ويليام بليك... عبقري أم مجنون؟

عندما مات في لندن عام 1827 ما كان أحد يعرف قيمته ولا وزنه

من رسوماته
من رسوماته
TT

ويليام بليك... عبقري أم مجنون؟

من رسوماته
من رسوماته

باختصار شديد: لقد وُلِد ويليام بليك في لندن عام 1757 وفيها مات عن عمر يناهز السبعين عام 1827. وكان أول شاعر رومانطيقي في إنجلترا قبل ووردزورث وكوليردج. ويبدو أنه وُلِد في عائلة فقيرة وظل فقيراً طيلة حياته كلها من دون أن يشتكي من ذلك، ومن دون أن يلهث وراء الثروة والجاه والغنى، كما يفعل معظم الكتاب والمثقفين. ولم يسافر خارج بلاده قطّ، ولم تكن له عشيقات، وإنما ظل مخلصاً لامرأة واحدة هي زوجته. وكانت أُمّية لا تعرف القراءة والكتابة فعلمها ذلك بعد زواجهما. ورغم أنها كانت عاجزة عن فهمه أو مشاركته لرؤاه العبقرية أو الجنونية، فإنها أصبحت مساعدته المخلصة.
ولكن إذا كان بليك قد تعود على هذه البساطة والفقر في حياته، فإنه كان يشكو من الوحدة والعزلة والتهميش. فقد كان يكتب ويرسم دون أن يهتم به أحد. وهذا أمر صعب جداً بالنسبة للمبدعين والخلاقين، فهم يحبون أن يعترف الآخرون بهم وبإنجازاتهم. وكان الناس عموماً يعتبرونه رجلاً مختلاً من الناحية العقلية لا أكثر ولا أقل. وبالتالي فمن الذي سيهتم بخربشات شخص مجنون؟ ألم يكن يقول إنه في حوار دائم مع الرسل، والملائكة، والمسيح؟! أما كانوا يرونه أحياناً يمشي في الشارع وهو يتحدث بصوت عالٍ مع نفسه فقط؟ كان يتحدث مع أشخاص غير مرئيين وكأنهم أشخاص حقيقيون يسيرون إلى جانبه. كان يرى ما لا يرى.
والشيء الذي زاد من تفاقم الوضع هو أنه كان يحتقر العادات والتقاليد السائدة. ولم يكن يقيم وزناً للمؤسسات الاجتماعية والدينية. وكيف يمكن لإنجلترا المحافظة أن تقبل شخصاً يقول هذه العبارة: «من حجارة القوانين بنوا السجون، ومن تعاليم الدين المفهومة خطأ بنوا المواخير». وينبغي العلم أنه عندما مات ويليام بليك في لندن عام 1827 كان مجهولاً تقريباً من قِبَل معاصريه. ما كان أحد يعرف قيمته ولا وزنه في تاريخ الفكر والآداب الإنجليزية. وهكذا راح يلتحق بعالم رؤاه وخيالاته وكأنه قديس. ولكنه كان واثقاً من نفسه وليس خائفاً على «مستقبله» إذا جاز التعبير. كان يعرف أن الأجيال القادمة سوف تعترف به وتدرك أخيراً مدى قيمته وعبقريته.
فقد كان يعرف ماذا فعل وماذا قدم من إنجازات للإنجليز وللبشرية في آن معاً. وكان يعرف أن دوره سيجيء عاجلاً أو آجلاً وسيكتشف الناس حقيقته وأهميته بعد مماته بعد أن تجاهلوه أو أنكروه في حياته. فقد خلّف وراءه كتباً رائعة، كتباً مليئة برسومه وتصاويره الجميلة. ومن دون أن تعرف إنجلترا والبشرية كلها، فإنهما فقَدَتا بموته أحد كبار المفكرين والشعراء. وهذا ما ستكتشفه الأجيال التالية. والواقع أننا لا نستطيع أن نفهم أصل الفكر الحديث من المركيز دو ساد إلى كافكا إذا لم نأخذ أعماله بعين الاعتبار. لقد كان ويليام بليك رائياً لا مجنوناً. ولكن ما الفرق؟ لقد كان سابقاً على عصره بكثير ولذلك لم يفهموه بل وراحوا يسخرون منه ويشكون في إمكانياته العقلية والنقلية.
أما من الناحية الشكلية، فقد كان هذا الكاتب والفنان العبقري رجلاً قصير القامة برأس ضخمة وعينين مزهوتين أو فخورتين. وكان طيلة حياته يفضل مصاحبة الأطفال على معاشرة الكبار، وكان من الطليعيين السابقين لأوانهم. وقد سبق نيتشه إلى تصحيح القيم الأخلاقية بعد أن نقد بشكل راديكالي العادات والأعراف التقليدية السائدة في عصره. وقد جعل من حياته كلها فصلاً من فصول الجحيم، قبل رامبو بزمن طويل. وقبل أن يظهر السورياليون على سطح الأرض بعدَّة قرون راح يهرب من عالم الواقع إلى عالم ما فوق الواقع: عالم الرؤى والأحلام الوردية، عالم الصفاء والنقاء.
لقد عرف ويليام بليك قبل بيرغسون وبروست وجويس أن الانبعاث العفوي للذاكرة العميقة أو لأعماق الذاكرة اللاشعورية يتيح لنا أن ننتصر على الزمن، ونتصل بالأبدية المتواصلة للكينونة. يُضاف إلى ذلك أنه كان شاعراً ملتزماً، أي منخرطاً في هموم عصره وقضاياه. فقد انفجر بالحقيقة حتى ولو كانت خطرة جداً، حتى ولو كلفه ذلك غالياً. لقد قال لهم: الأطفال يموتون من الجوع في لندن، والكهنة يرتلون الأناشيد الدينية في الكنائس وكأن شيئاً لم يكن! هل يُعقل ذلك؟ هل يجوز؟ أهذا هو الدين؟ أهذا ما أمرَنا به يسوع المسيح؟ ألم يقل لنا أن نشفق على الفقراء والضعفاء والمحتاجين؟ ألم يقل هذه العبارة البليغة: إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني ملكوت السماوات؟
هنا تكمن عظمة ويليام بليك. نعم، لقد تمرد هذا الكاتب «المجنون» على القيم الزائفة أو المنافقة لمجتمعه وعصره. لقد تمرّد على كلا الصعيدين الفلسفي والديني. وأكبر دليل على ذلك اعترافه هو شخصياً بالمسألة. ألم يقل إن طريق الانتفاضة الزائدة عن الحد يؤدي بنا إلى بلوغ القصر المنيف للحكمة؟ المقصود ذروة الحكمة.
يقول الشاعر هذه الكلمات التي تدل على شخصيته أكثر من أي شيء آخر: «لا أريد أن أستخدم أسلوب المنطق والحجج والمقارنات. فعملي يتمثل بالإبداع والخلق ليس إلا. إنني أرفض المحاجات العقلانية الناشفة. إنني أطرح من الشعر كل ما ليس إلهاماً عفوياً صادراً من الأعماق. قال ذلك لكيلا يستهزئوا به أكثر مما فعلوا حتى الآن عن طريق اتهامه بالهلوسات والجنون».
كل ويليام بليك موجود في هذه الكلمات، وكل فلسفته في الحياة أيضاً. لقد كان يعرف أنه رؤيوي ملهم ينتمي إلى طبقة العباقرة لا إلى عموم الناس العاديين. وكان يقول باستمرار إن كتاباته تُملى عليه من قبل الملائكة والقديسين والمسيح. وقد وصل به الأمر إلى حد أنه كتب في إنجيله الخالد ما يلي: «عندما مات يسوع كنتُ إلى جانبه»!!
ولذلك شكّوا بقواه العقلية وقالوا إنه مجنون. والواقع أنه لم يكن مجنوناً إلا في نظر الأغبياء. فالرجل كان يرى الله في كل مكان وليس فقط في الكنيسة محبوساً بين أربعة جدران. ونضيف من عندنا: ألم يرد في القرآن الكريم: «ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله». كان بليك فيلسوفاً حراً وشاعراً ملهماً وكفى. والواقع أنه عاش في عصر مكبوت جداً بسبب سيطرة الأصولية المسيحية ورجال الدين على العقول. ولذلك فإنه انتفض ضدهم وأعلن ثورته العارمة عليهم. ويبدو أن كثيراً من معاصريه كانوا يشاطرونه نفس مشاعر التمرد ضد الأخلاق القمعية السائدة، خصوصاً المحرمات أو التابوهات الجنسية.
فإنجلترا آنذاك كانت محافظة جداً من هذه الناحية على غرار المجتمعات التقليدية المحكومة من قبل الخوارنة والقساوسة والمطارنة. كانت شبه طالبانية! مَن يصدق ذلك الآن؟ أين كنا وأين أصبحنا؟ وعندما كان كتّاب ذلك العصر يهاجمون «الأخلاق» فإنهم كانوا يقصدون الأخلاق القمعية الخاصة بالجنس على وجه التحديد، وليس الأخلاق في المطلق... لم تكن أوروبا قد تحررت بعدئذ من أغلال الماضي وقيوده. ولذلك فإن ويليام بليك اتخذ مواقف مضادة للأصولية عندما قال إن المتعة هي مصدر الحياة وليس التنسك والابتعاد عن الرغبات. ينبغي العلم بأن سيرة حياة ويليام بليك عادية جداً ولا تحتوي على أي أحداث استثنائية. فوالداه كانا من أصل متواضع، وقد أنجبت أمه خمسة أطفال كان بليك هو الثاني من بينهم. وأبوه كان تاجر خردوات في أحد شوارع لندن الشعبية الفقيرة.
وكانت العائلة متدينة جداً كمعظم أناس ذلك الزمان. فالكتاب المقدس كان يحتل مكانة كبيرة في البيت، والجميع يتلونه بين وقت وآخر. ومنذ الطفولة ابتدأ ويليام بليك بقراءته مراراً وتكراراً. ومنذ البداية كان شاعرنا المقبل طفلاً غريب الأطوار. فعندما كان في الثامنة من عمره قال لإخوته إنه رأى شجرة جميلة مثقلة بالملائكة تماماً كالعصافير! وعندئذ ضربه والده كفاً على وجهه لكي يسكت ولا يعود إلى رواية هذه الحماقات. ولكن الضرب لم يجعله يتراجع عن مواقفه. فقد زعم أنه رأى ذلك على الشجرة، وهو لا يقول إلا ما رآه.
وفي إحدى المرات قال إنه رأى النبي زكريا جالساً تحت شجرة. وعندئذ ضربه والده مرة أخرى. ولكنه لم يتراجع عما قاله، ثم كفَّ والده عن ضربه بعد أن ملَّ من العملية. وأخذ الجميع يسخرون منه ومن رؤاه الخيالية أو الجنونية هذه. ولكن السخرية لم تردعه عن رواية أحلامه، مثلما لم يردعه الضرب. فهو شخص غير عادي، شخص يرى ما لا يراه الآخرون. هذا كل ما في الأمر لا أكثر ولا أقل. وعندما كانت عائلته هي التي تسخر منه كان يسكت على مضض. ولكن عندما كان الآخرون في الشارع هم الذين يسخرون منه كان يشتبك معهم بالأيدي. وكانت تحصل معارك. لم يكن جباناً قطّ؛ ويليام بليك. كان يرد الضربات مثلما يتلقاها وأكثر.
في السادسة من عمره شعر والده بأن عنده مواهب فنية فوضعه في مدرسة لتعليم الفنون. ولاحظ بعدئذ أنه اختار الحفر أو النقش لا الرسم. وسعد والده لأن هذا الطفل المجنون قليلاً وجد طريقه في الحياة. ولكنه أُصِيب بخيبة أمل بعدئذ عندما سمع أنه ينظم الشعر! ووبخه وعنفه قائلاً: الشعر لا يطعم خبزاً يا ابني! ما لنا وما للشعر؟ ثم حصلت له قصة عجيبة أذهلت كل مقربيه بل ودوختهم. فقد سعى والده لتقديمه إلى رسام شهير كان مقرباً جداً من الملك و«يحل ويربط» في الأوساط الفنية كما يُقال. نقصد بذلك أنه كان نافذاً جداً ويستطيع أن يفتح لك الأبواب إذا ما أراد أو يغلقها كلياً في وجهك. ولكن عندما قدمه والده إلى هذا الشخص المهم سرعان ما أصيب الطفل بالهلع وهرب من المقابلة فوراً، وأعطى ساقيه للريح. ودهش والده جداً من هذا التصرف، ولم يعرف السبب. فركض وراءه لكي يلحق به. وعندما وصل إليه سأله عن سر تصرفه الغريب هذا. فأجابه: هذا الشخص يلبس عقداً حول رقبته. وسوف يُشنق يوماً ما! فجنّ جنون والده ولم يكد يصدق ما سمعه. وقال بينه وبين نفسه: حقّاً إن ابني مريض... إنه مجنون صوفي ولا أستطيع أن أفعل له شيئاً. ولكن هل نعلم أن نبوءته تحققت وأن هذا الرسام الشهير قد شُنق بالفعل بعد اثني عشر عاماً من ذلك التاريخ. فقد اتهمه الملك بإهدار المال العام أو استخدامه لمصلحته الشخصية. نعم، لقد تحققت نبوءة ويليام بليك المشؤومة هذه. ألم نقل لكم إنه يرى ما لا يراه الآخرون؟
فهل كان يتمتع بقدرات خارقة للعادة يا ترى؟ هل كان يستطيع أن يرى ما لا يُرى بالعين المجردة؟ وأخيراً يمكن القول إن هذا الطفل غريب الأطوار الذي سبب كثيراً من القلق والمخاوف لوالده كان بالفعل عبقرياً لا مجنوناً. لقد كان يتمتع بمواهب خارقة للطبيعة. وقد عبر عن أحاسيسه شعراً ونثراً وتأثر بالكبار من أمثال: شكسبير، وميلتون، وجان جاك روسو، وفولتير.

من أقوال ويليام بليك:
- في حبة واحدة من الرمل ترى العالم كله... وفي زهرة واحدة من الحقول ترى الفردوس
- ما دامت البراعم تتفتح فهذا يعني أنه لا يوجد موت حقيقي... أين هو انتصارك يا موت؟!
- أسهل عليك أن تغفر لعدوك من أن تغفر لصديقك



تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»
TT

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، صدر كتاب «في مرايا الشعر» للشاعر والناقد المصري جمال القصاص، الذي يقدم فيه قراءات ودراسات متعمقة، بلغة عذبة وشعرية لعدد من أبرز المشاريع الشعرية الإبداعية الخاصة بجماليات القصيدة العربية وتحولاتها.

ويضم الكتاب عشرات القراءات في تجارب شعرية، تنتمي إلى أجيال مختلفة ومرجعيات جمالية متباينة وأنساق لغوية وجغرافية متعددة، مثل: محمد الفيتوري، وسميح القاسم، وفاضل السلطاني، وفتحي عبد السميع، وصلاح اللقاني، وعائشة بلحاج، وسمية عسقلاني، ومحمود قرني، وعيد صالح، وميسون صقر، وديمة محمود، وعاطف عبد العزيز، وعزمي عبد الوهاب، وبهية طلب، وعبد الرحمن مقلد، وعماد فؤاد، وإبراهيم البجلاتي، وأحمد يماني، وعمر شهريار، ورشا أحمد.

ويشير القصاص في مقدمة الكتاب إلى أنه على مدار سنوات كتب هذه القراءات فرحاً بالشعر وبالشعراء والشاعرات، حيث كانت خبرته كشاعر هي البوصلة الأولى التي ينظر من خلالها بعين القارئ والناقد معاً لهذه الأعمال التي أحبها، ويحسب أنها عبر نماذجها تشكل تمثيلاً مرضياً على الأقل بالنسبة له في متابعة الحركة الشعرية العربية ورصد ما وصلت إليه من مغامرة الحداثة والتجديد، عبر حركتها الدائبة منذ فترة الستينات التي شهدت تحولاً لافتاً على مستوى الشكل والمضمون حتى اللحظة الراهنة.

ورغم أن لكل مرحلة عطاءها ومنجزها اللافت، لكن يظل المشكل الأساسي الذي لا يزال يواجه هذه الشعرية، كما يقول القصاص، أن «حداثتنا ومغامراتنا في التجديد محمولة دوماً على المنجز الغربي والنقدي، سواء في النظر أو التطبيق. ونتجت عن ذلك تلك النظرة النقدية العقلانية للشعر، واعتباره فنّاً خالصاً لذاته، وأن مغامرته لا تنهض ولا تتأسس على العقل وحده، رغم أن الوعي المتصل بالعقل لا ينتج شعراً حقيقيّاً، فالصورة الشعرية ليست ظاهرة ذهنية محضة، إنما هي أساساً ابنة الروح في ومضها ووهجها المباغت المنفلت من قبضة الأطر والتقاليد والمنطق الصوري المبني على نمطية العلاقة ومصداقية المقدمات والنتائج».

ويرى القصاص أن جوهر الشعر يكمن في أنه يجعلنا نحسّ بحريتنا وبحداثة قابعة في داخلنا، علينا أن نوقظها ونحررها من أسر العادة والنمط والمعرفة الغيرية، وهي حداثة غنية تمتلك إرثاً عميقاً وتنوعاً لا يزال قادراً على إثارة الأسئلة والدهشة، وأن يهزّنا جسداً وروحاً بشكل جديد. وهو في كل هذا لا يدّعي الصواب، وما زال يسعى لامتلاكه فيما تبقى له من هذه الرحلة الممتعة مع الشعر، وفي ظنه دائماً أن الخطأ محض صواب، لم ينضج في أوانه، بل ربما لم نلتفت إليه وهو يسقط من شجر الحياة ليعاود الكرة من جديد بقدرة أوسع على إدراك نفسه وإدراك الحرية.

ورغم إيمانه الشديد بضرورة التجريب والبحث عن دماء جديدة للشعر، فإن القصاص يتوجس من أغلب هذه الأفكار، خصوصاً أنها وافدة إلينا من بيئة أخرى وطينة مختلفة، لها ثقافتها وفضاؤها وأطماعها وآيديولوجيتها. وهو لا يثق في الآيديولوجيا، لأنها غالباً ما تنطوي على خطاب زائف. في المقابل، يتساءل؛ لماذا لا تكون لنا حداثتنا الخاصة النابعة من تربتنا وتراثنا، وهما ليسا فقيرين، بل بهما من الثراء المعرفي والوجداني ما يجعلهما سؤالاً ممتداً في الزمان والمكان؟!

القفزة الأخيرة في فضاء حلمي سالم

ويتناول جمال القصاص بعض ملامح تجربة الشاعر المصري الراحل حلمي سالم، مشيراً إلى أنه مثلما كان شاعراً استثنائياً كان كذلك مريضاً استثنائياً بامتياز، حيث أدرك منذ البداية أن صراعه مع المرض سيطول وسيتفرع ويتشابك، فقرر أن ينتصر عليه بإرادة الشعر، وكان موقناً أنه بذلك ينتصر لإرادة الحياة.

تخلى حلمي مع اشتداد ضراوة المرض عن فكرة العداء للمرض نفسه، واتجه إلى مصادقته وكأنه مجرد طفل تنبغي ملاطفته ومسامرته، وهي الفكرة التي قلّب أوجهها وأقنعتها الشعرية بمهارة الصانع والعراف معاً في ديوانه «مديح جلطة المخ»، ثم ناوشها عن بعد في ديوانه «الثناء على الضعف».

وكان السؤال الذي يواجهه بألم وحيرة؛ هل تستطيع القصيدة أن تسبق الموت وتهزمه طالما أنا أصبحت غير قادر على ذلك؟ ثم هل يعني ذلك انتصاراً للشاعر نفسه الذي لم ينفصل عن قصيدته، وما زال قادراً على أن يضخّ في شرايينها روح الجدة والمغامرة؟! ومع دخوله في محنة الفشل الكلوي، وبعد أن نجا من سرطان الرئة، أدرك أن سؤاله سيظل مسكوناً بالنقص، وأن الإجابة عنه سيختلط فيها العبث بمرارة الرجاء، فكأنه إذن سؤال ناقص يبحث عن إجابة ناقصة.

معنوياً بنى حلمي استراتيجيته لمجابهة المرض على فكرة التسامي عليه، واعتباره مجرد محطة ضمن محطات كثيرة، خبرها في الحياة، ورغم أنه كان يدرك أنها المحطة الأحرج، لا من حيث الوصول إليها، وإنما من حيث صعوبة تغيير مسارها المحتوم، فإن روح التسامي كانت أداة الشحن الأساسية في أن ينتصر، ولو مؤقتاً ويقاوم بشراسة عسى يستطيع أن يؤجل ولو لبضع دقائق لحظة الوصول إلى حيث ينهي الجسد لعبته مع المرض اللعين مستسلماً إلى قدره، وتنفتح الروح على حياة أخرى يشكل الموت البوابة الرئيسية للدخول إليها.

على هذا النحو يثبّت حلمي سالم صورة العائلة في المشهد، ويوثقها بطرق شتى في متن النص. وفي الوقت نفسه لا يتعامل معها كتيمة أو حيلة شعرية أو أيقونة دلالية، وإنما حقيقة ماثلة وحية في طبقات الجسد والروح والتاريخ بمستوييه الشخصي والعام.

يقول في قصيدة بعنوان «تحليل دم» مستحضراً صورة أسرته الصغيرة...

قلت لشقيقة النهر

أريد بعد خروجي من البئر بناتي أمامي

لميس ذكاء القلب والندية حكمة الحنان

عيون القطط ورائحة «زاهية»

رنيم: حصة في الرقة القافزة خلف البحر

حنين: سلامة الفطرة ملح الأرض التي

لا يعجبها «دهاليزي والصيف ذو الوطء»

وبسببي حفظت مستشفيات القطر

جماليات الإيقاع والصورة

كما يتناول الكتاب تجربة الشاعر العراقي فاضل السلطاني، ويرى أن هاجس التحول عنده يشكل مرتكزاً جمالياً وفكرياً يصعد منه الشعر ويهبط إليه، كما في ديوان «ألوان السيدة المتغيرة» الذي صدرت منه نسخة مصرية عن الهيئة العامة للكتاب، حيث «يتنوع هذا الهاجس في مناخات الديوان مشتبكاً مع أزمنة وأساطير مسكونة برائحة الماضي والحاضر وتقاطعات الأزمنة والأمكنة، بينما تدور الأشياء في فلكه بقوة الطبيعة والنص الشعري معاً».

ويتكشف هذا الهاجس، كما يضيف المؤلف، في أضلاع المثلث التي وسمت عنوان الديوان، فالبصري والحسي يكونان ضلعيه في علاقة تجاور بين خطين يلتقيان في نقطة الذروة أعلى رأس المثلث بنسقه الهرمي، صانعةً تفاصيل اللوحة شعرياً بألوانها وخطوطها المفعمة بالأنوثة.

وهو يرى أن الدالّ المضمر في مفردة «المتغيرة» لا يأتي كتوصيف مجازي فحسب، بل يشتبك بصرياً وحسياً مع كل عناصر المثلث، ليمارس انزياحاً معرفياً يقيه من الركون ليقين ما محدد، فالأشياء تمشي وراء الصمت والكلام وفي الألوان والرائحة وإيقاع الزمن الذي يجعل الذات دائماً قابعة في منطقة المنتصف كحلقة وصل وقطع بين السابق واللاحق، بين البدايات والنهايات بين الـ«هنا» والـ«هناك»، وهو ما يطالعنا في النص، الذي استشهد به القصاص، والذي يستهل به الشاعر القسم الأول في منتصف الذاكرة بعنوان صغير كأنه برواز لـ«صورة»...

«هل تذكرين؟

كنتِ في وسط الصورة

وعلى جانبيك كانت الموسيقى تعزف

كأنها الموسيقى الأخيرة على الأرض

وكنت أحار

كيف أميز العازف من العزف؟

والراقص من الرقص؟

كنت تجلسين وسط الصورة

لاهية عن الموسيقى

عن لحظة ثبّتتك إلى الأبد

صورة في إطار

وكنت أحار

كيف أدخل في الصورة؟

كيف أفصل النور عن الظل؟

لكنك كنت تبتسمين

لاهية عن اللحظة

وهي تكبر خلف الإطار»

أحجار رفعت سلام

أما ما يخص تجربة الشاعر الراحل رفعت سلام، فيشير جمال القصاص إلى أن الوثوق واليقين والإرادة هي بمثابة ثلاثة أحجار صغيرة بنى عليها رفعت سلام شعريته، وتعبّر بجلاء عن موقفه من العالم والواقع والأشياء، كما تشكل فيما بينهما ما يشبه المتوالية النصية الشعرية، وهي متوالية تتمتع بالصلابة والوضوح، فليس ثمة يقين من دون الوثوق به، ومن دون إرادة تدل عليه وتتشبث بلحظات وعيه ولا وعيه، لحظات حضوره وغيابه.

لقد انحاز رفعت، كما يقول، ومنذ وقت مبكر لمفهوم الوعي، وربطه بهذه الأحجار الثلاثة، باعتباره نافذة العقل لإدراك الوجود وحقائق الأشياء والعالم الخارجي متحاشياً حقيقة الوعي في ذاته ولذاته، ربما لأنه ينطوي على مساحة ما، يبرز فيها اللاوعي كصنو وشريك أساسي في صناعة هذه النافذة، بما ينتجه من علاقات مباغتة ومفاجئة، قد تشارف الجنون والمغامرة والفوضى التي تهدد بنسف النافذة نفسها.

وظلّت القصيدة لديه ابنة الوعي الواضح الثاقب، وهو ما انعكس على همّ التجريب الذي انصبّ في جوهره على إخراج النص الشعري في شكل طباعي خاص وإبرازه وكأنه محض فضاء سيميائي تتراكب فيه العلامات والرموز والإشارات في أنساق لغوية وأسلوبية محددة، ضمن حقول دلالية ومعرفية يمكن القبض عليها وتأويلها بوضوح واقتفاء أثرها من أقصر نقطة يمتد إليها النظر. يتساءل القصاص

في الكتاب لماذا لا تكون

لنا حداثتنا الخاصة

النابعة من تربتنا وتراثنا وهما ليسا فقيرين؟


«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام
TT

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

يروي كتاب «الموزية»، وهي الترجمة الحرفية لـ«المُلهمة»، الصادر عن «دار المدى»، للكاتبة روث ميلينغتون، بترجمة عباس المفرجي، القصص الحقيقية للمُلهِمات الرائعات اللواتي ألهمن روائع تاريخ الفن. من مرسم ليوناردو دافنشي إلى أغلفة مجلة «فوغ»، تكشف مؤرخة الفن والناقدة والكاتبة الإنجليزية روث ميلينغتون عن الدور البارز للملهمات في بعض أشهر وأهم الأعمال الفنية في التاريخ. وبالتعمق في العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزياء بالفنانين الذين خلدوا ذكراهن، يكشف الكتاب عن الدور المؤثر والفعّال الذي لعبنه، ويفكك الصور النمطية المُبسطة، ويعيد صياغة مفهوم الإلهام كعنصرٍ مؤثرٍ وفاعلٍ في تاريخ الفن.

«كشف الشخصيات الخفية وراء تحف تاريخ الفن» هو العنوان الفرعي لكتاب الذي يقدم صورة حقيقية آسرة لثلاثين ملهمة رائعة، ودورهن في بعض أشهر روائع تاريخ الفن، حيث نتعرف وجوه العديد منهن من أشهر الأعمال الفنية في العالم، من خلال الأسئلة التي تثار من خلال متن الكتاب: من هي حقاً «المرأة الباكية» لبيكاسو؟ أو اللص في أعمال فرانسيس بيكون؟ ولماذا غطت الكتابة على الجدران غريس جونز؟ بعيداً عن كونهن مجرد عارضات صامتات، قدمت الملهمات الدعم العاطفي والطاقة الفكرية والإبداع الذي غيّر مسيرة الفنانين، فضلاً عن المساعدة العملية. مع ذلك، يُنظر إلى الملهمة على أنها نموذج سلبي وعاجز (عادةً ما تكون شابة وجذابة) تحت رحمة فنان ذكر مؤثر وأكبر سناً. هل يمكن أن يكون هذا الانطباع خاطئاً وظالماً؟ هل هذه الصورة النمطية مجرد أسطورة رومانسية؟ هل تقبّل الناس دور ومكانة الملهمة؟ والأهم من ذلك، أين كان سيصل الفنانون لولاهن؟

تسعى روث ميلينغتون في «الموزية» إلى إعادة تقييم هذا المصطلح واستعادة معناه في سردٍ احتفالي يُظهر مدى قدم المفهوم الشائع له. كما يستكشف الكتاب فكرة «الملهمة» من منظورٍ مختلف، مُتضمناً فنانات الأداء والمشاهير، وشخصياتٍ أيقونية ربما لم نعتبرها من قبل مصدر إلهام، مثل تيلدا سوينتون وغريس جونز، من خلال الغوص في العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزياء بالفنانين الذين خلدوا ذكراهن. ويكشف الكتاب عن الدور المؤثر والفعّال الذي لعبنه في إثراء الأعمال الفنية التي ألهمتهن، والطرق المتنوعة التي تجاوز بها الناس الأدوار النمطية لـ«الملهمة».

من مشرفي العمل إلى المشردين في هارلم، يعرفنا الكتاب على نماذج غير متوقعة، ومُتجاهلة، ومنسية في تاريخ الفن، من خلال قصص ثلاثين شخصية استثنائية، ويُفكك الصور النمطية المُختزلة للملهمة، ويعيد صياغتها كعنصرٍ مؤثرٍ وفاعل في تاريخ الفن.

الهدف الرئيسي لـ«الموزية» هو إعادة صياغة معنى «المُلهم/الملهمة» في الفن. بدلاً من رؤيته/رؤيتها شخصيةً سلبيةً أو تابعةً للفنان، أو مجرد جسم جمالي في خلفية اللوحة، أو أداة فقط في إبداع فني. تقول روث ميلينغتون إن «هذا التصور رائج لكنه مضلّل، وأن مَن يُسمّون بـ(muse)، كان لهم/لهن/ أدوار نشطة في إلهام الأفكار، أثروا في عملية الإبداع نفسها، ساهموا/ساهمن في دعم الفنانين عاطفياً، فكرياً، أحياناً عملياً»، وتذهب ميلنغتون أكثر من ذلك، حيث تدعو إلى اعتبار «الموزية» شريكاً في صناعة العمل الفني، وليس مجرد موضوع للرسّام أو النحات.

ولعل أحد أهم محاور الكتاب هو تفنيد الصورة النمطية التي تربط الملهمة بأنوثة خاضعة لصورة الرجل الفنان المتفوق. ويوضح الكتاب أن هذه الصورة لم تكن أصلية في التاريخ، بل أصبحت جزءاً من الثقافة بسبب الروايات الفنية المعتمدة التي كتبها الرجال عبر القرون.

وكما تشير ميلينغتون في مقدمتها، لم تكن الملهمات الأصليات مجرد أشياء سلبية، بل على العكس تماماً، فقد كنّ آلهة يونانية قديمة، صُوّرن في القصائد الملحمية قوى إلهيةً للإلهام.

وتضيف ميلينغتون: «قد تجد شاعراً يطلب من الملهمات المساعدة في سرد قصته»، وسيقول: «تحدثي إليّ يا ملهمتي، أخبريني القصة». إنه بذلك يستمد إلهامه من الملهمة. وهناك فكرة سائدة مفادها أن الملهمة تمتلك هذه القوة. وبحلول زمن بيكاسو، انقلب مفهوم الملهمة رأساً على عقب، وأصبح يُنظر إليها على أنها صفة يمتلكها الفنان الذكر العظيم. وتضيف: «إن تطور هذه الأسطورة كان أشبه بـ(احتراق بطيء) عبر الزمن والتاريخ. ففي عصر النهضة تقريباً، تحولت لوحات الملهمات تدريجياً من لوحات لآلهة إلى لوحات لنساء شابات نمطيات تتساقط ملابسهن. وبحلول زمن جماعة ما قبل الرفائيلية، بدأ الفنانون يتخذون نساءً معينات ملهمات لهم، وبحلول القرن العشرين، ترسخ التصور النمطي للملهمة كعارضة أزياء».


سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».