ويليام بليك... عبقري أم مجنون؟

عندما مات في لندن عام 1827 ما كان أحد يعرف قيمته ولا وزنه

من رسوماته
من رسوماته
TT

ويليام بليك... عبقري أم مجنون؟

من رسوماته
من رسوماته

باختصار شديد: لقد وُلِد ويليام بليك في لندن عام 1757 وفيها مات عن عمر يناهز السبعين عام 1827. وكان أول شاعر رومانطيقي في إنجلترا قبل ووردزورث وكوليردج. ويبدو أنه وُلِد في عائلة فقيرة وظل فقيراً طيلة حياته كلها من دون أن يشتكي من ذلك، ومن دون أن يلهث وراء الثروة والجاه والغنى، كما يفعل معظم الكتاب والمثقفين. ولم يسافر خارج بلاده قطّ، ولم تكن له عشيقات، وإنما ظل مخلصاً لامرأة واحدة هي زوجته. وكانت أُمّية لا تعرف القراءة والكتابة فعلمها ذلك بعد زواجهما. ورغم أنها كانت عاجزة عن فهمه أو مشاركته لرؤاه العبقرية أو الجنونية، فإنها أصبحت مساعدته المخلصة.
ولكن إذا كان بليك قد تعود على هذه البساطة والفقر في حياته، فإنه كان يشكو من الوحدة والعزلة والتهميش. فقد كان يكتب ويرسم دون أن يهتم به أحد. وهذا أمر صعب جداً بالنسبة للمبدعين والخلاقين، فهم يحبون أن يعترف الآخرون بهم وبإنجازاتهم. وكان الناس عموماً يعتبرونه رجلاً مختلاً من الناحية العقلية لا أكثر ولا أقل. وبالتالي فمن الذي سيهتم بخربشات شخص مجنون؟ ألم يكن يقول إنه في حوار دائم مع الرسل، والملائكة، والمسيح؟! أما كانوا يرونه أحياناً يمشي في الشارع وهو يتحدث بصوت عالٍ مع نفسه فقط؟ كان يتحدث مع أشخاص غير مرئيين وكأنهم أشخاص حقيقيون يسيرون إلى جانبه. كان يرى ما لا يرى.
والشيء الذي زاد من تفاقم الوضع هو أنه كان يحتقر العادات والتقاليد السائدة. ولم يكن يقيم وزناً للمؤسسات الاجتماعية والدينية. وكيف يمكن لإنجلترا المحافظة أن تقبل شخصاً يقول هذه العبارة: «من حجارة القوانين بنوا السجون، ومن تعاليم الدين المفهومة خطأ بنوا المواخير». وينبغي العلم أنه عندما مات ويليام بليك في لندن عام 1827 كان مجهولاً تقريباً من قِبَل معاصريه. ما كان أحد يعرف قيمته ولا وزنه في تاريخ الفكر والآداب الإنجليزية. وهكذا راح يلتحق بعالم رؤاه وخيالاته وكأنه قديس. ولكنه كان واثقاً من نفسه وليس خائفاً على «مستقبله» إذا جاز التعبير. كان يعرف أن الأجيال القادمة سوف تعترف به وتدرك أخيراً مدى قيمته وعبقريته.
فقد كان يعرف ماذا فعل وماذا قدم من إنجازات للإنجليز وللبشرية في آن معاً. وكان يعرف أن دوره سيجيء عاجلاً أو آجلاً وسيكتشف الناس حقيقته وأهميته بعد مماته بعد أن تجاهلوه أو أنكروه في حياته. فقد خلّف وراءه كتباً رائعة، كتباً مليئة برسومه وتصاويره الجميلة. ومن دون أن تعرف إنجلترا والبشرية كلها، فإنهما فقَدَتا بموته أحد كبار المفكرين والشعراء. وهذا ما ستكتشفه الأجيال التالية. والواقع أننا لا نستطيع أن نفهم أصل الفكر الحديث من المركيز دو ساد إلى كافكا إذا لم نأخذ أعماله بعين الاعتبار. لقد كان ويليام بليك رائياً لا مجنوناً. ولكن ما الفرق؟ لقد كان سابقاً على عصره بكثير ولذلك لم يفهموه بل وراحوا يسخرون منه ويشكون في إمكانياته العقلية والنقلية.
أما من الناحية الشكلية، فقد كان هذا الكاتب والفنان العبقري رجلاً قصير القامة برأس ضخمة وعينين مزهوتين أو فخورتين. وكان طيلة حياته يفضل مصاحبة الأطفال على معاشرة الكبار، وكان من الطليعيين السابقين لأوانهم. وقد سبق نيتشه إلى تصحيح القيم الأخلاقية بعد أن نقد بشكل راديكالي العادات والأعراف التقليدية السائدة في عصره. وقد جعل من حياته كلها فصلاً من فصول الجحيم، قبل رامبو بزمن طويل. وقبل أن يظهر السورياليون على سطح الأرض بعدَّة قرون راح يهرب من عالم الواقع إلى عالم ما فوق الواقع: عالم الرؤى والأحلام الوردية، عالم الصفاء والنقاء.
لقد عرف ويليام بليك قبل بيرغسون وبروست وجويس أن الانبعاث العفوي للذاكرة العميقة أو لأعماق الذاكرة اللاشعورية يتيح لنا أن ننتصر على الزمن، ونتصل بالأبدية المتواصلة للكينونة. يُضاف إلى ذلك أنه كان شاعراً ملتزماً، أي منخرطاً في هموم عصره وقضاياه. فقد انفجر بالحقيقة حتى ولو كانت خطرة جداً، حتى ولو كلفه ذلك غالياً. لقد قال لهم: الأطفال يموتون من الجوع في لندن، والكهنة يرتلون الأناشيد الدينية في الكنائس وكأن شيئاً لم يكن! هل يُعقل ذلك؟ هل يجوز؟ أهذا هو الدين؟ أهذا ما أمرَنا به يسوع المسيح؟ ألم يقل لنا أن نشفق على الفقراء والضعفاء والمحتاجين؟ ألم يقل هذه العبارة البليغة: إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني ملكوت السماوات؟
هنا تكمن عظمة ويليام بليك. نعم، لقد تمرد هذا الكاتب «المجنون» على القيم الزائفة أو المنافقة لمجتمعه وعصره. لقد تمرّد على كلا الصعيدين الفلسفي والديني. وأكبر دليل على ذلك اعترافه هو شخصياً بالمسألة. ألم يقل إن طريق الانتفاضة الزائدة عن الحد يؤدي بنا إلى بلوغ القصر المنيف للحكمة؟ المقصود ذروة الحكمة.
يقول الشاعر هذه الكلمات التي تدل على شخصيته أكثر من أي شيء آخر: «لا أريد أن أستخدم أسلوب المنطق والحجج والمقارنات. فعملي يتمثل بالإبداع والخلق ليس إلا. إنني أرفض المحاجات العقلانية الناشفة. إنني أطرح من الشعر كل ما ليس إلهاماً عفوياً صادراً من الأعماق. قال ذلك لكيلا يستهزئوا به أكثر مما فعلوا حتى الآن عن طريق اتهامه بالهلوسات والجنون».
كل ويليام بليك موجود في هذه الكلمات، وكل فلسفته في الحياة أيضاً. لقد كان يعرف أنه رؤيوي ملهم ينتمي إلى طبقة العباقرة لا إلى عموم الناس العاديين. وكان يقول باستمرار إن كتاباته تُملى عليه من قبل الملائكة والقديسين والمسيح. وقد وصل به الأمر إلى حد أنه كتب في إنجيله الخالد ما يلي: «عندما مات يسوع كنتُ إلى جانبه»!!
ولذلك شكّوا بقواه العقلية وقالوا إنه مجنون. والواقع أنه لم يكن مجنوناً إلا في نظر الأغبياء. فالرجل كان يرى الله في كل مكان وليس فقط في الكنيسة محبوساً بين أربعة جدران. ونضيف من عندنا: ألم يرد في القرآن الكريم: «ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله». كان بليك فيلسوفاً حراً وشاعراً ملهماً وكفى. والواقع أنه عاش في عصر مكبوت جداً بسبب سيطرة الأصولية المسيحية ورجال الدين على العقول. ولذلك فإنه انتفض ضدهم وأعلن ثورته العارمة عليهم. ويبدو أن كثيراً من معاصريه كانوا يشاطرونه نفس مشاعر التمرد ضد الأخلاق القمعية السائدة، خصوصاً المحرمات أو التابوهات الجنسية.
فإنجلترا آنذاك كانت محافظة جداً من هذه الناحية على غرار المجتمعات التقليدية المحكومة من قبل الخوارنة والقساوسة والمطارنة. كانت شبه طالبانية! مَن يصدق ذلك الآن؟ أين كنا وأين أصبحنا؟ وعندما كان كتّاب ذلك العصر يهاجمون «الأخلاق» فإنهم كانوا يقصدون الأخلاق القمعية الخاصة بالجنس على وجه التحديد، وليس الأخلاق في المطلق... لم تكن أوروبا قد تحررت بعدئذ من أغلال الماضي وقيوده. ولذلك فإن ويليام بليك اتخذ مواقف مضادة للأصولية عندما قال إن المتعة هي مصدر الحياة وليس التنسك والابتعاد عن الرغبات. ينبغي العلم بأن سيرة حياة ويليام بليك عادية جداً ولا تحتوي على أي أحداث استثنائية. فوالداه كانا من أصل متواضع، وقد أنجبت أمه خمسة أطفال كان بليك هو الثاني من بينهم. وأبوه كان تاجر خردوات في أحد شوارع لندن الشعبية الفقيرة.
وكانت العائلة متدينة جداً كمعظم أناس ذلك الزمان. فالكتاب المقدس كان يحتل مكانة كبيرة في البيت، والجميع يتلونه بين وقت وآخر. ومنذ الطفولة ابتدأ ويليام بليك بقراءته مراراً وتكراراً. ومنذ البداية كان شاعرنا المقبل طفلاً غريب الأطوار. فعندما كان في الثامنة من عمره قال لإخوته إنه رأى شجرة جميلة مثقلة بالملائكة تماماً كالعصافير! وعندئذ ضربه والده كفاً على وجهه لكي يسكت ولا يعود إلى رواية هذه الحماقات. ولكن الضرب لم يجعله يتراجع عن مواقفه. فقد زعم أنه رأى ذلك على الشجرة، وهو لا يقول إلا ما رآه.
وفي إحدى المرات قال إنه رأى النبي زكريا جالساً تحت شجرة. وعندئذ ضربه والده مرة أخرى. ولكنه لم يتراجع عما قاله، ثم كفَّ والده عن ضربه بعد أن ملَّ من العملية. وأخذ الجميع يسخرون منه ومن رؤاه الخيالية أو الجنونية هذه. ولكن السخرية لم تردعه عن رواية أحلامه، مثلما لم يردعه الضرب. فهو شخص غير عادي، شخص يرى ما لا يراه الآخرون. هذا كل ما في الأمر لا أكثر ولا أقل. وعندما كانت عائلته هي التي تسخر منه كان يسكت على مضض. ولكن عندما كان الآخرون في الشارع هم الذين يسخرون منه كان يشتبك معهم بالأيدي. وكانت تحصل معارك. لم يكن جباناً قطّ؛ ويليام بليك. كان يرد الضربات مثلما يتلقاها وأكثر.
في السادسة من عمره شعر والده بأن عنده مواهب فنية فوضعه في مدرسة لتعليم الفنون. ولاحظ بعدئذ أنه اختار الحفر أو النقش لا الرسم. وسعد والده لأن هذا الطفل المجنون قليلاً وجد طريقه في الحياة. ولكنه أُصِيب بخيبة أمل بعدئذ عندما سمع أنه ينظم الشعر! ووبخه وعنفه قائلاً: الشعر لا يطعم خبزاً يا ابني! ما لنا وما للشعر؟ ثم حصلت له قصة عجيبة أذهلت كل مقربيه بل ودوختهم. فقد سعى والده لتقديمه إلى رسام شهير كان مقرباً جداً من الملك و«يحل ويربط» في الأوساط الفنية كما يُقال. نقصد بذلك أنه كان نافذاً جداً ويستطيع أن يفتح لك الأبواب إذا ما أراد أو يغلقها كلياً في وجهك. ولكن عندما قدمه والده إلى هذا الشخص المهم سرعان ما أصيب الطفل بالهلع وهرب من المقابلة فوراً، وأعطى ساقيه للريح. ودهش والده جداً من هذا التصرف، ولم يعرف السبب. فركض وراءه لكي يلحق به. وعندما وصل إليه سأله عن سر تصرفه الغريب هذا. فأجابه: هذا الشخص يلبس عقداً حول رقبته. وسوف يُشنق يوماً ما! فجنّ جنون والده ولم يكد يصدق ما سمعه. وقال بينه وبين نفسه: حقّاً إن ابني مريض... إنه مجنون صوفي ولا أستطيع أن أفعل له شيئاً. ولكن هل نعلم أن نبوءته تحققت وأن هذا الرسام الشهير قد شُنق بالفعل بعد اثني عشر عاماً من ذلك التاريخ. فقد اتهمه الملك بإهدار المال العام أو استخدامه لمصلحته الشخصية. نعم، لقد تحققت نبوءة ويليام بليك المشؤومة هذه. ألم نقل لكم إنه يرى ما لا يراه الآخرون؟
فهل كان يتمتع بقدرات خارقة للعادة يا ترى؟ هل كان يستطيع أن يرى ما لا يُرى بالعين المجردة؟ وأخيراً يمكن القول إن هذا الطفل غريب الأطوار الذي سبب كثيراً من القلق والمخاوف لوالده كان بالفعل عبقرياً لا مجنوناً. لقد كان يتمتع بمواهب خارقة للطبيعة. وقد عبر عن أحاسيسه شعراً ونثراً وتأثر بالكبار من أمثال: شكسبير، وميلتون، وجان جاك روسو، وفولتير.

من أقوال ويليام بليك:
- في حبة واحدة من الرمل ترى العالم كله... وفي زهرة واحدة من الحقول ترى الفردوس
- ما دامت البراعم تتفتح فهذا يعني أنه لا يوجد موت حقيقي... أين هو انتصارك يا موت؟!
- أسهل عليك أن تغفر لعدوك من أن تغفر لصديقك



بلغاريا تفوز بمسابقة «يوروفيجن» للمرة الأولى

دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
TT

بلغاريا تفوز بمسابقة «يوروفيجن» للمرة الأولى

دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)

فازت المغنية البلغارية دارا بالنسخة الـ70 من مسابقة «يوروفيجن» للأغنية الأوروبية التي أقيمت في فيينا السبت، لتمنح بلادها أول لقب لها في هذه المسابقة التي تعد أكبر عرض موسيقي تلفزيوني مباشر في العالم.

وتفوقت دارا البالغة 27 عاماً برصيد 516 نقطة على الإسرائيلي نوام بيتان الذي حصد 343 نقطة في نهائي المسابقة التي شهدت دعوات للمقاطعة بسبب مشاركة إسرائيل.

تفاعل الوفد البلغاري بعد فوز دارا بالنهائي الكبير لمسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (إ.ب.أ)

ولم تكن دارا من بين المرشحين والمرشحات الأوفر حظاً، لكنها تمكنت خلال أسبوع «يوروفيجن» من اكتساب شهرة واسعة، وخاصة بفضل أغنيتها «بانغارانغا».

ويقاطع «يوروفيجن» محطات عامة في دول كبرى مثل إسبانيا وهولندا وأيرلندا، وذلك بالإضافة إلى أيسلندا وسلوفينيا، احتجاجا على مشاركة إسرائيل. وتقول ⁠إسرائيل إنها تواجه حملة تشويه ‌عالمية. لكن المتسابق الإسرائيلي أدى ‌أغنيته في النهائي دون أي ​مظهر على الاحتجاج ‌من الجمهور كما كان الحال في قبل النهائي ‌يوم الثلاثاء.

وتجنبت أغنية بانجارانجا البلغارية التي أدتها الفنانة دارا، وهي أغنية راقصة حماسية لاقت استحسان الجمهور، الخوض في السياسة تماما.

وكانت أغنية المتسابق الإسرائيلي، وهي أغنية غرامية ‌حملت اسم «ميشيل» بالعبرية والفرنسية والإنجليزية، أقل إثارة للجدل من أغنية إسرائيل في العام ⁠الماضي ⁠التي غنتها إحدى الناجيات من هجوم السابع من أكتوبر تشرين الأول.

المغني الإسرائيلي نوام بيتان يؤدي أغنيته «ميشيل» في نهائي مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ف.ب)

وسمعت بعض صيحات الاستهجان من الجمهور عندما حصدت إسرائيل عدداً كبيراً من النقاط في تصويت الجمهور، ما أدى إلى صعودها في الترتيب، كما حدث في 2025 عندما احتلت إسرائيل المركز الثاني أيضاً.

وكان من المتوقع أن تتصدر المنافسة هذا العام الأغنية الفنلندية «ليكنهايتن» (قاذفة اللهب)، والتي تشارك فيها عازفة الكمان ليندا لامبينيوس ومغني البوب ​بيته باركونين، تليها «إكليبس» ​الأسترالية للمغنية دلتا جودريم.

 

 


«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً
TT

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها الجديدة «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين. هي أسرة عادية ليس في حياتها مأساة خارقة، أو صراعات درامية، ولا مفاجآت روائية مبهرة. وهذا تماماً ما أرادت أن ترسمه الرواية. فليس ضرورياً أن يكون ثمة ما هو غير اعتيادي كي تستحق قصتك أن تروى، يكفي أن تكون فلسطينياً وتحت الاحتلال، كي تصبح حكايتك مختلفة، مركّبة، حزينة، ومليئة بالتحديات. ذلك ما راهنت عليه صاحبة «تفصيل ثانوي» الرواية التي صدرت عام 2017 ولاقت ترحيباً واسعاً، كما أثارت ضجيجاً بعد أن ألغي تكريم كاتبتها بجائزة «لابيراتور» الألمانية، في أعقاب اندلاع أحداث «طوفان الأقصى» وسط اتهامات للعمل بمعاداة السامية، كما أن الترجمة الإنجليزية للرواية دخلت القائمة الطويلة لجائزة «مان بوكر» الدولية في لندن عام 2021. الرواية فيها عودة إلى جريمة اغتصاب شنيعة بحق فتاة بدوية ارتكبها جنود إسرائيليون، ثم جاءت باحثة بعد عقود لتنبش في الأرشيف وتكشف فداحة ما حدث.

صاحبة «تفصيل ثانوي»

وكما في روايتها «تفصيل ثانوي»، وبالأسلوب نفسه الوصفي المسهب، تدخلنا عدنية شبلي هذه المرة إلى حياة طالبة فلسطينية وشقيقها وأمهما. تبدأ الرواية والشقيقان في سيارة يشقّان طريقهما، لكن بطبيعة الحال سيكون ثمة حاجز إسرائيلي، وسؤال وإبراز أوراق واستجواب، وخوف وقلق. فكل خطوة بوجود الاحتلال مرهونة بما سيفعله جندي يخرج من هنا، أو حاجز يوقف العابرين هناك.

من بداية الرواية التي تقع في 168 صفحة، تحضر الطبيعة، الأرض، المطر المتساقط، الذي يجعل جنبات الطريق موحلة، بينما تظهر الحقول، والسهول، والتلال البعيدة، والأشجار المبتلة. نحن في فصل الشتاء، برد خارج السيارة، وأنفاس الشقيقين تتحول رذاذاً على الزجاج، في حين الشقيق يحاول إخفاء الحطّة التي وضعها على الرفّ الأمامي وتتلوى أمامهما كالأفعى؛ خيفة عقابه من الحواجز الأمنية. هكذا تحضر المكونات الأساسية للرواية، البيئة الفلسطينية الطبيعية، حضور الاحتلال عبر الحواجز، واللغة العبرية التي يتحدثها الشقيق بسلاسة بينما تبقى عائقاً أمام شقيقته الطالبة التي تحاول إخفاء انتمائها، وبروز الحطّة رمزاً للجذور، خاصة حين يلوح بها الشقيق لمجموعة من الأولاد الفلسطينيين الذين يعترضون سبيله ظناً منهم أنه إسرائيلي، فإذا بهم ينفضّون عنه وينصرفون، دون أن ينطق كلمة واحدة.

اللجوء للحقول والطيور

هكذا تنساب الحكاية، بحيث تنسج الكاتبة مناخها من حقول فلسطين وقراها، وزيتونها المعمر الذي يُقتلَع ويعاد زرعه في أحياء إسرائيلية أو في حدائق عامة، ومن الثمر الذي يموت ويفنى على الشجر ولا يترك للمزارعين حق بلوغه أو قطافه. كذلك من العشب الذي ينمو عالياً بين جذوع الأشجار، بسبب الإهمال القسري، ولا يترك متسعاً للأوراق كي تتنفس. إنه البرتقال الحزين، الذي يذكّر بغسان كنفاني والنباتات المصابة بالآفات، بعد أن تجتذب الحشرات ثم تموت.

تحتفي شبلي في روايتها بالطبيعة الفلسطينية، ترصد النباتات على أنواعها، حركة الطيور وزقزقتها، الأعشاب التي تشكل جزءاً من الحياة اليومية للفلسطينيين. هناك مقطع مخصص لشجرة اللوز، براعمها، تبدل أحوالها مع تتابع الفصول، اخضرار ثمرها. هناك عودة متكررة إلى أشجار الزيتون للدلالة على ثبات الفلسطينيين وصمودهم. في الرواية نعيش توالي الفصول، والعلاقة الحميمة بين تبدل الطقس وشكل التربة، بتشققاتها، ووحولها، وحفرها، وتحول ألوانها. تشعر بأن الشغل على دمج الطبيعة الفلسطينية في النص بهذه الكثافة، كأنما القصد منه إشعارك باندغام حياة الشخصيات بحركة التربة، وحكايات سنابل القمح المتمايلة مع الريح، وسيقان عباد الشمس الواهنة، وشتلات الفول الفوضوية. تكاد المسافة بين الناس وشجر البلوط والخروب والتين، تنعدم. إنهم جزء من الجبال والصخور والوديان.

ترسم الرواية صورة لمقاومة العنف الممارَس على مجتمع بأسره من خلال استنفار الرموز وإعادة إحياء عناصر الطبيعة وتمجيد زهورها ونباتاتها وتربتها الموحلة

وجوه بلا أسماء

هذه الطبيعة المغتصبة هي الحضن الذي تنمو فيه قصة الطالبة وشقيقها بعد أن عانى مرارة الأسر، حتى انكسر وشاخ وجهه وأسدل لحيته كي يخفي علامات القهر. نتابع الأم الصامدة المتماسكة التي تبيع الفلافل لتشد أزر العائلة كلها، وتنهض بابنها وابنتها، وكأنها هي الركن الأكثر صلابة والوتد الذي بفضله يرتفع سقف الخيمة.

وجوه وأماكن بلا أسماء: الطالبة، الأخ، الأم، المدينة. فأنت لن تعرف اسماً لأي منهم، إغراقاً في تمويه المشهد، كي يبقى ملتفاً بما يشبه غلالة، أو كأنك ترى الأحداث من خلف غشاء شفاف. فحضور الحرباء في الرواية، وكذلك لجوء الطالبة إلى تمويه لكنتها العبرية التي لا تجيدها بالطريقة التي تتمناها، هي كلها جزء من هذا الانتماء الملتبس للفلسطيني المقيم على أرضه. وبالتالي، فثمة من يمتلك لغة القوة ولكنتها، ومن يتخفى خلف اللغة، أو يصمت كما يفعل شقيقها ليهرب من هذا الاختبار الصعب.

سجن اللغة والثأر

اللغة وطريقة تلفظ الطالبة بحرف الراء في الجامعة ومع زملائها، هي من المنزلقات التي يتعرض لها العربي وهو يتحدث العبرية. فهو حين يشدد الراء وينطق بها، يصبح موضع شبهة، ومجال شكوك أمنية، ومحاسبة. وبالتالي، لم يعد الحرف مجرد صوت، بل فخّ يجلب المتاعب، ويكشف الهوية، ويحيل إلى الأصل. لذلك؛ تجد الطالبة مخرجها في الجامعة بأن تحاول تبني اللكنة الأميركية، لتختفي خلفها، وتواري حقيقة انتمائها.

ليست مصادفة أن تختار الطالبة علم الاجتماع مجالاً لدراستها الجامعية، فبالرواية رصد دقيق لأصغر التفاصيل، وسرد وصفي مسهب لحركة جسم الجندي، والتفاتة الشقيق، ومتابعة زخّات المطر، ومطاردة حركة العصافير.

كأنما مسار القصّ يحيل إلى محاولة للثأر من العنف الممارس على مجتمع بأسر أفراده ومحو لغته، باضطهاد متكلميها، من خلال استنفار الرموز وإعادة إحياء عناصر الطبيعة بتمجيد زهورها ونباتاتها وعشبها، وطيورها كما تربتها الموحلة أو الجافة المتشققة، عبر الفصول المتتابعة.

هي رواية لمن يملكون الصبر على قراءة نصٍ متأنٍ يتيح لنفسه الوقت، ليسرد بهدوءٍ، حيث لا عجلة، ولا لهاث خلف الأحداث. نتابع حياة، تسير الهوينا، وشخصيات تملك المتسع لتكمل يوميات لا زخم فيها، ولا انحدارات سحيقة. حتى الأحداث الأليمة التي يمكن أن تستفزّ لغة حماسية لا تدفع الكاتبة إلى اختيار عبارات تعلي من وتيرة القصّ أو تمنحه حرارته.

الأسلوب البارد نفسه الذي اعتدناه مع عدنية شبلي، ويروق للبعض، لكنه قد يصيب بالملل أو الرغبة في القفز عن الصفحات، للوصول إلى صدام ما أو حدث يكسر الرتابة، لكن حتى أسر الشقيق، أو التحديات التي تواجه الطالبة في الجامعة، لا تبعث على الإحساس بالتوثب.

وفي الجزء الأخير، حين يدخل على خط الأحداث الصحافي الأميركي القادم إلى البلاد لإجراء تحقيقات، ينتظر القارئ، دفقاً شعورياً لم يقع عليه بعد، أو حيوية تدخل إلى حياة الطالبة، بسبب وجود هذا الوافد على حياتها، حيث تساعده في إجراء مقابلاته، لكن هذه العلاقة تبقى ملتبسة، لا تتطور إلى حب أو تنتهي بزواج، كما أنها لا تتعرض لنكسات.

إنها إذن، رواية الخط المستقيم، رغم وجود فرص لرفع حرارة اللغة، أو إزالة البرود عن التعابير، قد تكون خياراً واعياً عند عدنية شبلي، كأنها تلتزم بمواجهة نار الاحتلال بالماء، أو صعقات العنف الممارس على أفراد مجتمعها/شخصيات روايتها، بالتأمل البليد واللغة التي تتابع توالي الأيام والفصول بتأمل خارجي، مع استخدام لازمة «تتوالى الأيام، وتزداد الأوضاع سوءاً». كأنما الراوي في «تمويه» هو مجرد قصاصٍ محايد، متفرج يتابع من خلف زجاج، لا ينفعل، لا يغضب لا يفرح، ولا يفاجئ. هو يرصد، يصف، يحلل، يتسلل إلى ذات الطالبة، يحاول أن يفهمنا ما يدور في ذهنها، وكيف ترى إلى ما حولها، كل ذلك بلغة لا انفعال فيها ولا جنوح.


رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال
TT

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

صدر حديثاً، بالتعاون بين «دار نوفل» (هاشيت أنطون)، ودار «الفاضل للنشر»، رواية «اللّاروب» للكاتب والسياسي المغربي حسن أوريد. و«اللّاروب» هي تحريف بالدارجة المغربية لكلمة «إلا ربع» وتعني لا شيء على ما يرام. فهي إذن إشارة لشيءٍ غير مكتمل، شيءٍ مَعيب... حيث الظاهر يحيل إلى عدم الاكتمال، والباطن إلى العجز أو السكون أو الاضطراب.

على هذا المنوال تلعب الرواية الواقعة في 320 صفحة، وتعبر عن قلب الثقافة المغربية محتوًى ولغةً، وتخلط الجد بالهزل، الماضي بالمستقبل، والواقع بالخيال في سرد شيق وعذب. ويدرك الكاتب أنه يُشرِّح وضعاً محتقِناً، يحتاج إلى المراوغة ما بين الوضوح والتخفي أحياناً؛ لذلك يلجأ إلى استخدام السورياليّة برهافة شديدة، لينفذ من خلالها إلى قضايا معقّدةٍ ومسكوتٍ عنها أو مطمورة، مازجاً بين التفكير والهزل، في سياق حديثه عن مكانٍ، حيث يكتشف مرتادوه جوانب مجهولة من أنفسهم، يفاجأون بها وهم يستعيدون الحكي، ويترنّمون بالشعر، ويستدعون الغناء.

تدور أحداث الرواية في المغرب قبل استقلاله؛ إذ يحكي السارد قصة بنيس، الذي يعمل واشياً لدى سلطات الاستعمار الفرنسي. ويُكلف مراقبة «كباريه سنترا»، وهو أحد الملاهي الترفيهية التي تتمتع بحضور خاص، حيث يجتمع على طاولاته مثقفون وفنانون يمثلون تيارات فكرية ودينية وسياسية مختلفة، لكن يتفقون على فكرة واحدة: معارضتهم للاستعمار الفرنسي في بلادهم. لكنّ، ما يبدأ كعملية مراقبة في البدء، يتحول لاحقاً، في هذا الفضاء الزاخر بالشعر والأحاديث السياسية والغناء والطرب وبنقاشات الفلسفة وبالسخرية والتندّر، رحلة في الزمن يتنقل فيها البطل بين الماضي والمستقبل، والواقع والخيال، والحلم والذاكرة. هكذا، يجد نفسه فجأة في الدار البيضاء في زمنٍ لاحق، وفي جغرافيا جديدة، يبدأ في استكشافها، واستيعاب تضاريسها. وهكذا أيضاً، يصادف زوجته وقد أصبحت عجوزاً، بعد أن قالوا له إنها ماتت، بعد أن انتقلت إلى إسرائيل، وتزوجت من بولندي، أنجبت منه طفلاً وطفلة.

يذكر أن المؤلف حسن أوريد، كاتب وروائي مغربي حصل في عام 2015 على جائزة «بوشكين» للآداب عن مجمل رصيده الأدبي، ومن ضمنه: «رَواء مكّة»، «رباط المتنبي»، «ربيع قرطبة»، «الموريسكي»، «سيرة حمار». كما حقّقت كتبه الفكرية انتشاراً واسعاً، ومن ضمنها «عالم بلا معالم» و«أفول الغرب»، و«إغراء الشعبوية في العالم العربي» و« فخّ الهويّات» الصادران عن داري «نوفل» و«الفاضل».

من أجواء الرواية نقرأ: «رفع بنيس رأسه نحو الساعة المعلّقة. كان عقربها الكبير متوقّفاً على الرقم 9. اللاّروب. إلاّ رُبعا. لم تعد تقويماً زمنيّاً، بل حالة. نظر بنيس إلى يوميّات بوعيّاد. حكمة اليوم: في التأنّي السلامة وفي العجلة الندامة. من غير تاريخ. ماذا تفيد العجلة في زمنٍ متوقّف، ولا التأنّي في وضعٍ بلا علامات ولا معايير. المفاهيم زئبقيّةٌ في زمنٍ متوقّف، أو في وضعٍ تتداخل فيه الأزمنة».