بكين تكشر عن أنيابها في هونغ كونغ

أثارت تساؤلات حول نهاية نظام «دولة واحدة ونظامان»

عقد عدد من نشطاء هونغ كونغ مؤتمراً صحافياً أمس الثلاثاء حثوا من خلاله الرئيسة التنفيذية للمدينة على «إعادة السلطة للشعب» (أ.ف.ب)
عقد عدد من نشطاء هونغ كونغ مؤتمراً صحافياً أمس الثلاثاء حثوا من خلاله الرئيسة التنفيذية للمدينة على «إعادة السلطة للشعب» (أ.ف.ب)
TT

بكين تكشر عن أنيابها في هونغ كونغ

عقد عدد من نشطاء هونغ كونغ مؤتمراً صحافياً أمس الثلاثاء حثوا من خلاله الرئيسة التنفيذية للمدينة على «إعادة السلطة للشعب» (أ.ف.ب)
عقد عدد من نشطاء هونغ كونغ مؤتمراً صحافياً أمس الثلاثاء حثوا من خلاله الرئيسة التنفيذية للمدينة على «إعادة السلطة للشعب» (أ.ف.ب)

حتى الآن اعتبرت بكين مسؤولية السيطرة على الوضع الأمني في المستعمرة البريطانية السابقة هونغ كونغ هي من اختصاص جهاز الشرطة المحلي، إلا أنها نبهت بأن قوى الجيش الشعبي الصيني في حالة استعداد للتدخل والإمساك بزمام الأمور التي بدأت تخرج عن مسارها يوما بعد يوم. وحذر مسؤول كبير في الحكومة الصينية، الثلاثاء، المتظاهرين في هونغ كونغ الذين يحتجون منذ شهرين ضد النظام الشيوعي في بكين من أنه «من يلعب بالنار تحرقه». وقال الناطق باسم مكتب شؤون هونغ كونغ وماكاو يانغ غوانغ التابع للحكومة الصينية «لا تقللوا أبدا من شأن التصميم الحازم والقوة الهائلة لدى الحكومة الصينية»، وذلك غداة إضراب عام ومظاهرة جديدة انتهت بأعمال عنف في المستعمرة البريطانية السابقة.
ورفض النظام الصيني، الذي لا يتسامح مع حركات الاحتجاج في الصين القارية، حتى الآن، التدخل تاركا لقوات هونغ كونغ حرية إدارة الوضع. الجيش الصيني نشر الأسبوع الماضي شريط فيديو يتضمن تهديدا ويظهر مناورة عسكرية لجنود يقومون بقمع مظاهرة في هونغ كونغ التي عادت إلى سيادة الصين في 1997. وأضاف المكتب أنه ينبغي على المحتجين الثوريين ألا يخطئوا فهم ضبط النفس الصيني على أنه ضعف، متوعدا بمحاكمة «المجرمين الذين ينتهجون العنف» ويدفعون بالمدينة صوب «جحيم خطير». وقالت وثيقة صادرة عن المكتب خلال إفادة مقتضبة في بكين: «نود تحذير كل المجرمين... لا تخطئوا تقدير الموقف وتسيئوا فهم ضبطنا للنفس على أنه ضعف». وأضاف: «نود التوضيح للمجموعة الصغيرة من المجرمين معدومي الضمير الذين ينتهجون العنف والقوى القذرة التي تقف وراءهم أن من يلعب بالنار تهلكه».
وقال المتحدث باسم المكتب يانغ جوانغ في مؤتمر صحافي في بكين: «نريد أن نحذر حفنة من العناصر الوقحة العنيفة والإجرامية والأيدي المتطفلة وراء المشهد، من أن أي محاولة للعب بالنار لن تؤدي إلا إلى نتائج عكسية... بالنسبة للعقاب، فهي مسألة وقت فقط». وأضاف يانغ أن المتظاهرين العنيفين سوف «تتم محاسبتهم»، فيما أصدر تحذيرات لأولئك الذين «وراء الكواليس»، في إشارة محتملة إلى الولايات المتحدة، والتي اتهمتها وسائل الإعلام الحكومية الصينية بتأجيج الاحتجاجات المدنية.
وفي هذا الصدد تجمع أكثر من 12 ألفا من أفراد الشرطة في مدينة شينزين بإقليم غوانغدونغ جنوب الصين أمس الثلاثاء، للمشاركة في تدريبات تتضمن اتخاذ إجراءات لمكافحة الشغب، مشابهة لتلك التي شوهدت في شوارع هونغ كونغ. ونقلت صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست» عن شرطة شينزين القول إن التدريبات تأتي جزءا من استعدادات أمنية، بمناسبة الذكرى السبعين لجمهورية الصين الشعبية، والتي تحل في الأول من أكتوبر (تشرين الأول). وقالت الشرطة: «سيُجرى تدريب لزيادة الروح المعنوية للقوات، والاستعداد لأمن الاحتفالات، والحفاظ على الأمن السياسي الوطني والاستقرار الاجتماعي». وتتضمن تدريبات أخرى إجراءات لمكافحة التهريب، والبحث والإنقاذ، يشارك فيها أفراد من جيش التحرير الشعبي، بحسب ما ذكرته الصحيفة.
ويعد المؤتمر الصحافي ثاني مرة خلال أسبوعين تتحدث فيها بكين عن حركة الاحتجاج في هونغ كونغ التي دخلت أسبوعها التاسع يوم الأحد. ورفضت الصين حتى الآن التدخل في الاحتجاجات، لكن تعليقات يانغ هي إشارة محتملة على أن صبرها بدأ ينفد. وفي الوقت نفسه، رفضت الرئيسة التنفيذية لهونغ كونغ، كاري لام، تلبية أي مطالب للاحتجاج حتى مع استمرار تصاعد اشتباكات الشرطة والمتظاهرين. وبدأت حركة الاحتجاج في 9 يونيو (حزيران) عندما حاولت لام دون جدوى تمرير مشروع قانون من خلال المجلس التشريعي الذي تسيطر عليه بكين من شأنه أن يمهد الطريق لتسليم المطلوبين الجنائيين للصين. وتتمتع هونغ كونغ بنظام قانوني منفصل وحقوق مدنية غير موجودة في البر الرئيسي، وهو نظام من المفترض أن يستمر حتى عام 2047.
وعقد عدد من نشطاء هونغ كونغ مؤتمرا صحافيا أمس الثلاثاء نقلته قنوات تلفزيونية على نطاق واسع وحثوا من خلاله الرئيسة التنفيذية للمدينة كاري لام على «إعادة السلطة للشعب». وظهر ثلاثة نشطاء لم يكشفوا عن أسمائهم في المؤتمر الصحافي بحي مونغ كوك. ولم يسبق أن أجرى ممثلون لحركة الاحتجاج أي مؤتمرات صحافية منذ بدء المظاهرات قبل شهرين. وقال أحد النشطاء الثلاثة: «ندعو الحكومة إلى إعادة السلطة للشعب وتلبية مطالب مواطني هونغ كونغ». تأتي التصريحات بعد يوم من إطلاق الشرطة الغاز المسيل للدموع على محتجين في أنحاء عدة من المدينة في أكبر أعمال عنف وأوسعها نطاقا منذ عقود.
وقال النشطاء إن مبادرتهم بإجراء مؤتمر صحافي جاء بدافع من إعلان لام عن مؤتمرات صحافية يومية للشرطة. وأضافوا أن الهدف هو توفير منصة لتعبير مواطني هونغ كونغ عن استيائهم من الحكومة والشرطة. وأشارت وكالة «بلومبرغ» للأنباء إلى أن البيان الصحافي الأخير الذي أصدرته السلطات الصينية بشأن الاحتجاجات الشعبية تبنى لهجة أكثر تشددا من البيان الصادر في الأسبوع الماضي، الأمر الذي يثير المخاوف حول مستقبل أصول الشركات العاملة في هونغ كونغ.
ونقلت «بلومبرغ» عن مكتب شؤون هونغ كونغ وماكاو القول إن طبيعة الاحتجاجات تغيرت مع إعلان بعض المحتجين رفضهم لأساس العلاقة القائمة بين الصين وهونغ كونغ، وهو مبدأ «دولة واحدة ونظامان» المعمول به منذ عودة هونغ كونغ إلى السيادة الصينية من الاحتلال البريطاني، ويعطي هونغ كونغ وضعا خاصا كإقليم تابع للدولة الصينية.
وذكرت «بلومبرغ» أن المستثمرين قد لا يرغبون في التفكير في إمكانية استخدام الصين لقواتها العسكرية لإنهاء الاحتجاجات في هونغ كونغ، لكن يبدو أنه لم يعد هذا الاحتمال بعيدا كثيرا.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended