توني موريسون... القراءة الفردية للألم الجمعي المتوارث

كتابها الأخير كان عن «أصل مفهوم الآخرين»

الرئيس الاميركي السابق أوباما يكرم توني موريسون في 2012
الرئيس الاميركي السابق أوباما يكرم توني موريسون في 2012
TT

توني موريسون... القراءة الفردية للألم الجمعي المتوارث

الرئيس الاميركي السابق أوباما يكرم توني موريسون في 2012
الرئيس الاميركي السابق أوباما يكرم توني موريسون في 2012

إذا كان لأميركا اللاتينيّة جابرييل غارسيّا ماركيز، فإن للأميركيين السود توني موريسون، التي ترجّلت عن جبل الحياة الأسبوع الماضي (88 عاماً، 1931 – 2019)، فقد جمعت مجد الأدب من كل أطرافه، وسجّلت في رواياتها الـ11 بنهج الواقعيّة السحريّة ذاكرة الأميركيين السّود المحاصرة بالقهر والنسيان، وقدّمت من سيرة حياتها أنموذجاً إنسانيّاً رفيعاً ملهماً ليس للأميركيّات السود المنحدرات من أصول أفريقيّة فحسب، بل ولكل امرأة وأمّ وكاتبة ومواطنة في مجتمعات الغرب المأزومة.
اشتهرت موريسون عالمياً بعد تكريمها بجائزة نوبل للأدب عام 1993 لتكون أوّل أميركيّة سوداء تحظى بها. لكنّ أعمالها كانت حين ذاك قد كسرت حصاراً غير معلن ضدّها في الأجواء العنصريّة الأميركيّة، ووصلت إلى قوائم الكتب الأكثر مبيعاً، فكانت بالفعل أحد الروائيين الأميركيين القلائل ممن كتبوا نصوصاً متينة أدبيّاً نجحت تجارياً أيضاً، وحازت أرفع الجوائز التي يمكن أن يحظى بها روائي أميركي (بوليتزر 1988. جائزة نقّاد الكتب 1977)، وأصبحت كتاباتها موضع دراسات جامعيّة في الأدب واللغة والأنثروبولوجيا.
امتلكت موريسون صوتها الأدبي الخاص منذ روايتها الأولى «العين الأشد زرقة – 1970»، فلم تشبه أحداً من كتاب جيلها. وتتالت أنهار مفرداتها متمهلة كفصول إلياذة جديدة تسجّل ذاكرة الأميركي الأسود الشفويّة بنصوص مشغولة بنَفَس شعري لا يخفى، تتقاطع فيها الأزمنة والأصوات والأساطير والسحر والشخصيات الملوّنة باليومي والعادي والمألوف دون أن ينجو أي منها من سطوة ظلّ التاريخ ثقيل الأنفاس.
«العين الأشد زرقة» كتبتها وهي على أبواب الأربعينات من العمر. كانت وقتها قد حصلت على تعليم مرموق بداية في جامعة هوارد –التي يغلب عليها السّود الأميركيون– ولاحقاً في جامعة كورنيل، قبل التحاقها بالعمل محررة للأعمال الأدبيّة في إحدى دور النّشر الكبرى بنيويورك. راعها أن الأدب الذي تحرره للنشر لا ينجو من أفخاخ العنصريّة والترويج للهويات الموهومة وتكريس فرضها على طرفي المعادلة العرقيّة في الولايات المتحدة، ولذا قررت أن تكتب بنفسها رواية مغايرة لا تخضع فيها للتنميطات المسبقّة، ولا تتحدّث فيها للأكثريّة البيضاء كما معظم الكتاب الأميركيين السّود قبلها. موريسون، الأمّ الوحيدة لولدين صغيرين، كانت تستيقظ مبكراً لتسرق ساعة أو ساعتين من الكتابة قبل أن يبدأ نهارها وتنطلق إلى عملها. استعادت حينها قصّة كانت قد كتبتها أول مرّة أيّام الدراسة عن فتاة صغيرة –زميلتها في الدراسة الابتدائية– كانت تشعر في أجواء الثقافة الشعبيّة الأميركيّة الطاغيّة بأن سواد بشرتها أفقدها الجمال، وتصلّي للحصول على الشيء الوحيد الذي يمكنه أن ينقذها: عيون زُرق. وقد حازت الرّواية وقت صدورها تقدير النقّاد، فكتبت «نيويورك تايمز»: «بنثرها المصقول، وخطابها المفعم بالصدق وقصتها المحمّلة بالألم والدهشة معاً تتحول (العين الأشدّ زرقة) بين يدي قارئها أشعاراً منسابة».
هذه الانشغالات بتقديم قراءة فرديّة للألم الجمعي المتوارث بصوت المرأة الأميركيّة السوداء طبعت معظم أعمالها اللاحقة على تنوع فضاءاتها، وبنت لها مكانة فريدة على مسرح الأدب الأميركي المعاصر. لكنّ روايتها الرّابعة «المحبوبة - 1987» بالذّات، اعتُبرت على نطاق واسع رائعتها الأكثر سطوعاً وأعمق أعمالها الأدبيّة على الإطلاق، وانتخبتها مجموعة كبيرة من الأدباء والنقاد الأميركيين (2006)، كأفضل رواية صدرت في الربع الأخير من القرن العشرين.
موريسون كانت قد عملت على تحرير كتاب للنشر عن تاريخ الأميركيين السود منذ حرب الاستقلال (صدر بعنوان «الكتاب الأسود» – 1974)، وقد صدمتها من الموادّ التي اطّلعت عليها في أثناء عملها حكاية حقيقيّة من القرن التاسع عشر عن أَمَة اسمها مارغريت غارنير فرّت بابنتها من حياة العبوديّة القاسية قبل أن يعاد القبض عليهما، فأسرعت إلى ذبح ابنتها بيدها كي لا تذوق من مرارات الذّل الذي هي تجرعته. بقيت موريسون تتأمل تلك التجربة الإنسانيّة المذهلة لثلاث سنوات كاملة قبل أن تخط يدها كلمة واحدة عن «المحبوبة». بالنسبة إليها: «لم تكن اللّغة كافية لوصف الحدث، فلا بدّ أن تأتي بلغة أو تحاول من جديد. وتلك كانت مهمّة مستحيلة». لكن النصّ النهائي كان فتحاً أدبيّاً، لم تملك أمامه جائزة «بوليتزر» الأميركيّة الأرفع سوى أن تخضع بعد سنوات من المراوغة لتجنب تكريم كاتبة أميركيّة سوداء.
جمعت خلال سنواتها الأخيرة محاضرات فخريّة ستّ ألقتها في جامعة هارفارد عن (أصل مفهوم الآخرين) بدا كأنّه موقف من داخل صف الرّوائيين أنفسهم لمحاولة فهم مساهمة النصوص الروائيّة الكلاسيكيّة في تكوين الظواهر العنصريّة، وبخاصة تلك القائمة على العرق ولون البشرة. ورغم نقدها الشديد لكثير الأعمال المعروفة التي لم تتحرر من تلك الهويّات القاتلة، فإنها بقيت على تفاؤل بقدرة الرّوائيين اليوم على اتخاذ مواقف تقدميّة واعية للكشف عن هذه الأوهام البالية، ومحاصرتها وإزالة النقاب عمّا يتسبب باستمرار حيويّتها الاستثنائيّة، رغم كل التقدم التكنولوجي والماديّ.
يكتسب مجموع إرث موريسون الأدبي راهنيّة إضافيّة اليوم تتجاوز تجربة العبوديّة في التاريخ الأميركي الحديث إلى أجواء الاستقطاب السياسي والاجتماعي الحاليّة في الولايات المتحدة –والغرب عموماً- وعودة مجموعات العرقِ الأبيض المتطرفة لتطل برأسها على ساحة العمل السّياسي في غير ما بلد غربي. فهي بأدبها المتفرّد تمنح روحاً جديدة لرؤيتنا حول مسائل محورية في صلب التجربة العرقيّة للبشر لمّا تحل بعد، بل وتزداد استفحالاً في أزمنة العولمة والهجرات الكبرى، والجدران العازلة، وقوارب اللاجئين، ومراكز احتجازهم.
حضور موريسون الشخصي كان طاغياً، وفصاحتها وتدفّق أفكارها متحدّثة لم يقلّ بتاتاً عن نصوصها المسبوكة. وهي رغم دفئها في علاقاتها الإنسانيّة فقد اشتهرت بنفورها من الصحافيين الذين كانت تعتقد أن –معظمهم- بجهلهم يشوّهون تموضع أعمالها، ويزوّرون صوتها. فهي كانت تجزع من تعليبها في صندوق كتابة المرأة الأميركيّة السوداء حصراً بنحو يفرض على نصوصها توقعات مسبقة من قِبل القرّاء. كما كانت ترفض أن يقال عن رواياتها بأنها عن العلاقات العرقيّة بين الأجناس البشريّة، لأنّها اعتقدت جازمةً أن النّوع البشري على عمومه جنس واحد، وليس أجناساً متعددة. أما أشدّ ما كان يزعجها فهو وصف كتاباتها بالتعقيد والشعريّة والرّفعة الأدبيّة على نحو يوحي بابتعادها عن ناسها، وهي التي كانت تأخذ منهم الحكايا والإلهام، وتعيدها إليهم مكتوبة بلغة مستلّة منهم.
تميل المؤسسة الثقافيّة الأميركيّة إلى تصوير موريسون كعبقريّة أدبيّة متفرّدة لا تتكرر. لكن تلك نصف الحقيقة فقط. فهذه السيّدة السوداء الآتيّة من قلب الطبقة العاملة الفقيرة في قلب الولايات المتحدة وقت الكساد الكبير وانتهت متوَّجةً بـ«نوبل» وبميداليّة رئاسيّة (2012 من صديقها الرئيس باراك أوباما) وأستاذة في جامعة برينستون العاجيّة، ناضلت في مراحل حياتها المختلفة مذ كانت طفلة صغيرة، وتركت كمحررة في دار للنشر تأثيراً لا يُنسى على جيل كامل من الشّبان والكتّاب الطامحين، فكانت تشجعهم وتساعدهم وتنشر لهم أعمالهم ولا تبخل عليهم بالنّقد والتوجيه، بينما قضت سنوات طويلة بعد تركها العمل وهي تدرّس لأجيال من الطلاب طرائق تحرير الأدب من الخضوع للثقافة السائدة، وامتلاك أصوات متفردة خارج قيود الأطر المجتمعيّة الموروثة.
«لقد آمنت دائماً بأن الله خلق توني موريسون كي تكون صوتاً لأولئك الذين صودرت أصواتهم». يقول عنها جيمس ماكبرايد الموسيقي والكاتب وأحد تلاميذها. تلك الأصوات المصادرة البعيدة التقطتها الأديبة (المحبوبة) من شدقي الفناء، ودوّنتها سجلات مؤبدة للألم والعذابات بكلماتها المنسوجة من أشعار وشغف وقلوب. إذا لم تكن الكتابة مثل ذلك، فلم تُقرأ الكتب؟



السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
TT

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)

حقَّقت السعودية تقدماً لافتاً في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، إذ جاءت في المرتبة الـ22 عالمياً من بين 147 دولة، بتقدم 10 مراتب عن ترتيبها العام الماضي، وبدرجة تقييم بلغت 6.817 من 10 على مقياس تقييم الحياة.

ويصدر هذا التقرير السنوي عن مركز أبحاث الرفاهية في جامعة أكسفورد بالتعاون مع مؤسسة «غالوب» الدولية بالتزامن مع اليوم العالمي للسعادة في 20 مارس (آذار).

ويعتمد التقرير على استطلاعات رأي تشمل أكثر من 140 دولة، تقيس مستوى رضا الأفراد عن حياتهم وفق عدة عوامل رئيسية، أبرزها: الناتج المحلي الإجمالي للفرد، والدعم الاجتماعي، ومتوسط العمر الصحي المتوقع، والحرية في اتخاذ القرارات، والكرم، ومستوى مكافحة الفساد.

وتؤكد النتيجة نجاح الجهود المبذولة ضمن «رؤية السعودية 2030»، لا سيما عبر «برنامج جودة الحياة» الذي يعتمد هذا التقرير كأحد المؤشرات المرجعية له.

وتجاوزت مساهمة قطاعات جودة الحياة في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد 20.5 مليار دولار، وجذبت ما يزيد عن 5.8 مليارات دولار في الاستثمارات غير الحكومية، كما عزَّزت الصادرات غير النفطية بأكثر من 5.6 مليارات دولار.

ويعكس التقدم المطرد في ترتيب السعودية الأثر الإيجابي للتحولات الشاملة التي شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة، حيث أسهمت في تعزيز أنماط الحياة الصحية بالمجتمع، وبناء منظومة متكاملة ترتكز على الإنسان وتُعزِّز رفاهيته.

وجاء ترتيب السعودية في التقرير متقدماً على عدة دول كبرى، إذ حلّت في مرتبة أعلى من الولايات المتحدة التي جاءت في المركز الـ23، وكندا الـ25، والمملكة المتحدة الـ29، فيما تصدرت فنلندا القائمة للعام التاسع على التوالي، تلتها آيسلندا والدنمارك.


«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
TT

«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)

انتقدت شركة «مصر للطيران»، الناقل الوطني بمصر، مشهداً بفيلم «السلم والثعبان 2»، الذي انطلق عرضه مؤخراً عبر إحدى المنصات الإلكترونية، على خلفية ظهور بطلي العمل عمرو يوسف وأسماء جلال بملابس الشركة، في مشهد اعتبرته الشركة «غير لائق» ويمس «الصورة المشرفة المتأصلة لأطقم الركب الطائر في ذهن الجمهور»؛ بحسب بيان صدر (الاثنين).

واتهمت الشركة صناع الفيلم بـ«الإساءة لصورتها الذهنية وقيمتها المعنوية والانتقاص من مكانتها في مصر والعالم تحت دعوى الإبداع»، مؤكدة وقوفها بقوة «لحماية الحقوق المعنوية والأدبية للعاملين بالشركة ضد أي تشويه متعمد أو غير متعمد لصورتهم».

وتدور أحداث الفيلم - الذي حمل اسم «السلم والثعبان... لعب عيال» - ما بين الحب وطموحات الواقع، فيعيد طرح أسئلة الهوية والعاطفة من خلال قصة «أحمد»، الذي يقوم بدوره عمرو يوسف، المعماري المُبدع الذي يسعى لإعادة اكتشاف ذاته، و«ملك» التي تقوم بدورها أسماء جلال، رائدة الأعمال الطموحة التي تحاول الموازنة بين نجاحها المهني وحنينها العاطفي.

وشددت «مصر للطيران» على الاحتفاظ بحقها في «اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال استخدام الزي الرسمي المعتمد لأطقم الضيافة الجوية الخاص بالشركة وعلامتها التجارية المسجلة ضمن أحداث العمل دون الحصول على موافقة مسبقة من الجهات المختصة بالشركة، بالإضافة إلى الضرر الواقع بسبب استخدامها في (مشهد مسيء وغير لائق)»، بحسب البيان.

في السياق، أعلن طيار مصري يدعى أحمد فتح الله عبر حسابه على «فيسبوك» عن تقديم بلاغ للنائب العام ضد صناع الفيلم بتهمة «الإساءة للطيران»، مؤكداً أن تحركه جاء بدافع احترامه لمهنة الطيران ولكل من يعمل بها باعتبارها «من المهن التي لا يمكن السخرية منها».

المخرج طارق العريان خلال تحضيرات التصوير (الشركة المنتجة)

وعرض الجزء الثاني من «السلم والثعبان – لعب عيال» بعد 25 عاماً من عرض الجزء الأول، وهو من بطولة عمرو يوسف وأسماء جلال وظافر العابدين، ومن إخراج طارق العريان، وحقق إيرادات كبيرة مع عرضه بالصالات في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وعلق الناقد الفني طارق الشناوي على الأزمة قائلاً إن «هناك حالة من التربص تجاه الأعمال الفنية خلال الفترة الأخيرة، وهذا المناخ يؤثر سلباً على حرية الإبداع»، مضيفاً أن «فقدان روح الدعاية والتفاعل الطبيعي مع الفن يعني خسارة جزء مهم من مقومات الحياة الثقافية».

وأضاف أن المشهد محل الجدل لا يتجاوز كونه «إيفيه» أو نكتة درامية قد تعجب البعض وقد لا تلقى قبولاً لدى آخرين، لكنه لا يحمل أي إساءة حقيقية أو تجاوز يستدعي هذا التصعيد، مشيراً إلى أن «الأزمة الحالية تعكس مشكلة أكبر بكثير من مجرد الاعتراض على مشهد داخل فيلم».

وأكد أن الأصوات المعترضة غالباً ما تكون الأعلى، لكنها لا تعبر بالضرورة عن الرأي العام، فتضخيم ردود الفعل أصبح ظاهرة متكررة، لافتاً إلى أن «بعض المهن، ومن بينها الطيارون وأطقم الضيافة، من المفترض أن يكون لديهم قدر من تقبل روح الدعابة، خاصة في إطار الأعمال الفنية التي تقوم بالأساس على الخيال والمعالجة الدرامية».

عمرو يوسف وأسماء جلال في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

واعتبر الناقد الفني أحمد سعد الدين أن تحركات «مصر للطيران» وغضب الطيارين «أمر غير مبرر»، مؤكداً أن «الفيلم لا يحمل أي إساءة، سواء للشركة أو للطيارين على حد سواء، لأنه يقدم مشهداً في إطار كوميدي، ومُوظف درامياً داخل الأحداث».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يحدث من تصعيد يعكس حالة الاحتقان التي أصبحت موجودة لدى العديد من أصحاب المهن المختلفة الذين يعترضوا على ظهور نماذج سلبية أو أي مشاهد قد تكون محل تعليق على مواقع التواصل الاجتماعي»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر يحمّل الأفلام السينمائية أكثر مما ينبغي ويجب عدم التعامل معها بهذا المنظور».

صناع الفيلم خلال العرض الخاص (الشركة المنتجة)

وأوضح أنه بالمنطق نفسه فإن العاملين بمجال الطيران كان يتوجب عليهم المطالبة بوقف عرض فيلم «مطاردة غرامية» الذي جمع بين فؤاد المهندس وشويكار في ستينات القرن الماضي وظهر خلاله البطل في وظيفة «مراقب جوي» متعدد العلاقات النسائية وتؤثر علاقته النسائية على عمله بشكل واضح يكاد يؤدي لحدوث كوارث في الحركة الجوية، لكن الواقع يشير إلى أن «الفيلم الذي قدمت أحداثه في معالجة مسرحية أيضاً يعد من كلاسيكيات السينما المصرية ومن الأفلام الكوميدية الناجحة، وصور بالفعل داخل مطار القاهرة آنذاك».


فيلم «إيجي بست» يستعيد حكاية أشهر مواقع القرصنة المصرية

أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
TT

فيلم «إيجي بست» يستعيد حكاية أشهر مواقع القرصنة المصرية

أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)

يستعيد فيلم «إيجي بست» قصة أحد أشهر مواقع القرصنة على الأفلام -عنوان الفيلم نفسه- الذي مثّل نافذة مهمة لأجيال من الشباب لمشاهدة أحدث الأفلام والمسلسلات العربية والأجنبية مجاناً عبر الإنترنت، وقد حقق الموقع انتشاراً عربياً واسعاً، ونجح في استقطاب نحو 13.5 مليار زائر، محققاً أرباحاً تخطت 100 مليون دولار، وقد عرض نحو 2500 فيلم عربي وأجنبي، منذ تأسيسه عام 2009، وحتى إغلاقه في 2019، حسب أرقام أوردها صناع الفيلم في نهاية أحداثه.

الفيلم الذي بدأ عرضه ضمن أفلام موسم عيد الفطر يتسم بروح شبابية ويجمع اثنين من نجوم السينما الشباب، وهما: أحمد مالك وسلمى أبو ضيف، بمشاركة مطرب الراب مروان بابلو في أول أعماله ممثلاً، إلى جانب كل من ميشال ميلاد، وأحمد عبد الحميد، وأحمد الرافعي، وحنان يوسف.

وأخرج الفيلم مروان عبد المنعم في أول أعماله الطويلة، وإنتاج طارق نصر الذي عَدّ الفيلم عملاً شبابياً يعبّر عن طموحات جيل بأكمله ويناقش مرحلة محورية في تطور العصر الرقمي في مصر، مسلطاً الضوء على الصراع بين الشغف والمسؤولية في إطار إنساني يناقش الصداقة والحب، مثلما ذكر في تصريحات صحافية. وحقّق «إيجي بست» خلال أيام عيد الفطر إيرادات لافتة بلغت نحو 21 مليون جنيه (الدولار الأميركي يعادل 52.5 جنيه مصري) ليحتل المركز الثاني بعد فيلم «برشامة».

مروان بابلو وأحمد مالك وسلمى أبو ضيف على ملصق الفيلم (الشركة المنتجة)

وعبر دراما مستوحاة من وقائع حقيقية تنطلق أحداث الفيلم من زقاق صغير بحي المرج (شرق القاهرة)، حيث يجمع الشغف بالأفلام بين الصديقين «محمد شوقي» الذي يؤدي دوره أحمد مالك، وصديقه «صابر» الذي يؤديه مروان بابلو، لا يستطيع شوقي شراء تذكرتَي سينما لمشاهدة فيلم مع «أنوار» بائعة محل الملابس التي يحبها ويتطلّع إلى الزواج منها وتؤديها سلمى أبو ضيف، ويكتفي بتذكرة واحدة لها، لكنها تلقي له بالتذكرة ويحصل عليها «صابر» الذي يضع كاميرا خلسة لنسخ الفيلم.

ومن هنا تبدأ رحلتهما في عمل موقع لمشاهدة الأفلام مجاناً، معتمداً على ما يحققه من إيرادات الإعلانات، ليحقق الموقع صدى واسعاً بين الجمهور، ويبدو مثل المصباح السحري الذي يجد فيه محبو الأفلام كل ما يحلمون به، وتنهال عليهم الأموال ويتغير حالهم. وحَلّ الفنان أحمد فهمي ضيف شرف في الفيلم مؤدياً دور المنتج الذي يسعى للتعاون مع مؤسسي الموقع، في حين ترددت موسيقى شارة برنامج «نادي السينما» بما تمثله من «نوستالجيا» على خلفية بعض المشاهد لتعبّر عن تعلق كبير بالفن السابع.

وعلى الرغم من جماهيريته الواسعة لأنه أحد أهم مطربي الراب، فإن الفيلم يخلو من غناء مروان بابلو ويعتمد على غناء مطربي الراب أبيوسف، والفنان شوقي، والفنان موند، بالإضافة إلى أغنية «2 في 1» لهادي معمر وطارق الشيخ. وقد أصدر صناع الفيلم «ميني ألبوم» الذي طُرح تزامناً مع عرض العمل.

عرض مجاني

وأقام فريق العمل عرضاً مجانياً للجمهور ليلة أول أيام عيد الفطر في سينما «ميامي» بالقاهرة، حضره طاقم الفيلم، وقال المؤلف أحمد حسني لـ«الشرق الأوسط» إنهم أقاموا مسابقة عبر مواقع «السوشيال ميديا»، وقد شهد العرض نحو 800 شاب وفتاة، مؤكداً أن «مستوى تقييمات الجمهور للفيلم جيدة جداً، وأنها تجتذب جمهوراً جديداً كل يوم».

وكشف أحمد حسني عن أن فكرة الفيلم نبعت من رغبته هو والمخرج مروان عبد المنعم في تقديم فيلم عن شباب نجحوا في الإقدام على تجربة كبيرة بإمكانات محدودة، وأنهم وجدوا في «إيجي بست» تجربة مهمة، لأنهم أنفسهم تأثروا بها وشاهدوا أفلاماً كثيرة من خلالها زادت من تعلقهم بالسينما.

وأشار إلى أن الفيلم لا يروي سيرة هذا المشروع من البداية إلى النهاية، بل يختار منه ما يؤكد فكرته. وأضاف: «كان هدفي يتركز على مخاطبة من يشاهدون الأفلام بشكل غير قانوني وما يمثله ذلك من حرمانية وخسائر لصناعة السينما من خلال عمل درامي يتعرض للقرصنة، لكن بشكل غير مباشر»، مرجعاً التعاطف مع أبطاله إلى «أنهم لم يشعروا أنهم كانوا يقومون بعمل غير قانوني».

وحول تقديم مروان بابلو ممثلاً بالفيلم دون غناء، يقول حسني: «أردنا أن تكون التجربة تمثيلاً فقط، حتى لا نكسر إيهام المتفرج».

صورة جماعية لطاقم الفيلم بحضور الفنان عصام عمر الذي شارك منتجاً تنفيذياً به (الشرق الأوسط)

وعدّ الناقد طارق الشناوي فيلم «إيجي بست» عملاً عصرياً مأخوذاً من حالة عاشها شباب هذا الزمن، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «لقد راهنت عليه قبل أن أشاهده من خلال أبطاله وفكرته المأخوذة من حياة دافعي التذكرة؛ إذ إن 80 في المائة من جمهور السينما هم هذا الجيل الذي كان يشاهد (إيجي بست)، وأنه تأكد بعد مشاهدة الفيلم من صحة رهانه»، لافتاً إلى أنه «من الأفلام التي تحقق تراكماً نوعياً في الإيرادات».

وتابع قائلاً: «براعة الفيلم في أنه لا يُشعر المشاهد أن هناك سيناريو مكتوباً، ولا أن هناك حبكة درامية، وإنما حالة مأخوذة من الحياة دون تدخل درامي، وقد عاش صناعه الحالة، كما عاش أبطاله هذا الإحساس في أدائهم، في فيلم لا يتورع عن تقديم لحظات ضعفهم، فلم يقدم شخصيات مثالية، بل قدم بشراً لديهم لحظات ضعف قد تكون هي مصدر قوتهم».

ولفت الشناوي إلى أن «مروان بابلو لديه تلقائية وحضور أمام الكاميرا، وهو اختيار ذكي»، مشيراً إلى أن «مالك وسلمى من أكثر الفنانين عصرية في فن (الأداء الهامس) الذي يعتمد على أقل قدر من الانفعال، وأن المخرج مروان عبد المنعم قدم تجربة ناضجة في أول أفلامه، وقد حافظ على تلقائية ممثليه»، مشيداً بـ«مشاهد المواجهة بين بابلو ومالك وسلمى».