حلول جذرية مبتكرة لمشكلة الصلع

علاج بالخلايا الجذعية وطباعة ثلاثية الأبعاد للشعرات الجديدة

عملية لزرع الشعر
عملية لزرع الشعر
TT

حلول جذرية مبتكرة لمشكلة الصلع

عملية لزرع الشعر
عملية لزرع الشعر

شكّلت فيزيولوجيا الصلع، ولسنوات طويلة، موضوعاً شائكاً حيّر الكثير من العلماء الطموحين. ورغم التلاقي النادر الذي جمع بين القوى التجارية والمصلحة العلمية في هذا المجال، لا يزال حلم ابتكار شعيرات جديدة وحيّة بعيداً عن التحقيق.

ابتكارات وحلول
ولكن هذا الأمر قد يتغير قريباً بفضل تطوير حلول لا علاقة لها بالأدوية والوسائل التقليدية. فقد تناولت سلسلة من المنشورات العلمية أخيراً التطوّرات التي تشهدها أبحاث الخلايا الجذعية والطباعة الثلاثية الأبعاد واستخدامهما في استنساخ شعر الإنسان نفسه وغرز الشعيرات المستنسخة في فروة رأس بكميات هائلة وغير محدودة.
يقول روبرت برنستين، طبيب الأمراض الجلدية المتخصص بزراعة الشعر في مانهاتن: «لسنوات طويلة، كنّا نقول إنّ 10 سنوات تفصلنا عن هذا الإنجاز. أما اليوم، فيمكننا القول إنّه أصبح أقرب».
قد يبدو الشعر من بين جميع أجزاء الجسم الأخرى، الأبسط لجهة الابتكار المخبري. تتألّف الشعيرة من حبل من خيوط البروتين التي تلتفّ حول بعضها البعض، وهي لا تؤدّي وظيفة عضوية محدّدة كما الكبد أو الدماغ، بل يكفي أن تثبت في مكانها، وتنمو، ولا تسقط.
ولكنّ الحقيقة هي أنّ تطوير الشعر أو ابتكاره أكثر تعقيداً مما توقّعه العلماء في بداية طريقهم، إذ يعتمد الجسم البشري على آلاف من الخلايا الجذعية المسمّاة «الأدمة الحليمية» dermal papillae الموجودة في قاعدة كلّ بصيلة من بصيلات الشعر لإنتاج حبل واحد ومتين من خيوط البروتين.

عمليات نقل الشعر
وتحتوي فروة الرأس البشرية على حوالي 100 ألف بصيلة، حياتها قصيرة. ومع اختفاء الأدمات الحليمية مع مرور الزمن، «يصغر» حجم البصيلات وتدخل في وضع النوم أو السبات العميق. (وهذا يعني أن الإنسان الأصلع في هذه الحالة لا يزال يملك الشعر عملياً، ولكن على شكل خيوط رفيعة تنتجها بصيلات نائمة تضمّ بضع مئات من الأدمات الحليمية فقط).
عندما تدخل بصيلة الشعر في وضع النوم، لا يمكن ترميمها. وهذا يعني أنّ أي إعلانات لـ«ترميم» الشعر قد ترونها هي في الحقيقة عمليات جراحية لزراعة الشعر هدفها الاستعانة بشعرة موجودة في مكان ما في فروة الرأس ونقلها إلى مكان آخر. تصل تكلفة هذه العمليات إلى ما يقارب 10000 دولار بنتائج تحدّدها كمية بصيلات الشعر الحيّة الموجودة لدى الشخص التي سيتمّ تغيير مكانها.
يعمل الأطباء في بعض أنحاء العالم على نقل شعر من جسم الإنسان (من الظهر أو الإبط) إلى الرأس، ولكنّ معظم الجرّاحين يجمعون على أنّ النتائج الجمالية لهذه العمليات لا تبعث على الارتياح. ونظرياً، يمكن للإنسان أن يستعين بشعر شخص آخر لزرعه في رأسه، ولكنّ هذا الأمر يتطلّب تغاضياً كاملاً عن الأخلاقيات التي تحظّر شراء الأعضاء البشرية.

إنتاج شعيرات جديدة
هذه الأسباب حصرت خيارات علاج الصلع بإنتاج شعيرات جديدة. فإلى جانب ابتكار الأعضاء الجسدية الصناعية، يحرز العلم اليوم تقدّماً فيما يسمّى العلاج بالخلايا cell therapy، الذي يعتبر مجالاً واعداً في الطب الذي يعتمد على علاجات مستمدّة من خلايا الإنسان الجذعية.
يمكن استخدام خلايا البنكرياس مثلاً لاستبدال تلك الخلايا التي توقفت عن إنتاج الأنسولين لدى الأشخاص المصابين بالسكري النوع الأول. كما يمكن استخدام الخلايا المناعية لمهاجمة الأورام، والخلايا العصبية لعلاج إصابات العمود الفقري.
وبالطبع، يمكن استخدام بصيلات الشعر لتغطية الجلد الخالي من الشعر، لا سيما أن استخدام خلايا تعود لجسم الإنسان نفسه يقلّل دون شكّ خطر رفض جهاز المناعة للشعيرات المزروعة.
يرى رجل الأعمال جيف هاميلتون وغيره أنّ هدف العلماء الرئيسي هو ابتكار ما يسمّى بـ«مزارع الشعر». يتولّى هاميلتون منصب الرئاسة التنفيذية لشركة «ستمسون ثيرابوتيكس» الناشئة في سان دييغو، التي تعمل على استنساخ بصيلات الشعر. يعتمد الاستنساخ على تنمية الشعر من الخلايا الجذعية غير الجنينية، أي الخلايا المستمدّة من جلد الإنسان أو دمه، وزرع البصيلات الغنية بالأدمات الحليمية في المساحة المحيطة بالبصيلات القديمة المتقلّصة والنائمة.

مزارع الشعر
خلال الاجتماع السنوي للجمعية الدولية لأبحاث الخلايا الجذعية الذي أقيم الشهر الفائت، استعرض هاميلتون تجربة زراعة ناجحة لبصيلات شعر بشرية أجريت على الفئران. وقد أظهرت الصور التي شاركها في الاجتماع خصلاً صغيرة تشبه شعر الدمى نابتة بثبات في رأس أحد الفئران.
قد لا تكون هذه النتائج طويلة الأمد، ولكنّ بحسب برنستين، «عندما تحاولون استنساخ خلايا الشعر، ستخسر هذه الخلايا خصائصها وتتوقف عن الإنتاج. لسنوات طويلة، عجز العلماء، عن تحديد السبب الكامن خلف هذا التوقّف». ولكنّ الباحثين نجحوا في حلّ هذه المشكلة تدريجياً. فخلال السنوات القليلة الماضية، لاحظوا في تجاربهم أنّ الخلايا تنتشر بعد زرعها وأنّ الهيكل البصيلي يتلاشى. وشرح برنستين أنّ «الخلاصة التي توصّل إليها العلماء تقول إنّهم في حال تمكّنوا من الإبقاء على الخلايا مجتمعة مع بعضها البعض بشكل يتيح لها الاستمرار بالتواصل مع بعضها، ستتابع نموّها في بصيلات الشعر».
يعتبر شكل البصيلة عاملاً ضرورياً آخر للحفاظ على نمو الشعيرات في الاتجاه نفسه. وفي السنوات القليلة الماضية، وفي تجارب الاستنساخ التي أجراها في مخبره لزرع بصيلات شعر بشرية في الفئران، وجد أليكسي تيرسكيخ، زميل هاميلتون، أنّ الكثير من الشعر ينمو بالاتجاه المعاكس في فروة الرأس أو على الجانبين. وتبيّن أن الشعيرات التي نمت فعلاً خرجت عبر الجلد بجميع الزوايا. يقول هاميلتون إنّ «وضع البصيلة في الجلد يعني ببساطة أنّ شعيرات كثيرة لن تنمو وأنّ أخرى كثيرة أيضاً ستنمو في اتجاهات غريبة». وتجدر الإشارة إلى أنّ أصغر الفروقات في الزوايا تجعل شكل الشعر يبدو غير طبيعي، أو مثيراً للنفور.
ساهم هذا الاكتشاف في إطلاق سباق نحو ابتكار بصيلات شعر مستدامة قادرة على الحفاظ على شكلها. في الاجتماع نفسه الشهر الفائت، تقدّمت مجموعة هاميلتون باقتراح حلّ واحد يعتمد على دعامة صناعية يصنفها هاميلتون ملكية خاصة لشركته. وهذه الدعامة يجب أنّ تُزرع حول البصيلة المستنسخة لتوجيه نموّ الشعر. دخلت «ستمسون ثيرابوتيكس» أخيراً في شراكة مع شركة «أليرجان» المتخصصة في صناعة الأدوية، لتطوير دعامتها الخاصة بالشعر المستنسخ، وتوقّع هاميلتون البدء بالتجارب العيادية على البشر في غضون سنة ونصف.

طباعة الشعرات
في سياق متصل، توظّف أنجيلا كريستيانو، أستاذة علم الجينات والأمراض الجلدية في جامعة كولومبيا، الطباعة الثلاثية الأبعاد لصناعة قالب «جيل - أو» Jell - O الذي يثبّت البصيلات والأدمات الحليمية لإنبات الشعر في أماكن متفرقة. تحدّثت كريستيانو مفصّلاً عن نتائج بحثها في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» في ديسمبر (كانون الأول) الفائت، واعتبرت أنّ النجاح في إنتاج شعرة كاملة من الخلايا البشرية المزروعة مخبرياً «سيشكّل نقطة تحوّل في التعامل الطبي مع مختلف أنواع الصلع والجروح المزمنة».
ولفتت كريستيانو، التي تعاني من اضطراب في المناعة الذاتية دفع جسمها إلى مهاجمة خلايا شعر رأسها، إلى أنّ هذا الاهتمام الكبير بخسارة الشعر يولى للرجال في الوقت الذي تعاني فيه 30 مليون امرأة في الولايات المتحدة من مشاكل في الشعر.
يعتقد برنستين أنّ فكرة الموجّه الصناعي القابل للتحلّل هي المقاربة الأكثر وعداً في هذا المجال، واصفاً إياها بالاختراق العلمي المهمّ، ولافتاً إلى «وجود الكثير من العوامل الأخرى التي يجب العمل عليها ولكن ما توصّلوا إليه حتى الساعة مثير جداً للاهتمام». ولكن هذا الأمر ينطبق على الأشخاص القادرين على تحمّل نفقات هذا الاختراع فقط. إذ لطالما اعتبر الناس أنّ شعر الرأس من الأشياء التي لا تُشترى بالمال لأنّه نظام خارج عن سيطرة البشر، الأغنياء والفقراء منهم على حدّ سواء.
ولكنّ ابتكار شعر جديد، بصيلة ببصيلة، في دعامات تصنع عند الطلب بالطباعة الثلاثية الأبعاد، سيكون دون شكّ باهظاً جداً. ورغم أنّ القيمين على هذا التقدّم التقني يتوقّعون انخفاضاً في أسعار المواد المستخدمة فيه، فإن ابتكار الشعر لن يكون متاحاً لجميع الناس، لا سيّما أنّ حتّى الدول الميسورة، كما الولايات المتحدة تواجه اليوم صعوبات في تأمين العناية الطبية الأساسية لعشرات الملايين من مواطنيها. صحيح أنّ الصلع قد يصبح مشكلة «اختيارية»، ولكن فقط بالنسبة للأشخاص القادرين الذين يملكون إمكانية الاختيار.
-«ذا أتلانتيك أونلاين»،
خدمات «تريبيون ميديا»



أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟
TT

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

لطالما حيّر هذا السؤال العلماءَ والأطباء: لماذا يُصاب بعض الأشخاص بأمراض مرتبطة بالتقدم في السن في وقت أبكر من غيرهم حتى عندما تبدو أنماط حياتهم متشابهة؟

اختلال الحمض النووي والشيخوخة

• دراسة جينية واسعة. تشير دراسة جينية واسعة النطاق إلى أن جزءاً مهماً من الإجابة قد يكون مخبوءاً في أعماق حمضنا النووي نفسه. فحسب نتائج الدراسة تلعب الجينات دوراً محورياً في تحديد سرعة عدم استقرار بعض أجزاء الحمض النووي مع التقدم في العمر، وهي عملية صامتة قد ترفع خطر الإصابة بأمراض خطيرة على المدى الطويل.

الدراسة التي قادها باحثون من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس ومعهد برود وكلية الطب بجامعة هارفارد في الولايات المتحدة ونُشرت في مجلة Nature بتاريخ 7 يناير (كانون الثاني) 2026 حلّلت بيانات وراثية لأكثر من 900 ألف شخص، ما يجعلها واحدة من أوسع الدراسات التي أُجريت حتى اليوم لفهم التغيرات الجينية المرتبطة بالشيخوخة. وكشف الباحثون أن بعض الاختلافات الجينية قد تُسرّع أو تُبطئ تمدد تسلسلات وراثية متكررة في الحمض النووي بما يصل إلى أربعة أضعاف وهو تفاوت كبير يكفي للتأثير في خطر الإصابة بالأمراض على امتداد حياة الإنسان.

• ما هي تكرارات الحمض النووي، وما أهميتها؟ يتكوّن جزء كبير من الجينوم البشري من تسلسلات قصيرة من الحمض النووي تتكرر مرات عديدة تُعرف باسم تكرارات الحمض النووي DNA repeats وتبقى هذه التكرارات مستقرة نسبياً لدى معظم الناس لكن في بعض الحالات تبدأ بالازدياد طولاً مع مرور الوقت، وهي عملية تُسمى تمدّد التكرارات repeat expansion، وعندما يتجاوز هذا التمدد حداً معيناً فإنه قد يعطّل الوظائف الطبيعية للخلايا ويؤدي إلى ظهور أمراض خطيرة.

اضطرابات وراثية

وقد تعرف العلماء اليوم على أكثر من 60 اضطراباً وراثياً ناتجاً عن تمدد تكرارات الحمض النووي من بينها أمراض مدمّرة مثل داء هنتنغتون Huntington’s disease (هو مرض تنكسي عصبي مميت وعادة ما يكون وراثياً). والحثل العضلي التوتري myotonic dystrophy (مجموعة من الاضطرابات الوراثية التي تسبب فقدان العضلات وضعفها التدريجي) وبعض أشكال التصلّب الجانبي الضموري amyotrophic lateral sclerosis (ALS).

ورغم معرفة العلماء منذ سنوات بأن تكرارات الحمض النووي قد تزداد طولاً مع الزمن فإن مدى انتشار هذه الظاهرة في الجينوم البشري والعوامل الجينية التي تتحكم بها لم يكن مفهوماً بالكامل حتى الآن. وتوضح الدكتورة مارغو هوجويل، الباحثة الرئيسية في الدراسة من قسم علم الوراثة في كلية الطب بمستشفى بريغهام والنساء وكلية الطب بجامعة هارفارد الأميركية، أن النتائج تُظهر أن تمدد التكرارات ليس حدثاً نادراً يقتصر على عدد محدود من الأمراض بل هو سمة شائعة ترافق التقدم في العمر لدى البشر.

• أدوات تحليلية لبيانات ضخمة. وقد اعتمد الباحثون في دراستهم على بيانات التسلسل الكامل للجينوم من مصدرين ضخمين نحو 490 ألف مشارك من بنك المملكة المتحدة الحيوي UK Biobank وأكثر من 414 ألف مشارك من برنامج All of Us البحثي في الولايات المتحدة. وقد أتاح هذا الحجم الهائل من البيانات فرصة فريدة لرصد كيفية تغيّر الحمض النووي مع العمر لدى مجموعات بشرية واسعة ومتنوعة.

وطوّر الفريق أدوات حسابية جديدة قادرة على قياس أطوال تكرارات الحمض النووي باستخدام بيانات التسلسل الجيني القياسية. وتم تحليل أكثر من 356 ألف موقع لتكرارات متعددة الأشكال في الجينوم مع تتبّع تغيّر أطوالها مع التقدم في العمر في خلايا الدم وتحديد المتغيرات الجينية التي تؤثر في سرعة هذا التمدد. كما بحث القائمون على الدراسة عن روابط بين تمدد التكرارات وآلاف الحالات المرضية، ما قاد إلى اكتشافات جديدة وغير متوقعة.

• الجينات واستقرار الحمض النووي. من أبرز نتائج الدراسة أن للعوامل الوراثية تأثيراً قوياً في معدل تمدد التكرارات. فقد حدد الباحثون 29 موقعاً جينياً تؤثر فيها المتغيرات الموروثة في سرعة هذا التمدد؛ بحيث قد يصل الفرق بين الأفراد الأعلى والأدنى خطراً وراثياً إلى أربعة أضعاف.

وكان اللافت أن العديد من هذه المتغيرات تقع في جينات مسؤولة عن إصلاح الحمض النووي، وهي الآليات التي تحافظ عادةً على سلامة المادة الوراثية. إلا أن التأثير لم يكن موحداً ففي بعض الحالات كانت المتغيرات نفسها تُثبّت بعض التكرارات بينما تزيد من عدم استقرار تكرارات أخرى. ويشير ذلك إلى أن إصلاح الحمض النووي عملية معقدة قد تؤدي إلى نتائج مختلفة تبعاً للسياق الجيني ونوع الخلية.

• اكتشاف خطر مرضي جديد وآفاق علاجية. ومن أكثر النتائج إثارة اكتشاف تمدد تكرارات في جين يُعرف باسم GLS. ورغم أن هذا التمدد نادر نسبياً، إذ يصيب نحو 0.03 في المائة من السكان فقد ارتبط بزيادة خطر الإصابة بمرض كلوي شديد بمقدار 14 مرة وبزيادة خطر أمراض الكبد بنحو ثلاثة أضعاف. ولم يكن هذا الارتباط معروفاً من قبل، ما يشير إلى احتمال وجود اضطرابات أخرى ناتجة عن تمدد التكرارات ما تزال مخفية في قواعد البيانات الجينية.

ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على الفهم العلمي فحسب، بل تمتد إلى تطوير العلاجات. فبما أن تمدد التكرارات يحدث تدريجياً مع الزمن، فإن إبطاء هذه العملية قد يؤخر ظهور المرض أو يخفف حدته. وتفتح هذه الدراسة الباب أمام استخدام قياسات تكرارات الحمض النووي في الدم كمؤشرات حيوية لتقييم فاعلية العلاجات المستقبلية وتقريب الطب خطوة إضافية نحو التدخل المبكر في مسارات الشيخوخة الجزيئية نفسها.


روبوتات اجتماعية تعزز فاعلية العلاج النفسي

الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
TT

روبوتات اجتماعية تعزز فاعلية العلاج النفسي

الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)

مع الطفرة اللافتة للذكاء الاصطناعي، تزايد الاهتمام بتوظيف هذه التكنولوجيا في المجال النفسي، لا سيما الروبوتات الاجتماعية التي تتميز بقدرتها على التفاعل مع البشر بطريقة آمنة. ويُعد دمج هذه الروبوتات في التدخلات النفسية، خصوصاً للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، من الاتجاهات الحديثة الهادفة إلى تعزيز التعلم الاجتماعي، وتنمية المهارات التفاعلية، وزيادة انخراط الأطفال في الجلسات العلاجية.

وسلّطت دراسة دولية بقيادة جامعة لينشوبينغ السويدية الضوء على أحدث التجارب السريرية في هذا المجال، مستهدفة تقييم فعالية الروبوتات الاجتماعية مقارنة بالطرق العلاجية التقليدية، بهدف تقديم إطار واضح لتوظيف هذه التكنولوجيا بشكل فعّال ومستدام في الممارسات العلاجية.

روبوتات للمصابين بالتوحد

وأظهرت الدراسة، التي أُجريت على أطفال مصابين بالتوحد باستخدام روبوت محمول مناسب للاستخدام في المنزل أو المدرسة، أن العلاج بمساعدة الروبوتات يحقق نتائج تعادل العلاج النفسي التقليدي، مع ميزة إضافية تمثلت في زيادة ملحوظة في مستوى انخراط الأطفال وانتباههم، ونُشرت النتائج، بعدد 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، من دورية «Science Robotics».

وتؤكد النتائج فاعلية الروبوتات في تنمية قدرات التقليد والانتباه المشترك وتبادل الأدوار، إلى جانب تعزيز اهتمام الأطفال وتقليل فقدان التركيز أثناء جلسات التدريب، ما يسهم في تحسين جودة التجربة العلاجية ورفع مستوى فاعليتها.

يقول الدكتور توم زيمكه، أستاذ النظم المعرفية في مختبر الإدراك والتفاعل بجامعة لينشوبينغ، والباحث الرئيسي في الدراسة، إن الهدف الأساسي من البحث كان تقييم منهجية العلاج بمساعدة الروبوتات للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، من خلال تجربتين سريريتين.

وأوضح زيمكه في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «التجربة الأولى أُجريت في بيئة مختبرية محكومة بدقة، بينما تم في الثانية اختبار نسخة أبسط وقابلة للنقل من هذا العلاج داخل المدارس، مشيراً إلى أن النتائج كانت واعدة في الحالتين».

وأضاف: «نتائج التجربة الأولى أظهرت أن العلاج بمساعدة الروبوتات حقق فعالية مماثلة للعلاج التقليدي، مع زيادة ملحوظة في مستوى تفاعل الأطفال، في حين بيّنت الثانية أن النسخة المبسطة من العلاج الروبوتي كانت بكفاءة العلاج التقليدي نفسها، ما يبرز إمكانات استخدام تقنيات محمولة ومنخفضة التكلفة في البيئات المدرسية أو المنزلية».

ووفقاً لزيمكه، فإن التدخلات النفسية المعتمدة على الروبوتات تسهم في تقليل العبء الواقع على المعالجين البشر بشكل ملحوظ، من خلال أتمتة بعض المهام العلاجية المتكررة وتوفير دعم منظم ومستمر لجلسات العلاج، بما يتيح للمعالجين التركيز بصورة أكبر على الجوانب التحليلية والإنسانية للتدخل العلاجي. كما تتميز هذه التدخلات بقدرتها العالية على جذب انتباه الأطفال وتحفيزهم على التفاعل، بفضل طابعها التفاعلي والتقني، ما يعزز المشاركة الفاعلة ويحسن استجابة الأطفال للعلاج.

وأشار إلى أن هذا النوع من العلاج لا يحقق نتائج مماثلة للعلاج التقليدي فحسب، بل يتفوق عليه في قدرته على إشراك الأطفال وتحفيزهم على التفاعل المستمر، إلى جانب إتاحة إمكانية نقل هذه التقنيات من البيئات البحثية إلى الواقع العملي في المدارس أو المنازل، عبر نماذج مبسطة ومحمولة ومنخفضة التكلفة، ما يوسع نطاق التدخلات النفسية ويحسن فرص الوصول إلى العلاج.

العلاج بمساعدة الروبوتات حقق فعالية مماثلة للعلاج التقليدي للتوحد (جامعة لينشوبينغ)

تخفيف الضغوط

تُستخدم الروبوتات الاجتماعية بوصفها أداة داعمة للتفاعل الاجتماعي وتقديم الدعم العاطفي، بما يسهم في تقليل الشعور بالوحدة والعزلة لدى مقدّمي الرعاية، لا سيما من يعتنون بكبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة. وقد أظهرت دراسات حديثة أن التفاعل المنتظم مع هذه الروبوتات يمكن أن يحسّن المزاج ويخفف من مستويات التوتر والإرهاق النفسي المرتبط بأعباء الرعاية المستمرة.

وفي هذا السياق، أجرى باحثون بجامعة موناش في أستراليا تجربة اعتمدت على محادثات منتظمة بين مقدّمي الرعاية وروبوت اجتماعي مثل «بيبر» (Pepper). وكشفت النتائج أن التفاعل مع الروبوت مرتين أسبوعياً على مدار خمسة أسابيع أتاح مساحة آمنة للتعبير عن المشاعر، وأسهم في تقليل الشعور بالوحدة والإجهاد، وتحسين الحالة المزاجية للمشاركين.

وأظهرت الدراسة أن هذا النوع من الدعم النفسي المستمر يساعد مقدّمي الرعاية على تنظيم عواطفهم والتعامل بشكل أفضل مع الضغوط اليومية، ما يعكس إمكانات الروبوتات الاجتماعية باعتبارها وسيلة مساندة فعالة لتخفيف الأعباء النفسية والعاطفية المصاحبة لدور الرعاية.

دعم الأطفال

تشير مراجعات بحثية إلى أن الروبوتات الاجتماعية يمكن أن تلعب دوراً داعماً في تخفيف التوتر والقلق لدى الأطفال أثناء الإجراءات الطبية المؤلمة، ما يسهم في تحسين تجربتهم النفسية داخل المستشفيات.

وفي دراسة أجرتها جامعة سنغافورة الوطنية، جرى تحليل بيانات لأطفال تتراوح أعمارهم بين عام واحد و12 عاماً خضعوا لإجراءات طبية وتلقوا تدخلات باستخدام روبوتات اجتماعية. وأظهرت النتائج أن هذه الروبوتات كانت فعالة في خفض مستويات التوتر والانزعاج، وأسهمت في تقليل القلق لدى الأطفال المرضى أثناء العلاج. وخلصت الدراسة إلى أن إدماج الروبوتات الاجتماعية في بروتوكولات رعاية الأطفال يمكن أن يعزز الرفاهية النفسية، ويجعل التجربة الطبية أقل إجهاداً للأطفال وأولياء أمورهم.

رعاية كبار السن

أظهرت دراسة أُجريت في مستشفى بروكا بفرنسا أن إدماج الروبوتات الاجتماعية في رعاية كبار السن، خاصة المصابين باضطرابات معرفية عصبية مثل الخرف، يحقق فوائد واضحة في تحسين التفاعل الاجتماعي والمزاج. وتُستخدم هذه الروبوتات، سواء الشبيهة بالبشر مثل «ناو» (NAO) أو الشبيهة بالحيوانات الأليفة مثل «بارو» (PARO)، لدعم التفاعل الاجتماعي وتنشيط القدرات الذهنية والجسدية، وتقديم معلومات صحية، فضلاً عن دورها بوصفها وسيطاً بين المستفيدين والمعالجين. وقد أثبتت هذه التقنيات فعاليتها في تحسين الرفاهية النفسية لدى كبار السن، لا سيما في بيئات الرعاية طويلة الأمد، مما يعزز مكانتها باعتبارها أدوات مساندة بأنظمة الرعاية الصحية والاجتماعية الحديثة.


عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب
TT

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

لم يعد الذكاء الاصطناعي في الطب فكرةً مؤجَّلة تُناقَش في المؤتمرات أو تُحصر في أدبيات الخيال العلمي، بل أصبح جزءاً حيّاً من الممارسة اليومية داخل المستشفيات الحديثة... خوارزميات تُحلّل الصور الشعاعية، تقرأ تخطيط القلب، تُراجع السجلات الطبية، وتُقدّم اقتراحات تشخيصية أولية خلال ثوانٍ. غير أن سؤالاً جوهرياً ظلّ طويلاً خارج دائرة الضوء حتى مطلع عام 2026: ماذا يحدث عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي... طبياً؟

هذا السؤال أعادته إلى الواجهة دراسة علمية حديثة، نُشرت في 2 يناير (كانون الثاني) 2026، على منصة مستودع أبحاث الذكاء الاصطناعي والعلوم الحاسوبية arXiv، أعدّها فريق بحثي مشترك من Stanford University وHarvard University، وحملت عنواناً لافتاً: «أولاً... لا تُلحق ضرراً: نحو نماذج ذكاء اصطناعي آمنة سريرياً في الطب».

وتُعدّ هذه الدراسة من أوائل الأبحاث التي لا تكتفي بتقييم أداء الذكاء الاصطناعي من حيث الدقة أو سَعة المعرفة، بل تتقدّم خطوة أبعد لتطرح سؤال الأمان السريري نفسه: هل تبقى هذه النماذج آمنة بالفعل عندما تُستخدم في قرارات طبية قد تمس حياة المرضى مباشرة؟

من الاختبار النظري إلى الواقع السريري

• تقييم النماذج : اعتمد الباحثون في دراستهم على تقييم 31 نموذجاً متقدماً من نماذج الذكاء الاصطناعي الطبية، كان معظمها من فئة النماذج اللغوية الكبيرة، وذلك عبر 100 حالة سريرية حقيقية شملت عشرة تخصصات طبية مختلفة. ولم يكن الهدف اختبار «ذكاء» النموذج أو سَعة معرفته النظرية، بل قياس احتمال إلحاقه ضرراً بالمريض إذا استُخدم أداةً لدعم القرار الطبي في الممارسة الفعلية.

ولتحقيق هذا الهدف، طوّر الفريق البحثي مقياساً جديداً لسلامة الذكاء الاصطناعي في الطب يركّز على تقدير المخاطر السريرية المحتملة بدل الاكتفاء بمؤشرات الأداء التقنية الشائعة، التي كثيراً ما تعجز عن التقاط تبعات القرار الطبي في السياق الحقيقي.

• نتيجة صادمة :وكانت النتيجة التي أثارت الانتباه واضحة وصادمة في آنٍ واحد: نحو 22 في المائة من التوصيات التي قدّمتها النماذج احتوت على أخطار سريرية محتملة؛ أي أن واحدة تقريباً من كل خمس توصيات قد تُعرّض المريض لأذى فعلي، إذا طُبّقت دون مراجعة بشرية دقيقة.

غير أن المفارقة الأهم لم تكن في الأخطاء الصريحة، بل فيما لم يُقَل. فقد أظهرت الدراسة أن عدداً كبيراً من النماذج أخفق في اقتراح فحوص أساسية أو إجراءات تشخيصية حاسمة، كان من شأنها تغيير مسار العلاج أو منع مضاعفات خطيرة.

في الطب، يُعد هذا النوع من الخطأ أخطر من الخطأ المباشر؛ لأنه لا يُلاحَظ بسهولة، ولا يثير الشكوك فوراً، وقد يمرّ في صمت... إلى أن تظهر نتائجه متأخرة على جسد المريض.

• لماذا يخطئ الذكاء الاصطناعي رغم «تفوقه»؟ تُظهر الدراسة أن الأداء المرتفع في اختبارات الذكاء أو المعرفة الطبية لا يترجَم بالضرورة إلى أداءٍ آمنٍ سريرياً. فقد بيّنت النتائج أن بعض النماذج التي حققت درجات ممتازة في اختبارات معيارية معروفة لم تكن أكثر أماناً من غيرها عند التعامل مع حالات سريرية حقيقية، بل وقعت أحياناً في أخطاء ذات أثر محتمل على حياة المرضى.

ويرى الباحثون أن جوهر المشكلة لا يكمن في نقص المعلومات، بل في غياب ما يمكن تسميته «القلق الطبي». فالذكاء الاصطناعي لا يشعر بثقل المسؤولية، ولا يدرك أن إغفال فحص بسيط قد يعني تأخير تشخيص سرطان، أو تفويت نافذة زمنية حاسمة لإنقاذ حياة. إنه يُجيد الإجابة... لكنه لا يعرف معنى العواقب.

أداة دعم... وليست طبيباً بديلاً

لا تدعو الدراسة إلى إقصاء الذكاء الاصطناعي من الممارسة الطبية، بل على العكس، تؤكد قيمته المتزايدة بصفته أداة دعم فعّالة تساعد الأطباء على تنظيم كمّ هائل من المعلومات وتسريع عمليات التحليل والاستدلال، لكنها تشدّد، في الوقت نفسه، على ضرورة إبقاء الإنسان في الحلقة النهائية لاتخاذ القرار الطبي.

فالطبيب لا يقرأ البيانات فحسب، بل يفسّر السياق الإكلينيكي، ويُقدّر المخاطر الفردية، ويتحمّل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن قراره. وهي عناصر جوهرية لا تزال خارج نطاق الخوارزميات، مهما بلغت درجة تطورها أو دقّة مُخرجاتها.

في عام 2026، يقف الذكاء الاصطناعي الطبي عند مرحلة مفصلية، فالإمكانات التقنية تتقدّم بوتيرة متسارعة، بينما لا تزال السلامة السريرية تتطلّب معايير أدق، وتشريعات أوضح، وتدريباً مهنياً يضمن توظيف هذه الأدوات دون أن تتحوّل، من حيث لا نريد، إلى مصدر خطر غير مقصود.

ولا تُغلق هذه الدراسة الباب أمام الذكاء الاصطناعي في الطب، لكنها تضع عند عتبته لافتة تحذير علمية واضحة: السرعة ليست بديلاً عن السلامة، والدقّة الحسابية ليست مرادفاً للحكمة الطبية. ففي الطب، كما في الحياة، لا يكفي أن نعرف أكثر... بل أن نقرّر بحذرٍ إنساني.

يعيد هذا البحث طرح قاعدة طبية ضاربة في التاريخ، لكن بصيغة رقمية معاصرة: أولاً... لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، رغم قدرته على تغيير ملامح الطب وتسريع القرار السريري، ينبغي ألا يُمنح حصانة أخلاقية، ولا أن يُترك خارج دائرة المحاسبة. والسرعة ليست بديلاً عن السلامة، والدقة الحسابية لا تُغني عن الحكمة الطبية التي تُدرك العواقب قبل النتائج.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُساعده الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحلّ محلّ الضمير.