المعركة، وأقلها الدعاء عليه بالهلاك العاجل.
قسط كبير من هذه الحرب كان من نصيب فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق»، بداية من اتهامه بأنه فتح أبواب المصرف المركزي في طرابلس على مصراعيه للميليشيات المسلحة لتنهب منه ما تشاء من أموال، ومروراً بأن حزم حقائبه لمغادرة العاصمة هو وأسرته. ومع اشتداد المعارك العسكرية على طرابلس، كتب ناشط ليبي على صفحات التواصل الاجتماعي متوعداً رئيس المجلس الرئاسي، بعد نشر صورته وهو يغفو خلال القمة العربية الأخيرة بتونس نهاية مارس (آذار) الماضي: «يا سراج صح النوم... لن تدخلها بعد اليوم». لكن هذا الناشط لم يوضح إن كان يقصد بـ(دخولها)، مدينة طرابلس، أو قاعدة أبو ستة الجوية، التي يباشر منها المجلس الرئاسي عمله. لكن آخرين، ومنهم ساسة كبار، رأوا أن السراج الذي تولى عمله في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول)، يفتقد إلى «الحس السياسي»، وأنه ظل طوال فترة عضويته في مجلس النواب عن دائرة حي الأندلس بطرابلس بعيداً لأنه «لم يتحدث أو يبدي أي تفاعل مع النقاشات، التي تدور في البرلمان».
وفي أعقاب الحرب، التي دارت بمحيط مطار طرابلس الدولي بين «الجيش الوطني» وقوات «الوفاق»، باتت الحرب الكلامية مليئة بعبارات السخرية، وانتشرت مقولات مختلفة تناشد الشباب بالدخول في المعركة بأسلوب مليء بالتهكم والتنكيت. وكمثال على ذلك فعندما أشاد الموالون لـ«الجيش الوطني» بالكلمة المتلفزة التي ألقاها حفتر مؤخراً، والتي قال فيها «إن النصر قريب»، ردت (جبهة طرابلس): «فعلاً الكلمة قالها واقفاً، وباللغة العربية، وهذا ما لا يستطيع فعله أحد»!
ومع مطلع شمس كل يوم، تتجه عشرات السيدات المتطوعات في مدينة مصراتة إلى الجمعيات الخيرية، المدعومة من جماعة الإخوان المسلمين، للمشاركة في إعداد قرابة 15 ألف وجبة لأبنائهن وأزواجهن، الذين يرين أنهم يدافعون عن طرابلس، ويمنعونها من السقوط في يد قوات «الجيش الوطني»، وفي هذا السياق قال أحد النشطاء السياسيين في المدينة لـ«الشرق الأوسط»، إن «بعض هذه الجمعيات يعتمد على الجهود الذاتية في التمويل، والبعض الآخر يتحصل على دعم خارجي». مضيفاً أن «هذه الوجبات تذهب إلى الجبهة يومياً دون انقطاع... وسكان مصراتة مجيشون ضد الحرب، دفاعاً عن طرابلس، وحماية لمدينتهم».
وبزهو شديد تتبادل سيدات مصراتة، خلال انغماسهن في تحضير الوجبات وتغليف قطع الحلوى، ترديد الأهازيج والدعاء بغضب شديد على حفتر في أحاديثهن مع إحدى القنوات المحلية؛ بينما تتسلم سيدة أخرى ميكروفون القناة بدلاً من قشيط، وبصوت مرتفع ووجه متهلل بالفرح يردد من ورائها النساء: «يا الله يا الله... دمر حفتر واللي معاه».
ليبيا الأزمة الليبية

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة