استحقاقات الدبلوماسية الفرنسية: قمة ماكرون ـ بوتين وقمة «مجموعة السبع» ومؤتمر سفراء باريس

الرئيس ماكرون موجود حالياً في جنوب فرنسا حيث يمضي عطلته الصيفية... لكنه يستفيد منها بالتحضير لـ«قمة السبع» في نهاية الشهر بجنوب غربي فرنسا (أ.ف.ب)
الرئيس ماكرون موجود حالياً في جنوب فرنسا حيث يمضي عطلته الصيفية... لكنه يستفيد منها بالتحضير لـ«قمة السبع» في نهاية الشهر بجنوب غربي فرنسا (أ.ف.ب)
TT

استحقاقات الدبلوماسية الفرنسية: قمة ماكرون ـ بوتين وقمة «مجموعة السبع» ومؤتمر سفراء باريس

الرئيس ماكرون موجود حالياً في جنوب فرنسا حيث يمضي عطلته الصيفية... لكنه يستفيد منها بالتحضير لـ«قمة السبع» في نهاية الشهر بجنوب غربي فرنسا (أ.ف.ب)
الرئيس ماكرون موجود حالياً في جنوب فرنسا حيث يمضي عطلته الصيفية... لكنه يستفيد منها بالتحضير لـ«قمة السبع» في نهاية الشهر بجنوب غربي فرنسا (أ.ف.ب)

الدولة الفرنسية؛ رئيساً وحكومة ونواباً، في عطلة حتى 21 أغسطس (آب) الحالي موعد انعقاد أولى جلسات مجلس الوزراء بعد الإجازة الصيفية. لكن الدبلوماسية الفرنسية منشغلة بالتحضير لثلاثة أحداث رئيسية: الأول؛ القمة المرتقبة بين الرئيسين الفرنسي والروسي، بدعوة من الأول؛ في 19 أغسطس الحالي بالمنتجع الصيفي للرئيس إيمانويل ماكرون، المسمى «حصن بريغونسون» المطل على مياه المتوسط. والثاني؛ قمة «مجموعة السبع» التي ستلتئم فيما بين 24 و26 أغسطس بمنتجع «بياريتز»، المطل على مياه الأطلسي، جنوب غربي فرنسا. أما الثالث؛ فهو المؤتمر السنوي لسفراء فرنسا حول العالم الذي يشكل فرصة لعرض الخطوط الكبرى للدبلوماسية الفرنسية الشاملة. وسيلي المؤتمر مباشرة «قمة السبع».
ترى أوساط فرنسية أن دعوة فلاديمير بوتين إلى فرنسا، وتحديداً إلى منتجع ماكرون الصيفي، قبل 5 أيام فقط من قمة مجموعة السبع، تحمل أكثر من رسالة، خصوصاً باتجاه الولايات المتحدة الأميركية. ذلك أن روسيا أخرجت من مجموعة الثماني «التي تحولت إلى مجموعة السبع» وفرضت عليها عقوبات أميركية وأوروبية في عام 2014 بسبب الحرب في أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم. لذا، فإن اختيار موعد زيارة الرئيس الروسي يمكن اعتباره بمثابة «إعادة تأهيل جزئي» لموسكو، لأن المواضيع التي ستطرح في القمة الثنائية؛ وتحديداً الأزمات الإقليمية التي لروسيا دور كبير فيها (سوريا، وإيران، وأوكرانيا، واتفاقيات نزع السلاح...) سيعاد طرحها في قمة السبع. وبحسب ماكرون شخصياً، فإن القمة الفرنسية - الروسية «ستسمح باستكشاف كل أشكال التعاون حول المسائل الكبرى التي تتسبب في زعزعة الاستقرار أو اندلاع نزاعات، وذلك من غير سذاجة ومن غير إغلاق أبواب (الحوار)».
بيد أن مصادر القصر الرئاسي تذهب أبعد من ذلك بتأكيدها لصحيفة «جي دي دي» الأسبوعية أن ما تريده باريس هو إبراز «الرغبة في الخروج من الاصطفاف «وراء واشنطن»، «لأن هذه ميزة الدبلوماسية الفرنسية، وهذا معنى المبادرات التي نقوم بها مثلاً فيما يخص الأزمة مع إيران». ويوحي هذا الكلام برغبة في لعب دور «الوسيط» بين روسيا والولايات المتحدة من جهة؛ ومن جهة أخرى، استعادة فرنسا بعض «الخط السياسي الديغولي»؛ أي استقلالية القرار عن واشنطن.
ولعل الأزمة الناشئة عن قرار باريس فرض ضرائب عالية على الشركات الرقمية الكبرى وغالبيتها أميركية وردود الفعل الغاضبة التي صدرت عن الرئيس الأميركي؛ ومنها تهجمه الشخصي على ماكرون، فضلاً عن الخلافات المستمرة بين البلدين بالنسبة للملف الإيراني، تعطي أبعاداً إضافية لزيارة بوتين. ففي الملف الإيراني، ثمة تقارب بين باريس وموسكو، وما تريده الأولى من الثانية المساعدة في الضغط على طهران من أجل خفض التصعيد في مياه الخليج ووقف انتهاكاتها للاتفاق النووي رغم خروج واشنطن منه. وحتى اليوم، ما زالت باريس ومعها برلين ولندن ملتزمة به. لكن التهديدات الإيرانية بـ«خطوة ثالثة» في خفض التزاماتها ببنوده أو التخلي عنه تماماً تحرج العواصم الأوروبية وتمنعها من استمرار التمسك به والعمل على تفعيل الآلية المالية المسماة «إنستكس» للالتفاف على العقوبات الأميركية. وما زالت باريس تقول إنها «ماضية» في وساطتها، وستمثل قمة «بياريتز» فرصة استثنائية لمشاورات عالية المستوى بسبب وجود الرئيس ترمب والقادة الأوروبيين الثلاثة (ماكرون وجونسون وميركل)؛ أي اللاعبين الغربيين الأساسيين في الملف الإيراني.
ثمة أهمية إضافية لقمة بوتين - ماكرون تتناول الملف السوري حيث موسكو لاعب أساسي. ولم يفقد الرئيس الفرنسي الأمل - بعد أن همش الدور الفرنسي - الأوروبي منذ التدخل الروسي المكثف في صيف عام 2015 عبر حملة قصف جوي استثنائية قلبت موازين القوى - في اللحاق بالعربة السورية، من خلال إعادة التنسيق مع بوتين. لكن الجانب الفرنسي يبدي قلقه مما يجري في شمال غربي سوريا (إدلب والمناطق المحيطة) بعد سقوط الهدنة التي أعلنت، وبشأن خطط تركيا لتنفيذ عمليات عسكرية شرق الفرات وضد «قوات سوريا الديمقراطية» التي تحظى بدعم باريس.
أما بشأن «قمة السبع»، فإن ماكرون يستفيد من عطلته الصيفية للتحضير لها. وقالت مصادر فرنسية رسمية لـ«الشرق الأوسط» إن ما تأمله فرنسا هو أن تكون مختلفة عن القمتين السابقتين اللتين حضرهما الرئيس ترمب واللتين شهدتا خلافات حادة. وتستذكر هذه المصادر ما حدث في قمة العام الماضي التي استضافتها كندا حيث سحب الرئيس الأميركي توقيعه من على البيان الختامي بعد أن وقعت عليه بلاده، بسبب تصريحات لرئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو عدّها «معادية» للولايات المتحدة. كذلك تتخوف هذه المصادر من «تغريدات» ترمب الذي يستخدمها سلاحاً ماضياً ولتصفية حسابات سياسية. واللافت أن ماكرون «تجاوز» الكلام المسيء الذي صدر بحقه عن نظيره الأميركي ولم يرد عليه مباشرة، وذلك حرصاً منه على عدم تسميم الأجواء قبل أيام قليلة من موعد القمة التي من المنتظر أن تتناول الأزمات السياسية والمسائل الاقتصادية والتجارية.
لكن أهمية القمة المذكورة التي اختير لها شعار «محاربة غياب المساواة» على الصعد الوطنية والدولية، تكمن أكثر فيما تتيحه من اتصالات ولقاءات ثنائية. ومنذ اليوم تتهيأ مدينة بياريتز من خلال إجراءات أمنية استثنائية لاستقبال القمة التي ستصاحبها مظاهرات مناهضة؛ إنْ احتجاجاً على النظام العالمي الـ«نيو - ليبرالي»، أو على مجيء الرئيس الأميركي؛ وخصوصاً على ما يعدّه كثير من منظمات المجتمع المدني، التي دعت للتظاهر، «خبث» القادة ولعبتهم المزدوجة.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...