النبوءة البابلية والكتابة على الجدران

فتاة تفتش جندي
فتاة تفتش جندي
TT

النبوءة البابلية والكتابة على الجدران

فتاة تفتش جندي
فتاة تفتش جندي

في رواية السفاح الأعمى، وهي رواية طويلة فازت بجائزة «المان بوكر» عام 2000، للروائية الكندية مارغريت أتوود، التي ترجمتها إيمان أسعد، وصدرت عن دار نشر «كلمات» عام 2018، جاءت هذه العبارة: «كم يؤمنون بالملائكة في تلك الأرجاء، بيد أنه في واقع الأمر الملائكة لا تكتب كثيراً. هي تدوّن الخطايا وأسماء الطالحين والصالحين، أو تتجلى على هيئة أياد مبتورة تخربش التحذيرات على الجدران». تقول مترجمة الرواية إيمان إنها شعرتْ أن الأيادي المبتورة استعارة أدبية لها مرجعية دينية أو فلكلورية، لكنها لم تستدل عليها إلا لاحقاً بالصدفة، حينما كانت تقرأ «حكايات كنتربري»، وهي أربع وعشرون حكاية شعرية من القرون الوسطى للكاتب الإنجليزي جيفري تشوسر، نشرت غير مكتملة عام 1400 نتيجة وفاة الكاتب. وفي الصفحة 195 وما تلاها، استدلتْ المترجمة على قصة الأيادي المبتورة المستوحاة من وليمة بلشصر في سفر دانيال من العهد القديم.
لكن الثيمة معروفة فنياً، وتحديداً من لوحة «وليمة بلشصر»، للفنان الهولندي رامبرنت المولود في مدينة لايدن عام 1606، والمتوفى في أمستردام عام 1669، والذي عاش حياة مضطربة بين غنى وفقر ونجاح وفشل وفقدان، لكنه ظل مؤمناً بتفرده الفني واختلافه عما هو مألوف في زمانه.
أعود إلى اللوحة التي رسمها رامبرنت بين الأعوام (1635 - 1638)، والتي وقفت أمامها مرات لا حصر لها، وهي من مقتنيات «الناشيونال غاليري» في لندن: في «وليمة بلشصر»، يحاول رامبرنت ترسيخ نفسه كرسام للمشاهد التاريخية المستلهمة من العهد القديم، وفيها يمثل الملك بلشصر آخر الملوك البابليين، وهو ابن الملك نبونئيد وحفيد نبوخذنصر الملك البابلي الذي غزا أورشليم، وقضى على سلالة داود، واستولى على خزائنها في المعابد، وجلب سكانها أسرى إلى بابل. الحفيد بلشصر في اللوحة يقيم مأدبة للنبلاء ولزوجاته وجواريه، يشربون النبيذ في الكأس المقدسة التي غنمها نبوخذنصر من «بيت إيل»، لكنهم بدل شكر الله وتمجيده، يمجدون آلهة الخمر والذهب والفضة. وفي غمرة احتفالهم، تظهر لهم يد مبتورة تخربش نبوءات بلغة غير مفهومة على الحائط. يستدعي الملك حكماء بابل لتفسير الكلمات، لكنهم يفشلون (لا أدري لماذا لم يتمكن حكماء بابل من قرأتها!)، ثم يُستدعى دانيال، وهو أحد أنبياء بني إسرائيل في الأسر، وكان قد استعين به من قبل الملك نبوخذنصر ليفسر له الكلمات، وهي (مينه، مينه، تكيل، أوفراسين). والتفسير كما يأتي: (مينه وتعني عدَّ)، ومعناها عدَّ الله أيام ملكك ووصلت إلى نهايتها. (تكيل وتعني كَيّل)، ومعناها كُيّلتْ أعمالك وكان ميزانك منقوصاً. (أوفراسين وتعني قُسمتْ)، ومعناها ستُقسم مملكتك بين الفرس والمديين. أمر الملك بلشصر بمكافأة سخية لدانيال، وتسميته الرجل الثالث في المملكة. وفي تلك الليلة، مات بلشصر، وقسمت الإمبراطورية البابلية بين الفرس والمديين. هناك تناقضات في القصة التوراتية، لعلّ أبرزها هو لماذا فشل حكماء بابل في قراءة النبوءة مثلاً وهم العارفون باللغات والحكمة القديمة؟!
نعود إلى لوحة رامبرنت الذي عاش في حارة اليهود في أمستردام، وقد كتب الكلمات التحذيرية على الحائط (خلفية اللوحة) بالعبرية، مستعيناً بكتاب أعاره له صديقه الفنان والراباي ميناسي بن إسرائيل. لكن رامبرنت، ورغم براعة ودقة التفاصيل في اللوحة، قد ارتكب خطأين في رسم الكلمات العبرية، الأول خطأ في أحد الحروف، والثاني أنه رتب الكلمات بأعمدة، وفاته أن العبرية تكتب بصفوف من اليمين إلى اليسار، وليس عمودياً.
مبعث الضوء وبؤرة تكثفه في اللوحة هو النبوءة التي خطتها اليد، والتي سببت فزع الملك ونظرته الذاهلة، وذهول كل من حوله. ورغم الحركة الطاغية للضوء المنعكس على رداء الملك في تفاصيل اللوحة المتمثلة بنصف استدارة للملك الذي تمكن رامبرنت من تقمص ذعره تماماً، وألبسه عمامة مستوحاة من لبس الهنود الذين شاهدهم في مرفأ أمستردام، وأرجحَ قلادته نتيجة الاستدارة والذهول الذي سبب انسكاب الماء من الكأس المقدسة وفزع كل الشخوص، فإن اللوحة، ربما هنا يكمن سرّها، عبارة عن تناقض بين اليد المبتورة لكنها المطمئنة الواثقة التي تكتب النبوءة وبين الأيادي المكتملة المذعورة المتضرعة لباقي الشخوص.
هناك لوحة أخرى بالعنوان والمعنى ذاته (مأدبة بلشصر)، عُرضت لأول مرة عام 1821، للرسام الإنجليزي جون مارتن (1789 - 1854) الذي اشتهر بلوحاته الضخمة ومواضيعه التاريخية والإنجيلية، وحازت هذه اللوحة على الجائزة الأولى في المعهد الفني البريطاني، وهي لوحة بانورامية، لا يخطئ الناظر إليها أنها تمثل بابل التي يظهر برجها وحدائقها المعلقة وزقوراتها في خلفية اللوحة. تصور اللوحة باحة ملكية محاطة بأعمدة ضخمة، مليئة بالجمهور البابلي في حالة احتفال. وهي على خلاف لوحة رامبرنت، فالشخصية المحورية فيها هو النبي دانيال، وليس الملك بلشصر الذي ينزوي مذعوراً في الزاوية اليمنى، وهذه اللوحة هي الثانية بين ثلاث لوحات رسمها جون مارتن وتتناول التراث الرافديني: اللوحة الأولى سقوط بابل 1817، والثالثة سقوط نينوى 1828. وقد استلهم لوحاته من مناقشة مستفيضة مع الفنان الشاعر الأميركي واشنطن أليسون، حينما كان الأخير يدرس في الأكاديمية الملكية للفن في لندن.
«وليمة بلشصر» استُلهمتْ في الموسيقى، منها: «أوراتوريو بلشصر - 1744» (وهي سمفونية ذات طابع ديني) لجورج هاندل، وأوبرا بعنوان «سقوط بلشصر - 1812» للموسيقار الإيطالي روسيني، وكانت عنواناً لأغنية وضع موسيقاها روبرت شومان عام 1840، من كلمات الشاعر الألماني هاينرش هاينه، ومقطوعة موسيقية من تأليف الموسيقار الفنلندي سبيليوس عام 1908، وأوراتوريو للموسيقار البريطاني ويليم والتن عام 1931.
واستلهم الشعراء «وليمة بلشصر»، كما في قصيدة اللورد بيرون «رؤيا بلشصر»، وقصيدة لإميلي ديكنسون «رسالة إلى بلشصر»، وقصيدة روبرت فورست «رسول الشر».
وفي الرواية: رواية «بلشصر» للكاتب الرحالة الإنجليزي رايدر هاغرت عام 1930. كما ظهرت الثيمة في أحد فصول رواية الكاتب القوقازي فيصل إسكندر «ساندور من تشيجيم».
الكتابة على الجدران هي أيضا ثيمة أدبية مألوفة، ومصدرها «وليمة بلشصر» من سفر دانيال من العهد القديم، وكانت عنواناً لعدد من الروايات الأدبية، منها كتاب وزير الخارجية الهنغاري السابق ميكلوس بانفي «الكتابة على الجدران... حكايات من ترانسلفانيا - 1930»، ورواية «الكتابة على الجدران - 2005» للروائية الأميركية المعاصرة لين شارون شوارتز. كما كانت موضوعاً لعدد كبير من الأغاني.
لكن مصطلح الكتابة على الجدران يحيلنا أيضاً إلى فن الغرافيتي الذي انتشر في ستينات القرن الماضي في مدينة نيويورك، متأثراً بفن الهيب هوب، ونشط - وما زال - مع الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وغالباً يبقى فنان الغرافيتي مجهول الهوية. وقد تطورت الكتابة على الجدران إلى فن شعبي يمثل نصوصاً سردية وصورية تكون معبأة غالباً بدلالة نقدية، أو رفض لظواهر وأزمات تمس الإنسان. ولا تكاد تخلو زاوية من زوايا المدن وجدرانها منه، فقد أصبح جزءاً من الحياة اليومية للمدينة، وله فنانوه المشهورون، مثل الفنان الناشط السياسي المخرج بانكسي البريطاني، وهو لا يزال مجهول الهوية، لكن رسوماته شوهدت على جدران مدن كثيرة، مثل بريستول ولندن والضفة الغربية، وعلى الجدار العازل، ولوحاته تلاقي رواجاً كبيراً، والفنان الإيراني المسمى «اليد السوداء»، وهو لا يزال مجهول الهوية والجنس، والفنان المصري مجهول الهوية جيكو الذي كان له دور بارز في أثناء وبعد الثورة المصرية عام 2011.



مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
TT

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)

أكدت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، أن الوزارة بصدد تنفيذ استراتيجية متعددة الأبعاد لنشر الثقافة والوعي والفنون والاحتفاء بالرموز الوطنية وبالمبدعين المصريين في كل أنحاء العالم.

وقالت خلال لقائها، رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، الاثنين، إن من ضمن خطة الوزارة أنه سيتم إطلاق منصة موحدة لمتاحف رموز الدولة المصرية؛ للتعريف بمسيرة تلك الرموز عبر أشكال رقمية لافتة، مثل «الريلز» وغيرها من داخل تلك المتاحف، بشكل رقمي جاذب للأجيال المُستهدفة، بالإضافة إلى تنظيم رحلات للمدارس والجامعات إلى تلك المتاحف لربط الأجيال بالرموز الوطنية، والترويج لزيارتها من خلال برامج مع وزارة السياحة، وتنفيذ برامج أخرى لتسويق التراث الوطني.

ومن المتاحف التي تخص رموزاً وطنية في مجالات شتى وتابعة لوزارة الثقافة، متحف سعد زغلول «المركز الثقافي بيت الأمة» ومتحف «رامتان» منزل «عميد الأدب العربي» طه حسين، ومتحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» ومتحف محمود مختار، ومتحف أم كلثوم ومتحف محمد عبد الوهاب.

وترتكز خطة الوزارة خلال الفترة المقبلة على ثلاثة أبعاد، هي «البعد الاجتماعي» ويستهدف تحقيق العدالة الثقافية وضمان الثقافة بصفتها حقاً للجميع، ثم «البعد الوطني»، ويسعى لضمان الأمن الثقافي عبر حماية الهوية والوعي، وأخيراً «البعد الحضاري»، ويرمي إلى تمكين المبدعين ونشر الإبداع في مصر، وفق بيان لرئاسة الوزراء، الاثنين.

ويستند البعد الاجتماعي إلى إرساء مبدأ العدالة الثقافية، وأكدت الوزيرة أنه من المخطط البدء الفوري في تطوير 30 قصر ثقافة في محافظات عدة، وذلك مرحلة أولى خلال 12 شهراً، وفق خطة تستهدف رفع جودة الخدمات الثقافية المُقدمة في القصور المطورة وزيادة إقبال المواطنين عليها.

وزيرة الثقافة خلال عرض خطة عمل الوزارة بمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

بينما يهدف البعد الوطني إلى إنشاء برنامج متخصص لجيلَي «زد وألفا» يجمع بين التكنولوجيا والتراث المصري عبر تطبيقات تفاعلية وألعاب تعليمية ورحلات ثقافية، مع دمج المحتوى الثقافي المصري الأصيل في مناهج التعليم الأساسي لجميع المراحل لتعريف الأجيال بهويتهم وتراثهم.

ويتخذ البعد الحضاري شعار «مصر تبدع للعالم»، ويستهدف الاحتفاء بالمبدعين المصريين في كل مجالات الفنون والثقافة في أنحاء العالم، من خلال إنشاء استوديو مصر الرقمي ليكون مركز إنتاج رقمي متكاملاً لإنتاج محتوى مصري عالي المستوى يحكي قصة مصر للعالم بلغة العصر، بالإضافة إلى إنشاء برنامج التصدير الثقافي المصري، وبناء شراكة بين متاحف مصر الفنية وعواصم العالم لعرض قطع فنية للتعريف بالفنون المصرية والمبدعين المصريين.

وعرضت وزيرة الثقافة آليات تنفيذ محاور العمل المُستهدفة، سعياً لبناء منظومة ثقافية متكاملة، مشيرة إلى أن محور «الرقمنة» يشغل اهتماماً كبيراً ضمن أجندة عمل الوزارة، حيث تعدّه عصب منظومة الثقافة المصرية، وأنه لم يعد اختياراً، حيث تستهدف «الثقافة» بناء المنصة الثقافية الموحدة منصةً واحدة تجمع كل المبادرات الثقافية المصرية، مع السعي للوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين لتحقيق الأهداف المرجوة.


مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
TT

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

ضمن ديكورات تتنقّل مشاهدها بين ثلاثة فضاءات مختلفة، تدور أحداث مسرحية «كذبة بيضا» (Mensonge blanc)، من تأليف ألكسندر نجار، وإخراج لينا أبيض، وبطولة أنطوني توما. تتوزّع هذه الفضاءات بين منزل عائلي، وثكنة لمقاتلين في ميليشيا، وخطوط تماس تفصل بين مناطق المدينة الواحدة، لتشكّل مشهداً بصرياً درامياً يعكس انقسام الشخصيات وتقلّباتها الداخلية.

مسرحية «كذبة بيضا» على مسرح مونو (الفنانة جوزيان بولس)

يبدأ عرض المسرحية في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت، وتروي حكاية شاب لبناني أراد الالتحاق بميليشيا مسلَّحة أسوة بأصدقائه، فيقرّر أهله إرساله إلى اسكوتلندا لإبعاده عن أجواء الحرب الأهلية في السبعينات.

يوصل الأهل ابنهم إلى مطار بيروت مطمئنين إلى أنه متجه نحو بلد ينعم بالسلام، لكن الشاب يعود سريعاً لينخرط مع أصدقائه في ثكنة للمقاتلين في منطقة السوديكو، ويخوض تجربة قاسية تستمر 6 أشهر تترك أثرها في مسيرته الحياتية.

وتوضح المخرجة لينا أبيض لـ«الشرق الأوسط» أن القصة حقيقية وصلت إلى مسامع المؤلف ألكسندر نجار، فتأثر بها وكتبها، مشيرة إلى أن الوجهة الأصلية للشاب كانت رومانيا، ومنها ولدت فكرة العمل في استعادة لحقبة عاشها اللبنانيون.

تدور المسرحية في حقبة الحرب الأهلية في السبعينات (الفنانة جوزيان بولس)

يشارك في المسرحية، إلى جانب أنطوني توما، 9 ممثلين منهم جو أبي عاد، وجلال الشعر، وغاييل عايلة، وجاك مارون، وعلي بليبل، وجوزيان بولس. وتُقدَّم باللغتين العربية والفرنسية، في انعكاس لأسلوب اللبنانيين في المزج بينهما، مع ترجمة متبادلة للحوار تُعرض على شاشة عملاقة أثناء العرض.

وعن سبب التسمية، تشرح لينا أن الشاب حين عاد إلى بيروت مخالفاً قرار أهله، بدأ يتساءل إن كان قد ارتكب خطأً وكذب عليهم، قبل أن تصف ممرضة فرنسية في الثكنة ما فعله بأنه «كذبة بيضاء»، وهو ما يفتح باباً لصراع داخلي وأسئلة وجودية.

تحمل المسرحية أبعاداً سياسية واجتماعية وفلسفية، وتطرح موضوع العلاقة بين الأهل والأبناء وفرض القرارات عليهم. وتستطرد لينا أبيض قائلة: «كان الشاب يحلم باحتراف الغناء، بينما أراد والده له مساراً مهنياً مختلفاً، رافضاً دخوله المجال الفني». وتشير لينا إلى أن العمل، رغم استعادته أحداث منتصف السبعينات، فإنه يعكس واقعاً لا تزال آثاره حاضرة اليوم، حيث تستمر التعقيدات السياسية وتبعات الحرب في حياة اللبنانيين.

وتؤكد أن الفكرة الأساسية تتمحور حول العلاقة بين الأجيال، وكيف يرث الأبناء أفكار ذويهم من دون مساحة كافية للاختيار أو الاعتراض، في دوامة تتكرر من جيل إلى آخر.

يتضمن العرض عناصر فنية متعددة، بينها الغناء، والموسيقى، وديكورات ذات حضور بصري لافت، إذ يؤدي أنطوني توما عدداً من الأغنيات، محققاً رمزياً حلم الشخصية التي حُرمت من ممارسة شغفها الفني.

الفنان أنطوني توما بطل العمل (الفنانة جوزيان بولس)

وترى لينا أن كل مشاهد سيتلقى العمل من زاويته الخاصة؛ فقد يدرك الأهل أخطاءهم، بينما يكتشف الشباب أهمية اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، مؤكدة أن المسرحية تسعى إلى تعزيز التفاهم بين الأجيال من دون إصدار أحكام أو توجيه نقد مباشر.

كما يضم العمل ممثلين من أعمار مختلفة، من العشرينات حتى الستينات، لتقديم نماذج تمثِّل أجيالاً متعددة، مما يضفي على العرض نضجاً فنياً وإنسانياً. ويستغرق عرض المسرحية نحو ساعة، وهي، بحسب مخرجتها، «مسلية وفلسفية في آن واحد».


وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)

قالت الممثلة المصرية وفاء عامر، إن مسلسل «الست موناليزا» منذ حلقاته الأولى لم يكن يعتمد على الصدمات السريعة أو المفاجآت، بقدر ما كان يبني توتره بهدوء وثقة، عبر تفاصيل صغيرة تتراكم تدريجياً حتى تصل إلى لحظة فارقة تغيّر مسار الحكاية بالكامل، مؤكدة أن هذا النفس الدرامي الطويل هو ما جذبها إلى العمل وجعلها تتحمس للمشاركة فيه؛ لأنها شعرت بأن النص يراهن على وعي المشاهد وصبره، وليس على إبهاره اللحظي فقط.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التحولات التي شهدتها شخصية «عفاف» في الحلقات التي أُذيعت لم تكن انقلاباً مفاجئاً أو تغييراً مصطنعاً لخلق الإثارة، بل نتيجة طبيعية لمسار درامي محسوب بدقة شديدة، موضحة أنها حين قرأت السيناريو أدركت أن الشخصية ستسير في هذا الاتجاه، حتى وإن ظهر في البداية أنها امرأة بسيطة، حنونة، قريبة من الجميع، تحمل ملامح الطيبة والتلقائية.

وأشارت إلى أن هذا الهدوء الظاهري كان يخفي خلفه طبقات أعمق، وأن «عفاف» منذ ظهورها الأول كانت تحمل بذور تحوّلها، لكن هذه البذور احتاجت وقتاً كي تنبت أمام أعين الجمهور، وهو ما حدث في أحدث الحلقات.

ويدور العمل حول شخصية «موناليزا» التي تجسدها مي عمر، والتي تعاني من زواج فاشل مرتبط بشروط صعبة، وتمر بسلسلة من المواقف المعقدة مع شخصيات متنوعة في محيط العائلة والأصدقاء، وبعد الانفصال تحاول إعادة بناء ذاتها.

وتتوقف وفاء عند فكرة أن «الدراما لا تقدم أسوأ ما في المجتمع» كما يظن البعض، بل تسلط الضوء على مناطق مسكوت عنها، معتبرة أن وظيفة الفن هي التنبيه، لا الإدانة فقط. فحين تعرض الدراما بوادر أزمة أو أعراض خلل نفسي أو اجتماعي، فإنها تمنح المشاهد فرصة للفهم والانتباه، وربما التصحيح.

راهنت وفاء عامر على تأثير دورها في الأحداث (صفحتها على «فيسبوك»)

وتؤكد أن شخصية «عفاف» تنتمي إلى هذا النوع من الشخصيات المركبة، التي تحمل داخلها صراعات لا يراها المحيطون بها بسهولة، لافتة إلى أنها تناقشت مع المؤلف والمخرج في الكثير من التفاصيل حول خلفياتها وطريقة التعامل معها.

وأوضحت أن أكثر ما أسعدها بعد عرض الحلقات هو أن عدداً كبيراً من المشاهدين عادوا إلى الحلقات الأولى ليتأملوا التفاصيل من جديد، فاكتشفوا أن الإشارات كانت موجودة منذ البداية، سواء في نظرة عابرة، أو جملة قصيرة بدت عادية في سياقها، لكنها حملت دلالة مختلفة بعد اكتمال الصورة.

وأكدت أن تعاونها مع المؤلف محمد سيد بشير كان سبباً أساسياً في حماسها للتجربة؛ لكونه كاتباً يؤمن بالشخصيات التي لا تُختصر في صفة واحدة، ولا يُحكم عليها من مشهد أو موقف، لافتة إلى أنه يجيد توزيع المفاجآت على امتداد الحلقات، بحيث لا يشعر المشاهد بقطيعة مفاجئة في تطور الشخصية.

أما عن تعاونها مع مي عمر، فأكدت أنها وجدت فيها ممثلة مجتهدة تحب عملها بصدق وتسعى دائماً إلى تطوير أدواتها، لافتة إلى أنها تواصلت معها فور قراءة السيناريو لتعبّر عن إعجابها بالشخصية التي تقدمها، وشعورها بأنها تناسبها للغاية، مشيرة إلى أن العلاقة بينهما على المستوى الإنساني انعكست بشكل واضح على الشاشة.

وقالت إن «الكيمياء بين الممثلين لا تُصنع فقط أمام الكاميرا، بل تبدأ من الاحترام المتبادل والثقة، وهو ما شعرت به منذ الأيام الأولى للتصوير»، معتبرة أن هذا التفاهم ساعدهما على تقديم مشاهد تعتمد على شدّ نفسي وتوتر داخلي أكثر من اعتمادها على المواجهات الصريحة.

وعلّقت على ما يُثار أحياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن مي عمر، معتبرة أن «الجدل في حد ذاته دليل حضور وتأثير، وأن الفنان الذي لا يُثار حوله نقاش قد يكون بعيداً عن دائرة الضوء، في حين أن الجدل يعكس اهتمام الجمهور وترقبه، لكن الأهم في النهاية هو الاستمرار في العمل والاجتهاد وتقديم اختيارات متنوعة»، ومؤكدة أنها على المستوى الشخصي تحب متابعة أعمال مي عمر وتشاهدها كممثلة قبل أن تكون زميلة.

وفاء عامر تحدثت عن دورها في «الست موناليزا» (صفحتها على «فيسبوك»)

وتطرقت وفاء عامر إلى فكرة التنقل بين البطولة المطلقة والأدوار الرئيسية داخل الأعمال الفنية، معتبرة أن هذا الأمر بالنسبة لها مرتبط بالاختيارات الفنية وليس بحسابات المساحة أو عدد المشاهد.

وقالت: «لا أنظر إلى حجم الدور بقدر ما أنظر إلى تأثيره في البناء الكلي للعمل»، مشيرة إلى أن الشخصية التي تُحدث تحولاً في مسار الحكاية قد تكون أكثر أهمية من شخصية حاضرة في كل المشاهد بلا تأثير حقيقي.

وأشارت إلى أن هذا المفهوم يتجلى بوضوح في «الست موناليزا»؛ فشخصية «عفاف» رغم أنها ليست محور الحكاية الوحيد، فإن وجودها كان عنصراً مفصلياً في تغيير مسار العلاقات والصراعات بين الشخصيات. فبمجرد انكشاف دوافعها الحقيقية، أعادت ترتيب موازين القوى داخل العمل، ودفعت شخصيات أخرى إلى اتخاذ قرارات مصيرية، وهو ما تعتبره جوهر البطولة من وجهة نظرها.

وأضافت أن الفنان الحقيقي يجب أن يملك شجاعة التنقل بين المساحات المختلفة؛ لأن البطولة في رأيها ليست لقباً ثابتاً يُعلّق على «الأفيش»، بل حالة درامية تتحقق حين تكون الشخصية مكتوبة بعمق ومؤثرة في مجرى الأحداث. وأكدت أن هذا الوعي بات يحكم اختياراتها في السنوات الأخيرة؛ إذ تسعى إلى أدوار تضيف إلى رصيدها مناطق جديدة وتكشف جوانب لم تقدمها من قبل، بدلاً من تكرار أنماط نجحت سابقاً، لكنها لم تعد تشبع طموحها الفني.

وفي الختام عدّت وفاء عامر مسلسل «الست موناليزا» تجربة تعتز بها، ليس فقط بسبب ردود الفعل الإيجابية التي تلقتها؛ بل لأن شخصية «عفاف» منحتها مساحة تمثيلية ثرية، جمعت بين الهدوء الظاهري والعاصفة الداخلية.